والكلام مسوق مساق الذم؛ ولذلك قد تفيد الفاء مع التعقيب معنى التفريع، أي: فتفرع على ما أمرناهم به من التوحيد أنهم أتوا بعكس المطلوب منهم، فيفيد الكلام زيادة على الذم تعجبًا من حالهم، ومما يزيد معنى الذم تذييله بقوله: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} أي: وهم ليسوا بحال من يفرح 139.
والتفرق والتباين يُعد من العذاب الذي تصاب به الأمم، وهو الداء العضال الذي أصاب أهل الإسلام-، كما قال تعالى: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} [الأنعام:65] هذا عذاب للأمم يحل وحدتها، وينثر جمعها، وهو أشد أنواع العذاب عندما يتفاقم، ويكون الهوى المتبع، والشح المطاع، وإعجاب كل امرئٍ وكل جماعة بنفسها وطريقتها {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون:53] فعندئذٍ تنفك العرى، وتنحل الأواصر، ويقوم المنكر، ويذهب المعروف، ولا سماع لصوت الحق 140.
والحاصل: أن التحزب يؤدي إلى التعصب، وهو من أسباب عدم اجتماع الأمة، وتفرقها إلى جماعات وأحزاب، وكل طائفة وفرقة من هؤلاء تحدث بدعًا وأفكارًا، تفرح بها، وتظن أنها على الحق، وأن الصواب معها دون غيرها.
حتى يصير أمرهم بينهم كما قال الله: {زُبُرًا} والزبر: جمع زبرة، والزبرة قطعة من الحديد، وقد شبهت الجماعات المختلفة في نزاعها بزبر الحديد، من حيث إن كل واحدة شديدة في التمسك بما عندها؛ كأنها صلب الحديد، لا تترك رأيها، كما لا تتفرق زبر الحديد.
أي: اختلفوا متقطعين متنابزين غير مجتمعين في أمرهم، بحيث لا متسع للالتقاء فيما بينهم، يتحزبون في تفكيرهم: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} أي: كل جماعة متحزبة متعصبة لما عندها، فرحة به، وتحسب أنه الحق الذي لا ريب فيه، وهو الضلال المبين، وإن التحزب لفكرة يدفع إلى التعصب لها، والتعصب يعمي ويصم، وتقديم الجار والمجرور {بِمَا لَدَيْهِمْ} لبيان أهميته عندهم 141.
ومن معوقات الاجتماع: البغي، وقد اختلف أهل الكتاب بعد ما جاءتهم كتبهم تحثهم على الاجتماع على دين الله، بغيًا بينهم، وظلمًا وعدوانًا من أنفسهم.
قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [البقرة:213] .
وقال: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [آل عمران:19] .
وقال تعالى: {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [الشورى:14] .
وقال تعالى: {وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [الجاثية:17] .
فقوله: {بَغْيًا بَيْنَهُمْ} بغيًا: مفعول لأجله، أي: لأجل البغي، أو بسبب أنهم بغى بعضهم على بعض حدثت الفرقة بينهم.
فهم ما تفرقوا إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلالة؛ ولكنهم فعلوا ذلك للبغي، وطلب الرياسة، فحملتهم الحمية النفسانية، والأنفة الطبعية على أن ذهب كل طائفة إلى مذهب، ودعا الناس إليه، وقبح ما سواه؛ طلبًا للذكر والرياسة، فصار ذلك سببًا لوقوع الاختلاف، ثم أخبر تعالى أنهم استحقوا العذاب بسبب هذا الفعل 142.
ورحم الله الإمام الرازي فقد قال عند تفسيره لهذه الآية {فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} : «والمقصود من هذه الجملة التعجب من أحوالهم؛ لأن حصول العلم يوجب ارتفاع الخلاف، وها هنا صار مجيء العلم سببًا لحصول الاختلاف؛ وذلك لأنهم لم يكن مقصودهم من العلم نفس العلم، وإنما المقصود منه طلب الرياسة والبغي» 143.
ومعنى الآيات: أي: لم يكن اختلاف هؤلاء المختلفين من اليهود من بني إسرائيل في كتاب الله الذي أنزله عن جهل منهم به، بل كان اختلافهم فيه، وخلافُ حكمه من بعد ما ثبتت حجته عليهم بغيًا بينهم، وطلبَ الرياسة من بعضهم على بعض، واستذلالًا من بعضهم لبعض 144.
وقال بعض العلماء: خص أهل الكتاب بالتفريق دون غيرهم وإن كانوا مجموعين مع الكافرين؛ لأنهم مظنون بهم العلم، فالمفترض أن يكونوا على علم، فإن تفرقوا كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا الوصف، وأولى بوصف الكفر، والإعراض عن دين الله تبارك وتعالى.
والحاصل: إن من أسباب التفرق وعدم الاجتماع البغي، والبغي: تجاوز الحق إلى الباطل في كل شيء، يقال: بغى فلان على فلان إذا اعتدى عليه؛ ولهذا قال ها هنا في هذه الآيات: {إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} بالتوحيد، فهم ما اختلفوا بسبب عدم الحجة أو البيان، وإنما {بَغْيًا بَيْنَهُمْ} حسدًا وظلمًا وعدوانًا.
فقد بغى بعضهم على بعض، وظلم بعضهم بعضًا، وعلا بعضهم على بعض، وغار بعضهم من بعض، وحسد بعضهم بعضًا على ما أعطاهم الله سبحانه.
قال تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) } [النساء:54] .
فطلبوا الدنيا بالدين، فضاع منهم دينهم، وضاعت منهم دنياهم وأخراهم.
ولولا بغيهم ونصرهم مذهبًا على مذهب، وتضليلهم من خالفهم؛ بتفسيرهم نصوص الدين بالرأي والهوى، وتأويل بعضه أو تحريفه؛ لما حدث هذا الاختلاف 145.
والعبرة من هذا القصص: أن نبتعد عن الخلاف في الدين، والتفرق فيه إلى شيع ومذاهب، كما فعل من قبلنا، ولكن وا أسفاه! وقعنا فيما وقع فيه السالفون، وتفرقنا طرائق قددًا، وأصابنا من الخذلان والذل بسبب هذا التفرق ما لا نزال نئن منه، ونرجو أن يشملنا الله بعفوه ورحمته، ويمدنا بروح من عنده، فيسعى أهل الإيمان الصادق في نبذ الاختلاف والشقاق، والعودة إلى الوحدة والاتفاق، حتى يعود المسلمون إلى سيرتهم الأولى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، ومن تبعهم بإحسان.
ومن الأسباب الصارفة عن الاجتماع: كيد الأعداء وتربصهم، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ} [التوبة:107] .
فقوله: {وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ} أي: يفرقون به جماعتهم؛ لأنهم كانوا يصلون جميعًا في مسجد قباء، وجاءوا يخدعون النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، ربما جاء السيلُ، فيقطع بيننا وبين الوادي، ويحول بيننا وبين القوم، ونصلي في مسجدنا، فإذا ذهب السيل صلينا معكم! وبنوه على النفاق 146.
والمنصوبات المتعاطفة هنا {ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا} هي مفعول لأجله، تكشف عن السبب الذي لأجله بني هذا المسجد، وهو للمضارة، لا للنفع، وللكفر لا للإيمان، ولإيواء من حارب الله ورسوله، لا لدعوة من آمن بالله ورسوله.
وليكون مأوى يأوي إليه المنافقون، ويدارون نفاقهم بالاجتماع فيه، والاستظلال بظله، ثم ليفرقوا بين المؤمنين، حيث لا تجتمع جماعتهم في مكان واحد، بل يتوزعهم المسجدان المتجاوران، فيقل بذلك جمعهم، وتصغر في الأعين جماعتهم، الأمر الذي يخالف ما يدعو إليه الإسلام من جمع المسلمين في صلاة الجماعة والجمعة والعيدين، لتتوحد مشاعرهم، وتمتلئ العيون مهابة، وإجلالًا لهم 147.
والحاصل: أن هؤلاء المنافقين عملوا على التفريق بين المؤمنين المقيمين هنالك، فإنهم كانوا يصلون جميعًا في مسجد قباء، وفي ذلك حصول التعارف والتآلف والتعاون، وجمع الكلمة، وهي أهم مقاصد الإسلام الاجتماعية، ومن ثم كان تكثير المساجد، وتفريق الجماعة منافيًا لأغراض الدين ومراميه، ومن الواجب أن يصلي المسلمون الجمعة في مسجد واحد ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، فإن تفرقوا عمدًا كانوا آثمين.
ومن هذا يعلم أن بناء المساجد لا يكون قربة يتقبلها الله إلا إذا دعت الحاجة.
فهؤلاء الأعداء سعوا جاهدين بمكر وكيد ليشقوا صف المؤمنين، ويفرقوا جماعتهم بهذه الخطة، وهذا الكيد العظيم، وهو بناء هذا المسجد، الذي من أعظم البواعث من بنائه هو تفريق المؤمنين.
ولذا قال تعالى في الباعث: {وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ} وإن ذلك التفريق هو إبعاد فريق من المؤمنين عن الجماعة التي يؤمها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، يغرونهم بالتأثير فيهم، رجاء أن يقتطعوا من المؤمنين من يضمونهم إليهم؛ إذ بعدوا عن النور الكاشف لخداعهم، وإفسادهم، فيخلو لهم الجو ليخادعوهم، وينجح خدعهم.
والمقصود: أن من معوقات الاجتماع بين المؤمنين سعي الأعداء في التفريق بينهم، كما أراد هؤلاء المنافقين من بناء المسجد، وهو أن يفرقوا بين المؤمنين وبين رسول الله، حتى إذا جاءهم العدو وجدهم متفرقين، فيكون أيسر وأهون عليهم في الكسر عليهم، والظفر بهم من أن كانوا مجموعين.
وهكذا أعداء اليوم يعدون العدة، ويرسمون الخطط، ويعقدون اللقاءات والمؤتمرات والدراسات للتفريق بين المسلمين، وضرب بعضهم ببعض، ويمكرون ليل نهار في تقطيع أوصال هذه الأمة.
-سمي يوم القيامة يوم الجمع لاجتماع الخلائق فيه في مكان واحد للحساب؛ فإن الله تعالى يجمع فيه الأولين والآخرين إلى عرصات القيامة.
قال تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ? ذَ?لِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ) [التغابن:9] .
يعني: اذكروا يوم الجمع الذي يجمع الله به الأولين والآخرين، ويقفهم موقفًا هائلًا عظيمًا، وينبئهم بما عملوا، فحينئذٍ يظهر الفرق والتفاوت بين الخلائق، ويرفع أقوام إلى أعلى عليين، في الغرف العاليات، والمنازل المرتفعات، المشتملة على جميع اللذات والشهوات، ويخفض أقوام إلى أسفل سافلين، محل الهم والغم والحزن والعذاب الشديد؛ وذلك نتيجة ما قدموه لأنفسهم، وأسلفوه أيام حياتهم؛ ولهذا قال: (ذَ?لِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ) أي: يظهر فيه التغابن والتفاوت بين الخلائق، ويغبن المؤمنون الفاسقين، ويعرف المجرمون أنهم على غير شيء، وأنهم هم الخاسرون 148.
والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة، كقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ?49? لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ) [الواقعة:49 - 50] .
قوله تعالى: (هَ?ذَا يَوْمُ الْفَصْلِ ? جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ) [المرسلات:38] .
وقوله تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ ? لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ) [النساء:87] .
وقوله تعالى: (ذَ?لِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ? ذَ?لِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَ?لِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) [هود:103] .
وقوله تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ) [آل عمران:25] .
وقوله تعالى: (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدً) [الكهف:47] .
وقوله: (وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِں) [الشورى:7] .
وقال: (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ) [آل عمران:9] .
وقد بَيَنَ تعالى شمول ذلك الجمع لجميع الدواب والطير في قوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ? مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ? ثُمَّ إِلَى? رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) [الأنعام:38] .
والآيات الدالة على الجمع المذكور كثيرة 149.
فيوم القيامة يوم الجمع، والعجيب أنه أيضًا يوم الافتراق.
قال تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ) [الروم:14] .
فهو يوم الجمع في أول ما يبعثون ويحشرون، ثم يفرق بينهم تفريقًا لا اجتماع بينهم أبدًا؛ قال تعالى: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) [الشورى:7] .
فهو يوم الجمع في حال ووقت، ويوم الافتراق في حال ووقت آخر، وبعض أهل التأويل يقولون: قوله: (يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ) العابد والمعبود، والتابع والمتبوع، بعدما كانوا مجتمعين في الدنيا، وهو ما ذكر في آية أخرى: (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا) [العنكبوت:25] .
فهذا تفرقهم على قول بعضهم، والوجه فيه ما ذُكر بدءًا 150.
والمقصود: أن أعظم الاجتماعات على الإطلاق اجتماع هذا اليوم، وهو المعاد الأعظم؛ ولهذا سمي يوم الجمع الذي لا أكبر منه جمعًا.
وسمي بذلك؛ لأنه يجمع فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر 151.
وقيل: يجمع بين الأرواح والأجساد.
وقيل: يجمع بين كل عامل وعمله 152.
وقيل: يجتمع فيه أهل السماوات وأهل الأرض، أو يجمع بين الظالم والمظلوم 153. وقيل: لأنه يجمع فيه بين كل نبي وأمته. وقيل: لأنه يجمع فيه بين ثواب أهل الطاعات، وعقاب أهل المعاصي 154. وكلها أقوال صحيحة، تحتملها الآية.
1.يوم الجمع: جمع المخلوقات في أرض المحشر.
قال تعالى: (وَذَ?لِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) [هود:103] .
ومعنى الجمع لهذا اليوم: الجمع لما فيه من المحاسبة والمجازاة؛ مثل قوله: (وَذَ?لِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) [هود:103] .
أي: مشهود فيه أهل السماوات والأرضين، فاتسع فيه بإجراء الظرف مجرى المفعول به، كقوله: في محفل من نواصي الناس مشهود، أي: كثير شاهدوه، ولو جعل اليوم مشهودًا في نفسه لبطل الغرض من تعظيم اليوم وتمييزه، فإن سائر الأيام كذلك 155.
ومجيء الخبر جملة اسمية في الإخبار عن اليوم يدل على معنى الثبات، أي: ثابت، جمع الله الناس لأجل ذلك اليوم، فيدل على تمكن تعلق الجمع بالناس، وتمكن كون ذلك الجمع لأجل اليوم حتى لقب ذلك اليوم يوم الجمع في الآية السابقة ... ، وعطف جملة: (ہ ھ ھ) على جملة ذلك يوم مجموع له الناس لزيادة التهويل لليوم بأنه يشهد، وطوي ذكر الفاعل إذ المراد يشهده الشاهدون؛ إذ ليس القصد إلى شاهدين معينين، والإخبار عنه بهذا يؤذن بأنهم يشهدونه شهودًا خاصًا، وهو شهود الشيء المهول؛ إذ من المعلوم أن لا يقصد الإخبار عنه بمجرد كونه مرئيًا؛ لكن المراد: كونه مرئيًا رؤية خاصة، ويجوز أن يكون المشهود بمعنى المحقق، أي: مشهود بوقوعه، كما يقال: حق مشهود، أي: عليه شهود، لا يستطاع إنكاره، واضح للعيان، ويجوز أن يكون المشهود بمعنى كثير الشاهدين إياه لشهرته، كقولهم: لفلان مجلس مشهود 156.
فما أعظمه إذن من جمع! وما أكبره من حشر! حتى الملائكة التي تملأ السماء، والتي ليس فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك، والسماء التي بهذا الاتساع الهائل الذي لا يعرف له البشر حدودًا، والذي تبدو فيه شمس كشمسنا ذرة كالهباءة الطائرة في الفضاء! فهل هذا يقرب شيئًا للتصور البشري عن عدد الملائكة؟ إنهم من بين الجمع في يوم الجمع! وفي مشهد من هذا الجمع يكون التغابن!
وأخبر الله تعالى أنه يجمع بين عباده المتخاصمين يوم القيامة، ويفصل بينهم بقضائه العدل، الذي لا يجور فيه، ولا يظلم مثقال ذرة.
قال تعالى: (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ) [سبأ:26] .
أي: قل لهم: إن ربنا يوم القيامة يجمع بيننا حين الحشر والحساب، ثم يقضي بيننا بالعدل بعد ظهور حال كل منا ومنكم، وهو الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور، وهنالك يُجزى كل عامل بما عمل، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وستعلمون يومئذٍ لمن العزة والنصرة والسعادة الأبدية 157.
فهذا الجمع يوم القيامة في صعيد واحد من أجل إقامة العدل الإلهي، ووضع الموازين القسط، كما قال: (نَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ? وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ? وَكَفَى? بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء:47] .
ولهذا قال سبحانه ها هنا: (وهو الفتاح العليم) أي: الحاكم العادل العليم بالقضاء بين خلقه؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يحتاج إلى شهود تعرفه المحق من المبطل.
ففي أول الأمر يجمع الله بين أهل الحق وأهل الباطل؛ ليلتقي الحق بالباطل وجهًا لوجه؛ وليدعو أهل الحق إلى حقهم، ويعالج الدعاة دعوتهم، وفي أول الأمر تختلط الأمور وتتشابك، ويصطرع الحق والباطل، وقد تقوم الشبهات أمام البراهين، وقد يغشى الباطل على الحق؛ ولكن ذلك كله إلى حين، ثم يفصل الله بين الفريقين بالحق، ويحكم بينهم حكمه الفاصل المميز الحاسم الأخير (وهو الفتاح العليم) الذي يفصل ويحكم عن علم وعن معرفة بين المحقين والمبطلين.
وهذا هو الاطمئنان إلى حكم الله وفصله، فالله لا بد حاكم وفاصل ومبين عن وجه الحق، وهو لا يترك الأمور مختلطة إلا إلى حين، ولا يجمع بين المحقين والمبطلين إلا ريثما يقوم الحق بدعوته، ويبذل طاقته، ويجرب تجربته، ثم يمضي الله أمره، ويفصل بفصله.
والله سبحانه هو الذي يعلم ويقدر متى يقول كلمة الفصل، فليس لأحد أن يحدد موعدها، ولا أن يستعجلها، فالله هو الذي يجمع، وهو الذي يفتح (وهو الفتاح العليم) 158.
فإذا عجز الخلق عن أن يتبينوا من المحق ومن المبطل، ومن هم أهل الهدى؟ ومن هم أصحاب الضلال في هذه الخصومة في الله القائمة بين الخلق؟ إذ عجزوا عن أن يحكموا في هذه القضية في الدنيا فإن القضية ستحال إلى الآخرة، وسيفصل فيها أحكم الحاكمين، يوم يجمع الله الناس جميعًا، فهو الحكم العدل، الذي يحكم عن علم محيط بكل شيء؛ ولهذا جيء بصيغة المبالغة (فتاح) .
فجملة (وهو الفتاح العليم) تذييل بوصفه تعالى بكثرة الحكم وقوته، وإحاطة العلم؛ وبذلك كان تذييلًا لجملة (يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ) المتضمنة حكمًا جزئيًا، فذيل بوصف كلي، وإنما أتبع (الفتاح) بـ (العليم) للدلالة على أن حكمه عدل محض؛ لأنه عليم لا تحف بحكمه أسباب الخطأ والجور الناشئة عن الجهل والعجز، واتباع الضعف النفساني الناشئ عن الجهل بالأحوال والعواقب 159.
وقد كثرت الآيات في هذا المعنى، ومنها:
قوله تعالى: (? لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ? لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ? اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ?) [الشورى:15] .
وقوله: (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ? وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) [النساء:141] .
وقوله: (فَاصْبِرُوا حَتَّى? يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا ? وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) [الأعراف:87] .
وقوله: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [النحل:124] .
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [الزمر:3] .
وقوله: (اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [الحج:69] .
يأمر الله عز وجل يوم القيامة بجمع الكفار والظالمين وأزواجهم، ومن كان على شاكلتهم وأمثالهم وأشباههم من رجال ونساء، وآلهتهم التي كانوا يعبدونها، كما تعالى: (حْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ?22? مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ?23? وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) [الصافات:22 - 24] .
والحشر: الجمع من كل جانب إلى موقف واحد 160. فيأمر الله بجمع هؤلاء الأصناف الثلاثة في موقف الحساب، وهم:
-الظالمون.
-وأزواجهم.
-والأشياء التي كانوا يعبدونها من دون الله من الأوثان والأصنام وغيرها.
والعلة ظاهرة في حشر الصنفين الأوليين {الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} لكن لماذا تُحشر المعبودات من الملائكة، ومن آدمي رضي بذلك، ومن صنم ووثن، وغيرها؟ والجواب: زيادة لهم في الحسرة والتخجيل على شركهم ومعصيتهم مع عدم نفعهم وعجزهم، وتوبيخًا لهم، وإظهارًا لسوء حالهم، ومن أجل أن يتبرأ من لم يرض منهم بذلك.
فالصنف الأول ممن يجمع ويحشر: الظالمون: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا} ظلم الكفر والشرك {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] .
ولذلك كان الشرك أعظم أنواع الظلم، فظلموا الحق في النفس، وظلموا ما كان يجب ألا يظلموا أنفسهم فيه، فأنكروا خالقهم وقدرته وإرادته، وأنكروا كونه جل جلاله لا يحتاج إلى معين، ولا وزير ولا مساعد، ولا شريك له ولا ند، لا في ذات ولا في صفات ولا في أفعال.
قال الرازي: «ذكر من صفات الذين ظلموا كونهم عابدين لغير الله، وهذا يدل على أن الظالم المطلق هو الكافر؛ وذلك يدل على أن كل وعيد ورد في حق الظالم فهو مصروف إلى الكفار، ومما يؤكد هذا قوله تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة:254] » 161.
والصنف الثاني: أزواجهم:
ومعناه: ونظراءهم وضرباءهم، تقول: عندي من هذا أزواج، أي: أمثال، وكذلك زوجان من الخفاف، أي: كل واحد نظير صاحبه؛ وكذلك الزوج المرأة، والزوج الرجل، وقد تناسبا بعقد النكاح، وكذلك قوله: {وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58) } [ص:58] 162.
فالزوج: هو اسم لشكله، واسم لضده، اسم لهما جميعًا، يحتمل قوله: {وَأَزْوَاجَهُمْ} أي: أشكالهم وقرناؤهم من الجن والإنس والشياطين، يأمر الملائكة أن تجمع بين من كانوا يجتمعون في هذه الدنيا، ويستحبون الاجتماع معهم أن يجمعوا في عذاب الآخرة، على ما كانوا يستحبون الاجتماع في الملاهي والطرب في هذه الدنيا، ويجتمعون على ذلك؛ فعلى ذلك يجمع بين أولئك وبين قرنائهم في جهنم، ويقرن بعضهم إلى بعض في العذاب؛ كقوله: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) } [الزخرف:36] 163.
قال الرازي: «اختلفوا في المراد بأزواجهم، وفيه ثلاثة أقوال: