فهرس الكتاب

الصفحة 835 من 2431

الجنة

أولًا: المعنى اللغوي:

الجنة في اللغة: من (جن) الجيم والنون أصل واحد، وهو الستر والتستر، جنّة مفرد وجمعها جنّات وجنان: وهي ما يصير إليه المسلمون في الآخرة، وهو ثواب مستور عنهم اليوم، والجنة البستان؛ لأن الشجر بورقه يستر، والعرب تسمّي النخيل جنّةً، وتأتي من الاجتنان وهو الستر، لتكاثف أشجارها وتظليلها بالتفاف أغصانها، وسميت بالجنة وهي المرة الواحدة من مصدر جنّه جنًّا إذا ستره، فكأنها سترة واحدة؛ لشدة التفافها وإظلالها، والجنة: الحديقة ذات الشجر والنخل، وفيها تخصيص، ويقال للنخل وغيرها، ويقال: لا تكون الجنة في كلام العرب إلا وفيها نخل وعنب، فإن لم يكن فيها ذلك وكانت ذات شجر فهي حديقة وليست بجنة 1.

وعرفها الراغب الأصفهاني بأنها: «كلّ بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض» 2.

وسميت البساتين والحدائق التي نراها في الأرض بالجنة لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ} [سبأ: 15] .

وعلى هذا فإن لفظ الجنة إذا جاء في القرآن الكريم مرتبطًا بالأرض أو مخصصًا بنخل أو فاكهة فيقصد به الحدائق والبساتين، وإن لم يوجد ما يخصصه فإنما يعني دار النعيم في الآخرة.

ويتضح من المعنى اللغوي للجنة أنها المكان الواسع كثير الأشجار والنخيل ملتف الأغصان ويستر من بداخله، وهو المسمى بالبستان، وسميت الجنة جنةً لاستتار من دخل فيها عمن لم يدخل فيها.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

الجنة في الاصطلاح: «الاسم العام المتناول لتلك الدار وما اشتملت عليه من أنواع النعيم واللذة والبهجة والسرور وقرة الأعين» 3.

وقيل: هي دار الثواب، يدخلها المؤمنون ويخلدون فيها أبدًا ليس فيها حر ولا برد ولا مرض ولا حاجة ولا موت، أعلاها وأفضلها الفردوس، وفوقها عرش الرحمن، ومنها تنفجر أنهار الجنة، فجنة المأوى، فجنة الخلد، فجنة النعيم، فجنة عدن، فدار السلام، فدار الجلال، وأبوابها الكبار ثمانية: باب الشهادتين، وباب الصلاة، وباب الصيام، وباب الزكاة، وباب الحج، وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وباب الصلة، وباب الجهاد في سبيل الله، ومن داخلها عشرة أبواب صغار، وهي سبع جنان متجاورة أوسطها وأفضلها الفردوس.

ويتضح مما تقدم أن الجنة دار النعيم والثواب ادخره الله تعالى لعباده المؤمنين وأهل طاعته وهو مستور عنهم، جزاء لهم على إيمانهم الصادق وعملهم الصالح، وسميت بأسماء متعددة في القرآن، منها: جنة المأوى، وجنة عدن، ودار الخلد، والفردوس، ولها أبواب ثمانية.

وردت مادة (جنن) في القرآن (201) مرة، منها (147) مرة للجنّة 4.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

المفرد ... 70 ... {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35]

المثنى ... 8 ... {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} [الكهف: 33]

الجمع ... 69 ... {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} [التوبة: 72]

وجاءت لفظة الجنّة في الاستعمال القرآني على وجهين 5:

الأول: البستان في الدنيا: ومنه قوله تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} [القلم: 17] ، أي: أصحاب البستان.

الثاني: دار الثواب: ومنه قوله تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الشعراء: 90] .

النار:

النار لغة:

«النّون والواو والرّاء، أصلٌ صحيحٌ يدلّ على إضاءةٍ واضطرابٍ وقلّة ثباتٍ، ومنه النّور والنّار، سمّيا بذلك من طريقة الإضاءة؛ ولأنّ ذلك يكون مضطربًا سريع الحركة» 6.

النار اصطلاحًا:

«الدار التي أعدها الله للكافرين به، المتمردين على شرعه، المكذبين لرسله، وهي عذابه الذي يعذّب به أعداءه، وسجنه الذي يسجن فيه المجرمين، وهي الخزي الأكبر، والخسران العظيم الذي لا خزي فوقه، ولا خسران أعظم منه» 7.

وقيل: «هي دار العذاب والإهانة، أعدّها الله لأعدائه الكافرين الذين كفروا به وعصوا رسله» 8.

الصلة بين النار والجنة:

الجنة دار النعيم المقيم، والنار دار العذاب الأليم.

لا شك أن القرآن الكريم تحدث عن الجنة وأوصافها وأهلها وأسمائها وأبوابها ودرجاتها وعددها وقصورها وأنهارها وغرفها وخيامها ومساكنها وأشجارها وثمارها وعيونها، وكل ما يتعلق بها، فلا تكاد تخلو سورة من بيان للجنة وذلك لأن كل ما عظم شأنه تعددت صفاته وكثرت أسماؤه فهي دار الخلود والبقاء، وأن الله تعالى قد أعدها ووعد بها عباده المؤمنين، وبشر بها من أطاعه فيما أمر، وانتهى عما نهى عنه وزجر، وقد دل على ثبوتها الكتاب والسنة.

ففي الكتاب وردت آيات كثيرة بشأنها تتحدث عنها تصريحًا أو تلميحًا، قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [النساء: 57] .

ومن السنة ما جاء في الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، مصداق ذلك في كتاب الله: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(17) } [السجدة: 17] ) 9.

ودلالة الحديث واضحة في بيان ما أعده الله تعالى لعباده الصالحين من النعيم الدائم في الجنة، مما تقصر عقول البشر عن إدراكه أو الإحاطة به.

وهؤلاء العباد الذين يدخلون الجنة هم كل موحد، كما صح عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) 10.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى) ، قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: (من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) 11.

وذكرت الآيات القرآنية فضلًا عن وجود الجنة بقاءها وأبديتها ودوام نعيمها وخلود أهلها، كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [النساء: 57] .

وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108) } [الكهف: 107 - 108] .

ودلالة هذه الآيات واضحة بأن المتقين في الجنة خالدون، لا يذوقون فيها الموت، ولا يخرجون منها أبدًا.

وفي السنة ما صح عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم) 12.

وما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه) 13.

وما صح من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ينادي منادٍ: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا) فذلك قوله عز وجل: {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43] ) 14.

ثم أننا نجد كثيرًا من الآيات حثت الناس على المسابقة إلى تلك الجنة ونعيمها والفوز بها؛ وذلك بالإيمان والعمل الصالح.

قال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) } [الحديد: 21] .

والتحقيق أن الجنة لا تنال بالعمل الصالح، وإنما السبب الحقيقي لدخولها هو رحمة الله تعالى؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لن يدخل أحدًا عمله الجنة) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: لا، ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة، فسددوا وقاربوا، ولا يتمنين أحدكم الموت: إما محسنًا فلعله أن يزداد خيرًا، وإما مسيئًا فلعله أن يستعتب) 15.

ويتضح مما تقدم أن الجنة دار الله تعالى أعدها لعباده المؤمنين، وجعل فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على بال أحد من النعيم الدائم غير المنقطع، والخلود لأهلها وعدم فنائها، وأن العمل الصالح لا يكفي لدخول الجنة؛ لأن دخولها برحمة الله عز وجل، وكذلك النار وأهلها، لا يدركهم الموت ولا يلحقهم الفناء.

تحدث القرآن الكريم عن الجنة في آيات كثيرة، وكل ما يتعلق بها من صفات وأسماء ودرجات وغير ذلك، وذكر الجنة بصيغ مختلفة، وخصها عن الجنات التي على الأرض وأن تشابهت الأسماء، إلا أن الجنات التي تكلم عنها القرآن الكريم تختلف عن جنات الأرض المتعارف عليها من حدائق وبساتين.

وفي هذا المبحث سنلقي الضوء على ماهية الجنة التي كان فيها آدم وزوجه عليهما السلام من خلال قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) } [البقرة: 31] .

قال ابن كثير: «يقول الله تعالى إخبارًا عما أكرم به آدم عليه السلام: بعد أن أمر الملائكة بالسجود له، فسجدوا إلا إبليس: إنه أباحه الجنة يسكن منها حيث يشاء، ويأكل منها ما شاء رغدًا، أي: هنيئًا واسعًا طيبًا» 16.

واختلف في قوله تعالى: {اسْكُنْ} ، هل هو أمر تكليف أو إباحة؟

قال قتادة رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: «إن الله تعالى ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود؛ وذلك لأنه كلفه بأن يكون في الجنة يأكل منها حيث شاء ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها، فما زالت به البلايا حتى وقع فيما نهي عنه، فبدت سوأته عند ذلك، وأهبط من الجنة وأسكن موضعًا يحصل فيه ما يكون مشتهى له، مع أن منعه من تناوله من أشد التكاليف» 17.

وقيل: «إن ذلك إباحة؛ لأن الاستقرار في المواضع الطيبة النزهة التي يتمتع فيها يدخل تحت التعبد، كما أن أكل الطيبات لا يدخل تحت التعبد ولا يكون قوله تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [الأعراف: 160] أمرًا وتكليفًا بل إباحة، والأصح أن ذلك الإسكان مشتمل على ما هو إباحة، وعلى ما هو تكليف، أما الإباحة فهو أنه عليه الصلاة والسلام كان مأذونًا في الانتفاع بجميع نعم الجنة، وأما التكليف فهو أن المنهي عنه كان حاضرًا وهو كان ممنوعًا عن تناوله، قال بعضهم: لو قال رجل لغيره: أسكنتك داري، لا تصير الدار ملكًا له، فههنا لم يقل الله تعالى: وهبت منك الجنة، بل قال: أسكنتك الجنة، وإنما لم يقل ذلك لأنه خلقه لخلافة الأرض، فكان إسكان الجنة كالتقدمة على ذلك 18.

واختلف أيضًا في الجنة التي أسكنها آدم، هل كانت في الأرض أو في السماء؟ وهل هي جنة الخلد أو جنة أعدت لهما؟

القول الأول: قال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني: هذه الجنة كانت في الأرض، وحملا الإهباط على الانتقال من بقعة إلى بقعة، كما في قوله تعالى: {اهْبِطُوا مِصْرًا} [البقرة: 61] .

واحتجا عليه بوجوه 19:

أحدها: أن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد، ولو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} [طه: 120] .

ولما صح قوله: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [الأعراف: 20] .

وثانيها: أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى: {وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر: 48] .

وثالثها: أن إبليس لما امتنع عن السجود لعن فما كان يقدر مع غضب الله على أن يصل إلى جنة الخلد.

ورابعها: أن الجنة التي هي دار الثواب لا يفنى نعيمها لقوله تعالى: {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} [الرعد: 35] .

ولقوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا} إلى أن قال: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108] أي: غير مقطوع، فهذه الجنة لو كانت هي التي دخلها آدم عليه السلام لما فنيت، لكنها تفنى لقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] .

ولما خرج منها آدم عليه السلام، لكنه خرج منها وانقطعت تلك الراحات.

وخامسها: أنه لا يجوز في حكمته تعالى أن يبتدئ الخلق في جنة يخلدهم فيها ولا تكليف؛ لأنه تعالى لا يعطي جزاء العاملين من ليس بعامل، ولأنه لا يهمل عباده بل لا بد من ترغيب وترهيب ووعد ووعيد.

وسادسها: لا نزاع في أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام في الأرض، ولم يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء، ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء لكان ذلك أولى بالذكر؛ لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النعم، فدل ذلك على أنه لم يحصل، وذلك يوجب أن المراد من الجنة التي قال الله تعالى له: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} جنة أخرى غير جنة الخلد 20.

وذهب من لم يجعلها جنة الخلد إلى أن من دخل جنة الخلد لا يخرج منها، وهذا لا يمتنع، إلا أن السمع ورد أن من دخلها مثابًا لا يخرج منها، وأما من دخلها ابتداء كآدم فغير مستحيل، ولا ورد سمع بأنه لا يخرج منها 21.

القول الثاني: وهو قول الجبائي: أن تلك الجنة كانت في السماء السابعة والدليل عليه قوله تعالى: {اهْبِطُوا مِنْهَا} [البقرة: 38] .

ثم إن الإهباط الأول كان من السماء السابعة إلى السماء الأولى، والإهباط الثاني كان من السماء إلى الأرض 22.

القول الثالث: أن هذه الجنة هي دار الثواب، والدليل عليه: أن الألف واللام في لفظ الجنة لا يفيدان العموم؛ لأن سكنى جميع الجنان محال، فلا بد من صرفها إلى المعهود السابق، والجنة التي هي المعهودة المعلومة بين المسلمين هي دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها 23.

والقول الرابع: أن الكل ممكن والأدلة النقلية ضعيفة ومتعارضة؛ فوجب التوقف وترك القطع، والله أعلم 24.

وقيل: أن جنة المأوى هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه السلام إلى أن أخرج منها وهي في السماء السابعة 25.

وعلى أية حال؛ فمهما تعددت الأقوال في بيان موضع تلك الجنة وتعيينها يبقى الأمر ظنيًّا لا قطعيًّا ولا ينبغي الجزم بكونها في الأرض أو في السماء؛ لأن الله تعالى لم يذكر مكانها فلا يوجد دليل قطعي على ذلك، ثم لا يترتب على معرفتها أو تحديدها حكم؛ لذلك نؤمن بأنها جنة كان فيها آدم وحواء عليهما السلام، وإن فيها رغد العيش.

وردت في القرآن الكريم أسماء كثيرة للجنة اقترنت بعدة صفات، ولها درجات يتفاوت بها أهل الجنة على قدر إيمانهم وأعمالهم الصالحة، وذلك من رحمة الله تعالى وتوفيقه لعباده المؤمنين، وفضله من إنعامه وتفضله، لذا سنبين في هذا المبحث بعض أسماء الجنة ومعانيها ودرجاتها من خلال ما يأتي:

أولًا: أسماء الجنة:

ذكر الله تعالى في القرآن الكريم الجنة بعدة أسماء، منها:

1.دار السلام.

وهي دار الله التي أعدّها لأوليائه في الآخرة، جزاءً لهم على ما أبلوا في الدنيا في ذات الله، وهي جنته، والسلام: اسم من اسماء الله تعالى، وسميت الجنة بهذا الاسم لأن أنواع السلامة حاصلة فيها بأسرها 26.

ووصف الله تعالى الجنة بأنها دار السلام في موضعين هما:

الأول: قال تعالى: {لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127) } [الأنعام: 127] .

وقوله تعالى: {لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ} وهي: الجنة، أي يوم القيامة. وإنما وصف الله الجنة هاهنا بدار السلام لسلامتهم فيما سلكوه من الصراط المستقيم، المقتفي أثر الأنبياء وطرائقهم، فكما سلموا من آفات الاعوجاج أفضوا إلى دار السلام، {وَهُوَ وَلِيُّهُمْ} أي: والسلام - وهو الله - وليهم، أي: حافظهم وناصرهم ومؤيدهم، {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: جزاء على أعمالهم الصالحة تولاهم وأثابهم الجنة، بمنه وكرمه 27.

الثاني: قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25) } [يونس: 25] .

ودار السلام في الآية الكريمة: «هي الجنة، أضافها إلى اسمه تعظيمًا لها، أو السلام والسلامة: لأن أهلها سالمون من كل مكروه، وقيل: لفشوّ السلام بينهم، وتسليم الملائكة عليهم {إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا} » 28.

ولا تعارض بين اسم الله تعالى السلام والجنة التي سميت بدار السلام؛ لقول قتادة رحمه الله تعالى: «الله هو السلام، والدار الجنة» 29.

ويتضح مما تقدم أن الله تعالى قد بشّر عباده المؤمنين بدار السلام وهي الجنة والدعوة على وجه العموم، والسلام اسم من أسماء الله الحسنى، وفي هذه الدار لا يوجد إلا الأمن والأمان، والسلامة من كل مكروه، من الآفات والبلايا والهموم، ومشاق الحياة الدنيا، لذلك وعد الله تعالى بها عباده المؤمنين والصالحين.

2.جنة الخلد.

وهي الجنة التي لا ينقطع نعيمها، التي وعدها الله المتقين من عباده، التي أعدها لهم، وجعلها لهم جزاء على ما أطاعوه في الدنيا، وجعل مآلهم إليها 30.

قال تعالى: {قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15) } [الفرقان: 15] .

أي: «قل لهؤلاء المكذبين تهكمًا بهم وتحسيرًا لهم على مافاتهم: أهذه النار التي وصفت لكم خير أم جنة الخلد التي يدوم نعيمها ولا يبيد، وقد وعدها من اتقاه في الدنيا بطاعته فيما به أمره ونهاه، ثم حقق أمرها تأكيدًا للبشارة بقوله: {كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا} أي: كانت هذه الجنة لهم جزاء أعمالهم في الدنيا بطاعته، وثوابًا لهم على تقواه، ومرجعًا لهم ينتقلون إليه في الآخرة» 31.

والآية الكريمة تبين وعد الله تعالى وبشارته لعباده المؤمنين بجنة الخلد التي لهم فيها ما يشتهون، وهم فيها خالدون أبدًا بلا انقطاع ولا زوال.

3.دار المقامة.

هي دار الإقامة وهي الجنة.

قال تعالى: {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35) } [فاطر: 35] .

أي: دار الإقامة، لما ذكر الله تعالى سرورهم وكرامتهم بتحليتهم وإدخالهم الجنات؛ بين سرورهم ببقائهم فيها، وأعلمهم بدوامها، حيث قالوا: الذي أحلنا دار المقامة أي: الإقامة، وفي قوله: دار المقامة إشارة إلى أن الدنيا منزلة ينزلها المكلف ويرتحل عنها إلى منزلة القبور، ومنها إلى منزلة العرصة التي فيها الجمع ومنها التفريق، والجنة دار المقامة، وكذلك النار لأهلها، وقولهم من فضله أي: بحكم وعده، لا بإيجاب من عنده 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت