المعنى اللغوي:
الظن لغةً: الظاء والنون أصل صحيح يدل على معنيين مختلفين: يقين وشك، فأما اليقين فقول القائل: ظننت ظنًا، أي: أيقنت، والأصل الآخر: الشك، يقال: ظننت الشيء، إذا لم يتيقنه، ومن ذلك الظنة: التهمة. والجمع: الظنن 1.
وبعض أهل اللغة لا يرتضي جعل اليقين المطلق من معاني مادة الظن وإنما يقيده بأنه اليقين الذي لم يتيقين عيانًا ويسمى يقين تدبر، فأما يقين العيان فلا يقال فيه إلا علم 2، فقد يوقع الظن موقع اليقين في الأمور المتحققة، لكنه لا يوقع فيما قد خرج إلى الحس، لا تقول العرب في رجل مرئي حاضر: أظن هذا إنسانًا، وإنما تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس بعد، كقوله تعالى: {فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا} [الكهف:53] 3.
كما نجد أن في بعض المعاجم اللغوية كلمات تعود إلى مادة (ظن) غير الشك واليقين، ففي تهذيب اللغة: «الظنون من النساء التي لها شرف تتزوج وإنما سميت ظنونًا لأن الولد يرتجى منها «4.
وبالنظر إلى جميع المفردات اللغوية التي ترجع إلى مادة ظن نجد أنها ترجع إلى التخمين والحدس 5
المعنى الاصطلاحي:
هناك تعاريف عديدة للظن عند علماء التفسير في ثنايا تفسيرهم لآيات الظن، بينها عوامل مشتركة وإن كان فيها اختلاف في بعض الألفاظ 6. فمنهم من عرفه بأنه: تجويز أمرين في النفس لأحدهما ترجيح على الآخر. وقيل: الظن ميل النفس إلى أحد معتقدين متخالفين، دون أن يكون ميلها بحجة، ولا برهان 7.
ويذكر ابن عطية أن الظن قاعدته الشك مع ميل إلى أحد معتقديه 8.
وكثر إطلاقه في القرآن على الاعتقاد الباطل كقوله تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) } [الأنعام:116] .
وردت مادة (ظنن) في القرآن بصيغ متعددة، بلغت (96) مرة 9.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الإفراد ... 26 ... {وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا} [الجن:7]
التثنية ... 15 ... {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ} [المطففين:4]
الجمع ... 21 ... {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم:28]
الصفة المشبهة ... 1 ... {وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} [الفتح:6]
وورد الظن في القرآن على ثلاثة أوجه 10:
الأول: الشك والحسبان: ومنه قوله تعالى: {إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} [الجاثية: 32] . يعني: ما نشك إلا شكًّا ولسنا على يقين من قيام الساعة.
وقوله تعالى: {إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) } [الانشقاق: 14] . أي: حسب أن لن يرجع بعد موته لشكه في البعث.
الثاني: اليقين: ومنه قوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} [البقرة: 46] . يعني: يوقنون.
الثالث: التهمة: ومنه قوله تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154] . يعني: تتهمون الاتهامات الباطلة السيئة.
الشك:
الشك لغة:
قال ابن فارس رحمه الله في معنى الشك في اللغة: «الشين والكاف أصل واحد مشتق بعضه من بعض وهو يدل على التداخل، ومن هذا الباب الشك الذي هو خلاف اليقين، إنما سمي بذلك لأن الشاك كأنه شك له الأمران في مشك واحد وهو لا يتيقن واحدًا منهما، فمن ذلك اشتقاق الشك 11.
الشك اصطلاحًا:
هو اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما، وذلك قد يكون لوجود أمارتين متساويتين عند النقيضين، أو لعدم الأمارة فيهما 12. وقال الجرجاني رحمه الله: «الشك هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك، وقيل: الشك ما استوى طرفاه، وهو الوقوف بين الشيئين لا يميل القلب إلى أحدهما، فإذا ترجح أحدهما ولم يطرح الآخر فهو ظن، فإذا طرحه فهو غالب الظن وهو بمنزلة اليقين» 13.
الصلة بين الشك والظن:
أن الظن شك مع ميل إلى أحد معتقديه 14؛ فالنسبة بين الشك والظن هي نسبة العموم والخصوص المطلق، العموم في طرف الشك، والخصوص في طرف الظن، فالشك يساوي عدم القطع، إذ كل علم غير قطعي فهو مشوب بالشك، أمّا الظن فلا يطلق إلا بشأن العلم غير القطعي المستند إلى أمارة. لذا بوسعنا أن نسمّي كلّ ظن شكًا، ولكن ليس كل شكٍ بظن.
اليقين:
اليقين لغة:
هو العلم و زوال الشك. يقال منه: يقنت الأمر يقنًا، وأيقنت، واستيقنت، وتيقّنت، كلّه بمعنًى. وأنا على يقين منه. وإنّما صارت الياء واوًا في قولك: موقنٌ؛ للضمة قبلها. وإذا صغّرته رددته إلى الأصل وقلت: مييقنٌ. وربّما عبّروا عن الظنّ باليقين، وباليقين عن الظنّ 15.
اليقين اصطلاحًا:
هو العلم بالشيء عن نظر و استدلال، أو بعد شك سابق. ولا يكون شك إلا في أمر ذي نظر؛ فيكون أخص من الإيمان ومن العلم 16. وقيل: هو العلم الذي لا يقبل الاحتمال. وقد يطلق على الظن القوي إطلاقًا عرفيًا؛ حيث لا يخطر بالبال أنّه ظن، ويشتبه بالعلم الجازم فيكون مرادفًا للإيمان والعلم 17.
الصلة بين اليقين والظن:
إن ثمّة صلة بين الظن واليقين تحسن الإشارة إليها في هذا الموضع، فإطلاق الظن في كلام العرب على معنى اليقين كثير، وقد ورد ذلك في كتاب الله، والعرب تطلق الظن بمعنى اليقين ومعنى الشك 18 أيضًا، فبعض الظن يطلق مرادًا به اليقين، وأما اليقين فلا يطلق على الظن.
الحسبان:
الحسبان لغة:
بكسر الحاء بمعنى الظن 19. وحسب بكسر السين: ظن، مضارعه بالفتح والكسر، وحسب بالفتح من العدد ومضارعه بالضم، ومنه الحساب والحسبان ... 20.
الحسبان اصطلاحًا:
أن يحكم لأحد النقيضين من غير أن يخطر الآخر بباله فيحسبه، ويعقد عليه الإصبع، ويكون بعرض أن يعتريه فيه شك 21. وقيل: «هو قوة أحد النقيضين على الآخر كالظن، بخلاف الشك فهو: الوقوف بينهما، والعلم فهو القطع على أحدهما 22.
الصلة بين الحسبان والظن:
الظّن ضرب من الاعتقاد، وقد يكون حسبان لكن ليس باعتقاد. قال أبو هلال: «أصل الحسبان من الحساب، تقول: أحسبه بالظّن قد مات. كما تقول: أعدّه قد مات. ثمّ كثر حتى سمي الظّن: حسبانًا على جهة التّوسع، وصار كالحقيقة بعد كثرة الاستعمال» 23. وقد فسرت آيات الحسبان بالظن في القرآن، كما جاء التجوز عن الظن بالحسبان في بعض الآيات؛ مما يشير إلى أن هناك صلة بين المعنيين.
العلم:
العلم لغة:
العين واللام والميم أصل صحيح واحد، يدل على أثر بالشيء يتميز به عن غيره، من ذلك العلامة، وهي معروفة، والعلم: الراية، والجمع: أعلام، والعلم: نقيض الجهل، وتعلمت الشيء: أخذته، وتعلمت أي: علمت 24.
العلم اصطلاحًا:
الاعتقاد الراجح المانع من النقيض.
وقيل: إدراك الشيء بحقيقته 25.
الصلة بين العلم والظن:
العلم والظن يشتركان في كون كل واحد منهما اعتقادًا راجحًا، إلا أنّ العلم راجح مانع من النقيض، والظن راجح غير مانع من النقيض. فلمّا اشتبها من هذا الوجه؛ صح إطلاق اسم أحدهما على الآخر 26. والعرب تستعمل الظن في موضع العلم فيما كان من علم أدرك من جهة الخبر أو من غير وجه المشاهدة والمعاينة، فأما ما كان من علم أدرك من وجه المشاهدة والمعاينة فإنها لا تستعمل فيه الظن.
الوهم:
الوهم لغة:
وهم إلى الشيء بالفتح يهم وهمًا، إذا ذهب وهمه إليه وهو يريد غيره، ووهم يوهم وهمًا - بالتحريك - إذا غلط 27.
الوهم اصطلاحًا:
هو الطرف المرجوح غير الجازم من المترددين، وهو أضعف من الظّنّ وكثيرا ما يستعمل في الظّنّ الفاسد 28.
الصلة بين الوهم والظن:
الوهم أضعف من الظن بل وأضعف من الشك، كما جاء ذلك في تعريف ابن جزي
رحمه الله حيث قال: «الظن: ترجيح أحد الاحتمالين، وقد يقال الظن بمعنى الشك، وبمعنى الوهم الذي هو أضعف من الشك 29.
تختلف الظنون في القرآن الكريم مابين حسن وآخر سيئ، فالظن مصدر يقع على الكثرة مع إفراد لفظه، لكن المصادر قد تجمع إذا اختلفت ضروبها، فقوله تعالى: {الظُّنُونَا} يدل على اختلاف الظنون، وقد أشار إلى ذلك المعنى غير واحد من المفسرين عند تفسيرهم لقوله سبحانه: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) } [الأحزاب:10] 30.
أخرج الطبري عن قتادة قال: «الظن ظنّان: فظن منج، وظن مرد قال: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} [البقرة: 46] .
قال: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) } [الحاقة:20] وهذا الظن المنجي ظنًا يقينًا، وقال ها هنا: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} [فصلت:23] هذا ظن مرد 31.
وهذا في ذات الله، أما ما كان من ظن بين الناس، فقد قال سبحانه: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ} ولم يقل: اجتنبوا الظن كله؛ لأن الظن ينقسم إلى قسمين؛ القسم الأول: ظن خير بالإنسان، وهذا مطلوب أن تظن بإخوانك خيرًا ماداموا أهلًا لذلك، وهو المسلم الذي ظاهره العدالة، فإن هذا يظن به خيرًا، ويثنى عليه بما ظهر لنا من إسلامه وأعماله. القسم الثاني: ظن السوء، وهذا يحرم بالنسبة لمسلم ظاهره العدالة، فإنه لا يحل أن يظن به ظن السوء 32.
مما سبق يتبن أن الظنون تتنوع، وفيما يلي بيان لها:
أولًا: الظن الحسن:
ليس أريح لقلب العبد في هذه الحياة، ولا أسعد لنفسه من حسن الظن؛ فبه يسلم من أذى الخواطر المقلقة التي تؤذي النفس، وتكدر البال، وتتعب الجسد. ومن خلال تعريف الظن وهو: ترجيح أحد الاحتمالين، نستطيع أن نعرّف حسن الظن بأنه: ترجيح لاحتمال الخير على احتمال الشر، سواء أكان ذلك في ذات الله أم بين الناس.
إن حسن الظن بالله عبادة قلبية جليلة؛ تتحقق بظن ما يليق به سبحانه، وما تقتضيه أسماؤه الحسنى وصفاته العلى، مما يؤثر في حياة المؤمن على الوجه الذي يرضي الله عز وجل.
ولحسن الظن بالله متعلقان:
الأول: بالنسبة لما يفعله سبحانه في هذا الكون فيجب حسن الظن بالله عز وجل فيما يفعله في هذا الكون، وأن ما فعله إنما هو لحكمة بالغة، قد تصل العقول إليها وقد لا تصل، وبهذا تتبين عظمة الله وحكمته في تقديره، فلا يظن أن الله إذا فعل شيئا في الكون فعله لإرادة سيئة، حتى الحوادث والنكبات لم يحدثها الله لإرادة السوء المتعلق بفعله، أما المتعلق بغيره بأن يحدث ما يريد به أن يسوء هذا الغيرفهذا واقع كما قال تعالى: {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} [الأحزاب:17] .
الثاني: متعلق بالنسبة لما يفعله سبحانه بالإنسان فيجب أن يظن بالله أحسن الظن، لكن بشرط أن يوجد السبب الذي يوجب الظن الحسن، وهو أن يعبد الله على مقتضى شريعته مع الإخلاص و الظن بأن الله يقبل منه، ولا يسيء الظن بالله بأن يعتقد أنه لن يقبل منه، وكذلك إذا تاب الإنسان من الذنب، فيحسن الظن بالله أنه يقبل منه، ولا يسيء الظن بالله بأن يعتقد أنه لا يقبل منه. وأما إن كان الإنسان مفرطا في الواجبات فاعلا للمحرمات، وظن بالله ظنا حسنا فهذا هو ظن المتهاون المتهالك في الأماني الباطلة، بل هو من سوء الظن بالله إذ إن حكمة الله تأبى مثل ذلك 33.
تحسين الظن بالله تعالى أن يظن العبد أن الله فارج همه، وكاشف غمه، وذلك بتدبر الآيات والأحاديث الواردة في كرم الله وعفوه، وما وعد به أهل التوحيد. قال النووي رحمه الله: «قال العلماء: معنى حسن الظن بالله تعالى: أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه 34.
وقد أمرنا سبحانه بإحسان الظن، فقد أخرج الثعلبي عن فضيل بن عياض في قوله: {فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) } [البقرة:132] أي: محسنون بربكم الظن 35.
وجاء في معنى: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) } [البقرة:195] أحسنوا بالله الظن 36.
ولا شك أن لفظ الآية عام يتناول كل ما ذكر في تفسير هذه الآية والمخصّص يفتقر إلى دليل 37.
وفي الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (يقول اللّه تعالى: أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإٍ ذكرته في ملإٍ خيرٍ منهم، وإن تقرّب إليّ بشبرٍ تقرّبت إليه ذراعًا، وإن تقرّب إليّ ذراعًا تقرّبت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولةً) 38.
وفي الحديث النبوي الصحيح، عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بثلاثة أيام يقول: (لا يموتنّ أحدكم إلّا وهو يحسن الظّنّ باللّه عزّ وجلّ) 39.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (حسن الظّنّ من حسن العبادة) 40.
وكان السلف الصالح يكثرون من سؤال الله حسن الظن أمثال عبد الله بن مسعود وسعيد بن جبير 41.
فحسن الظن بالله زاد المؤمن في طريقه إلى ربه، وفي سلوكه مدارج السالكين إلى رب العالمين، فهو شحنة إيمانية يتعلق بها القلب بالرب.
ومن صور حسن الظن بالله التوكل عليه والثقة به سبحانه، فإذا عظمت ثقة الإنسان بربه، كانت له قوة معنوية تدفع عنه عوامل اليأس والقنوط، وهو من أعظم الأسباب التي يتحقق بها المطلوب و يندفع بها المكروه وتقضى الحاجات، وكلما تمكنت معاني التوكل من القلوب تحقق المقصود أتم تحقيق، و هذا حال جميع الأنبياء والمرسلين. فإبراهيم عليه السلام لما قذف في النار، روي أنه أتاه جبريل فقال: ألك حاجة؟ قال: «أمّا إليك فلا» 42. فكانت النار بردًا و سلامًا عليه، ومن المعلوم أنّ جبريل كان بمقدوره أن يطفئ النار بإذنه سبحانه، ولكن ما تعلق قلب إبراهيم عليه السلام بمخلوق في جلب النفع و دفع الضر، بل قال بعزة الواثق بالله: «حسبنا الله ونعم الوكيل 43، فجاء الأمر الإلهي: {يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) } [الأنبياء:69] .
والله يفعل و يقدّر ما يشاء؛ ولذلك يجب التوكل عليه سبحانه وحسن الظن به. ونفس الكلمة ردّدها الصحابة الكرام يوم حمراء الأسد، وذلك حينما أبلغهم الركب المارّ بهم بما قال أبو سفيان من أنه سيجمع الكرّة ليستأصل الرسول وأصحابه 44. وفي ذلك يقول سبحانه: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) } [آل عمران:173 - 174] .
إنّ أمر الله نافذ على أية حال، غير أن المتوكل على الله المحسن الظن به يكفّر عنه سيئاته ويعظم له أجرًا. فالعبد إذا توكل على الله في أمر دينه ودنياه، بأن يعتمد على الله في جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، ويثق به في تسهيل ذلك، فإن الله كافيه الأمر الذي توكل عليه به، وإذا كان الأمر في كفالة الغني القوي العزيز الرحيم، فهو أقرب إلى العبد من كل شيء، ولكن ربما أن الحكمة الإلهية اقتضت تأخيره إلى الوقت المناسب له 45. وهذا ما لمحناه في قصة يعقوب عليه السلام وفقده الطويل ليوسف، وأمله الكبير في لقاءه حين يقول لبنيه: {يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) } [يوسف:87] .
فلم ييأس من روح الله، بل أحسن الظن وعلّق كل ثقته به سبحانه في أنه سيردهم له، ويقر عينه بالاجتماع بهم، على الرغم مما يتعرض له من المصائب المتتالية 46.
وموسى عليه السلام لما خرج من المدينة هائمًا على وجهه، فاتفق أن كان مسيره في طريق يؤدي إلى أرض مدين حينئذ قال: {عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) } [القصص:22] .
توكل على الله فكفاه وكفّاه، فأبعده عن شر فرعون وما كان يهم به من قتل، ويسّر له أسباب رزقه. قال ابن عباس رضي الله عنه: (خرج موسى ولا علم له بالطريق إلا حسن ظن بربه) 47.
وتجلى أيضًا حسن الظن لدى موسى عليه السلام لمّا جاءه فرعون وجنوده، وأجمعوا كيدهم وبغيهم وظلمهم وعدوانهم فأسقط في يد ضعفاء النفوس، و قال بعض من مع موسى عليه السلام: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) } [الشعراء:61] .
لا محالة هالكون، سيدركنا فرعون؛ قلقوا وخافوا، البحر أمامهم، وفرعون من ورائهم، قد امتلأ عليهم غيظًا وحنقًا، ولكن موسى الذي تلقى الوحي من ربه؛ لا يشك لحظة وملء قلبه الثقة بربه، واليقين بعونه، والتأكد من النجاة، وإن كان لا يدري كيف تكون فهي لابد كائنة. والله هو الذي يوجهه ويرعاه {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) } [الشعراء:62] فانفتح طريق النجاة من حيث لا يحتسبون، ومضت آية في الزمان، تتحدث عنها القرون، فهل آمن بها الكثيرون؟ 48.
وها هو القرآن الكريم يقصّ علينا أنّ ذا النون يونس عليه السلام كان قوي الثقة بأن الله لن يضيق عليه في شدته، فحقق الله ما أمّله، ونجاه من همه، وأزال غمه. {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) } [الأنبياء:87] .
ونبينا صلوات ربي وسلامه عليه خير من أحسن الظن بربه في موقف من أصعب المواقف. وفي ذلك يقول سبحانه عنه: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) } [التوبة:40] .
هذا الموقف آية من آيات الله، اثنان أعزلان يتحديان قريشًا بكاملها بعددها وعددها، فيخرجان تحت ظلال السيوف، ويدخلان الغار في سدفة الليل، ويأتي الطلب على فم الغار، بقلوب حانقة، وسيوف مصلتة، وآذان مرهفة، حتى يقول الصديق رضي الله عنه: (يا رسول اللّه لو أنّ أحدهم رفع قدمه رآنا. فيقول صلى الله عليه وسلم وهو في غاية الطمأنينة ومنتهى السكينة:(ما ظنّك باثنين اللّه ثالثهما) 49.
وكما أنه يجب إحسان الظن بالخالق فكذلك الخلق، فلابد من حمل المسلم على الصلاح -حيث الأصل-، وأن لا يظن به إلا خيرًا، وأن يحمل ما يصدر منه على أحسن الوجوه، وإن بدا ضعفها، تغليبًا لجانب الخير على جانب الشر.
والله سبحانه وجّه عباده لهذا الخلق حين قال: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) } [النور:12] .
فالمعنى أنه كان ينبغي للمؤمنين والمؤمنات أن يقيسوا ذلك الأمر على أنفسهم، فإن كان ذلك يبعد في حقهم، فهو في حق عائشة أبعد؛ لفضلها 50. وروي أن هذا النظر وقع لأبي أيوب الأنصاري فقال لزوجته: أكنت أنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله، قال: فعائشة والله خير منك، وإنما هذا كذب، وإفك باطل 51.
لقد أوجب الإسلام على المسلم أن يحسن الظن بإخوانه المسلمين، فلا يحل لأحد منهم أن يتهم غيره بفحش، أو ينسب إليه فجورًا، أو يسند إليه الإخلال بالواجب، أو النقص في الدين أو المروءة، أو أي فعل من شأنه أن ينقص من قدره، أو يحطّ من مكانته. بل قد أمر الله بالتثبت، ونهى عن تصديق الوهم، والأخذ بالحدس والظن، قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) } [الإسراء:36] .