أولًا: المعنى اللغوي:
«الفاء والتاء والنون أصل صحيح يدل على الابتلاء والاختبار» 1، ومن هذا الأصل يقال في اللغة: فتنت الذهب، إذا أدخل النار لينظر ما جودته، وهو مفتون وفتين 2، ويسمى الصائغ: الفتان لإذابته الذهب والفضة في النار 3.
وقد وردت الفتنة في كلام العرب، وأريد بها عدة معانٍ، منها: الامتحان والاختبار، وتطلق غالبًا على الاختبار من المكروه، والإثم، والكفر، والقتال، والإحراق، والإزالة، والصرف عن الشيء، والمال، والأولاد، واختلاف الناس بالآراء، وتطلق كلمة الفتان على الشيطان 4.
قال الأزهري: «جماع معنى الفتنة في كلام العرب: الابتلاء، والامتحان، وأصلها مأخوذ من قولك: فتنت الفضة والذهب، أذبتهما بالنار ليتميز الردي من الجيد» 5.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يخرج المعنى الاصطلاحي لكلمة الفتنة عن المعنى اللغوي، ويفهم من معاني الفتنة الواردة في لغة الفصحاء، وفي القرآن والسنة: الاختبار والابتلاء بالعذاب والقتل، والضلال، والكفر، والإثم، والجنون، والإعجاب بالشيء والمرأة 6.
قال الإمام الجرجاني: «الفتنة: ما يتبين به حال الإنسان من الخير والشر» 7. وبمثل ذلك قال ابن حجر: «وأصل الفتنة الامتحان والاختبار، واستعملت في الشرع في اختبار كشف ما يكره» 8.
وردت مادة (فتن) في القرآن الكريم (60) مرة 9.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 11 ... {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} [الأنعام:53]
الفعل المضارع ... 12 ... {يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ} [الأعراف:27]
اسم الفاعل ... 1 ... {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162) } [الصافات:161 - 162]
اسم المفعول ... 1 ... {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) } [القلم:5 - 6]
المصدر ... 35 ... {وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة:191]
وجاءت الفتنة في الاستعمال القرآني على (10) أوجه 10:
الأول: الكفر والشرك: ومنه قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة:193] . يعني: لا يكون شرك. وقوله تعالى: {لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ} [التوبة:48] . يعني: ابتغوا الكفر.
الثاني: العذاب في الدنيا: ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} [العنكبوت:10] . يعني: جعل عذاب الناس في الدنيا كعذاب الله.
الثالث: البلاء: ومنه قوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) } [العنكبوت:2] . يعني: وهم لا يبتلون في إيمانهم.
الرابع: الحرق بالنار: ومنه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [البروج:10] . يعني: أحرقوا المؤمنين والمؤمنات في الدنيا.
الخامس: القتل: ومنه قوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء:101] . يعني: يقتلكم.
السادس: الصد: ومنه قوله تعالى: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة:49] . يعني: أن يصدوك.
السابع: الضلالة: ومنه قوله تعالى: {مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (163) } [الصافات:162 - 163] . يعني: بمضلين.
الثامن: المعذرة: ومنه قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) } [الأنعام:23] . يعني: ثم لم تكن معذرتهم.
التاسع: الفتنة بعينها: ومنه قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [يونس:85] . أي: لا تسلط علينا فرعون وقومه فيقولون: لولا أنا أمثل منهم ما كنا سلطنا عليهم، فيكون ذلك فتنة.
العاشر: الجنون: ومنه قوله تعالى: {بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) } [القلم:6] . يعني: أيكم المجنون.
الابتلاء:
الابتلاء لغةً:
التجريب والاختبار، وابتلاه: اختبره، والتبالي: الاختبار 11.
الابتلاء اصطلاحًا:
الاختبار من الله تعالى للعبد المؤمن في حياته ومعاشه؛ حتى يزداد قدره وأجره، إن صبر واحتسب ورضي بقضاء الله تعالى.
وقيل: وهو: اختبار من الله سبحانه وتعالى في أي جهة تخصه، أو تلزمه، وقد يكون في الخير أو الشر، ففي الخير يكون منحة فيتطلب الشكر من الله، وفي الشر يكون محنة فيتطلب الصبر.
الصلة بين الابتلاء والفتنة:
الابتلاء هو الاختبار من الله تعالىللعبد المؤمن، والفتنة أعم من ذلك وأشمل؛ إذ إنها قد تكون من الله تعالىبلا تكييف ولا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه، وقد تكون من الكافر، كقصة أصحاب الأخدود في فتنة المؤمنين، كما أن الاختبار والابتلاء بالجملة جزء لا يتجزأ من معنى الفتنة ومدلولها.
الاشتباه:
الاشتباه لغة:
التشابه والاشتباه، إذا أشبه كلٌ منهما الآخر؛ حتى التبسا 12.
الاشتباه اصطلاحًا:
حصول التباس نتيجة تشابه شيئين في أمر ما.
الصلة بين الاشتباه والفتنة:
الاشتباه قد يكون له تأثير سلبي وقد لا يكون، كما أنه من العبد، إضافة إلى أن معناه جزء من المعنى العام للفتنة.
الحق:
الحق لغة:
هو نقيض الباطل وخلافه، وهو مصدر من حق الشيء إذا ثبت وكان واجبا 13، ولا يصح إنكاره، يقول ابن فارس: «يدل على إحكام الشيء وصحته 14.
الحق اصطلاحًا:
«هو الحكم المطابق للواقع، يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب، باعتبار اشتمالها على ذلك، ويقابله الباطل» 15.
الصلة بين الحق والفتنة:
الحق لا يكون إلا خيرًا واضحًا ناصعًا، والفتنة قد تأتي بخير إذا كانت من عند الله تعالى، وقد تأتي بسوء إذا كانت من العباد، كما أن الفتنة غامضة فيها بين الحق والباطل.
الفتن والمحن بالشر والخير:
دلت النصوص القرآنية أن سنة الفتنة والابتلاء تكون في الخير والشر، كالفقر والغنى، والصحة والمرض، والخوف والأمن.
قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) } [الأنبياء:35] .
قال الزمخشري: «أي نختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا، وبما يجب فيه الشكر من النعم، وإلينا مرجعكم فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر أو الشكر وفتنة: مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه» 16.
وقال ابن كثير: «أي نختبركم بالمصائب تارة وبالنعم أخرى، فننظر من يشكر ومن يكفر، ومن يصبر ومن يقنط.
قال ابن عباس: «أي بالشدة والرخاء والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال» 17.
ومما يدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) } [الفجر:15 - 16] .
فجعل الإكرام والنعمة ابتلاء كالتضييق في الرزق سواء، فالمنحة والمحنة كلاهما بلاء
والمؤمن يحتاج إلى الصبر على الاثنين، بل القدرة على البلاء في النعمة أشد، «فالمحنة مقتضية للصبر والمنحة مقتضية للشكر والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر، فالمنحة أعظم البلاءين، وبهذا النظر قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «بلينا بالضراء فصبرنا وبلينا بالسراء فلم نصبر» 18.
وقال بعض العارفين: «البلاء يصبر عليه المؤمن والعوافي (جمع عافية) لا يصبر عليها إلا صديق» 19.
وقال الإمام الغزالي: «وإنما كان الصبر على السراء أشد لأنه مقرون بالقدرة ومن العصمة ألا تقدر والجائع عند غيبة الطعام أقدر على الصبر منه إذا حضرته الأطعمة اللذيذة وقدر عليها، فلهذا عظمت فتنة السراء» 20.
وبهذا يقول المرحوم سيد قطب: «إن الابتلاء بالشدة قد يثير الكبرياء ويستحث المقاومة ويجند الأعصاب، فتكون القوى كلها معبأة لاستقبال الشدة والصمود لها، أما الرخاء فيرخي الأعصاب وينيمها ويفقدها القدرة على اليقظة والمقاومة.
ولذلك يجتاز الكثيرون مرحلة الشدة بنجاح حتى إذا جاءهم الرخاء سقطوا في الابتلاء، وذلك شأن البشر إلا من عصم الله، فكانوا ممن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) 21 وهم قليل.
فاليقظة للنفس في الابتلاء بالخير أولى من اليقظة لها في الابتلاء بالشر، والصلة بالله في الحالين هي وحدها الضمان» 22.
أولًا: الفتنة بالخير:
الابتلاء بالشر معروف ولكن الابتلاء بالخير يحتاج إلى فهم دقيق لا يناله إلا ذوو الألباب.
قال تعالى: {فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (49) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (50) } [الزمر:49 - 50] .
يقول تبارك وتعالى مخبرًا عن الإنسان أنه في حال الضراء يتضرع إلى الله ويدعوه، وإذا خوله نعمة بغى وطغى، وقال: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ} أي: لما يعلم الله استحقاقي له، قوله: {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ} أي: ليس الأمر كما زعم بل إنما أنعمنا عليه لنختبره فيما أنعمنا عليه أيطيع أم يعصي 23؟
وقد قالها الذين سبقوهم قالها قارون وكل مخدوع غافلين أنها فتنة للاختبار.
ولعل فتنة الخير تعود كلها إلى «زينة الدنيا» التي تجمع كل خير قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) } [الكهف: 7] .
ذهب الإمام القرطبي إلى «أن الزينة تشمل كل ما على وجه الأرض من جهة خلقه وصنعه وإحكامه» 24.
وما ذاك إلا الابتلاء والاختبار في الزهد بهذه الزينة وعدم الاغترار بها واتخاذها غرضًا للشكر وليس للشهوات والأغراض الفاسدة لأنها زائلة بدليل التعقيب على الآية {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) } [الكهف:8] .
وزينة الدنيا تعم جميع البشر فالدنيا يهبها الله للمؤمن والكافر ولكن الآخرة للمؤمن فقط، ومن ذلك فتنة العطاء قال تعالى: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) } [الإسراء:20] .
وأكثر المفسرين ومنهم القرطبي والرازي على أن المراد من قوله {هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ} المؤمنون والكافرون 25.
جاءت فتنة المال متمثلة بمجموعة المشكلات والانحرافات حول تدبير المال والتي تنعكس على حياة البشر أفرادًا ودولًا مسببة فتنًا ومحنًا شتى وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال) 26.
المال والتملك في نظرة الإسلام غريزة فطرية عند الإنسان وهي من أقوى الغرائز لديه، وبدافع هذه الغريزة يسعى الإنسان ويعمل لإشباعها والحصول على ما ترغب فيه.
والمال في نظر الشريعة زينة الدنيا ومتاعها كما أنه وسيلة لا غاية في حد ذاته، أي وسيلة لتحقيق غايات في مقدمتها طاعة الله عز وجل، قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46) } [الكهف:46] .
ولما كان الإنسان بفطرته يحب المال ويسعد بتملكه فإنه لا يشبع منه، قال تعالى: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) } [الفجر:20] .
وبذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (منهومان لا يشبعان: منهومٌ في العلم لا يشبع منه ومنهومٌ في الدنيا لايشبع منها) 27، وقال في حديث آخر: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب) 28.
ذكر المال في القرآن الكريم ستًا وسبعين مرة وهذا يدل على اهتمام الإسلام به، كما أنه ذكر مقترنًا بالأولاد والأنفس وهو دليل على أنه لايقل عنهما أهمية يقول تعالى: {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة:41] .
ويقول تعالى: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} [النساء:95] .
بل ورد ذكر المال قبل النفس في الآيات كلها التي وردا فيها، ولم يتأخر إلا في واحدة وهي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة:111] .
وهذا إلفاتٌ صريحٌ إلى أن منزلة المال فوق منزلة النفس، وقد أخر في موضع واحد لأنه في مقام البذل، فالمرء في مجال التضحية يجعل آخر شيء هو أعزشيء عنده! 29.
ومع أن المال نعمة إلا أنه - كما أثبتت النصوص - من أشد متع الدنيا فتنةً فتميل النفس إلى الإفراط والاستكثار منه.
قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) } [آل عمران:14] .
والله الذي فطر الناس يعلم سلطان المال على القلوب فعلى هذا جاءت دعوات الأنبياء إلى القناعة والتخفف من سطوة المال، وجاء التحذير منه مقرونًا بالأجر العظيم في الآخرة، ولكن لايفهم التحذير المتكرر من فتنة المال في القرآن والسنة أن الإسلام عدو له، أو ينظر إليه على أنه شر، أو خطر يجب اجتنابه كما فهم البعض 30.
وقد حدد الإسلام صلة الإنسان بالمال بشكلٍ يجعل منه نعمةً كبرى ووسيلة لإسعاده في الدنيا والآخرة، فأعطاه الحق والحرية في اكتسابه بالطرق المشروعة بالسعي والعمل {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) } [النجم:39 - 40] .
فهو إذن أداة خاضعة لتصرف الإنسان إن شاء جعله نعمة وفضلًا ورزقًا طيبًا وإن شاء جعله عكس ذلك.
وبالجملة فالإسلام ينظر للمال على أن ملكيته الحقيقية لله، وأن وضع يد الإنسان عليه وضع استخلافٍ وتوكيل، توجب عليه أن يراعي الله فيه من حيث استثماره وإنفاقه على السواء، وذلك بأن يكون المال قوام الأمة كلها وليس لمالكيها فقط، وأن يتخذ وسيلة لقوة الأمة وتماسكها ضد الأعداء، وهناك آيات تدل على أن صلاح الأمة مرتبطٌ برعاية الله في شؤون المال قال تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء:5] .
وفتنة المال تكون بالخير والشر، وأهم فتن المال:
-فتنة الغنى وآثاره.
الغنى هو امتلاك المال الفائض عن الحاجة، والمال نعمة من الله بها على عباده فقال: {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) } [نوح:12] .
كما سماه القرآن خيرًا فقال: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} [البقرة:180] .
وفي الغنى فوائد دينية ودنيوية، فهو عونٌ على الدين، فالغني ينفق على نفسه ويستعين بالمال على العبادة كالحج والجهاد، وما لا يتوصل إلى العبادة إلا به فهو عبادة، كما أن الغني يتصدق على غيره وينفع عامة المسلمين كبناء المساجد والقناطر والوقف، وكان بعض السلف يمدحون المال ويجمعونه للنوائب وإعانة الفقراء، وإنما قنع بعضهم باليسير منه إيثارًا للعبادات.
والمال نعمة خصوصًا عندما يكون في يدٍ تعرف حقه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم المال الصالح للرجل الصالح) 31.
ولكن قد يكون الغنى فتنة ونقمة، وهو الغالب، يدل عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال) 32. وهذه الفتنة تكون من وجوه:
1.توهم رضا الله عنه.
فقد يخيل للغني أن غناه منحة إلهية تدل على الرضا العالي وأن السعادة لاتقوم إلا به، وقد نفى القرآن ذلك وسمى كلًا من الغنى والفقر ابتلاء، كما قال تعالى: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ?15?ہوَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ?16?) [الفجر:15 - 16] .
كما بين القرآن أنه لولا الفتنة على ضعاف النفوس لقصر الغنى والجاه على الكفار، فقال: (وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَ?نِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ(33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا ? وَإِن كُلُّ ذَ?لِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ? وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) [الزخرف:33 - 35] .
ومن هنا يتبين أن «ليس للمال دلالة معنوية مجردة على خير أو شر وإن كان من الممكن أن يكون خيرًا، ومن الممكن أن يكون شرًا على حسب الطرق التي يؤخذ منها أو ينفق فيها» 33 وصدق القائل: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ(55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ? بَل لَّا يَشْعُرُونَ) [المؤمنون:55 - 56] .
2.عدم أداء حق المال.
وذلك في حالات:
وقد حذر القرآن منه فقال: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ?34?يَوْمَ يُحْمَى? عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى? بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ? هَ?ذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ?35?) [التوبة:34 - 35] .
وتدل الآية على حرص الإسلام على تداول الثروة في المجتمع وعدم حبسها لتعم منفعتها الجميع لقوله تعالى: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) [الحشر:7] .
3.اللهو والصرف عن العبادة.
وإن كان الإسلام يعد العمل عبادة، إلا أن الإفراط في حب المال وجمعه بحيث يطغى على القلب فيجر صاحبه للتقصير حتى في أداء الفروض، وهذا هو موطن الفتنة، أو يصبح المال كل همه وتفكيره دون ذكر الله كما قال تعالى: (. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ? وَمَنْ يَفْعَلْ ذَ?لِكَ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [المنافقون:9] .
4.البطر والتجبر والطغيان.
كما قال تعالى في المال عندما يفيض فيغرق صاحبه: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى? ?6?أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى? ?7?) [العلق:6 - 7] .
والله العارف بمن خلق يعلم بغي الغني فيقول: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) [الشورى:27] .
5.الإغراء بالمعاصي.
لأن فيه القدرة على ذلك والمال نوع من القدرة وخصوصًا عند ضعاف الإيمان وهنا يثبت الابتلاء حيث فتنة السراء أعظم من الضراء فقد يجمع الغني بين كثير مما ذكرنا فيصل إلى حد المترفين الذين يشكلون خطرًا على المجتمع.
وقد نبه القرآن إلى خطورة هؤلاء فذكر أن أول عاداتهم المسارعة في تكذيب الحق والرسل ورد الحق الذي جاءوا به استدلالًا بما لديهم فقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ?34?وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ?35?قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ?36?) [سبأ:34 - 36] .
قال ابن كثير: «وهم أولو الحسب والنعمة والثروة والرياسة» 36، أي أن حجتهم في التكذيب أنهم أكثر من غيرهم أموالًا وأولادًا وهذا دليل على كرامتهم على الله فرد عليهم: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ) وقال في أخرى: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى? إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) [سبأ:37] .
وتكرار مثل هذه الآيات يدل على أن تكذيب الرسل من قبل المترفين سنة مطردة، وقد فصل القرآن مواقفهم هذه تجاه كل نبي فقد تشابه ردهم وكأنهم يشعرون بعاطفة واحدة ويدافعون عن مصلحة واحدة 37.
كما قرر القرآن الكريم أن الترف سبب من أسباب هلاك الأمم وسقوط الحضارات قال تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ?16?) [الإسراء:16] .
قال الزمخشري: «والأمر مجاز: لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم: افسقوا، وهذا لا يكون، ووجه المجاز أنه صب عليهم النعمة صبًا فجعلوها ذريعة الى المعاصي واتباع الشهوات وإنما خولهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير فلما فسقوا حق عليهم القول فدمرهم» 38.
6.فتنة سوء استخدام المال.
ويظهر ذلك في ناحيتين:
ويتمثل في الحالات الآتية:
1.كسب المال بغير حق.