فهرس الكتاب

الصفحة 1653 من 2431

وقد وردت آيات كثيرة تتضمن لفظ العهد وتشتمل على وجوب الإيمان بالله عز وجل إما بشكل صريح أو ضمني، ففي أول آية في القرآن الكريم يرد فيها لفظ العهد نجد الحكم من الله تعالى على من نقض العهد بالكفر، فلا إيمان إلا بالالتزام بعهد الله تعالى.

يقول تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ} [البقرة: 27 - 28] .

فنقض العهد كفر، والالتزام به إيمان كما يتضح من هاتين الآيتين.

ومن الآيات التي تربط بين نقض العهد والكفر، قوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ} [النساء: 155] .

ومن الآيات التي تدعو إلى الإيمان بالله عز وجل وتُنَبِّهُ إلى ما أخذه الله على البشر من عهد، ومشنعة 30 على أولئك الذين لم يحترموا عهودهم فلم يحققوا الإيمان في أنفسهم.

قال تعالى: {فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [الأعراف: 101 - 102] .

وكما بدأت آيات العهد في القرآن الكريم 31 في مجال الإيمان نجد ختامها أيضًا في المجال نفسه، فآخر آية ذكر فيها لفظ العهد وردت في سورة المعارج، مبينة وصف المؤمنين، قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المعارج: 32] .

2.الإيمان بالكتب المنزلة.

الإيمان بالكتب المنزلة هو الركن الثالث من أركان الإيمان بالله عز وجل، وقد جاء مصطلح العهد في مجال الدعوة إلى الإيمان بكتب الله المنزلة على رسله، وقد تعددت الأساليب التي ورد فيها هذا المصطلح، يتضح ذلك من خلال الأمثلة:

قال تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} [البقرة: 40 - 41] .

في هذه الآية يدعو الحق سبحانه وتعالى بني إسرائيل للوفاء بالعهد الذي عاهدوه عليه، ومن العهود التي أخذها الله عز وجل من بني إسرائيل: الإيمان بالتوراة، وفي التوراة وجوب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والكتاب المنزل عليه، هذا هو مقتضى العهد الذي بينهم وبين الله جل وعلا، وإيمان بالمُنَزَّل، وعدم كفر وابتعاد عن الرشوة بالتوراة، وتحقيق ذلك تحقيق للتقوى {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} 32.

3.الإيمان بالرسل والأنبياء.

جاء مصطلح العهد في مجال وجوب الإيمان بأنبياء الله ورسله، وذلك في عدة آيات في كتاب الله، فالعهد الذي أخذ على بني إسرائيل وذكر في القرآن مرات عديدة كان يتضمن وجوب الإيمان برسل الله سبحانه، وبالأخص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 100 - 101] .

فالرسول صلى الله عليه وسلم هو المصدق لما معهم، والذي معهم هو التوراة، وفي التوراة وجوب الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وقد أعطوا العهد وأُخِذَ عليهم الميثاق بالإيمان بها وما فيها.

قال الزمخشري: «واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود، وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا، وكم عاهدوا رسول الله فلم يفوا الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرةٍ وهم لا يتقون» 33.

وحين جاء اليهودَ وأحبارهم رسولُ من عند الله، وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة، طرح فريق كبير منهم تعاليم التوراة التي تشهد بصدقه وراء ظهورهم، حتى لكأنهم يجهلون أنها من عند الله، واتبعوا ما قصته واختلقته الشياطين من السحر والأوهام والمفتريات على عهد سليمان عليه السلام ومن هذه المفتريات والأكاذيب زعمهم أن سليمان عليه السلام كان ساحرًا، وما تم له ملكه العريض، ولا ظهرت على يديه المعجزات الباهرة من تسخير الجن والريح إلا بهذا 34.

وفي الآية التالية يرد الله تعالى على من ادعى أن الله عهد إليهم ألا يؤمنوا لرسول، حتى يكون من معجزاته أن تنزل نار من السماء تأكلها النار.

قال تعالى: {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} [آل عمران: 183 - 184] .

رد الله تعالى على الذين استخدموا عهد الله ذريعة للتكذيب بالرسل فكشف الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم أن هذا ديدنهم وسنة فيمن كان قبلهم، يرثها المتأخر عن المتقدم ويورثها السابق للاحق، فلقد أخذ الله الميثاق على بني إسرائيل بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا يتم الإيمان به إلا أن يصاحب ذلك دعوة الناس إلى الإيمان به وبيان أنه على الحق، مستدلين على ذلك بما معهم من التوراة والإنجيل، مما لم يكن عند غيرهم من الأمم الوثنية التي كانت تنظر إلى اليهود والنصارى نظرة تقدير واحترام لدينهم الذي يتميزون به عن غيرهم 35.

ثانيًا: العبادات:

لقد أمر الله تعالى عباده في كثير من الآيات القرآنية بالعبادة والالتزام بها، منها ما هو مجمل كقوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] .

وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] .

ومنها مفصلًا كقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] .

ولقد جاءت الآيات القرآنية الخاصة بالعهود في جانب العبادات لتؤكد على العلاقة القوية بين العهود والعبادات التي شرعها الله تعالى، ومن أوسع المجالات التي استعمل فيها لفظ العهد، مجال الأمر بالعبادة في فروعها المتنوعة.

بعد أن يأمر الحق عز وجل عباده بالإيمان بما أنزل وينهاهم عن كتمان الحق، وكل ذلك من العهد الذي أخذه عليهم.

قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة: 40] .

يأمرهم بالعبادة بقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] .

وذلك من الوفاء بالعهد الذي طالبهم به، وخوفهم عاقبة التفريط فيه.

وفي موضع آخر: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 111 - 112] .

يأتي وصف المؤمنين الذين يفون ببيعهم -وهو عهد مع الله- يشتمل على عدة أنواع من العبادة تؤهل صاحبها لنيل رضاء الله والحصول على الجنة، وفاءً بعهد الله ووعده 36.

وفي موضع آخر والآيات تعدد صفات المؤمنين نلاحظ أنه جاء بعد آية العهد مباشرة أن من صفاتهم المحافظة على الصلاة.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون: 8 - 9] .

وكأن هذه إشارة إلى أن الصلاة من العهد فهم يراعونها بالمحافظة عليها، ومثل ذلك جاءت آية العهد في سورة المعارج حيث تلتها - بعد آية - آية المحافظة على الصلاة.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المعارج: 32 - 34] .

ثالثًا: الأخلاق:

جاء العهد في القرآن الكريم في مجال الالتزام بالأخلاق النبيلة والسلوك الحسن، فكل الآيات التي جاءت مبينة نقض العهد من قِبَلِ مَنْ أُخِذَ منهم، تدل على اتصاف أولئك بأسوأ الأخلاق وأقبحها.

قال تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 100] .

وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77] .

وقال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ} [الأنفال: 55 - 56] .

وفي المقابل يصف القرآن الذين يوفون بالعهد بأحسن الصفات ومكارم الأخلاق.

قال تعالى: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] .

وقال تعالى: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 76] .

وقال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 23 - 24] .

رابعًا: العلاقات مع غير المسلمين:

جاء الإسلام ليقوي العلاقة بين الأفراد والجماعات والأمم والدول بعضها مع بعض، ويحدد إطارها وسياستها، وبهذا توثقت بالعهود والمواثيق، لتكون عاملًا من عوامل النصر وانتشار الإسلام في كل الدول المعروفة وشرع الإسلام للحاكم المسلم أن يعقد العهود والمواثيق والاتفاقيات في السلم والحرب مع الدول الأخرى بما يحقق مصالح الدولة الإسلامية، ويضمن لها استقرارها ونفوذها وسلامتها وقد أوجب الله تعالى الوفاء بتلك العهود والمواثيق وإتمامها وعدم نقضها، واعتبر نقضها خيانةً وغدرًا وخداعًا 37.

قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأحزاب: 55 - 57] .

توضح هذه الآيات أنه إذا حصل عهد بين دولة الإسلام وأي دولة أخرى وقامت الدول الأخرى بنقض هذا العهد، فهم عندئذ أضل من الدواب وجزاؤهم شديد وعقابهم أليم، ليكونوا عبرة لغيرهم ونكالًا للآخرين.

وفي المقابل إن بلغ الدولةَ المسلمةَ أن قومًا ممن عاهدوا يريدون الخيانة ويخططون لها، فلا يجوز للمسلمين أن ينقضوا العهد فجأة وبدون سابق إنذار، ما لم يكن هناك من البراهين الظاهرة على مباشرتهم لنقض عهودهم، وإنما لا بد من نبذ العهد وإعلامهم بفسحة قبل حربهم ومناجزتهم احترامًا للعهود.

قال تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال: 58] .

قال ابن عاشور في هذه الآية: «وإنما رتب نبذ العهد على خوف الخيانة دون وقوعها؛ لأن شؤون المعاملات السياسية والحربية تجري على حسب الظنون ومخائل الأحوال، ولا ينتظر تحقق وقوع الأمر المظنون لأنه إذا تريث ولاة الأمور في ذلك يكونون قد عَرَّضوا الأمة للخطر، أو للتورط في غفلة وضياع مصلحة، ولا تدار سياسة الأمة بما يدار به القضاء في الحقوق؛ لأن الحقوق إذا فاتت كانت بليتها على واحد، وأمكن تدارك فائتها، ومصالح الأمة إذا فاتت تمكن منها عدوها، فلذلك علق نبذ العهد بتوقع خيانة المعاهدين من الأعداء 38.

ومما يدلل على أن الدولة المسلمة تحترم العهد قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 72] .

والمعنى: وإن طلب منكم هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا النصرة على أعدائكم في الدين، فيجب عليكم أن تنصروهم، لأنهم إخوانكم في العقيدة، بشرط ألا يكون بينكم وبين هؤلاء الأعداء عهد ومهادنة، فإنكم في هذه الحالة يحظر عليكم نصرة هؤلاء المؤمنين الذين لم يهاجروا؛ لأن في نصرتهم- على من بينكم وبينهم عهد- نقضا لهذا العهد، فالوفاء بالعهد أولى وأداء حق الميثاق أحرى وأجدى 39.

خامسًا: المعاملات:

لقد جاء العهد في القرآن الكريم في إطار تنظيم التعامل بين الناس لتحل الثقة والأمانة مكان والخوف والخيانة، ولكي يتضح هذا الكلام نورد بعض الأمثلة:

قال تعالى: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 76] .

فقد جاءت هذه الآية بعد أن ذكر لنا سبحانه واقع أهل الكتاب من حيث التعامل معهم.

قال تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} [آل عمران: 75] .

وهذا دليل قوي على أن التعامل والتقايض نوع من العهود يجب الوفاء به، وأي خلل في ذلك فهو خيانة ونقض للعهود، وهذا ما أكد عليه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] .

ومن المعاملات التي عمل القرآن الكريم على تنظيمها بين الناس، ولها ارتباط وثيق بالعهد ما يلي:

1.الزواج والطلاق.

الزواج والطلاق نمط من أنماط التعامل البشري يحتاج إلى ضمانة قوية تضفي على طرفي العقد الود والوئام بعيدًا عن أي محاولة للمكر والخداع، ونلمس قوة هذا العقد وأهميته في ميزان الإسلام من خلال هذه الآيات، قال تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 20 - 21] .

ففي هاتين الآيتين يتضح اهتمام القرآن في تنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة عند الزواج وعند الطلاق.

2.الكيل والميزان.

يجمع الله عز وجل بين الإيفاء بالكيل والميزان وبين الوفاء بالعهد مما يؤكد على العلاقة القوية بين العهود والوفاء بالكيل والميزان.

قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 152]

3.الأمر بالعدل والنهي عن البغي.

بعدما ذكر الحق تبارك وتعالى العدل أعقبه بالأمر بالوفاء بالعهد، والتعامل بين الناس إن لم يصاحبه العدل كان بغيًا وعدوانًا.

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} [النحل: 90 - 91] .

4.الأمانة.

تعتبر الأمانة من أهم أشكال التعامل وأخطرها، ومن هنا نجد العناية بها، فنلاحظ الجمع بينها وبين رعاية العهد في موضعين من القرآن، مع أن الآيات السابقة لهذه الآية في الموضعين واللاحقة كذلك، كل آية منها استقلت في موضوع واحد، بينما جُمِعَا في آية واحدة، وهذا لم يأت عبثًا، وحاشا لله عن ذلك، وإنما للرابط القوي بين معناهما فالأمانة عهد والعهد أمانة.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) } [المؤمنون: 8] 40.

سادسًا: الجهاد في سبيل الله:

وَرَدَ العهد في مجال الحث على الجهاد في سبيل الله، وبيانًا لعظم شأنه وعلو مقامه، وأن التخلف يوم الزحف نقض لعهد الله وانتهاك لحرماته.

فقد جاء قوله: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} [التوبة: 111] .

بعد قوله: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ} [التوبة: 111] .

والتعبير هنا بالاشتراء كناية لجامع ما بينهما من الإيجاب والقبول، يؤكده التصريح بالعهد من الله جل وعلا 41.

وفي موضع آخر ينعى الله على المنافقين سوء فعلتهم يوم الأحزاب وفرارهم عن الجهاد في سبيل الله، مع أنهم قد أعطوا عهودهم ومواثيقهم ألا يفروا.

قال تعالى: {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا} [الأحزاب: 15] .

ولكنهم خانوا وغدروا وبئس ما فعلوه.

وفي المقابل يمدح الله تعالى المؤمنين لصدقهم ولوفائهم بعهودهم وثباتهم في ساحة الجهاد، وكانت أرواحهم ثمنًا للوفاء بعهودهم.

قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23] .

فهاتان صورتان متقابلتان: صورة المؤمنين بوفائهم وصدقهم مع الله، وصورة المنافقين بغدرهم وخيانتهم وسوء فعلتهم

وهكذا يبدو شأن الجهاد في سبيل الله عظيمًا، كيف لا وقد أخذ العهد على المؤمنين بأدائه والقيام به إلى يوم القيامة! وإن تخلوا عن ذلك ضرب الله عليهم الذلة في الدنيا وعاقبهم في الآخرة.

الوفاء فضيلة من فضائل الإسلام العظيمة، والتي حث عليها الإسلام وجعلها دليلًا على الصدق والشجاعة والصبر، ولا يتصف بها إلا عظيم، ولقد جعل الله لكل عهد جزاءً ولكل فعل أثرًا، والخوف والرجاء من صفات النفس البشرية، فهناك نفس تنقاد مع الوعد وأخرى تخشى الوعيد، والمؤمن يعيش دائمًا بين الرجاء والخوف.

أولًا: حكم الوفاء بالعهد.

نقض العهد كبيرة من كبائر الذنوب: وقد أمر الله المؤمنين بالوفاء بالعهود، وحرم عليهم نقضها فقال: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34] .

وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] .

وتوجد الكثير من الأدلة في الكتاب والسنة التي تأمر بوجوب الوفاء بالعهد وتحرم نقضه، قال ابن عطية: «وكل عهد جائز بين المسلمين فنقضه لا يحل» 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت