فهرس الكتاب

الصفحة 1840 من 2431

وجاءت الآيات الكريمة في مواضع أخرى تؤكد هذا المعنى، وهو أن العزة الحقيقية هي لله تعالى حقيقة وبالذات، فقال سبحانه: {وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65) } [يونس: 65] .

وقال سبحانه: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) } [النساء: 139] .

فلله العزة في الحقيقة وبالذات، وهي لرسوله بواسطة القرب من العزيز وهو الله، وللمؤمنين بواسطة قربهم من العزيز بالله وهو الرسول، وذلك لأن عزة المؤمنين بواسطة النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) } [المنافقون: 8] .

وقد جعل الله تعالى القتال في سبيله والجهاد لإعلاء كلمته سبيلًا لهذه العزة، وطريقًا للتمكين لهذا الدين والاستعلاء به، ولهذه الأمة المستعلية بإيمانها وبربها فقال سبحانه وتعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139] .

وقال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104] .

فالجهاد من الإسلام ذروة سنامه، وهو واحدٌ من طرق العزة والكرامة، كان ولا يزال السبيل الذي تسلكه الأمم للحفاظ على كيانها، ورد عادية من يعتدي عليها، ما تركه قوم إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما تمسك به قوم إلا أعزهم الله ونصرهم.

ولنا من تاريخ أمتنا أصدق شاهد وأقوى دليل على ذلك. فهي لما كانت متمسكة بالجهاد، تقاتل في سبيل الله من كفر بالله، يحج الفرد فيها عامًا ويغزو عامًا -كما نجد في تراجم كثير من العلماء والقادة في تاريخ الإسلام- كانت أمة قوية عزيزة مرهوبة الجانب، تجبى إليها الثمرات من كل مكان، ويخاطب الخليفة فيها السحابة قائلًا: أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك!!

ولما تقاعست عنه، وبدأت تتلمس المعاذير للتقاعس، وتدعو إلى السلم الرخيصة الذليلة، عند ذلك بدأ خط سيرها في التاريخ يرجع القهقرى، وأصبحت الأمم تتناوشها من كل جانب، فتضعف مكانتها وتزول هيبتها، وتخور عزيمتها، وبدأت تنسى رسالتها، ويتحقق فيها قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فيما رواه ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها) ، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: (بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن) ، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: (حب الدنيا، وكراهية الموت) 135.

وليس هذا فحسب، بل راح بعضهم يحرف الكلم عن مواضعه، فيفسر الآيات على غير وجهها ويبترها عن سياقها، وأسباب نزولها لمواجهة الواقع، ويحرف الوقائع التاريخية، ويحملها ما لا تحتمل، كل هذا تسويغًا للقعود، وإمعانًا في التضليل والتحريف، ثم يدعي الحكمة ويتبجح بالتعقل لمواجهة الواقع، بحجة أننا في مرحلة ضعف لا نستطيع الجهاد والقتال. وبدلًا من إزالة أسباب الضعف الذي يدعيه، وبدلًا من الدعوة إلى الأخذ بأسباب القوة، بدلا من هذا كله يدعو إلى ترك الجهاد 136.

ثالثًا: كسر شوكة الأعداء وشفاء صدور المؤمنين:

بعث الله تعالى رسله، وأنزل كتبه وشرائعه، ليقوم الناس بالقسط والعدل، وختم هذه الشرائع برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم التي اختصها الله تعالى باسم «الإسلام» ، فكانت هي الدين الكامل، والنعمة التامة، وجعلها مهيمنةً على سائر الأديان، موجهة للناس كافة. وقد وسعت البشرية كلها بدعوتها إلى التوحيد، وحملت مشعل النور إلى العالمين، وأعادت للإنسان حريته وكرامته، وأرست دعائم الحضارة الإنسانية التي تقوم على الإيمان والأخلاق، والعلم والعمل، والحق والعدل.

ولكن القوم الكافرين- من وثنيين وكتابيين وغيرهم - وقفوا من هذه الدعوة ومن نبيها وأتباعه موقف العداء والصدود والتآمر، منذ فجر هذه الدعوة. وقد حكى الله تعالى في كتابه الكريم موقف القوم وعداءهم للإسلام والمسلمين وتحالفهم جميعًا لتحقيق مآربهم ومخططاتهم، ثم جاء الواقع التاريخي العملي - في القديم والحديث - يؤكد ذلك ويصدقه. وما خبر الحروب الصليبية عنا ببعيد! وفي العصر الحاضر: العدوان الهمجي على المسلمين في البوسنة والهرسك، وفي الشيشان، وفي الفلبين، وفي تايلند، وفي الهند، وفي كشمير، وفي الصومال، وفي أفغانستان، وفي العراق. وقبل ذلك: حرب الإبادة الجماعية في الاتحاد السوفيتي، وفي الهند، وفي كشمير أيضًا، وفي يوغوسلافيا، وفي الحبشة وغيرها من الأصقاع التي يسيطر فيها غير المسلمين، أو يتغلبون فيها عليهم، سواء أ كانوا أقلية أو أغلبية أو أكثرية. وفي العصور السالفة: محاكم التفتيش في إسبانيا بعد سقوط دولة المسلمين في الأندلس، وحرب التتار وهجومهم على دار الإسلام والخلافة الإسلامية، وتآمر النصارى الصليبيين والمغول 137.

وفي العصر الحديث: يتعاون أهل الكتاب مع الملحدين أيضًا في المعسكر الشيوعي، ليواجهوا الإسلام، وليضربوا كل حركة إسلامية صادقة؛ فهم يتناسون كل خلاف يمكن أن يقوم بينهم إذا ما واجهوا الإسلام والمسلمين، فهم دائمًا متعاونون ضدنا، ومع ذلك يحاولون الخداع بالشعارات الزائفة والدعاوى العريضة الكاذبة 138.

وهذا الصراع بين الحق والباطل، بين الإيمان والكفر، سنة قديمة وواقع غير منكور، وعندما يكون الأعداء غالبين فإنهم يستعبدون الناس ويفسدون في الأرض، فكان من الخير للبشرية كسر شوكتهم وقوتهم، وما يكون ذلك إلا بقتالهم لخضد هذه الشوكة والقوة الغاشمة، وفيها شفاء صدور قوم مؤمنين.

قال الله تعالى: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 13 - 15] .

وهذه الآيات الكريمة في سياق التحضيض على قتال الكفار وأئمة الكفر، وفيها بيان ثلاثة بواعث تبعث على قتالهم.

أولها: نكثهم لأيمان عهدهم الذي كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان في صلح الحديبية، عندما عاونوا حلفاءهم بني بكر على خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم.

وثانيها: تآمرهم وهمهم بإخراج النبي والمؤمنين من مكة؛ لئلا يبلغ دعوة ربه تبارك وتعالى.

وثالثها: بدؤهم بالفتنة، والفتنة أشد من القتل، وبدؤهم بالقتال، إذ هاجموكم في بدر من غير ضرورة تلجئهم، ولا حاجة تدفعهم إلا أن تكون كراهة لدينكم 139.

وفيها أمر قطعي بقتال الكفار مع وعد صادق بإظهار المؤمنين عليهم أكمل الظهور وأتمه، وهذا الوعد من أخبار الغيب التفصيلية في حال معينة، فهو ليس كالوعد العام المجمل في نصر الله لرسله وللمؤمنين الذي يراد به أن العاقبة تكون لهم، ولا يمنع أن تكون الحرب قبلها سجالًا لتربية المؤمنين، وقد صدق وعده تعالى مجملًا ومفصلًا. فقوله: {قَاتِلُوهُمْ} معناه: باشروا قتالهم كما أمرتم فإنكم إن تقاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم بتمكينها من رقابهم قتلًا، ومن صدورهم ونحورهم طعنًا، يعقبهم في قلوبهم يأسًا، لا يدع في أنفسهم قوة ولا بأسًا 140.

قال البقاعي رحمه الله: قاتلوهم لله لا لغرض غيره، يعذبهم الله -الذي أنتم مؤمنون بأنه المتفرد -بأيديكم، بأن تقتلوهم وتأسروهم وتهزموهم، ويخزهم بالذل في الدنيا والفضيحة والعذاب في الأخرى. ولما كان ذلك قولًا لا يقتضي النصر الذي هو علو العاقبة، قال تعالى: {وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ} أي: فترضوا ربكم بذلك لإذلاله من يعاديه بكم 141.

وبعد هذا تجدر الإشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى بين ثمرات القتال، وذكرت الآيات منها:

1.كسر شوكة الأعداء بما يحل فيهم من عذاب الدنيا بالقتل.

وفيه أيضًا رد عاديتهم عن المؤمنين. قال تعالى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ) وذلك بالإثخان فيهم. وصرح بقوله (بِأَيْدِيكُمْ) ، أي: إنها عذاب لهم تتولونه أنتم، فقوله (بِأَيْدِيكُمْ) يراد بأنفسكم، وهذا مجاز مرسل علاقته الجزئية، وعبر بالأيدي؛ لأنها هي التي بها البطش، وهي التي تحمل السيوف والرماح والنبال.

وكان العذاب في الدنيا بأيدي أهل الحق لردع أهل الباطل، وكسر شوكته، ولكيلا يستشري الشر، وتستعلى الرذائل وتنخفض الفضائل، (ٹ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ?) [الحج:40] .

لهذا كان لا بد من عذاب الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم.

2.الخزيٌ لهم والإذلال لكبريائهم.

قال تعالى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ) أي: يخزهم بالأسر والاسترقاق، والتتبع في الأرض، وذهاب سطوتهم وقوتهم، وانخلاع العرب من ربقتهم، وذهاب سلطانهم المادي والأدبي بالأسر، فيجتمع في حقهم العذاب الحسي والمعنوي.

وفيه أيضًا نصر للمؤمنين: (وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ) ، فإن النصر بيد الله، (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) [الحج:40] .

ونصرة العبد لله بإطاعة أوامره، ومنها الأمر بالقتال، وجعل كلمة الله هي العليا، وكلمة الكفر هي السفلى، ولا يكون النصر من الله إلا إذا اُتُّخِذَت أسبابه من العبد واحتسب النية.

3.شفاء صدور قوم مؤمنين وإذهاب غيظ قلوبهم.

فترتاح النفوس وتسكن وتغمرها الثقة والطمأنينة: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} . ذلك أن قلوب المؤمنين إذا رأت الكفر ناتئ الرأس، ولم يكن من يقمعه، ويرد كيده في نحره عراها الشك أو التردد، أو محاولة تعرف الحكمة في إهمال الكفر، وتركه في عنفوانه وإيذائه، فإذا نصر الله المؤمنين شفيت صدور قوم مؤمنين، وخرج ذلك التردد، وذهبت عنها تلك الحيرة، فالله -بقتال المؤمنين لأهل الكفر- يشفي تلك الصدور المؤمنة من تلك الحيرة الممضة التي قد تثير الريب، ومن ذلك الحزن والموجدة، وفيه إشارة إلى الوعد بالفتح 142.

{وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} والضمير في قوله تعالى {غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} يعود إلى الذين تحتاج صدورهم إلى شفاء بنصر مؤزر يدفع الباطل ويزهقه، ويرفع الحق ويعليه. والغيظ انفعال النفس بالألم من رؤية الباطل عاليًا والحق مستكينًا أو مستخذيًا، فإذا انتصر الحق وعلا، ذهب ذلك الغيظ، واستقامت النفس على سواء الصراط، وارتاحت الضمائر المؤمنة.

وعبر الله في الغيظ بقوله تعالى: {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} لأن الغيظ ليس داءً، ولكنه حال عارضة من أمر قابل للزوال، والنصر يزيله. وفيه إشارة إلى حصول الوعد وتحققه. أما التردد والحيرة، وبوادر الشك، فأمراض تلازم النفوس المريضة، فعبر عن زوالها بالشفاء؛ لأنها أمراض الإيمان، والله هو الذي يشفيها، ويودعها الاطمئنان.

وإن الحرب التي تختبر فيها النفوس، ويذهب فيها غرور الذين يغترون بأصنامهم، ويحسبون أنها تنصرهم في الشدة وتغيثهم في الكريهة، من شأنها أن تجعل النفوس تفكر فيما هي عليه، وفيما عليه الذين يحاربونها، فيعرفون الغث من السمين، والحق من الباطل، ويتعرفون ما عليه آلهتهم التي يزعمونها، وما نصر به الإله الحق أولياءه المؤمنين، فيهتدون بعد ضلالة، ولذا قال الله إن من آثار الحرب التي يدك فيها الشر أن يتوب الله على من يشاء من عباده، فقال تعالى: {وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} فيهديه إلى الإسلام، كما فعل بأبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو. أي: أنهم يحسون بقوة الحق، وضعف ما هم عليه من كفر، وضلال في الأوثان فيتوبون أي يرجعون إلى الله بعد أن بعدوا عن الإيمان. والآية تشير إلى أن هذه التوبة فيضٌ من الله عليهم وصلوا إليها بعد أن ذهب غرورهم بما هم عليه من عبادة الأصنام.

وختم الله سبحانه وتعالى الآية بقوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} يعلم النفوس وما يهديها، وما يوجهها إلى الحق، حكيم يضع الأمور في مواضعها، ويدبرها بحكمته، وهو العزيز الحكيم 143.

رابعًا: دفع الفتنة وانتشار الأمن في المجتمع:

ومن ثمرات القتال والجهاد دفع الفتنة ومنع الفساد في الأرض، وهذا يقتضي انتشار الأمن والطمأنينة والاستقرار النفسي والمادي في المجتمع.

والفتنة في أصلها اللغوي تدل على ابتلاء واختبار. وأصل الفتن: إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته، واستعمل في إدخال الإنسان النار.

قال تعالى: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) } [الذاريات: 13] .

وتارة يسمون ما يحصل عنه العذاب فيستعمل فيه، نحو قوله: {أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} [التوبة: 49] .

وتارة في الاختبار نحو: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه: 40] .

وجعلت الفتنة كالبلاء في أنهما يستعملان فيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء، وهما في الشدة أظهر معنىً وأكثر استعمالًا 144.

وما ورد في القرآن الكريم من تفصيل عن معنى الفتنة يمكن إجماله فيما يلي:

فقد جاءت الفتنة بمعنى ظلم الضعفاء وسلب حقوقهم المشروعة، وسلب بيوتهم، وإيذاؤهم. كما في قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 110] .

وقوله تعالى: {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217] .

وجاءت أيضًا بمعنى الاستعلاء بالقهر والاستبداد، ومنع الناس من قبول الحق، والصد عن دين الله تعالى، كما في قوله: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) } [يونس: 83] .

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ} [الأنفال: 36] .

ثم جاء البيان بعدها بأن هذا فتنة يجب منعها ومجاهدة الكفار الذين يفتنون المؤمنين: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 39] .

كما جاءت الفتنة بمعنى محاولة إضلال الناس، واستخدام الخداع والغش والطمع والإكراه ضد الحق، كما في قوله تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا} [الإسراء: 73] .

وقوله: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49] .

وجاءت أيضًا بمعنى غلبة الباطل وأهله على أتباع الحق، كما في قوله تعالى: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73] .

وتلك المعاني للفتنة يندرج فيها الفساد والإفساد في الأرض، والصد عن دين الله الذي أنزله؛ ليكون منهجًا لتحرير الإنسان من العبودية للإنسان والهوى والشيطان؛ ليكون عبدًا لله تعالى وحده. ولذلك أمر الله تعالى بالقتال والجهاد لإزالة هذه الفتن والفساد واستئصالهما بالقوة، لإقامة دين الله تعالى وشرعه في هذه الأرض، وعندئذ تنعم البشرية بالخير والسعادة والاطمئنان والاستقرار، وتصان الحقوق والحريات بأدق المعايير الربانية 145.

ومما يدل على ذلك قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة: 193] .

قال الإمام شيخ المفسرين أبو جعفر الطبري رحمه الله: يقول تعالى ذكره لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وقاتلوا المشركين الذين يقاتلونكم حتى لا تكون فتنة = يعني: حتى لا يكون شركٌ بالله، وحتى لا يعبد دونه أحدٌ، وتضمحل عبادة الأوثان والآلهة والأنداد، وتكون العبادة والطاعة لله وحده دون غيره من الأصنام والأوثان، كما قال قتادة ومجاهد والسدي وابن عباس والحسن وابن زيد وأما «الدين» الذي ذكره الله في هذا الموضع فهو العبادة والطاعة لله في أمره ونهيه 146.

وهو الذي ذهب إليه الإمام البغوي، وزاده بيانًا فقال في تفسير هذه الآية: وقاتلوا المشركين حتى لا يكون شرك. يعني قاتلوهم حتى يسلموا، فلا يقبل من الوثني إلا الإسلام، فإن أبى قتل، ويكون الدين: أي: الطاعة والعبادة لله وحده فلا يعبد شيء دونه.

قال نافع: جاء رجل إلى ابن عمر -رضي الله عنهما- في فتنة ابن الزبير فقال: ما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن الله تعالى قد حرم دم أخي. قال: ألا تسمع ما ذكره الله عز وجل {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9] ؟ قال يا ابن أخي: لأن أعير بهذه الآية ولا أقاتل أحب إلي من أن أعير بالآية التي يقول الله عز وجل فيها: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} [النساء:93] .

قال: ألم يقل الله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} ؟ قال: قد فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان الإسلام قليلًا، وكان الرجل يفتن في دينه؛ إما يقتلونه أو يعذبونه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة، وكان الدين كله لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله. وعن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عمر: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: هل تدري ما الفتنة؟ كان محمد صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين، وكان الدخول عليهم فتنة وليس بقتالكم على الملك.

ثم قال تعالى: {فَإِنِ انْتَهَوْا} عن الكفر وأسلموا {فَلَا عُدْوَانَ} أي: فلا سبيل {إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} قاله ابن عباس. يدل عليه قوله تعالى: {أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ} [القصص: 28] .

وقال أهل المعاني: العدوان الظلم، أي: فإن أسلموا فلا نهب ولا أسر ولا قتل {إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} الذين بقوا على الشرك. وما يفعل بأهل الشرك من هذه الأشياء لا يكون ظلمًا، وسماه عدوانا على طريق المجازاة والمقابلة، كما قال: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة:194] .

وكقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40] .

وسمي الكافر ظالمًا؛ لأنه يضع العبادة في غير موضعها 147.

ثم جاء هذا المعنى نفسه في سورة الأنفال، فقال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 39] .

وهذا أمرٌ من الله عز وجل فرض به على المؤمنين أن يقاتلوا الكفار لمنع الفتنة. قال ابن عباس وغيره: معناها الشرك -كما تقدم آنفًا-. وقال ابن إسحاق: معناها حتى لا يفتن أحد عن دينه كما كانت قريش تفعل بمكة بمن أسلم كبلال وغيره. وهو مقتضى قول عروة بن الزبير في جوابه لعبد الملك ابن مروان حين سأله عن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرًا. وأما قوله {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} أي: لا يشرك معه صنمٌ ولا وثن، ولا يعبد غيره. وقال قتادة: حتى تستوسق كلمة الإخلاص لا إله إلا الله.

قال القاضي أبو محمد بن عطية 148: «وهذه المعاني تتلازم كلها» .

وقال الحسن: حتى لا يكون بلاء، وهذا يلزم عليه القتال في فتن المسلمين الفئة الباغية، على سائر ما ذكرناه من الأقوال يكون المعتزل في فسحة، وعلى هذا جاء قول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أما نحن فقد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وأما أنت وأصحابك فتريدون أن نقاتل حتى تكون فتنة!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت