فكلّ من بعث الله عز وجل من الرسل والأنبياء كانوا رجالًا من البشر، قال الله عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] .
وكانوا جميعًا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ويسعون في قضاء حوائجهم كغيرهم من البشر، قال الله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 20] .
وهذا كلّه لا ينقص من قدرهم، ولا يقلل من شأنهم، ولا يخدش رسالتهم التي بعثهم الله عز وجل بها؛ إذ الرّسل والأنبياء بشر كسائر البشر، إلا أنّ الله عز وجل قد اصطفاهم بإنزال وحيه عليهم، وبتكليفهم بحمل رسالته، وتبليغ دعوته.
ولقد أنكر الله عز وجل على الكافرين المعاندين -من مشركي مكة- حينما عجبوا من كون الرسول المرسل إليهم بشر مثلهم، وأنكروا أن يرسل الله عز وجل إليهم محمدًا وهو بشرٌ يأكل الطعام كما يأكلون، ويمشي في الأسواق للبيع والشراء وابتغاء المعاش كما يمشون 26، وليس لهؤلاء المكذبين في دعواهم تلك من حجّةٍ أو دليل، وما أرادوا بذلك إلا أن يلبسوا الحق بالباطل، ويضلوا العباد عن الصراط المستقيم، قال الله عز وجل مخبرًا عن أولئك المكذبين الجاحدين: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} [الفرقان: 7] .
فهؤلاء المشركون المكذبون الذين كفروا بنبوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وكذبوا بها، وجحدوها مع علمهم بصدقه فيما يخبر به عن ربّه عز وجل اعتمدوا في تكذيبهم هذا على شبهة واهية، وهي كون النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم بشرًا مثلهم؛ يأكل الطعام، ويمشي في الطرق والأسواق كما يمشي سائر الناس؛ يطلب المعيشة، فهو ليس بملك ولا بملك؛ لأنّ الملائكة لا تأكل، والملوك لا تتبذّل في الأسواق، فعجب -أولئك المكذبون- أن يكون الرسول مساويًا للبشر، لا يتميز عليهم بشيء 27.
وشبهتهم تلك مردودة عليهم، إذ لا يقبلها عقل، ولا يرتضيها منطق؛ فما العجيب في كون الرسول بشرًا؟!، وإنّما جعله الله بشرًا ليكون قريبًا ممن أرسل إليهم، مجانسًا لهم، ولم يجعله الله عز وجل ملكًا من الملوك المتكبرين، الذين يمتنعون من المشي في الأسواق؛ لأنّ ذلك من فعل الجبابرة، ولأنّه أمر بدعائهم فاحتاج أن يمشي بينهم يبلغهم دعوة ربهم عز وجل 28.
ولقد بيّن الله عز وجل أنّ هذا القول الباطل من أولئك المكذبين قد سبقهم به إخوانهم الذين سبقوهم بالكفر والتكذيب ممن كذبوا رسل الله عز وجل على مر العصور؛ فقد قالت عاد عن نبيّهم هود عليه السلام: {مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} [المؤمنون: 33 - 34] ، وقالت ثمود عن نبيّهم صالح عليه السلام: {أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} [القمر: 24] .
وقال فرعون وقومه عن موسى وهارون عليهما السلام: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} [المؤمنون: 47] .
ولذا قال الله عز وجل مخاطبًا كفار قريش: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [التغابن:5 - 6] .
فهذا ديدن المكذبين المعاندين، يثيرون الشّبه والأباطيل، ويجعلون منها سببًا يحرمهم من الإيمان بالله عز وجل وبرسله، ويصدّون بها الناس عن سبيل الله عز وجل، قال تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 94] .
ولقد ردّ الله عز وجل على تلك الشبهة الباطلة، وكذّب من قال بها، «وبيّن سبحانه أنّ الرسل يأكلون، ويمشون في الأسواق، ويتزوجون، ويولد لهم، وأنّهم من جملة البشر؛ إلا أنّه فضلهم بوحيه ورسالته، وأنّه سبحانه لو أرسل للبشر ملكًا لجعله رجلًا، وأنّه لو كانت في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين، لنزّل عليهم ملكًا رسولًا؛ لأنّ المرسل من جنس المرسل إليهم» 29، وقد جاء بيان ذلك في كثير من آيات الكتاب العزيز؛ من ذلك قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 20] .
وقوله عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8) } [الأنبياء: 7 - 8] .
وقوله عز وجل: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد: 38] .
وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف: 109] .
وقد أمر الله عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يصدع أمام قومه بأنّه بشرٌ مثلهم، ليس غريبًا عنهم، وما يميّزه عنهم أنّ الله عز وجل قد أوحى إليه، واصطفاه ليكون مرسلًا إليهم -والبشرية لا تنافي الرسالة-، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الكهف: 110] .
وأخبر سبحانه وتعالى أنّ الرسل السابقين قد قالوا مثل ذلك لأقوامهم {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [إبراهيم: 11] .
فهذه من سنّة الله عز وجل، أن يبعث الرسول من جنس المرسل إليهم، وما ينبغي أن يقال: لم لم يبعث الله عز وجل ملكًا رسولًا؟، إذ كيف للبشر أن يستفيدوا من ملك يغايرهم في أصل الخلقة؟، ويخالفهم في الحقيقة والصفات؟ قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا} [الإسراء: 95] .
«فلو كان في الأرض ملائكة يسكنوها مطمئنين لكان الرسول إليهم من الملائكة؛ ليقع الإفهام، وأمّا البشر فلو بعث إليهم ملكٌ لنفرت طبائعهم من رؤيته، ولم تحتمله أبصارهم، ولا تجلدت له قلوبهم» 30.
ولقد ردّ الله عز وجل على الذين غالوا في عيسى عليه السلام، وقالوا بأنّه إله من دون الله عز وجل، وبيّن سبحانه أنّ عيسى عليه السلام ما هو إلا بشر اصطفاه الله عز وجل بالرسالة، له صفات البشر؛ يأكل الطعام، ويبتغي المعاش، وهذا حال الرسل أجمعين، {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المائدة: 75] ؛ وبهذا فإنّ أكل الرسل عليهم السّلام للطعام ليس نقصًا فيهم ولا عيبًا؛ بل هذه طبيعتهم كغيرهم من البشر، ولا يعتبر أكلهم للطعام متناقضًا مع كونهم رسلٌ من الله عز وجل.
لقد ذكر الله عز وجل في كتابه العزيز أصنافًا عديدةً من الأطعمة؛ حيث ذكر سبحانه أصنافًا من الفاكهة؛ كالأعناب، والرمان، والنخيل، والتين، والثمرات، وذكر سبحانه الحبّ، والزيتون، والأبّ 31، والعسل، واللّبن، وأصنافًا من اللحوم، كلحوم الطير، والأنعام، ولحوم ما أخرج من البحر، وغير ذلك من الأطعمة.
ومن تأمل فيما ذكر من الأطعمة في كتاب الله عز وجل يجد أنّ الله عز وجل قد ذكر تلك الأطعمة إمّا على سبيل تعداد نعمه سبحانه على عباده، والتنبيه على منافع بعض الأطعمة، ودعوة الإنسان إلى التفكر والتأمل كما في قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [عبس: 24 - 32] .
وإمّا على سبيل بيان قدرة الله عز وجل في خلقه وبديع صنعه، كما في قوله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 4] .
وإمّا على سبيل التشريع، وبيان ما أباح سبحانه لعباده، وما حرّم عليهم من الأطعمة، كقوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 145] .
وإمّا على سبيل بيان طعام أهل الجنّة، وما أعد الله عز وجل لهم من نعيم مقيم، وذلك كثيرٌ في القرآن المجيد، منه قول الله سبحانه: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ} [الواقعة: 27 - 33] .
وقوله: {وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) } [الواقعة: 20 - 21] .
ونقف في هذا المبحث بإذن الله تعالى على أنواع الأطعمة في القرآن الكريم من حيث الحلّ والحرمة، والتعرف على شيء من حكمة الباري سبحانه في التحليل والتحريم.
أولًا: الأطعمة المباحة:
إنّ من رحمة الله عز وجل بعباده، وعظيم فضله عليهم أن خلق لهم أصنافًا متنوعةً من الأطعمة والأغذية والأشربة؛ فمنها الجامد ومنها اللّين، ومنها الحلو ومنها المالح، ومنها الحار ومنها البارد، ومنها ما ينبت في الصيف ومنها ما ينبت في الشتاء، ومنها غير ذلك؛ ولم يجعل سبحانه طعام العباد شيئًا واحدًا؛ تسأم منه النفوس، وتملّه الأجساد.
ومن كرمه سبحانه أن جعل عامّة ما خلق لعباده من الطعام حلالًا طيبًا، ولم يحرّم عليهم إلا قليلًا من ذلك، وجعل سبحانه كلّ ما كان طيبًا رزقًا حلالًا للعباد، وأمر سبحانه عباده أن يأكلوا منه، ويشكروا ربّهم عليه.
قال عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172] .
وهذا الأمر قد أمر الله عز وجل به من قبل رسله عليهم السلام {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51] .
والطيبات يراد بها: كلّ ما أحلّ الله عز وجل لعباده من الطعام والشراب، فطاب بتحليل الله عز وجل له 32، والطيبات أيضًا هي ما يستطاب ويستلذ من مباحات المأكل والفواكه 33.
فما أعظم نعم الله عز وجل على العباد؛ إذ أباح لهم الطيبات؛ يأكلون منها، ويستلذون بطعمها وريحها، وتتقوى أجسامهم بالتغذي عليها، قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 4] .
قال الفخر الرازي: «واعلم أنّ الطيب في اللغة هو المستلذ، والحلال المأذون فيه يسمى أيضًا طيبًا تشبيهًا بما هو مستلذ؛ لأنّهما اجتمعا في انتفاء المضرة؛ فلا يمكن أن يكون المراد بالطيبات هاهنا المحللات، وإلا لصار تقدير الآية: قل أحلّ لكم المحللات، ومعلومٌ أنّ هذا ركيك؛ فوجب حمل الطيبات على المستلذ المشتهى، فصار التقدير: أحلّ لكم كلّ ما يستلذ ويشتهى» ، ثم قال: «ثم اعلم أنّ العبرة في الاستلذاذ والاستطابة بأهل المروءة والأخلاق الجميلة» 34.
وقد امتنّ الله عز وجل على عباده بأن أحلّ لهم الطيبات، وذلك في سياق تذكير العباد بعظيم نعم الله عز وجل عليهم، وسعة رحمته بهم، وجزيل عطائه لهم، قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [غافر: 61 - 64] .
يقول السعدي في تفسير قوله تعالى: {وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} : «وهذا شامل لكل طيب؛ من مأكل، ومشرب، ومنكح، وملبس، ومنظر، ومسمع، وغير ذلك من الطيبات التي يسّرها الله عز وجل لعباده، ويسر لهم أسبابها» 35.
فالطعام الحلال هو كل طعام طيب، أحلّه الله عز وجل لعباده، وغالب الأطعمة طيبة محللة، ولا ينبغي أن يقال عن طعام: إنّه حرام إلا إذا ثبت تحريمه في كتال الله عز وجل، أو في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والقاعدة في ذلك أنّ الأصل في الأطعمة الحل إلا ما ثبتت حرمته.
وقد ذكر الله عز وجل أنّ من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنّه يحلّ لمن اتبعه الطيبات، ويحرّم عليهم الخبائث، فقال تعالى مادحًا من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، ومبيّنًا بعض أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] .
فمما جاء به هذا النبي الكريم أنّه يحلّ الطيبات.
ولما أحلّ الله عز وجل لعباده الطيبات؛ فإنّه سبحانه نهاهم أن يحرّموا على أنفسهم شيئًا من تلك الطيبات التي أحلّها سبحانه وتعالى لهم؛ فإنّ الله عز وجل أراد من عباده أن يتمتعوا بنعمه، وأن يأكلوا مما أحلّه لهم، ولا ينبغي أن يحرّم العبد على نفسه شيئًا أحلّه الله عز وجل له، فقال عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة: 87 - 88] .
فليس لأحد من المسلمين أن يتعدّ حدود الله عز وجل، بتحريم شيء على نفسه مما أحل الله لعباده المؤمنين من طيبات المطاعم والملابس والمناكح، ولا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده، وإنّما الفضل والبر في فعل ما ندب الله عز وجل عباده إليه، وعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنه لأمته، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون 36.
ويفهم من هاتين الآيتين أنّ الأكل من الحلال، والتلذذ بالطيبات لا يتنافي مع تقوى الله عز وجل؛ بل العبد التقي ينعم بما أحلّ الله له، ويشكر المنعم سبحانه على عطائه ونعمه، وليس من التقوى تحريم الطيبات، وهجر المباحات، وقد أكل النبي صلى الله عليه وسلم ثريد اللحم ومدحه، وكان يحب الحلوى، ويحب الطيب، ويتزوج النساء 37.
قال القرطبي: «قال علماؤنا: في هذه الآية وما شابهها، والأحاديث الواردة في معناها ردٌّ على غلاة المتزهدين، وعلى كل أهل البطالة من المتصوفين؛ إذ كل فريقٍ منهم قد عدل عن طريقه، وحاد عن تحقيقه» 38.
فالعبد التقي ينعم بما أحلّ الله من الطيبات، ولا يعتدي بالإسراف أو التقتير، ولا يتعدّى الحلال إلى الحرام، ولا يحرّم ما أحل الله سبحانه وتعالى 39.
ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّ الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) 40.
ومن نعمته سبحانه على عباده أنّه أباح لهم التمتع بالحلال الطيب من الأطعمة وغيرها، قال الصنعاني: «في هذه الأحاديث دلالة أنّ الله تعالى يحب من العبد إظهار نعمته في مأكله وملبسه؛ فإنّه شكر للنعمة فعليّ، ولأنّه إذا رآه المحتاج في هيئة حسنة قصده ليتصدق عليه» 41.
ثانيًا: الأطعمة المحرّمة:
لقد حرّم الله عز وجل بعض الأطعمة وبعض الأشربة على عباده، ولا شكّ أنّ لهذا التحريم حكمًا عظيمةً أرادها الله عز وجل؛ قد يظهر للعباد بعضها، ويخفى عليهم بعضها الآخر، والله عز وجل يحل ما يشاء، ويحرّم ما يشاء، والعبد يسمع ويطيع مولاه، ولا يتجاوز حدوده، فالعبد عبدٌ، والرّب ربٌ.
وإنّ من رحمة الله عز وجل بعباده أن جعل الأطعمة المحرمة قليلةً محصورةً، يسهل على العباد معرفتها، ويسهل عليهم تجنبها، ولا يتضررون بالامتناع عنها؛ بل الخير كلّه في التزام أمر الله عز وجل، وعدم مجاوزة حدوده؛ فإنّه سبحانه يشرع لعباده ما يصلحهم، وهو سبحانه أعلم بما ينفعهم، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] .
وقد بيّن الله عز وجل المحرمات من الأطعمة منذ العهد المكي، حيث أنزل الله عز وجل قوله: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 145] .
فهذه الآية المكية جاءت في سياق الردّ على المشركين الذين كانوا يحرّمون على أنفسهم بعض الأطعمة، ويفترون على الله عز وجل الكذب بأنّه قد حرّمها، قال تعالى: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأنعام: 143] .
ثمّ جاءت هذه الآية: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ} لتبين أنّ الحرام ليس ما حرّمه أولئك الجهال على أنفسهم، ونسبوا التحريم إلى الله كذبًا وافتراءً عليه؛ وإنّما الحرام ما حرّم الله عز وجل، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم 42.
فالمحرمات الواردة في هذه الآية ليست جميع المحرمات؛ لأنّ هذه الآية مكيّة، وقد نزل بعدها تحريم بعض الأطعمة في العهد المدني؛ كما في سورة المائدة، في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة: 3] .
وقد ورد في السّنة تحريم بعض الأطعمة أيضًا؛ كلحوم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير.