وأما الملح فلا شك أنه متولد من الماء، وأنت إذا تأملت علمت أن جميع ما يتنزه به الناس في الدنيا ويتلذذون به، فأصله الماء والنبات» 42.والماء الذي يخرج من الأرض، هو من هذا الماء الملح، الذي سخرته القدرة الإلهية؛ ليكون بخارا، فسحابا، فمطرا، فماء عذبا تفيض به الأنهار، وتتفجر منه العيون 43.
وقد دل بذكر الماء والمرعى على جميع ما تخرجه الأرض قوتا للناس وللحيوان حتى ما تعالج به الأطعمة من حطب للطبخ فإنه مما تنبت الأرض، وحتى الملح فإنه من الماء الذي على الأرض 44.
فالقدرة الإلهية تتصرف بحكمة عالية؛ لتحقيق مصالح ومنافع المخلوقات، والتي منها تيسير الحصول على الماء.
لقد وصف القرآن الكريم الماء بعدة أوصاف، منها:
أولًا: الطهارة:
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] .
وقال تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] .
أي: يطهر من الحدث والخبث ويطهر من الغش والأدناس 45.
يقول ابن عاشور رحمه الله: «وماء المطر بالغٌ منتهى الطهارة؛ إذ لم يختلط به شيءٌ يكدره أو يقذره وهو في علم الكيمياء أنقى المياه؛ لخلوه عن جميع الجراثيم، فهو الصافي حقًا. والمعنى: أن الماء النازل من السماء هو بالغ نهاية الطهارة في جنسه من المياه، ووصف الماء بالطهور يقتضي أنه مطهرٌ لغيره؛ إذ العدول عن صيغة فاعلٍ إلى صيغة فعولٍ لزيادة معنًى في الوصف، فاقتضاؤه في هذه الآية أنه مطهرٌ لغيره اقتضاءٌ التزاميٌ؛ ليكون مستكملًا وصف الطهارة القاصرة والمتعدية» 46.
يقول عبد الدائم الكحيل: «الماء النازل من السماء هو ماء مقطر يمتلك خصائص التعقيم والتطهير وليس له طعم! لذلك وصفه البيان الإلهي بكلمة (طهورًا) » 47.
ثانيًا: الغدق:
قال تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} [الجن: 16] .
عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: «الغدق: الماء الطاهر الكثير» 48، و عن مجاهدٍ رحمه الله: «قال: لأعطيناهم مالًا كثيرًا» 49.
والآية كناية عن التوسعة في الرزق؛ لأنه أصل المعاش.
ومن الحقائق التي تبرزها الآية: «الارتباط بين استقامة الأمم والجماعات على الطريقة الواحدة الواصلة إلى الله، وبين إغداق الرخاء وأسبابه، وأول أسبابه توافر الماء واغدوداقه، وما تزال الحياة تجري على خطوات الماء في كل بقعة، وما يزال الرخاء يتبع هذه الخطوات المباركة حتى هذا العصر الذي انتشرت فيه الصناعة، ولم تعد الزراعة هي المصدر الوحيد للرزق والرخاء، ولكن الماء هو الماء في أهميته العمرانية.
وهذا الارتباط بين الاستقامة على الطريقة وبين الرخاء والتمكين في الأرض حقيقة قائمة، وقد كان العرب في جوف الصحراء يعيشون في شظف، حتى استقاموا على الطريقة، ففتحت لهم الأرض التي يغدودق فيها الماء، وتتدفق فيها الأرزاق. ثم حادوا عن الطريقة فاستلبت منهم خيراتهم استلابا، وما يزالون في نكد وشظف، حتى يفيئوا إلى الطريقة، فيتحقق فيهم وعد الله» 50.
ومثل ذلك من الآيات قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96] .
وقوله: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10 - 12] .
ثالثًا: العذب الفرات:
قال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا} [المرسلات: 27] .
عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: {وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا} : عذبًا 51.
تساهم الجبال العالية في تشكل البحيرات العذبة، فإن مياه الأمطار التي تسيل من الجبال تتجمع في الوديان، لتشكل أنهارًا وبحيرات، وتساعد الجبال أيضًا على تشكل الغيوم وهطول الأمطار، وتمر المياه النازلة من الجبال على العديد من الطبقات التي تساعد في تنقية المياه وتنظيفها.
رابعًا: الملح الأجاج:
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان: 53] .
وقال تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [فاطر: 12] .
عن قتادة رحمه الله: الأجاج: المر 52.
قال ابن كثير رحمه الله: «أي: مالحٌ مرٌ زعاقٌ لا يستساغ، وذلك كالبحار المعروفة في المشارق والمغارب: البحر المحيط وما يتصل به من الزقاق، وبحر القلزم، وبحر اليمن، وبحر البصرة، وبحر فارس، وبحر الصين والهند، وبحر الروم، وبحر الخزر، وما شاكلها وما شابهها من البحار الساكنة التي لا تجري، ولكن تموج وتضطرب وتلتطم في زمن الشتاء وشدة الرياح، ومنها ما فيه مدٌ وجزرٌ، ففي أول كل شهرٍ يحصل منها مدٌ وفيضٌ، فإذا شرع الشهر في النقصان جزرت حتى ترجع إلى غايتها الأولى، فإذا استهل الهلال من الشهر الآخر شرعت في المد إلى الليلة الرابعة عشرة، ثم تشرع في النقص، فأجرى الله -سبحانه وتعالى، وهو ذو القدرة التامة- العادة بذلك، فكل هذه البحار الساكنة، خلقها الله سبحانه وتعالى مالحة؛ لئلا يحصل بسببها نتن الهواء، فيفسد الوجود بذلك، ولئلا تجوى الأرض بما يموت فيها من الحيوان، ولما كان ماؤها مالحا، كان هواؤها صحيحًا وميتتها طيبةً» 53.
والبرزخ: الحائل بين شيئين. والمراد بالبرزخ تشبيه ما في تركيب الماء الملح مما يدفع تخلل الماء العذب فيه بحيث لا يختلط أحدهما بالآخر ويبقى كلاهما حافظًا لطعمه عند المصب 54.
يقول العلماء: ما عرف الإنسان أن البحار المالحة بحار مختلفة إلا في الثلاثينات من هذا القرن، بعد أن أقام الدارسون آلاف المحطات البحرية؛ لتحليل عينات من مياه البحار، وقاسوا في كل منها الفروق في درجات الحرارة، ونسبة الملوحة، ومقدار الكثافة، ومقدار ذوبان الأوكسجين في مياه البحار في كل المحطات فأدركوا بعدئذٍ أن البحار المالحة متنوعة.
وما عرف الإنسان البرزخ الذي يفصل بين البحار المالحة، إلا بعد أن أقام محطات الدراسة البحرية المشار إليها، وبعد أن قضى وقتًا طويلًا في تتبع وجود هذه البرازخ المتعرجة المتحركة، والتي تتغير في موقعها الجغرافي بتغير فصول العام.
وما عرف الإنسان أن مائي البحرين منفصلان عن بعضهما بالحاجز المائي، ومختلطان في نفس الوقت إلا بعد أن عكف يدرس بأجهزته وسفنه حركة المياه في مناطق الالتقاء بين البحار، وقام بتحليل تلك الكتل المائية في تلك المناطق.
وما قرر الإنسان هذه القاعدة على كل البحار التي تلتقي إلا بعد استقصاء ومسح علمي واسع لهذه الظاهرة التي تحدث بين كل بحرين في كل بحار الأرض.
تلك المحطات البحرية، وأجهزة تحليل كتل المياه، والقدرة على تتبع حركة الكتل المائية المتنوعة 55.
خامسًا: الثجاج:
قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا} [النبأ: 14] .
والثجاج: المنصب بقوة. ووصف الماء هنا بالثجاج؛ للامتنان 56.
سادسًا: المعين:
قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} [الملك: 30] .
ومعنى معين: جارٍ من العيون 57.
والاستفهام في قوله: {فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ} : استفهام إنكاري، أي: لا يأتيكم أحد بماء معين، أي: غير الله وأكتفي عن ذكره؛ لظهوره من سياق الكلام ومن قوله قبله: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ} [الملك: 20] 58.
سابعًا: المبارك:
قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا} [ق: 9] .
أي: كثير البركة 59.
والبركة: الخير النافع لما يتسبب عليه من إنبات الحبوب والأعناب والنخيل 60.
وهذه الصفات من باب امتنان الله على عباده؛ ليعظموه، ويشكروه.
للماء فوائد كثيرة منها:
أولًا: الإرواء:
يمتن سبحانه وتعالى على عباده بأن جعل لهم الماء صالحًا يفي بحاجتهم، فقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل: 10] .
أي: أنزل مطرًا لكم من ذلك الماء شرابٌ تشربونه، ومنه شراب أشجاركم وحياة غروسكم ونباتها 61.
وقال تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} [الحجر:22] .
أي: جعلنا ذلك المطر لسقياكم ولشرب مواشيكم وأرضكم. ومن البلاغة: قيل: إن أسقيناكموه أبلغ من سقيناكموه؛ لأن سقيته الماء إذا أعطيته قدر ما يروي، وأسقيته نهرًا، أي: جعلته شربًا له، وقيل: سقى وأسقى بمعنًى واحدٍ 62.
وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا} [المرسلات:27] .
ثانيًا: إنبات الزرع:
أخبر تعالى أن من نعمه على خلقه، إنزال المطر؛ لإخراج النبات المتعدد الأشكال والألوان والطعوم والروائح والمنافع الصالحة للإنسان وللحيوان، فقال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى} [طه: 53] . أي: أصنافًا من النبات المختلفة الأزواج والألوان 63، والأشكال والطعوم والروائح والمنافع 64.
وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 99] .
وقال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا} [النبأ: 14 - 15] .
ثالثًا: التطهر للعبادات:
من العبادات التي يستخدم فيها المسلم الماء:
أولًا: الوضوء:
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6] .
وجه المناسبة بين آية الوضوء و ما قبلها:
يرى صاحب المنار رحمه الله: «أن وجه المناسبة بين آية الوضوء وما قبلها هو أن الحدثيين اللذين هما سبب الطهارتين هما أثر الطعام والنكاح، ولولا الطعام لما كان الغائط الموجب للوضوء، ولولا النكاح لما كانت ملامسة النساء الموجبة للغسل» 65.
قال أبو حيان رحمه الله: «وظاهر الآية يدل على أن الوضوء واجب على كل من قام إلى الصلاة، متطهرًا كان أو محدثًا، وكأنه قيل: إن كنتم محدثين الحدث الأصغر فاغسلوا هذه الأعضاء وامسحوا هذين العضوين، وإن كنتم محدثين الحدث الأكبر فاغسلوا جميع الجسم» 66.
قال الشيخ السعدي رحمه الله: «هذه آية عظيمة قد اشتملت على أحكام كثيرة، نذكر منها ما يسره الله وسهله:
-اشتراط الطهارة لصحة الصلاة؛ لأن الله أمر بها عند القيام إليها، والأصل في الأمر الوجوب.
-أن الطهارة لا تجب بدخول الوقت، وإنما تجب عند إرادة الصلاة.
-أن كل ما يطلق عليه اسم الصلاة، من الفرض والنفل، وفرض الكفاية، وصلاة الجنازة، تشترط له الطهارة، حتى السجود المجرد عند كثير من العلماء، كسجود التلاوة والشكر.
-الأمر بغسل الوجه، وهو: ما تحصل به المواجهة من منابت شعر الرأس المعتاد، إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولا. ومن الأذن إلى الأذن عرضا، ويدخل فيه المضمضة والاستنشاق، بالسنة، ويدخل فيه الشعور التي فيه. إيصال الماء إلى البشرة، وإن كانت كثيفة اكتفي بظاهرها.
-الأمر بغسل اليدين، وأن حدهما إلى المرفقين و «إلى» كما قال جمهور المفسرين بمعنى «مع» ؛ ولأن الواجب لا يتم إلا بغسل جميع المرفق.
-الأمر بمسح الرأس، وأنه يجب مسح جميعه؛ لأن الباء ليست للتبعيض، وإنما هي للملاصقة، وأنه يعم المسح بجميع الرأس.
-أنه يكفي المسح كيفما كان، بيديه أو إحداهما، أو خرقة أو خشبة أو نحوهما؛ لأن الله أطلق المسح ولم يقيده بصفة، فدل ذلك على إطلاقه.
-أن الواجب المسح. فلو غسل رأسه ولم يمر يده عليه لم يكف؛ لأنه لم يأت بما أمر الله به.
-الأمر بغسل الرجلين إلى الكعبين، ويقال فيهما ما يقال في اليدين.
-الأمر بالترتيب في الوضوء؛ لأن الله تعالى ذكرها مرتبة؛ ولأنه أدخل ممسوحا -وهو الرأس- بين مغسولين، ولا يعلم لذلك فائدة غير الترتيب.
-أن الترتيب مخصوص بالأعضاء الأربعة المسميات في هذه الآية، وأما الترتيب بين المضمضة والاستنشاق والوجه، أو بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين، فإن ذلك غير واجب، بل يستحب تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه، وتقديم اليمنى على اليسرى من اليدين والرجلين، وتقديم مسح الرأس على مسح الأذنين.
-الأمر بتجديد الوضوء عند كل صلاة؛ لتوجد صورة المأمور به.
-الأمر بالغسل من الجنابة.
-أنه يجب تعميم الغسل للبدن؛ لأن الله أضاف التطهر للبدن، ولم يخصصه بشيء دون شيء.
-الأمر بغسل ظاهر الشعر وباطنه في الجنابة.
-أنه يندرج الحدث الأصغر في الحدث الأكبر، ويكفي من هما عليه أن ينوي، ثم يعمم بدنه؛ لأن الله لم يذكر إلا التطهر، ولم يذكر أنه يعيد الوضوء.
-أن الجنب يصدق على من أنزل المني يقظة أو مناما، أو جامع ولو لم ينزل.
-أن من ذكر أنه احتلم ولم يجد بللا فإنه لا غسل عليه؛ لأنه لم تتحقق منه الجنابة.
-أن مع وجود الماء ولو في الصلاة، يبطل التيمم؛ لأن الله إنما أباحه مع عدم الماء 67.
ثانيًا: الغسل:
قال تعالى: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: 43] .
وقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] .
من منطوق هاتين الآيتين الكريمتين أخذ الفقهاء مشروعية وجوب الغسل للجنب.
رابعًا: النظافة:
قال تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] .
قال السعدي رحمه الله: «يحتمل أن المراد بثيابه، أعماله كلها، وبتطهيرها تخليصها والنصح بها، وإيقاعها على أكمل الوجوه، وتنقيتها عن المبطلات والمفسدات، والمنقصات من شر ورياء، ونفاق، وعجب، وتكبر، وغفلة، وغير ذلك، مما يؤمر العبد باجتنابه في عباداته. ويدخل في ذلك تطهير الثياب من النجاسة، فإن ذلك من تمام التطهير للأعمال خصوصا في الصلاة، قال كثير من العلماء: إن إزالة النجاسة عنها شرط من شروط الصلاة.
ويحتمل أن المراد بثيابه، الثياب المعروفة، وأنه مأمور بتطهيرها عن جميع النجاسات، في جميع الأوقات، خصوصا في الدخول في الصلوات، وإذا كان مأمورا بتطهير الظاهر، فإن طهارة الظاهر من تمام طهارة الباطن» 68.
خلق سبحانه وتعالى الماء نعمة لحياة الكائنات الحية، فكان شرابًا لهم وكان سببًا في إنبات الزرع، وجعله سبحانه في الدنيا إنعامًا على أقوام، وإهلاكًا لآخرين، وجعله في الآخرة عذابًا لأهل النار، ونعيمًا لأهل الجنة.
أولًا: الماء نعيم في الدنيا:
الماء عصب الحياة ونعيمها، فبدونه لا حياة على كوكب الأرض، فهو وسيلة لطهارة المسلم، وجعل الله كل الكائنات محتاجةً إليه؛ لشربها وسقيها، فأنبت الله بها الجنات، والحب والنوى.
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} [الأنعام: 141] .
والماء علاج لكثير من الأمراض، الجلدية والمسالك البولية والمعدة والأمعاء والقولون والعضلات من خلال الشرب والاغتسال بالساخن منه أو البارد.
قال تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 41 - 42] .
أي: اضرب الأرض بها؛ لينبع لك منها عين تغتسل منها وتشرب، فيذهب عنك الضر والأذى، ففعل ذلك، فذهب عنه الضر، وشفاه الله تعالى 69.
وسخر الله ماء البحر؛ لنأكل مما نصطاد من سمكه لحمًا طريًا، ونستخرج منه زينة نلبسها كاللؤلؤ والمرجان، وتتحرك فيه السفن العظيمة تشق وجه الماء تذهب وتجيء، وتركب؛ لطلب رزق الله بالتجارة والربح فيها.
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 14] .
وقد تجمعت حضارات البشرية جميعها حول الماء.
ثانيًا: الماء جزاء وعقاب في الدنيا:
عاقب الله بالماء أقوامًا لم يؤمنوا به، ولم يخضعوا رقابهم لجلاله، منهم:
1.قوم نوح.
دعا نوح قومه لعبادة الله، قال تعالى على لسان نبيه: (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ?2?أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ?3?) [نوح:2 - 3] .
فأعرضوا عن دعوته، وآذوه ومن معه من المؤمنين.
قال تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ?5? فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا ?6? وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ?7? ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ?8? ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ?9? فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ?10? يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ?11? وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا ?12? مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا) [نوح: 5 - 13] .
ولما أعرضوا عن دعوته دعا عليهم بعد إعلام الله له أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، فقال تعالى: (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ?26? إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا) [نوح: 26 - 27] .
فاستجاب له ربه فأخذهم الطوفان.
قال تعالى: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ?11?وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى? أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ?12?) [القمر: 11 - 12] .
أي: فالتقى ماء السماء وماء الأرض على أمرٍ قد قدره الله وقضاه 70. عقوبة لهؤلاء الظالمين الطاغين.
2.فرعون وقومه.
أرسل الله سبحانه وتعالى موسى وهارون إلى دعوة فرعون وقومه فأعرضوا، وادعى فرعون الألوهية.
قال تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَ?هٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى? إِلَ?هِ مُوسَى? وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ) [القصص: 38] .
وادعى الربوبية فقال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى?) [النازعات: 24] .
فكان هو وقومه من المغرقين.
قال تعالى: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى? إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61) قَالَ كَلَّا ? إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى? مُوسَى? أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ? فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنجَيْنَا مُوسَى? وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66 ) ) [الشعراء: 61 - 66] .
فانتقم الله منهم بعاجل العذاب، «وأغرق فرعون وجنوده فلم يبق منهم رجل إلا هلك» 71.
3.سبأ.
أنعم الله على سبأ بنعم كثيرة، وحثهم على شكره عليها، لكنهم أعرضوا، فأرسل الله عليهم سيل العرم.
قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ? جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ? كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ? بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ(15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَ?لِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا ? وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17 ) ) [سبأ: 15 - 17] .