أولًا: المعنى اللغوي:
«الجيم والزّاء والياء: قيام الشّيء مقام غيره، ومكافأته إيّاه» 1، وفلانٌ ذو غناءٍ وجزاء -ممدود-، وتجازيت ديني: تقاضيته 2.
والجزاء يأتي بمعنى القضاء أيضًا، وجزيته بما صنع جزاء وجازيته، بمعنىً، ويقال: جازيته فجزيته، أي: غلبته 3، وجزى الشّيء يجزي: كفى؛ ومنه جزى عنه هذا الأمر: أي: قضى.
وفي حديث صلاة الحائض: (فأمرهنّ أن يجزين) 4 أي: يقضين.
وفي حديثٍ آخرٍ: (تجزي عنك ولا تجزي عن أحدٍ بعدك) 5.
وتقول: إن وضعت صدقتك في آل فلانٍ جزت عنك، فهي جازيةٌ عنك.
والجوازي: جمع جازية أو جازٍ أو جزاءٍ، وبكلٍّ فسّر قول الحطيئة: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه.
ويقال: جزتك عنّي الجوازي: أي جزتك جوازي أفعالك المحمودة 6.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرّف مصطلح الجزاء خلق كثيرون، ومما ينبغي ذكره في هذا المقام هو ما ينسجم مع طبيعة الدراسة القرآنية، ومن هذه التعريفات:
ذكر الإمامان الأصفهاني والمناوي أن الجزاء اصطلاحًا هو: «كل ما فيه الكفاية من المقابلة، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرٌّ» 7.
وعرّفه الشيخ محمد عبد الله دراز بأنه: «رد فعل القانون على موقف الأشخاص الخاضعين لهذا القانون» 8.
وبالنظر إلى التعريفين السابقين يتضح أن التعريف الأول أكثر دقةً؛ إذ إنه جامع لكل جوانب المصطلح من جهة، وهو مانع لغيره من الألفاظ ذات الصلة، كما أن تعريف الشيخ محمد عبد الله دراز يظهر فيه التأثر من التعريف القانوني له في الدنيا، وكما هو معلوم فإن التعريف القرآني يركز على الجانبين الدنيوي والأخروي، مع تقديم الآخرة على الدنيا.
وكلا المعنيين اللغوي والاصطلاحي لا يخرجان عن أن معنى الجزاء مقابلة الخير بالخير والشر بالشر.
وردت مادة (جزي) في القرآن (117) مرة 9.
والصيغ التي وردت عليها هي:
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 4 ... {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) } [الإنسان: 12]
الفعل المضارع ... 70 ... {نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) } [القمر: 35]
المصدر ... 42 ... {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) } [الرحمن: 60]
اسم الفاعل ... 1 ... {وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا} [لقمان: 33]
وجاء الجزاء في القرآن على ثلاثة وجوه 10:
أحدها: ثواب الخير أو الشر: ومنه قوله تعالى: {ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) } [النجم: 41] ، يعني: يثيبه على ما سعى؛ إن خيرًا فيكافئه بالخير، وإن شرًّا فيعاقبه بالشر.
الثاني: القضاء: ومنه قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 48] ، يعني: لا تقضي.
الثالث: البدل والعوض: ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] ، يعني: بدله.
الثواب:
الثواب لغةً:
الثواب اسم للمصدر؛ لأنّ مصدر الثلاثي ثوبًا وثوبانًا، ومصدر الرباعي إثابة، وفعل الثواب ثلاثي أجوف معتل العين، ولفظ الثواب في اللغة جاء على عدة معانٍ، أبرزها: العود والرجوع، والاجتماع، والجزاء 11.
الثّواب اصطلاحًا:
الجزاء كيف ما كان من الخير والشّر، إلّا أن استعماله في الخير أكثر 12.
الصلة بين الثواب والجزاء:
الجزاء أعم وأشمل من الثواب؛ حيث إن الجزاء على المكافأة مقابل عمل الخير أو الشر، كلٌّ حسب عمله، أما الثواب فهو مكافأة مقابل الطاعة والعبادة فقط.
العقاب:
العقاب لغة:
العقاب مأخوذ من (عقب) : العين والقاف والباء أصلان صحيحان: أحدهما يدل على تأخير شيء وإتيانه بعد غيره. والأصل الآخر يدل على ارتفاع وشدة وصعوبة 13.
العقاب اصطلاحًا:
العقاب: هو جزاء الشّرّ، والنكال أخص منه 14، أو هو ما يلحق الإنسان بعد الذّنب من المحنة في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معًا 15.
الصلة بين العقاب والجزاء:
من خلال التعريفين اللغوي والاصطلاحي للعقاب تبيّن أن الجزاء أعم وأشمل منه؛ إذ إن العقاب يعني إصلاح الخطأ بمحاسبة، والجزاء يضاف إليه مكافأة عمل الخير بالثواب.
الحساب:
الحساب لغةً:
مأخوذ من قولهم: حسبك كذا، أي: كفاك، فسمي الحساب في المعاملات حسابًا لأنه يعلم به ما فيه كفاية وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان، والحسبان: الظن 16.
الحساب اصطلاحًا:
هو المؤاخذة والمجازاة، والحساب: ما يحاسب عليه فيجازى بحسبه، ولا يخرج المعنى اللغوي عن المعنى الاصطلاحي له 17.
الصلة بين الحساب والجزاء:
من خلال التعريفين اللغوي والاصطلاحي للحساب تبيّن أن الجزاء أعمّ وأشمل منه؛ إذ إنّ الحساب يعني إيقاع العذاب على الخاطئ مع كفاية المحاسب في القدرة على حماية المظلوم.
تحدث القرآن الكريم عن أنواع الجزاء وهذا ما سنبينه فيما يأتي:
أولًا: الجزاء الحسن وأهله في الدنيا:
تعددت صور الجزاء الحسن وأهله في الدنيا، ومن هذه الصور:
1.جزاء الشاكرين.
والشّكر مطلقًا: الثّناء على المحسن بذكر إحسانه، فالعبد يشكر الله، أي: يثنى عليه بذكر إحسانه الّذي هو النّعمة.
والله تعالى يشكر العبد، أي: يثني عليه بقبول إحسانه الّذي هو الطّاعة.
وهذا المفهوم ينقسم إلى:
الشّكر اللّغويّ: وهو الوصف بالجميل على جهة التّعظيم والتبجيل باللّسان والجنان والأركان.
وإلى الشّكر العرفيّ: وهو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه من السّمع والبصر والكلام وغيرها إلى ما خلق له وأعطاه لأجله، كصرف النّظر إلى مصنوعاته، والسمع إلى تلقي إنذاراته، والذهن إلى فهم معانيها 18.
وللإنسان حالان لا يخرج عنهما، ولا ثالث لها {إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3] .
وجاء وصف اثنين من أولي العزم بهذا الشرف العظيم، وهما:
1.نوح عليه السلام، قال عز وجل عنه: (چ چ چ ?) [الإسراء: 3] .
2.إبراهيم عليه السلام إذ قال تعالى عنه: (? ? ? ? ? ?) [النحل: 121] .
ومن فضل الله على المؤمنين أنه لا يقدّر عليهم خيرًا ولا مصيبة إلا كان خيرًا لهم.
إن أصابتهم سراء فشكروا؛ جازاهم جزاء الشاكرين، وإن أصابتهم ضراء فصبروا؛ جازاهم جزاء الصابرين 19.
قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7] .
أي: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ} نعمتي عليكم لأزيدنّكم منها {وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ} أي: كفرتم النّعم وسترتموها وجحدتموها {إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} وذلك بسلبها عنهم، وعقابه إيّاهم على كفرها 20.
وقال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ} [القمر: 33 - 35] .
وقال تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144 - 145] .
قال محمد بن إسحاق: «أي: فمن كان منكم يريد الدنيا ليس له رغبة في الآخرة نؤته منها ما قسم له فيها من رزق، ولا حظ له في الآخرة {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ} منكم {نُؤْتِهِ مِنْهَا} ما وعده، مع ما يجري عليه من رزقه في دنياه، وذلك جزاء الشاكرين أي: المتقين» 21.
2.جزاء المتقين.
التّقوى: هو على ما قاله عليّ رضي الله عنه: «ترك الإصرار على المعصية، وترك الاغترار بالطّاعة، وهي الّتي يحصل بها الوقاية من النّار، والفوز بدار القرار» 22.
وغاية التقوى البراءة من كل شيء سوى الله، ومبدؤه اتقاء الشّرك، وأوسطه اتقاء الحرام، والتّقوى منتهى الطّاعات، والرهبة من مبادئ التّقوى، وقد تسمى التّقوى خوفًا وخشية، ويسمى الخوف تقوى 23.
لذلك جاء جزاؤهم مفخمًا بكل أنواع التعظيم والإكرام، ومن هذه الجزاءات:
قوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ} [النحل: 31] .
وقوله تعالى: {قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا} [الفرقان: 15 - 16] .
أي: قل لهم -مبينًا لسفاهة رأيهم واختيارهم الضار على النافع-: {أَذَلِكَ} الذي وصفت لكم من العذاب {خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} التي زادها تقوى الله، فمن قام بالتقوى فالله قد وعده إياها {كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً} على تقواهم {وَمَصِيرًا} موئلًا يرجعون إليها، ويستقرون فيها، ويخلدون دائمًا أبدًا.
{لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ} أي: يطلبون وتتعلق بهم أمانيهم ومشيئتهم، من المطاعم والمشارب اللذيذة، والملابس الفاخرة والنساء الجميلات، والقصور العاليات، والجنات والحدائق المرجحنة 24، والفواكه التي تسر ناظريها وآكليها، من حسنها وتنوعها وكثرة أصنافها، والأنهار التي تجري في رياض الجنة وبساتينها، حيث شاءوا يصرفونها ويفجرونها أنهارًا من ماء غير آسن، وأنهارًا من لبن لم يتغير طعمه، وأنهارًا من خمر لذة للشاربين، وأنهارًا من عسل مصفى، وروائح طيبة، ومساكن مزخرفة، وأصوات شجية تأخذ من حسنها بالقلوب، ومزاورة الإخوان، والتمتع بلقاء الأحباب، وأعلى من ذلك كله التمتع بالنظر إلى وجه الرب الرحيم وسماع كلامه، والحظوة بقربه، والسعادة برضاه، والأمن من سخطه، واستمرار هذا النعيم ودوامه وزيادته على ممر الأوقات، وتعاقب الآنات، {كَانَ} دخولها والوصول إليها {عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا} يسأله إياها، عباده المتقون بلسان حالهم، ولسان مقالهم، فأي الدارين المذكورتين خير وأولى بالإيثار؟ وأي العاملين، عمال دار الشقاء أو عمال دار السعادة؛ أولى بالفضل والعقل والفخر يا أولي الألباب؟ 25.
وقوله تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (35) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا} [النبأ: 31 - 36] .
قال ابن كثير: «يقول تعالى مخبرًا عن السّعداء وما أعدّ لهم تعالى من الكرامة والنّعيم المقيم، فقال: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا} . قال ابن عبّاسٍ والضّحّاك: متنزّهًا.
وقال مجاهدٌ، وقتادة: فازوا، فنجوا من النّار.
والأظهر ها هنا قول ابن عبّاسٍ؛ لأنّه قال بعده: {حَدَائِقَ} وهي البساتين من النّخيل وغيرها {وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا} أي: وحورًا كواعب.
قال ابن عبّاسٍ ومجاهدٌ وغير واحدٍ: {وَكَوَاعِبَ} أي: نواهد، يعنون أن ثديّهن نواهد لم يتدلّين؛ لأنّهنّ أبكارٌ عرب أترابٌ، أي: في سنٍّ واحدةٍ» 26.
وقوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [المرسلات: 41 - 44] .
قال ابن كثير: «يقول تعالى مخبرًا عن عباده المتّقين الّذين عبدوه بأداء الواجبات، وترك المحرّمات إنّهم يوم القيامة يكونون في جنّاتٍ وعيونٍ، أي: بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من ظلّ اليحموم، وهو الدّخان الأسود المنتن.
{وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ} أي: من سائر أنواع الثّمار مهما طلبوا وجدوا، {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: يقال لهم ذلك على سبيل الإحسان إليهم، ثمّ قال تعالى مخبرًا خبرًا مستأنفًا: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} أي: هذا جزاؤنا لمن أحسن العمل» 27.
3.جزاء المحسنين.
الإحسان: هو فعل ما ينفع غيره بحيث يصير الغير حسنًا به، كإطعام الجائع، أو يصير الفاعل به حسنًا بنفسه 28.
والإحسان مطلوبٌ في كلّ شيءٍ بهدي دين الفطرة، الدّاعي لحسنتي الدّنيا والآخرة، وجزاء الإحسان في كلّ شيءٍ بحسبه، قال عز وجل: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60] .
كما أنّ الإساءة محرّمةٌ في كلّ شيءٍ وجزاؤها من جنسها، قال عز وجل: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم: 31] 29.
وقوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60] .
أي: هل جزاء من أحسن في عبادة الخالق ونفع عبيده إلا أن يحسن إليه بالثواب الجزيل، والفوز الكبير، والنعيم المقيم، والعيش السليم 30.
وقوله تعالى: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} [الزمر: 34] .
هو تعبير جامع يشمل كل ما يخطر للنفس المؤمنة من رغائب، ويقرر أن هذا {لَهُمْ} عند ربهم، فهو حقهم الذي لا يخيب ولا يضيع 31.
وخص المولى الأنبياء بكثير من النعم بسبب إحسانهم.
فقال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الأنعام: 84] .
قال محمد رشيد رضا: «قال تعالى بعد ذكر هؤلاء: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} أي: بالجمع بين نعم الدّنيا ورياستها بالحقّ، وهداية الدّين وإرشاد الخلق، وهذا كما قال الله تعالى في أحدهم -يوسف-: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 22] .
فهو جزاءٌ خاصٌّ بعضه معجّلٌ في الدّنيا، أي: ومثل هذا الجزاء في جنسه يجزي الله بعض المحسنين بحسب إحسانه في الدّنيا قبل الآخرة، ومنهم من يرجئ جزاءه إلى الآخرة» 32.
وقال تعالى عن يوسف عليه السلام: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 22] .
قال ابن كثير: «قوله: {وَلَمَّا بَلَغَ} أي: يوسف عليه السلام {أَشُدَّهُ} أي: استكمل عقله، وتمّ خلقه {آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} يعني: النّبوّة، إنّه حباه بها بين أولئك الأقوام {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} أي: إنّه كان محسنًا في عمله، عاملًا بطاعة ربّه تعالى» 33.
وقال تعالى مثل ذلك عن موسى عليه السلام: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [القصص: 14] .
وقال تعالى عن موسى وهارون عليهما السلام: {سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 120 - 121] .
قال ابن كثير: «يذكر تعالى ما أنعم به على موسى وهارون من النّبوّة والنّجاة بمن آمن معهما من قهر فرعون وقومه، وما كان يعتمده في حقّهم من الإساءة العظيمة من قتل الأبناء واستحياء النّساء، واستعمالهم في أخسّ الأشياء، ثمّ بعد هذا كلّه نصرهم عليهم، وأقرّ أعينهم منهم، فغلبوهم وأخذوا أرضهم وأموالهم وما كانوا جمّعوه طول حياتهم، ثمّ أنزل اللّه على موسى الكتاب العظيم الواضح الجليّ المستبين وهو التّوراة» 34.
وقال تعالى عن نوح عليه السلام: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 75 - 80] .
وقال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: {سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 109 - 110] .
{فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 103 - 105] .
قال ابن كثير: «قوله: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} أي: هكذا نصرف عمّن أطاعنا المكاره والشّدائد، ونجعل لهم من أمرهم فرجًا ومخرجًا، كقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 2 - 3] » 35.
وأثنى الله على إلياس كما أثنى على إخوانه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فقال: {سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 130 - 131] 36.
وقال تعالى عن جزاء كلّ من أحسن العمل: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [المرسلات: 43 - 44] 37.
وقوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} [النحل: 30] .
كقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] .
أي: من أحسن عمله في الدّنيا أحسن اللّه إليه في الدّنيا والآخرة.
ثمّ أخبر بأنّ دار الآخرة خيرٌ، أي: من الحياة الدّنيا، والجزاء فيها أتمّ من الجزاء في الدّنيا، كما قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ} [القصص: 80] .
وقال تعالى: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} [آل عمران: 198] .
وقال تعالى: {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: 17] .
وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} [الضحى: 4] .
ثمّ وصفوا الدّار الآخرة فقالوا: {وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} [النحل: 30] 38.
وقال السعدي: « {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا} في عبادة الله تعالى، وأحسنوا إلى عباد الله فلهم {فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ} رزق واسع، وعيشه هنية، وطمأنينة قلب، وأمن وسرور {وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ} من هذه الدار وما فيها من أنواع اللذات والمشتهيات، فإن هذه نعيمها قليل محشو بالآفات منقطع، بخلاف نعيم الآخرة؛ ولهذا قال تعالى: {وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} 39.
قال الشعراوي: «نفهم من هذه الآية أنه على المؤمن ألاّ يترك الدنيا وأسبابها، فربما أخذها منك الكافر، وتغلّب عليك بها، أو يفتنك في دينك بسببها، فمن يعبد الله أولى بسرّه في الوجود، وأسرار الله في الوجود هي للمؤمنين، ولا ينبغي لهم أن يتركوا الأخذ بأسباب الدنيا للكافرين.
اجتهد أنت أيها المؤمن في أسباب الدنيا حتى تأمن الفتنة من الكافرين في دنياك، ولا يخفي ما نحن فيه الآن من حاجتنا لغيرنا، مما أعطاهم الفرصة ليسيطروا على سياساتنا ومقدراتنا.
لذلك يقول سبحانه: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ} [النحل: 30] .