فهرس الكتاب

الصفحة 1112 من 2431

وهو يشمل الجهل الذي هو ضد العلم، والجهل الذي هو بمعنى السفه والطيش، ومجموع الآيات يدل على أنهم كانوا مصابين بفساد العقل، وانحطاط الخلق، وإيثار الغي والعدوان على الرشاد والتدبر 184.

ذم الله تعالى يأجوج ومأجوج بأفعالهم القبيحة.

قال تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) } [الكهف:93 - 97] .

يقول تعالى مخبرًا عن ذي القرنين: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} ، وهما جبلان متناوحان بينهما ثغرة يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد الترك، فيعيثون فيهم فسادًا، ويهلكون الحرث والنسل، ويأجوج ومأجوج من سلالة آدم، عليه السلام 185.

{قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} ، أي: قال مترجموهم: إن يأجوج ومأجوج يفسدون أرضنا بالقتل والتخريب وأخذ الأقوات وسائر ضروب الإفساد.

{فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} ، أي: فهل تحب أن نجعل لك جعلًا من أموالنا، فتجعل بيننا وبينهم حاجزًا يمنعهم من الوصول إلينا؟

{قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} ، أي: قال ذو القرنين: إن ما مكننى فيه ربي من بسطة الملك والسلطان ووفرة المال، خير مما تبذلونه لي من الخراج، فلا حاجة بي إليه، والدول القوية يجب أن تحافظ على الدول الضعيفة، ولا تأخذ منها مالًا مادامت قادرة على إغاثتها 186.

وقوله تعالى: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} ، أي: ولكن ساعدونى بفعلة وصناع يحسنون العمل والبناء، أجعل بينكم وبين يأجوج ومأجوج سدًا منيعًا، وحاجزًا حصينًا أمنع مما تريدون.

ثم بين تلك القوة التي طلبها فقال: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} ، أي: جيئوني بقطع الحديد، فلما جاءوه بها أخذ يبني شيئًا فشيئًا حتى إذا جعل ما بين جانبي الجبلين من البنيان مساويًا لهما في العلو، قال للعملة: انفخوا بالكيران في زبر الحديد التي وضعت بين الصدفين ففعلوا، ومازالوا كذلك حتى صارت كالنار اشتعالًا وتوهجًا، فصب النحاس المذاب على الحديد المحمي فالتصق بعضه ببعض، وسد الفجوات التي بين الحديد وصار جبلًا صلدًا، {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} ، أي: إن يأجوج ومأجوج ما قدروا أن يصعدوا من فوق السد لارتفاعه وملاسته، ولا استطاعوا نقبه لصلابته وثخانته 187.

ثالثًا: الملل المذمومة في القرآن الكريم:

ذم القرآن الكريم مللًا كالكفر والشرك والنفاق وأهل الكتاب، وبيان ذلك كما يأتي:

ذم القرآن الكريم الكفر.

قال تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171) } [البقرة:171] .

الكفر في اللغة: ستر الشيء، ووصف الليل بالكافر لستره الأشخاص، والزراع لستره البذر في الأرض، وكفر النعمة وكفرانها: سترها بترك أداء شكرها.

قال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (94) } [الأنبياء:94] .

وأعظم الكفر: جحود الوحدانية أو الشريعة أو النبوة، والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالًا، والكفر في الدين أكثر، والكفور فيهما جميعًا.

قال سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (99) } [الإسراء:99] .

ولما كان الكفران يقتضي جحود النعمة صار يستعمل في الجحود، قال: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) } [البقرة:41] .

أي: جاحد له وساتر، والكافر على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانية، أو النبوة، أو الشريعة، أو ثلاثتها، وقد يقال: كفر لمن أخل بالشريعة، وترك ما لزمه من شكر لله عليه 188.

ذم الله تعالى الكافرين بأنهم لا يسمعون الحق ولا يعقلونه وأنهم كالأنعام، ولما جعل كل فعل محمود من الإيمان جعل كل فعل مذموم من الكفر.

وقوله: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً} ، أي: إن مثل الكافرين في تقليدهم لآبائهم ورؤسائهم، وإخلادهم إلى ما هم عليه من الضلال، وعدم تأملهم فيما يلقى إليهم من الأدلة، مثل البهائم التي ينعق عليها الراعي، ويسوقها إلى المرعى، ويدعوها إلى الماء، ويزجرها عن الحمى، فتستجيب دعوته وتنزجر بزجره، وهي لا تعقل مما يقول شيئًا، ولا تفهم له معنى، وإنما تسمع أصواتًا تقبل لسماع بعضها وتدبر لسماع بعض آخر بالتعود، ولا تعقل سببًا للإقبال والإدبار، ثم بالغ في ذمهم وتقريعهم فقال: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} ، أي: إنهم يتصامون عن سماع الحق، فكأنهم صم، ولا يستجيبون لما يدعون إليه، فكأنهم خرس، ولا ينظرون في آياته تعالى في الآفاق وفي أنفسهم، فكأنهم عمي، لا يعقلون لعملهم مبدأ ولا غاية، بل ينقادون لغيرهم كما هو شأن الحيوان، ومن ثم اتبعوا من لا يعقلون ولا يهتدون 189.

وذم القرآن الكريم الكافرين بأنهم شر ما دب على الأرض.

قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) } [الأنفال:55] .

أي: إن شر ما يدب على وجه الأرض في حكم الله وعدله هم الكافرون الذين أصروا على الكفر ولجوا فيه بحيث لا يرجى إيمان جملتهم أو إيمان جمهورهم 190.

وقد لقبهم الله بالدواب وهو اللفظ الذي غلب استعماله في ذوات الأربع، لإفادة أنهم ليسوا من شرار البشر فقط، بل هم أضل من العجماوات؛ لأن لها منافع، وهؤلاء لا خير فيهم ولا نفع لغيرهم منهم، كما قال تعالى في أمثالهم: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) } [الفرقان:44] .

كما ذمهم بأنهم شر الدواب لا شر الناس، للإشعار بأنهم بمعزل عما يتحلى به الناس من تعقل وتدبر للأمور؛ لأن لفظ الدواب وإن كان يطلق على الناس، إلا أنه عند إطلاقه عليهم يلقى ظلًا خاصًا يجعل العقول تتجه إلى أن هؤلاء الذين أطلق عليهم اللفظ هم إلى الدواب التي لا تعقل أقرب منهم إلى الآدميين العقلاء، وفي وصفه سبحانه لهم بأنهم شر الدواب زيادة توبيخ لهم، لأنهم ليسوا دواب فحسب، بل هم شرها وأخسها 191.

وقوله تعالى: {فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} ، أي: إنهم -بسبب إصرارهم على الكفر- صار الإيمان بعيدًا عنهم، وأنهم سواء أنذروا أو لم ينذروا مستمرون في الضلال والعناد 192.

وذم سلوكهم وتصرفاتهم، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} [محمد:12] .

وهو تصوير زري، يذهب بكل سمات الإنسان ومعالمه، ويلقي ظلال الأكل الحيواني الشره، والمتاع الحيواني الغليظ، بلا تذوق، وبلا تعفف عن جميل أو قبيح، إنه المتاع الذي لا ضابط له من إرادة، ولا من اختيار، ولا حارس عليه من تقوى، ولا رادع عنه من ضمير، وهذا غاية الذم لهم في بلاغة التشبيه 193.

ذم القرآن الكريم الشرك.

قال تعالى: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) } [الحج:31] .

في الآية ذم وتقبيح الشرك والمشركين بسوء العاقبة، وأن الوقوع في الشرك يؤدي إلى الهلاك الذي لا نجاة معه بحال، وقوله: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} ، أي: تمسكوا بهذه الأمور على وجه العبادة لله وحده دون إشراك أحد سواه معه 194.

وقوله: {حُنَفَاءَ} جمع حنيف، وهو المائل عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق 195.

ثم صور سبحانه حال من يشرك بالله تصويرًا تنخلع له القلوب، ويحمل كل عاقل على اجتناب هذا الرجس، فقال: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} ، أي: ومن يشرك بالله تعالى في عبادته، ومات على ذلك، فكأنما سقط من السماء إلى الأرض، فاختطفته جوارح الطير بسرعة فمزقت أوصاله، أو تسقطه الريح في مكان بعيد أشد البعد بحيث لا يعثر له على أثر، والمقصود من هذه الجملة تقبيح حال الشرك والمشركين، وبيان أن الوقوع في الشرك يؤدى إلى الهلاك الذي لا نجاة معه بحال، لأن من يسقط من السماء فتتمزق أوصاله، وتتخطفه الطير أو تلقي به الريح في مكان بعيد لا يطمع له في نجاة، بل هو هالك لا محالة، فالجملة الكريمة مقررة لوجوب اجتناب الشرك بأبلغ صورة 196.

وذم الله تعالى الشرك بأنه ظلم عظيم، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) } [لقمان:13] .

أي: واذكر أيها الرسول الكريم موعظة لقمان لابنه، وهو أشفق الناس عليه، وأحبهم لديه حين أمره أن يعبد الله وحده، ونهاه عن الشرك، وبين له أنه ظلم عظيم أما كونه ظلمًا، فلما فيه من وضع الشيء في غير موضعه، وأما أنه عظيم، فلما فيه من التسوية بين من لا نعمة إلا منه، وهو سبحانه وتعالى، ومن لا نعمة لها، وهي الأصنام والأوثان 197.

وذم الله تعالى المشركين في القرآن على اتباع ما شرع لهم شركاؤهم من الدين ما لم يأذن به الله من عبادة غيره وفعل ما لم يشرعه من الدين.

قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21) } [الشورى:21] .

كما ذمهم على أنهم حرموا ما لم يحرمه الله، والدين الحق أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ولا دين إلا ما شرعه 198.

ذم القرآن الكريم المنافقين، قال تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68) } [التوبة:67 - 68] .

يذم الله تعالى المنافقين بصفاتهم القبيحة، وسوء عاقبتهم في الدنيا والآخرة، واقترانهم مع الكافرين، {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} ، أي: إن أهل النفاق رجالًا ونساء يتشابهون في صفاتهم وأخلاقهم وأعمالهم 199.

المنافقون والمنافقات من طينة واحدة، وطبيعة واحدة، المنافقون في كل زمان وفي كل مكان، تختلف أفعالهم وأقوالهم، ولكنها ترجع إلى طبع واحد، وتنبع من معين واحد، سوء الطوية ولؤم السريرة، والغمز والدس، والضعف عن المواجهة، والجبن عن المصارحة، تلك سماتهم الأصيلة 200.

ثم ذم سلوكهم وأخلاقهم القبيحة: {يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} ، أي: يأمرون غيرهم بكل ما تستنكره الشرائع، وتستقبحه العقول، وينهونهم عن كل أمر دعت إليه الأديان، وأحبته القلوب السليمة، وقوله: {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} ، أي: إن من صفات هؤلاء المنافقين أنهم بخلاء أشحاء عن بذل المال في وجوهه المشروعة 201.

واقتصر من منكراتهم الفعلية على الامتناع عن البذل، لأنه شرها وأضرها وأقواها دلالة على النفاق كما أن الإنفاق في سبيل الله أقوى دلائل الإيمان 202.

وقوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} ، كناية عن رسوخهم في الكفر، وانغماسهم في كل ما يبعدهم عن الله تعالى 203، أي: نسوا أن يتقربوا إليه بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، ولم يعد يخطر ببالهم أن له عليهم حق الطاعة والشكر، واتبعوا أهواءهم ووساوس الشيطان، فجازاهم على ما فعلوا بحرمانهم من لطفه وتوفيقه في الدنيا، ومن الثواب في الآخرة 204.

إنهم {نَسُوا اللَّهَ} ، فلا يحسبون إلا حساب الناس وحساب المصلحة، ولا يخشون إلا الأقوياء من الناس يذلون لهم ويدارونهم، {فَنَسِيَهُمْ} ، الله فلا وزن لهم ولا اعتبار، وإنهم لكذلك في الدنيا بين الناس، وإنهم لكذلك في الآخرة عند الله. وما يحسب الناس حسابًا إلا للرجال الأقوياء الصرحاء، الذين يجهرون بآرائهم، ويقفون خلف عقائدهم، ويواجهون الدنيا بأفكارهم، ويحاربون أو يسالمون في وضح النهار 205.

وقوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ} ، تذييل قصد به المبالغة في ذمهم. أي: إن المنافقين هم الكاملون في الخروج عن طاعة الله، وفي الانسلاخ عن فضائل الإيمان، ومكارم الأخلاق 206.

وقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ} ، بيان لسوء مصيرهم، بعد بيان جانب من صفاتهم الذميمة، أي: وعد الله تعالى المنافقين والمنافقات والكفار المجاهرين بكفرهم {نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} خلودًا أبديًا 207.

وزيادة ذكر الكفار هنا للدلالة على أن المنافقين ليسوا بأهون حالًا من المشركين إذ قد جمع الكفر الفريقين 208.

وقوله جل جلاله: {هِيَ حَسْبُهُمْ} أي: إن تلك العقوبة الشديدة كافية لإهانتهم وإذلالهم بسبب فسوقهم عن أمر ربهم، {وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ} ، أي: طردهم وأبعدهم من رحمته ولطفه، {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} ، أي: ولهم عذاب دائم لا ينقطع، فهم في الدنيا يعيشون في عذاب القلق والحذر من أن يطلع المسلمون على نفاقهم، وفي الآخرة يذوقون العذاب الذي هو أشد وأبقى، بسبب إصرارهم على الكفر والفسوق والعصيان، وبذلك نرى الآيتين الكريمتين قد بينتا جانبًا من قبائح المنافقين، ومن سوء مصيرهم في عاجلتهم وآجلتهم 209.

ومن صفات المنافقين الذميمة الجامعة للخصال الرذيلة (الكذب والخداع) .

قال تعالى: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون:1] .

وقال سبحانه: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء:142] .

وأما قوله جل وعلا: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} [النساء:141] .

فإن التربص صفة للمنافقين وحدهم بدليل قوله {وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ} [النساء:141] ، والتربص حقيقة في المكث بالمكان، ومن بديع النظم القرآني آية جمعت ذم المنافقين لما في دواخلهم وذم أفعالهم وذم نيتهم.

كما في قوله تعالى: {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) } [الممتحنة:2] .

وغيرها من الصفات التي وردت في الآيات القرآنية 210.

ذم القرآن الكريم أهل الكتاب الكفرة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) } [البينة:6] .

يذم الله تعالى الكفرة من أهل الكتاب المخالفين لكتب الله، بسوء العاقبة، واقترانهم بالمشركين، وأنهم شرار الخلق، {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} ، أي: إن هؤلاء الذين دسوا أنفسهم بقبيح الشرك واجتراح المعاصي، وإنكار الحق الواضح بعد أن عرفوه كما يعرفون أبناءهم، يجازيهم ربهم بالعقاب الذي لا يخلصون منه أبدًا، فيدخلهم نارًا تلظى جزاء ما كسبت أيديهم، وجزاء إعراضهم عما دعا إليه الداعي، وهدت إليه الفطرة 211.

ثم ذمهم الله تعالى فقال: {أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} ، أي: هم شر الخليقة على الإطلاق، لإصرارهم على الكفر والإشراك مع علمهم بالحق 212، وتوسيط ضمير الفصل لإفادة اختصاصهم بكونهم شر البريئة، لا يشاركهم في ذلك غيرهم من فرق أهل الكفر 213.

وذمهم الله تعالى على كفرهم وتضليل المؤمنين وصدهم عن دينهم.

قال تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) } [آل عمران:98 - 99] .

وغير ذلك من الآيات.

نقل القرآن الكريم ذم الكفار للملائكة والأنبياء والمرسلين والكتب السماوية والمؤمنين، وبيان ذلك من خلال النقاط الآتية:

أولًا: ذم المشركين للملائكة:

يخبر تعالى عن ذم المشركين للملائكة، قال تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) } [الزخرف:19] .

يخبر الله تعالى أن الكفار افتروا على الملائكة أنهم إناث، زاعمين أنهم بنات الله، ثم توعدهم سبحانه بسوء المصير بسبب افترائهم الكذب، فقال: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} ، والجعل هنا بمعنى القول والحكم على الشيء، كما تقول: جعلت زيدًا أفضل الناس، أي: حكمت عليه بذلك، أي: أن هؤلاء المشركين زعموا وحكموا بأن الملائكة الذين هم عباد الرحمن، وصفوة خلقه، وأهل طاعته، زعموا أنهم إناث، فهل كانوا حاضرين وقت أن خلقناهم حتى حكموا عليهم بهذا الحكم الباطل؟ 214.

ثم وبخهم على ذلك توبيخًا شديدًا، وأنكر عليهم ذلك في قوله: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} ، أي: أحضروا خلق الله لهم، فشاهدوهم بنات حتى يحكموا بأنوثتهم؟

وفي هذا تجهيل شديد لهم، ورمي لهم بالسفه والحمق، ثم توعدهم على مقالهم فقال: {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} ، أي: ستكتب هذه الشهادة التي شهدوا بها في الدنيا في ديوان أعمالهم، ويسألون عنها يوم القيامة ليأتوا ببرهان على صحتها، ولن يجدوا لذلك سبيلًا 215.

وقد حكى القرآن ذلك في آيات أخر، قال تعالى: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (40) } [الإسراء:40] .

وهي كونهم اعتقدوا الملائكة إناثًا، فقد ذكرها، وقوله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (27) } [النجم:27] .

وقوله جل وعلا: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) } [الصافات:149] .

ثانيًا: ذم المشركين للأنبياء والمرسلين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت