البشر وحوادثهم المكرورة قضايا كونية كبرى، يكشف فيها عن النواميس الإلهية في الوجود، وينشئ بها عقيدة ضخمة شاملة، وتصورًا كاملًا لهذا الوجود.
إن طريقة القرآن في مخاطبة الفطرة البشرية تدل بذاتها على مصدره، إنه المصدر الذي صدر منه الكون، فطريقة بنائه هي طريقة بناء الكون، المشاهدات التي تدخل في تجارب كل إنسان: النسل، والزرع، والماء، والنار، أي إنسان على ظهر هذه الأرض لم تدخل هذه المشاهدات في تجاربه؟ أي ساكن كهف لم يشهد نشأة حياة جنينية، ونشأة نبتة، ومسقط ماء، وموقد نار.
ومن هذه المشاهدات التي رآها أي إنسان ينشئ القرآن العقيدة؛ لأنه يخاطب كل إنسان في كل بيئة، وهذه المشاهدات اليسيرة الساذجة هي بذاتها أضخم الحقائق الكونية وأعظم الأسرار الربانية، فهي في بساطتها تخاطب فطرة كل إنسان. وهي في حقيقتها موضوع دراسة أعلم العلماء إلى آخر الزمان 48.
ويعرض لنا القرآن الكريم جانبًا منها بطريقة تصويرية أخاذة، تبين كمال قدرة الله جل جلاله الذي أنزل هذا الماء من السحاب الرقيق اللطيف، وجعل فيه ماء غزيرًا منه يشربون وتشرب مواشيهم، ويسقون منه حروثهم؛ فتخرج لهم الثمرات الكثيرة والنعم الغزيرة، فيرسم لها صورة شاملة متكاملة، ثم يخلص إلى النتيجة والتوجيه والقناعة الوجدانية.
كما في قوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 10 - 11] 49.
وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [الزمر: 21] 50.
لقد اهتم القرآن الكريم بالعقل كثيرًا، حيث تواردت النصوص التي تحض على التفكير، وتذم الذين يعطلون عقولهم عما خلقت من أجله من تفكر سليم وعقل صحيح، حيث قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22] .
وقال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43] .
فالإسلام ينوه تنويهًا كبيرًا بالعقل ويعلي من مكانته وقيمته، ونجد شاهدًا على ذلك في الآيات القرآنية التي تنزلت بشأنه، فالعقل هو هبة الله جل جلاله للإنسان؛ ولذلك جعله الله سبحانه وتعالى سببًا للتكليف، ومناطًا للمسؤولية.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالاستدلال على الخالق بخلق الإنسان في غاية الحسن والاستقامة، وهي طريقة عقلية صحيحة، وهي شرعية، دل عليها القرآن وهدى الناس إليها؛ فإن نفس كون الإنسان حادثًا بعد أن لم يكن، ومخلوقًا من نطفة ثم من علقة، فإن هذا يعلمه الناس كلهم بعقولهم، فهو إذن عقليٌ؛ لأنه بالعقل تعلم صحته، وهو شرعيٌ أيضًا» 51.
ففي مجال الألوهية يعرض القرآن الكريم جملة من آيات الله الكونية البارزة في خلقه، ووصف طائفة من نعمه السابغة، من آيات القدر والخلق، ومظاهر الموت والحياة والزرع والماء والنار، هذه النعم التي يتقلب فيها الإنسان ليل نهار، صباح مساء دون أن يحسب لها حسابًا 52.
فيقول الله سبحانه وتعالى: نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ