أولًا: المعنى اللغوي:
الحاء والزّاء والنّون أصلٌ واحدٌ، وهو خشونة الشّيء وشدّةٌ فيه 1.
وللعرب في الحزن لغتان، إذا فتحوا ثقلوا، وإذا ضَمُّوا خفّفوا، يقال: أصابه حَزَنٌ شديدٌ، وحُزْنٌ شديد 2.
والحَزَن والحُزْن: ضدّ الفرح وخلاف السّرور، والحزن يأتي بمعنى: الهمّ. والحزونة: الخشونة، والحزن: ما غلظ من الأرض 3.
قال الرّاغب: «الحُزْن والحَزَن: خشونة في الأرض، وخشونة في النفس؛ لما يحصل فيه من الغمّ، ويضادّه الفرح، ولاعتبار الخشونة بالغم، قيل: خشّنت بصدره: إذا حزّنته، يقال: حَزِن يَحْزَن، وحَزَنْتُه وأَحْزَنْتُه 4.
والحَزُون: الشاة السَّيِّئة الخُلُق. ورجلٌ حَزَنٌ، أي: غير سهل الخُلُق. وتَحَزَّن عليه: توجّع. ويقال: أحزنه: جعله حزينًا، وحَزَنَهُ: جعل فيه حُزْنًا. وهو يقرأ بالتّحزين: يرقّق صوته 5.
ومن خلال ما سبق تبين أن الحزن يتمركز معناه اللغوي حول الهم والغم والخشونة والغلظة أو الشدة في الشيء، وهو ضد الفرح والسرور.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال السمعاني: «الحزن: ألم القلب بفراق المحبوب» 6.
وقال الجرجاني: «الحزن: عبارة عمّا يحصل لوقوع مكروه، أو فوات محبوب في الماضي» 7.
وقال المناويّ: الحَزَن بالفتح: ما غلظ وخشن من الأرض. وبالضم: الغمُّ الحاصل لوقوع مكروه أو فوات محبوب في الماضي، ويضاده الفرح» 8.
وعرفه محمد رشيد رضا بقوله: «الحزن ألمٌ يلمّ بالنّفس عند فقد محبوبٍ أو امتناع مرغوبٍ، أو حدوث مكروهٍ» 9.
والمتدبر في المعنيين يجد اتصالًا بينهما، حيث إن المعنى الاصطلاحي يعني: الغم أو ألم القلب الحاصل لوقوع مكروه، أو فوات محبوب، أو امتناع مرغوب. وهذا مرتبط بمعنى الحزن في اللغة التي هي بمعنى الهم والغم من جهة، ومن جهة أخرى أن الخشونة والغلظة أو الشدة تحصل في النفس من الغمّ والهم. فالهم والغم سبب لخشونة النفس وغلظتها.
ورد الجذر (ح ز ن) في القرآن (42) مرة 10.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل المضارع ... 37 ... {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة:40]
المصدر ... 2 ... {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ} [يوسف:84]
اسم ... 3 ... {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [فاطر:34]
وجاء الحزن في الاستعمال القرآني بمعناه في اللغة وهو: خشونة في النفس لما يحصل فيه من الغمّ، ويضادّه الفرح 11.
الكآبة:
الكآبة لغة:
أصل مادة (ك ء ب) تدلّ على انكسارٍ وسوء حالٍ. من ذلك الكآبة. يقال: كَأَبةٌ وكَآبةٌ 12.
الكآبة اصطلاحًا:
«هي سوء الحال والانكسار من الحزن» 13.
الصلة بين الحزن والكآبة:
«الكآبة أثر الحزن البادي على الوجه، ومن ثم يقال: عليه كآبة، ولا يقال علاه حزن أو كرب؛ لأن الحزن لا يرى ولكن دلالته على الوجه وتلك الدلالات تسمى كآبة، والشاهد قول النابغة:
إذا حلَّ بالأرض البرية أصبحت كئيبةَ وجه غَبُّها غير طائل
فجعل الكآبة في الوجه» 14.
الغم:
الغم لغة:
الغَمُّ والغُمُّة: الكرب. والغَمّ: ستر الشيء، ومنه: الغمام لكونه يستر ضوء الشمس. والغُمَّى مثله، ومنه: غُمَّ الهلال، ويوم غَمّ، وليلة غُمّة وغُمّى، وغمّه الأمر، أي: كَرَبَه. يقال: غَمٌ وغُمّةٌ. أي: كَرْب وكُرْبة 15.
الغم اصطلاحًا:
هو الكرب أو الحزن يحصل للقلب بسبب ما 16.
الصلة بين الحزن والغم:
الغم: معنى ينقبض القلب معه، ويكون لوقوع ضرر، أو توقعه، وقد سمي الحزن الّذي تطول مدّته حتّى يذيب البدن هَمًّا، واشتقاقه من قولك: انهَمَّ الشّحم إذا ذاب، وهَمَّهَ: أذابه 17.
الأسف:
الأسف لغة:
أشدّ الحزن. وقد أسف على ما فاته وتأسّف، أي: تلهف. وأسف عليه أَسَفًا، أي: غَضِب. وآسَفَه: أَغْضَبه. والأَسِيفُ: السريع الحزن، وقد يكون الأسيف: الغضبان مع الحزن 18.
الأسف اصطلاحًا:
هو الحزن والغضب معًا، وقد يقال لكل منهما منفردًا، فمتى كان على من دونه أو من فوقه انتشر فصار غضبًا، أو من قوته انتشر فصار حَزَنًا وجَزَعًا 19.
الصلة بين الحزن والأسف:
الحَزَن: هو الأسف على ما فات، والأسف: أشد الحزن 20.
الحسرة:
الحسرة لغة:
أصل مادة (ح س ر) تدل على كشف الشّيء. والحَسْرَة: التّلهّف على الشّيء الفائت. ويقال: حَسِرْت عليه حَسَرًا وحَسْرَةً، وذلك انكشاف أمره في جزعه وقلّة صبره 21.
الحسرة اصطلاحًا:
هي الغم على ما فات والندم عليه، كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه 22.
وقيل: هي بلوغ النهاية في التلهف حتى يبقى القلب حسيرًا لا موضع فيه لزيادة التلهف، كالبصر الحسير لا قوة فيه للنظر 23.
الصلة بين الحزن والحسرة:
الحسرة غم يتجدّد لفوت فائدة 24، والحسرة شدّة التّلهّف والحزن على شيء فات 25.
قال الجرجاني: «كل ما في القرآن من حسرة فهي الندامة، إلّا {لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران:156] ، فإن معناه الحزن» 26.
الهم:
الهم لغة:
ما هممت به في نفسك. تقول: أهمّني هذا الأمر. والهمّ: الحزن. والهمّة: ما هممت به من أمرٍ لتفعله. يقال: إنّه لعظيم الهمّة، وإنّه لصغير الهمّة. ويقال: أهمّني الشّيء، أي: أحزنني. وهمّني، أذابني. والمهمّات من الأمور: الشّدائد 27.
الهم اصطلاحًا:
الهم الحزن الذي يذيب الإنسان. يقال: هممت الشحم فانهمّ، والهمّ: ما هممت به في نفسك، وهو الأصل 28.
الصلة بين الحزن والهم:
الهم يغلظ النّفس، والحزن يقبضها، والحزن يفيد غلظ الهم 29.
قال ابن القيم: «المكروه الوارد على القلب إن كان من أمر ماض أحدث الحزن، وإن كان من مستقبل أحدث الهم، وإن كان من أمر حاضر أحدث الغم» 30.
الفرح:
الفرح لغة:
يقال فرح يفرح فرحًا، فهو فرحٌ على خلاف الحزن 31.
الفرح اصطلاحًا:
«انشراح الصّدر بلذّة عاجلة، وأكثر ما يكون ذلك في اللّذات البدنيّة الدّنيوية» 32.
الصلة بين الحزن والفرح:
الحزن ضد الفرح، فهو يحصل لوقوع مكروه، أو فوات محبوب، أما الفرح فيحصل بنيل القلب مشتهاه.
روى البيهقي عن ابن عبّاسٍ في قوله: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} [الحديد:23] .
قال: «ليس أحدٌ إلّا وهو يفرح ويحزن، ولكن إذا أصابته مصيبة جعلها صبرًا، فإن أصابه خيرٌ جعله شكرًا» 33.
فالحزن يعد أمرًا فطريًّا طبيعيًّا، يستجيب له الإنسان بشكل لا شعوري، فيحزن على ما فاته، أو أصابه من مصائب الدنيا؛ التي لا تخلو حياة الإنسان منها؛ كفقد الأحبة، أو جفوتهم، أو غير ذلك من المكروهات التي تصيب الإنسان.
فهذا نبي الله يعقوب عليه السلام يحزن على فقد ولده يوسف عليه السلام حزنًا شديدًا كاد يهلك من شدته.
يقول الله تعالى: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) } [يوسف:84 - 86] .
يقول السعدي: «أي: وتولى يعقوب عليه الصلاة والسلام عن أولاده بعد ما أخبروه هذا الخبر، واشتد به الأسف والأسى، وابيضت عيناه من الحزن الذي في قلبه، والكمد الذي أوجب له كثرة البكاء، حيث ابيضت عيناه من ذلك. {فَهُوَ كَظِيمٌ} أي: ممتلئ القلب من الحزن الشديد، {وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ} أي: ظهر منه ما كمن من الهم القديم والشوق المقيم، وذكرته هذه المصيبة الخفيفة بالنسبة للأولى، المصيبة الأولى.
فقال له أولاده متعجبين من حاله: {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} أي: لا تزال تذكر يوسف في جميع أحوالك. {حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا} أي: فانيًا لا حراك فيك ولا قدرة على الكلام.
{أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ} أي: لا تترك ذكره مع قدرتك على ذكره أبدًا.
{قَالَ} يعقوب {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي} أي: ما أبث من الكلام {وَحُزْنِي} الذي في قلبي {إِلَى اللَّهِ} وحده، لا إليكم ولا إلى غيركم من الخلق، فقولوا ما شئتم {وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} من أنه سيردهم علي ويقر عيني بالاجتماع بهم» 34.
وهذه مريم بنت عمران عندما جاءها المخاض وهي وحيدة فريدة، رثت لحالها وحزنت على نفسها، وهذه نتيجة طبيعة تحصل للإنسان عندما يلاقي المتاعب والمصاعب، وتتوالى عليه الأحداث الأليمة، فإنه يحزن ويتألم، {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) } [مريم:23] .
فإذا المنادي يناديها يسكن من روعها ويطمئنها {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) } [مريم:24 - 26] .
ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد انتابه ما ينتاب البشر من الحزن نتيجة ما كان يلاقيه من صدود قومه وإعراضهم عن دعوته، بل وتطاولهم عليه بأقوالهم وأفعالهم الشنيعة، فكان ينزل القرآن يسليه: {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) } [آل عمران:176] .
والمقصود من الخطاب تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وإدخال الطمأنينة على قلبه، حتى لا يتأثر بما يراه من كفر الكافرين، ونفاق المنافقين، وفسق الفاسقين 35.
وقال تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) } [الأنعام:33] .
وقد فقد عليه الصلاة والسلام الأحبة من الأقرباء والأصحاب فحزن لذلك وبكى لفقدهم، وقد قال عندما مات ولده إبراهيم: (إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) 36.
يقول ابن عثيمين: «الحزن على الفائت من طبيعة الإنسان، ولا يؤاخذ الإنسان به، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حين مات ابنه إبراهيم: (إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون) ، ولكن إن اقترن بالحزن شيء من المحرم؛ كلطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعور صار من هذه الناحية حرامًا؛ لأنه اقترن بفعل محرم.
أما مجرد الحزن الذي لا يصحبه شيء فقد حصل من النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (لا نقول إلا ما يرضي الرب) فلا نقول: يا ويلاه، واثبوراه» 37.
ومن خلال ما سبق يتبين أن الحزن طبيعة إنسانية فطر الله الخلق عليها، وتحصل للإنسان بغير اختياره فنجده يتأثر ويتألم قلبه على ما يحدث له. وهذه الجبلة مخلوقة كغيرها من الطبائع التي طبع عليها البشر، كالخوف، والغضب، والفرح والسرور.
ذكر القرآن الكريم جملة من الأسباب التي تسبب الحزن، وفي النقاط الآتية سنتناول الآيات الدالة على ذلك مع ذكر أقوال المفسرين حول هذه الآيات:
أولًا: الإعراض عن الإيمان:
تقدم النهي عن الحزن على المعرضين، وقد تناولنا الآيات التي كانت تنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحزن بسبب إعراض الكافرين عن دعوته صلى الله عليه وسلم وكفرهم بما جاء به، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يصاب بالحزن عندما كان يجد الإعراض عن الإيمان من قومه، والكفر برسالته، وعدم الاستجابة له، والدخول في دينه، فكان القرآن يتنزل ليسليه عما يلقاه من أذى قومه، وينهاه عن الحزن.
قال تعالى: {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) } [آل عمران:176] .
وقال: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) } [المائدة:41] .
وقال: {وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23) } [لقمان:23] .
فإعراض الكافرين عن الإيمان كان يسبب للنبي صلى الله عليه وسلم الحزن والحسرة، إما على هؤلاء؛ لأنهم لم يهتدوا؛ أو لأنهم كانوا يؤذونه صلى الله عليه وسلم فيحزن لما يلاقيه.
يقول ابن كثير عند قوله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ} : «أي: لا تحزن عليهم يا محمد في كفرهم بالله وبما جئت به، فإن قدر الله نافذ فيهم، وإلى الله مرجعهم فينبئهم بما عملوا، أي: فيجزيهم عليه {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} فلا تخفى عليه خافية» 38.
وقال الطنطاوي: « {وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ} تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم، عمَّا أصابه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.
أي: ومن استمر -أيها الرسول- على كفره بعد أن بلغته رسالتنا ودعوتنا، فلا يحزنك بعد ذلك بقاؤه على كفره وضلاله، فأنت عليك البلاغ، ونحن علينا الحساب، وإنك لا تهدى من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء» 39.
كما أن من أعرض عن الإيمان والهدى الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يعيش في ضنك وتعاسة، وقلق وحيرة، وكل من أعرض عن الله وعن وحيه وهديه فإنه يتخبط في الظلمات، ويحرم السعادة واللذة الحقيقية.
كما أن الله سبحانه وتعالى قد وعد من اتبعوا هداه بأنهم لا خوف عليه ولا هم يحزنون، فقال: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) } [البقرة:38] .
وقال في سورة طه: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) } [طه:123 - 124] .
فمن أعرض عن ذكر الله حرم من الجزاء الذي هو الأمن والطمأنينة وراحة البال، وحرم من الوعد الإلهي، وكانت معيشته ضنكًا.
يقول ابن كثير: « {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} أي: خالف أمري وما أنزلته على رسولي أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه، {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} أي: ضنكًا في الدنيا، فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد فهذا من ضنك المعيشة» 40.
وقد وعد الله سبحانه الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنهم لا خوف عليه ولا هم يحزنون، فمن لم يؤمن فإنه سيحرم حتمًا من ذلك.
ومن خلال ما سبق يتبن لنا أن من أسباب الحزن الإعراض عن الإيمان وعن الهدى الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا: التكذيب:
وكذلك تقدم معنا في مبحث النهي عن الحزن، النهي عن الحزن على المعرضين، وبينا هناك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصيبه الحزن جراء تكذيب قومه له ووصفه بالكذب، واتهامه بأن ما جاء به ليس من عند الله، وإنما هو اختلاق من قبله، وكان القرآن يتنزل يرد عليهم ويسلي النبي صلى الله عليه وسلم وينهاه عن الحزن.
يقول الله سبحانه وتعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) } [الأنعام:33] .
وقال: {فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (76) } [يس:76] .
أي: لا تحزن يا محمد على تكذيبهم لك، واتهامهم بأنك كاذب أو شاعرٌ أو ساحر، وهذه تسليةٌ للنبي عليه الصلاة والسلام 41.
قال القاسمي: «وقوله تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ} قرئ بفتح الياء وضمها، {الَّذِي يَقُولُونَ} أي: يقولون فيك، من أنك كاذب أو ساحر أو شاعر أو مجنون» 42.
وقال الإمام الطبري: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {فَلَا يَحْزُنْكَ} يا محمد قول هؤلاء المشركين بالله من قومك لك: إنك شاعر، وما جئتنا به شعر، ولا تكذيبهم بآيات الله وجحودهم نبوتك» 43.
وقال ابن كثير: « {فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ} أي: تكذيبهم لك وكفرهم بالله» 44.
فتكذيب الصادق واتهامه بالكذب يسبب له الحزن، ويدخل على قلبه الغم.
كما أن الشخص المكذّب للحق والهدى الذي جاء عن الله سبحانه وتعالى يعد كافرًا، فأول أنواع الكفر كفر التكذيب يقول الله سبحانه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68) } [العنكبوت:68] .
وقد بين لنا القرآن حياة الكافر وكيف يعيش في هذه الدنيا.
قال تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125) } [الأنعام:125] .
فالحزن والقلق والحيرة والاضطراب والحياة النكدة والعيشة الضنك كلها لمن لم يأمن بالله وما جاء عن الله وكذب برسوله ولم يصدقه.
أما في الآخرة فجزاءه جهنم وبئس المصير.
وقد قصَّ الله سبحانه وتعالى لنا في كتابه قصة فرعون وكيف أنه كذب بآيات الله وأعرض عنها، وما كان جزاءه، ويخصنا في هذا الحزن الذي عاقبه الله به نتيجة كفره بالله سبحانه وتعالى وتكذيبه لموسى عليه السلام، فقد جعل الله موسى -الذي التقطه آل فرعون وهو طفل رضيع وتربى في بيت فرعون- عدوًّا وحَزَنًا لفرعون وجنوده، وأن ما كان يحذره فرعون من نهاية ملكه وهلاكه قد حصل، يقول الله سبحانه وتعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) } [القصص:8] .
قرأ حمزة والكسائي: (وحُزْنًا) بضم الحاء، وقرأ الباقون {وَحَزَنًا} بفتحتين 45. وهما لغتان، مثل السَّقَم والسُّقْم، والعَرَب والعُرْب 46.
ومعنى الآية: أخذوه اعتناء به وصيانة له عن الضّياع 47.
{لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} أي: لتكون العاقبة والمآل من هذا الالتقاط، أن يكون عدوًّا لهم وحزنًا يحزنهم، بسبب أن الحذر لا ينفع من القدر، وأن الذي خافوا منه من بني إسرائيل، قيّض الله أن يكون زعيمهم، يتربى تحت أيديهم، وعلى نظرهم، وبكفالتهم.