فهرس الكتاب

الصفحة 576 من 2431

لم يقتصر الأمر في الاستكبار على هؤلاء الأفراد وحدهم، بل تعدى ذلك إلى الجماعات والأمم، فقد قص علينا القرآن الكريم من أخبار السابقين ما يصفهم بهذه الصفة، من هؤلاء:

1.قوم نوح عليه السلام.

أرسل الله تعالى نوحًا إلى قومه لينذرهم من قبل أن يأتيهم العذاب، فبلغ رسالة الله، ودعا قومه على كل حال؛ سرًا وجهارًا، ليلًا ونهارًا، لكنهم استكبروا استكبارًا، وعتوا عن أمر ربهم، وعصوا رسول الله نوحًا عليه السلام، ومكث عليه السلام في دعوتهم ألف سنة إلا خمسين عامًا.

قال تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) } [نوح:5 - 9] .

فلم يترك عليه السلام وقتًا، ولم يدخر جهدًا في دعوة قومه إلى الله، لكنهم استكبروا مصرين على استكبارهم.

ولما أمر الله تعالى نوحًا بصنع الفلك؛ لأن موعد هلاك القوم قد اقترب، فبدأ بصنعها في مكان لا ماء فيه، وكان قومه يسخرون منه ويستهزئون به.

قال تعالى: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ} [هود:38] .

وكان استهزاؤهم هذا بنوح عليه السلام يكشف عن تكبرهم عليه وعلى دعوته.

2.قوم هود عليه السلام.

دعا هود عليه السلام قومه إلى عبادة الله وحده ونبذ كل ما دونه من معبودات، وجاءهم بالبينة المصدقة له في دعواه، فاتهموه بالكذب والسفاهة، وقارعهم بالحجة، وذكرهم بحال من سبقهم ومصيرهم، لكنهم تمادوا في العتو والطغيان، فكذبوه وأنكروا عليه دعواه، وقالوا له: {قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) } [هود:53] .

وقالوا كذلك: {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) } [الأعراف:70] .

وقال تعالى مبينًا جحودهم: {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) } [هود:59] .

لذا وصفهم الله تعالى بالاستكبار، وهم مستحقون لهذه الصفة، فقال جل شأنه: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [فصلت:15] .

3.قوم صالح عليه السلام.

تذكر الآيات الكريمة تمرد الملأ من قوم صالح عليه السلام، بعدما قدم لهم البينات، ودعاهم إلى عبادة الله وحده، وأصبح أمر رسالته واضحًا بلا مراء، غير أنهم أنكروا رسالته، وعتوا على أمر الله، وراحوا يصدون من آمن من قومه من المستضعفين عن دين الله، فقصت علينا الآيات هذا الكبرياء الذي كانوا عليه.

قال تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) } [الأعراف:75 - 77] .

فكان صنيعهم هذا كبرياء وتعاظمًا على الحق، لذا سماهم الله بهذا الاسم الذي يلصق بهم صفة الاستكبار.

4.قوم لوط عليه السلام.

وقد كان قوم لوط عليه السلام على معصية مخالفة لما عليه الأقوام السابقون بجانب بعض الكبائر، فبعث الله تعالى لهم نبيه لوطًا عليه السلام، فجاءهم مذكرًا لهم بالله، وناصحًا ومرشدًا إلى ما فيه صلاح الحال في الدنيا والآخرة، وقال لهم بأنهم على فاحشة لم يسبقهم بها أحد من العالمين.

قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) } [العنكبوت:28 - 29] .

لكن قومه كانوا مفترين، فاستكبروا على أمر الله، وأصروا على المعصية.

وقد بدت علامات الكبرياء والتعاظم في ردهم على لوط عليه السلام لما دعاهم لترك الفاحشة.

قال الله تعالى مخبرًا عنهم: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) } [العنكبوت:29] .

وقال تعالى مخبرًا عنهم: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) } [النمل:56] .

روى الطبري رحمه الله عن مجاهد في قوله: {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} قال: من أدبار الرجل وأدبار النساء؛ استهزاءً بهم 46.

أي: استهزاءً بلوط عليه السلام والمؤمنين معه في تطهرهم عن هذه الرذيلة، وهذا يدل على تماديهم في الطغيان والاستكبار، حتى سخروا من الحق، وقلبوا الباطل حقًا والحق باطلًا.

وثم موقف آخر من مواقف عتوهم وتكبرهم: حينما جاء الضيف لسيدنا لوط عليه السلام وعلموا بقدومهم، فجاءوه مسرعين يريدون فعل الفاحشة مع ضيفه.

قال تعالى: {وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} [هود:78] .

وفي موضع آخر قال: {وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71) } [الحجر:67 - 71] .

يقول الإمام الطبري رحمه الله: «وجاء أهل مدينة سدوم، وهم قوم لوط، لما سمعوا أن ضيفًا قد ضاف لوطًا مستبشرين بنزولهم مدينتهم، طمعًا منهم في ركوب الفاحشة» 47.

إنها قمة الطغيان والاستكبار، أن يصل بهم الحال إلى هذا الحد؛ بأن يرتكبوا الفاحشة بضيف لوط عليه السلام! إنهم قد جعلوا نبيهم في موقف عصيب، حتى قال لهم ما قال.

5.قوم شعيب عليه السلام.

أرسل الله تعالى شعيبًا إلى مدين وأمرهم بعبادة الله وحده، وحثهم على ترك كل ما من شأنه الفساد والإفساد، وبين لهم أمرًا شنيعًا ظهر فيهم، وهو التطفيف في الموازين.

قال تعالى مخبرًا عنه قوله لهم: {وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) } [هود:85 - 86] .

لكنهم قابلوا الإحسان بالإساءة، والنصيحة بالرفض، والتصديق بالتكذيب، وتمادوا في طغيانهم وكبريائهم، حتى قالوا -كما ذكر القرآن- في ردهم على شعيب عليه السلام: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) } [الأعراف:88] .

فبردهم هذا الذي يحمل التهديد والوعيد لشعيب عليه السلام والذين آمنوا معه استحقوا وصفهم بالاستكبار.

ومن مواقفهم كذلك صدهم المؤمنين عن سبيل الله.

قال تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) } [الأعراف:90] .

يخبر تعالى عن شدة كفر قوم شعيب وتمردهم وعتوهم، وما هم فيه من الضلال، وما جبلت عليه قلوبهم من المخالفة للحق، ولهذا أقسموا وقالوا: {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} 48.

ومن مواقفهم المجحفة في حق نبيهم التي تدل على تمردهم وتكبرهم على الهدى والطاعة لله ولرسوله: {قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) } [هود:91] .

وانظر إلى موقفهم هذا الذي يصوره لنا القرآن الكريم:. {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) } [الشعراء:185 - 187] .

فكل هذه صور ومواقف للتكذيب والاستكبار عن اتباع الحق، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات، وقد ذكرها لنا القرآن الكريم لأخذ العبرة منها، {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف:111] .

1.جاء الحديث في القرآن الكريم عن الاستكبار على أساليب مختلفة ومتنوعة، منها:

أولًا: الاستفهام الإنكاري.

رهب القرآن الكريم من الاستكبار ونفر منه بأسلوب الاستفهام الإنكاري التوبيخي، وهذان نموذجان ممن استكبروا بغير الحق، وأنكر عليهم القرآن استكبارهم ووبخهم عليه:

1.إبليس.

خلق الله تعالى آدم بيديه، وشرفه بسجود الملائكة له، لكن إبليس أبى أن يكون مع الساجدين، فقال له الله تعالى منكرًا عليه فعله وموبخًا له: {أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) } [ص:75] .

أي: «استكبرت الآن أم كنت من قبل من العالين المتكبرين، والاستفهام للتوبيخ والتقريع لإبليس» 49. والمعنى: «تعظمت عن السجود لآدم، فتركت السجود له استكبارًا عليه، ولم تكن من المتكبرين العالين قبل ذلك {أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} يقول: أم كنت كذلك من قبل ذا علو وتكبر على ربك» 50.

فكما هو واضح في الآية الكريمة أن الله تعالى قد ذم الاستكبار بأسلوب الاستفهام، وهو أبلغ في الحجة، وأوقع في النفس مما لو كان بصيغية الخبر، ولذلك لم يكن من مناص لإبليس للفرار من الإجابة عن السؤال، والإقرار بما في نفسه من حسد لآدم عليه السلام.

2.بنو إسرائيل.

ذم القرآن الكريم بني إسرائيل على ما وقع منهم من كبر، فذمهم الله تعالى أشد ذم بأبلغ أسلوب، فقال تعالى شأنه: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) } [البقرة:87] .

«وبخهم الله سبحانه بهذا الكلام المعنون بهمزة التوبيخ فقال: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ} منكم {بِمَا لَا} يوافق ما تهوونه استكبرتم عن إجابته، احتقارًا للرسل، واستبعادًا للرسالة» 51.

«والخطاب في {جَاءَكُمْ} يجوز أن يكون عامًا لجميع بني إسرائيل، إذ كانوا على طبع واحد من سوء الأخلاق، وتكذيب الرسل، وكثرة سؤالهم لأنبيائهم، والشك والارتياب فيما أتوهم به، أو يكون عائدًا إلى أسلافهم الذين فعلوا ذلك، وسياق الآيات يدل عليه أو إلى من بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبنائهم، لأنهم راضون بفعلهم، والراضي كالفاعل. وقد كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، وسقوه السم ليقتلوه، وسحروه» 52.

فالآية الكريمة تنكر على بني إسرائيل تكبرهم على الحق واتباعهم الهوى، وذلك بأسلوب قوي رصين، جاء على سبيل الاستفهام، فإن هذا الأمر ما كان ينبغي أن يكون منهم، إنما الذي كان ينبغي هو التصديق برسل الله واتباعهم.

ثانيًا: تقبيح عاقبة المستكبرين.

نفرت الآيات الكريمة من الاستكبار بأسلوب آخر، ذلكم هو تقبيح عاقبة المستكبرين، وأن مثواهم بئيس مذموم، وقد قررت الآيات هذه القضية في آيات عدة، كقوله تعالى: {فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [النحل:29] .

وقال أيضًا: {فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر:72، غافر:76] .

وقال كذلك: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [العنكبوت:68] .

فأخبر تعالى في فواصل هذه الآيات أن عاقبة هؤلاء المتكبرين مذمومة.

هذا، وقد توعد الله تعالى المستكبرين بسوء المصير، حيث أخبر تعالى شأنه أن عاقبة أمرهم خسرًا، وأن لهم العذاب الأليم في الدنيا والآخرة:

فأما في الدنيا: فقد أخبرنا سبحانه وتعالى عن حالهم حين احتضار أحدهم كيف يكون من الهول والفظاعة؟!

فقال سبحانه: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام:93] .

وأما في الآخرة: فقد أخبر جل جلاله من أحوالهم ما تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، فقال تعالى شأنه: {وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء:173] .

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36) } [الأعراف:36] .

وفي موضع آخر قال: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) } [الأعراف:40 - 41] .

وبين سبحانه وتعالى أن سبب هذا العذاب هو ما هم عليه من الكبر.

قال تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20) } [الأحقاف:20] .

وبين الله تعالى أن الذين يستكبرون عن عبادته سبحانه ودعائه سيدخلون جهنم مذلولين صاغرين.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) } [غافر:60] .

كما توعد الله تعالى من أتته آياته ثم أعرض عنها مستكبرًا غير مكترث بها، حاله حال الأصم الذي لا يسمع، مع أنه سمع تلك الآيات، فقال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7) } [لقمان:7] .

والوعيد بالعذاب هنا جاء على سبيل التهكم بهم، زيادة في التنكيل بهم، وإيقاع العذاب بهم جسديًا ونفسيًا.

فهذه آيات عديدة تتوعد المستكبرين، وتبين سوء عاقبتهم، فكيف لعاقل أن يتكبر بعد هذا الوعيد الشديد، والتفصيل المبين؟!

ثالثًا: إبطال دعاوى المستكبرين.

هذا أسلوب آخر من أساليب القرآن الكريم المتنوعة في ذم الاستكبار والتنفير منه، فقد جاءت آيات منه تجادل وتحاور وتناقش المتكبرين، وتقرر لهم أن ما هم عليه من التكبر مزعوم لا حقيقة له، فهم أذلاء أمام عظمة الله، حقيرون إذا ما نظروا إلى أصل خلقتهم، ضعفاء مهما أوتوا من قوة، ولذلك نجد القرآن يذكر هؤلاء بأصلهم ومصيرهم تارة، ويبين لهم أنهم ضعفاء مفتقرون إلى خالقهم تارة أخرى، فانظر إلى مجادلة القرآن للمشركين الذين أنكروا بعث الأجساد بعد فنائها، كيف ذكرهم الله تعالى بأصل خلقتهم، ليدلل لهم أن الذي خلقهم أول مرة قادر على أن يعيدهم مرة أخرى، ورد على كبريائهم وتعاظمهم بأنهم خلقوا من ماء مهين.

قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) } [يس:77 - 79] .

فيا من تتكبرون على الله وتعتدون على كماله فتصفونه بالضعف، حين قلتم بعدم بعث الأجساد بعدما صارت ترابًا، انظروا من أين خلقتم ومن أي شيء كان خلقكم؟!

وقال في موضع آخر للذي أعرض عن الذكر بعد إذ جاءه، فلا صدق ولا صلى، بل ذهب إلى أهله يتمطى، متبخترًا افتخارًا، مختالًا في مشيته متكبرًا، فقد ذمه الله تعالى، وأبطل تكبره برده إلى أصل خلقته، فقال: {ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33) } [القيامة:33] .

وهذه عاد قوم هود عليه السلام قد اغتروا بقوتهم، واستكبروا في الأرض بغيًا وعدوًا، وقالوا: من أشد منا قوة؟! فرد الله عليهم ادعاءهم وأبطله، وبين لهم أنه سبحانه هو القوي وما دونه ضعيف، واستدل على ضعفهم بأنهم مربوبون لله مخلوقون له، وكيف لهم كمخلوقات لله أن يتكبروا عليه؟!

قال تعالى يحدثنا عن ذلك: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [فصلت:15] .

واستكبارهم في الأرض بغير الحق معناه: أنهم «بغوا وعتوا وعصوا فيها، {وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} أي: منوا بشدة تركيبهم وقواهم، واعتقدوا أنهم يمتنعون به من بأس الله! {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} أي: أفما يتفكرون فيمن يبارزون بالعداوة؟ فإنه العظيم الذي خلق الأشياء وركب فيها قواها الحاملة لها، وإن بطشه شديد ... فبارزوا الجبار بالعداوة، وجحدوا بآياته وعصوا رسوله» 53.

إذن من خلال هذه النماذج المضروبة يتبين لنا أن القرآن الكريم ذم الكبر ونفر منه بأسلوب الحوار والجدل، وهو أسلوب البليغ في تقرير مهمات الأمور، وإلجاء الخصم إلى الاعتراف والإذعان والتسليم، والرجوع إلى الحق.

رابعًا: الثناء على المتواضعين.

من الأساليب التي سلكها القرآن الكريم في ذم الكبر والمتكبرين: الثناء على نقيضه؛ فقد أثنى الله تعالى على المتواضعين لجلاله وعظمته، وفي المقابل بين أنه سبحانه لا يحب المتكبرين، فقد أثنى سبحانه وتعالى على ملائكته المقربين، فوصفهم بصفة التواضع وعدم التكبر عن عبادته، فقال جل جلاله: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206) } [الأعراف:206] .

فمدح الله سبحانه وتعالى الملائكة بهذا المدح، وكأن السياق تعريض بمن استكبر عن عبادة الله تعالى، فهو كالتعليل للسابق «على معنى: ائتوا بالعبادة على وجه الإخلاص كما أمرتم، فإن لم تأتوا بها كذلك فإنا مغنون عنكم وعن عبادتكم، إن لنا عبادًا مكرمين من شأنهم كذا وكذا» 54، والاستكبار عن العبادة منافٍ للإخلاص، لذا لا تقبل عبادة المستكبرين، وقد وصفهم الله تعالى بالسجود له سبحانه؛ لما فيه من التذلل والتواضع، والبعد عن الكبرياء والتعاظم.

وقد أثنى الله تعالى على القسيسين والرهبان الذين تواضعوا لعظمة الله فلم يستكبروا، فقال تعالى شأنه: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة:82] .

أي: « {لَا يَسْتَكْبِرُونَ} عن قبول الحق إذا فهموه، أو يتواضعون ولا يتكبرون كاليهود. وفيه دليل على أن التواضع والإقبال على العلم والعمل، والإعراض عن الشهوات؛ محمود وإن كانت من كافر» 55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت