الأول: إن الله جل جلاله جعله أبا البشر فإن الله تعالى عندما عذب قومه بالطوفان كان الناس كلهم قد غرقوا وصارت ذريته هم الباقين؛ فيعتبر نوح عليه السلام هو أبو البشر الثاني بعد آدم عليه السلام.
الثاني: إن الله تعالى أطال عمره، فقد مكث في الدعوة فقط ألف سنة إلا خمسين عامًا، بالإضافة إلى عمره قبل تكليفه بالرسالة، وإلى عمره بعد نجاته والمؤمنين من الطوفان.
الثالث: إن الله عز وجل استجاب دعاءه لما دعا على الكافرين من قومه، فأهلك الله تعالى بدعائه أهل الأرض.
الرابع: إن الله سبحانه وتعالى حمله على السفينة التي أمره بصنعها؛ لينجيه والمؤمنين معه من الطوفان القادم لإهلاك الكافرين.
الخامس: هو أول رسول شرع الله تعالى على لسانه الشرائع وأحكام الحلال والحرام، ونسخ الشرائع التي كانت قبله من حل الزواج بالخالات والعمات 66.
هذا بالإضافة إلى ما وفقه الله تعالى من الصبر، والاحتمال والشكر والدعوة إلى الله تعالى في جميع الأوقات والأحوال 67.
ثانيًا: معالم دعوته:
من خلال استعراض الآيات القرآنية التي ذكرت دعوة نوح عليه السلام لقومه نجد أن دعوته عليه السلام ارتكزت على ثلاثة معالم:
الأول: الاستناد إلى قوة الله القوي العزيز.
الثاني: الدعوة إلى الإيمان بالله عز وجل.
الثالث: الدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر.
والآن إلى تفصيل هذه المعالم فيما يأتي:
1.الاستناد إلى قوة الله القوي العزيز.
إن التعبير بقوله تعالى: (. لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى? قَوْمِهِ) [الأعراف:59] .
وهذا التعبير مؤكد بثلاثة مؤكدات، فالأسلوب أسلوب قسم دلت عليه اللام الموطئة له، هذا الأول، أما الثاني فهو حرف التحقيق (قد) الداخل على الفعل الماضي (أرسلنا) ، فيدل على التوكيد، وعلى تحقق وقوع الفعل، والثالث هو صيغة الفعل الماضي (أرسلنا) الدالة على أن الفعل قد حصل وانتهى وتحقق، في حين كان التعبير في سورة نوح بقوله: (إنا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى? قَوْمِهِ) ، فهو مؤكد أيضًا بـ (إن) والفعل الماضي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الفعل (أرسلنا) مسندٌ إلى نون العظمة، فهذا الإرسال ليس من عند أحد، إنما هو من عند الله جل جلاله المتصف بجميع صفات الجلال والكمال، فكأن نوحًا عليه السلام يستند في دعوته إلى قوة القوي العزيز ويرتكن إليها، وهذا شأن جميع الأنبياء والمرسلين في دعوتهم لأقوامهم.
ويستفاد من هذا أن الدعاة إلى الله عز وجل يجب عليهم أن يستعلوا بالحق الذي معهم، فيركنوا إليه سبحانه وتعالى، فلا يذلوا، ولا يهنوا، ولا يشعروا بالدونية والانكسار، إنما يشعرون بالعزة المستمدة من عزة الله عز وجل 68، كما قال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ?) [فاطر:10] ، وقوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون:8] .
2.الدعوة إلى الإيمان بالله عز وجل.
أمر نوح عليه السلام قومه بعبادة الله تعالى، وبين لهم على سبيل الحصر أنه لا إله لهم سوى الله تعالى، فقال: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ) [الأعراف:59] .
وفي موضع آخر: أَن لَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) [هود:26] .
ومعنى عبادة الله تعالى توحيده عز وجل، وسمي التوحيد عبادة؛ لأن العبادة لا تصح إلا بالتوحيد فيها خالصًا 69. وقدم نوح عليه السلام دعوته مشفوعةً بالدليل، وهو قوله: (مَا لَكُم مِّنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ) ، وكان قومه يصنعون أصنامًا بأيديهم، وزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى، فهم يعترفون بالله عز وجل ربًّا، ولكنهم يشركون في العبادة معه هذه الأصنام التي يعبدونها من دون الله تعالى، فبين لهم نوح عليه السلام أنه ليس هناك إلهٌ يستحق العبادة إلا الله جل جلاله؛ لأنه هو الخالق الرازق المدبر لجميع أمورهم، وما سواه مخلوقٌ مدبرٌّ له ليس له من الأمر من شيء 70. فهو الإله الذي يجدر أن تتعلق القلوب به، وتطمئن النفوس إليه، وتجأر بالدعاء له وحده.
وهذا المعلم الذي بدأ به نوح عليه السلام دعوته هو الأساس الذي يشاد عليه البنيان، كما أن هذا المعلم هو الذي أتى به كل الأنبياء والرسل يدعون إليه أقوامهم، ويرشدونهم إلى هذا الطريق المستقيم، ويدعونهم إلى عبادة الله تعالى وحده، كما قال جل شأنه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء:25] .
وقوله: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى? بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى? وَعِيسَى? ? أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ?) [الشورى:13] .
فهذا يؤكد أن العقيدة والأصول العامة لهذا الدين هي واحدة عند جميع الأنبياء والرسل، ولكن الشرائع والأحكام الفقهية هي التي تختلف.
3.الدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر.
كما دعا نوح عليه السلام قومه إلى إفراد الله عز وجل بالألوهية والعبادة دعاهم أيضًا إلى الإيمان باليوم الآخر، يوم البعث والحساب، عندما خوفهم من عذاب الله تعالى في هذا اليوم، فقال: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف:59] .
وفي موضع آخر قال: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود:26] .
وذكر المفسرون أنه لا مانع من أن المقصود باليوم في الآيتين هو يوم القيامة، أو يوم نزول عذاب الطوفان عليهم 71، والمعنيان يحملان الهلاك والعذاب سواء كان في الدنيا أم في الآخرة.
وعلى كلٍّ فإن نوحًا عليه السلام يخوفهم من يوم القيامة بدءًا من خروج الناس من قبورهم وما يكون في هذا اليوم من أهوال وأحداث حتى يدخل أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار ويستقر كلّ منهما فيما دخله.
وعند التأمل في وصف العذاب بأنه عظيم أو أليم فالوصفان على صيغة مبالغة على وزن (فعيل) ، فهذا يدل على أن هذا العظم والإيلام لا يدرك من جهته، ولا تدرك المشاعر حقيقته في الدنيا، فيمكن تخيل مدى قوة هذا العذاب وهوله وعظمته وشدة إيلامه.
ثالثًا: أساليب دعوته:
تعددت أساليب دعوة نوح عليه السلام، ومن خلال استقراء الآيات نجد فيها عدة أساليب، نذكر منا ما يأتي:
1.أسلوب الحوار.
وهو أسلوبٌ استخدمه نوح عليه السلام مع قومه؛ لبيان الحق، وعرض العقيدة، وطلب الإيمان بالله تعالى، ومنها قوله: (أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى? رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:63] .
والمعنى: أعجبتم يا قوم أن جاءتكم رسالةٌ من ربكم تحمل لكم الموعظة والبيان على رجلٍ منكم تعرفون صدقه وأمانته من قبل دعوتكم؛ لينذركم عذاب الله تعالى إن لم تؤمنوا؛ لكي تتقوا الله، ولكي ترحموا 72.
كما حاول نوح عليه السلام أن يفتح عقولهم وأن يوجهها إلى ما في الكون من آيات يظهر فيها خلق الله عز وجل وبديع صنعه وتصريفه لأمور الكون، كما وجه أنظار المشركين إليه تعالى وحده؛ لأنه المستحق للعبادة دون سواه؛ ليفتح أبصار الجاحدين وبصائرهم، فذكر نوح عليه السلام قومه قائلًا: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا(15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20 ) ) [نوح:15 - 20] .
والمعنى: أن نوحًا عليه السلام نبههم إلى خلق السموات والأرض وما فيهما من الدلالات على أنها مخلوقة، وأن خالقها وحده هو الذي يستحق صفات العلو والعزة، فقال لهم -من باب التقرير لهم؛ لأنهم يشاهدون مخلوقات الله تعالى ويعلمون أنه سبحانه وتعالى هو الخالق لها-: لقد علمتم أن الله هو الذي خلق سبع سماوات متطابقة، بعضها فوق بعض، وجعل القمر في السماء الدنيا نورًا للأرض ومن فيها، وجعل الشمس كالسراج في إضاءتها وتوهجها، وإزالة ظلمة الليل، وهو الذي أوجد وأنشأ أباكم آدم من الأرض إنشاءً، وجعلكم فروعًا عنه، ثم يعيدكم إلى هذه الأرض بعد موتكم؛ لتكون قبورًا لكم، ثم يخرجكم منها يوم البعث للحساب والجزاء، كما جعل لكم بفضله ومنه الأرض مبسوطةً تتقلبون عليها كما تشاؤون؛ لتتخذوا منها لأنفسكم طرقًا واسعةً في إمكان الانتفاع بها والتقلب على أرجائها 73.
فكان استخدامه لهذا الأسلوب بهدف هدايتهم وتصحيح معتقداتهم الفاسدة.
2.أسلوب الترغيب.
وهو ترغيبٌ بالوعد والإمداد بأنواع الخيرات، والزيادة مع الشكر 74.
قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12 ) ) [نوح:10 - 12] .
فقد أطمع نوح عليه السلام قومه بالحصول على بركات السماء والأرض إن هم استجابوا لدعوته وآمنوا بالله جل جلاله الذي بيده مفاتيح الخزائن، فأتاهم من طريق القلب؛ ليحرك عواطفهم، فقال لهم: توبوا عن الكفر والمعاصي، فإن الله تعالى توابٌ رحيم، يغفر الذنب، ويقبل التوبة، وينزل عليكم المطر غزيرًا منسكبًا، ويكثر لكم الأموال والأولاد، ويجعل لكم الحدائق الفسيحة الغناء ذات الأشجار المثمرة، ويجعل لكم الأنهار تجري خلالها 75.
3.أسلوب الترهيب.
استخدم نوح عليه السلام أسلوب الترهيب مع قومه 76، فقال لهم: (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ?2?) [نوح:2] .
والمعنى: أي: أنذركم وأحذركم عاقبة كفركم، ونهاية شرككم من قبل فوات الفرصة، ومن قبل أن يأتيكم عذابٌ أليم شديد الألم للغاية 77. فأمري واضح، ودعوتي ظاهرة، فقابلوا هذا بالإيمان والتصديق. ثم وبخهم على عدم الاستجابة لدعوته فقال: (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ?13?) [نوح:13] ، أي: ما لكم لا تخافون لله تعالى عظمةً وقدرةً على أخذكم بالعقوبة 78.
4.أسلوب التودد.
استخدم نوح عليه السلام طريقة التودد إلى قومه، حيث استجاش مشاعرهم، وذكرهم بحق القرابة الذي من شأنه أن يستعين بهم ويكونوا عونًا له على تقلبات الزمن، فقال عليه السلام: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [الأعراف:59] .
فمن الواجب عليهم أن ينصروه في دعوته ويستجيبوا له. هذا وقد تكررت كلمة (يا قوم) ثلاث مرات في قصة نوح عليه السلام مع قومه في موضع واحد، فقال الله عز وجل على لسانه عليه السلام: (يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى? بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ?28?وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ? إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ? وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ? إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَ?كِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ?29?وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ ? أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ?30?) [هود:28 - 30] .
فتكرارها يفيد المبالغة في التودد إلى قومه.
5.أسلوب الجدال المحمود.
الجدال المحمود هو نوعٌ من أنواع الجدال، وهو يقوم على تقرير الحق، وإظهاره بإقامة الحجج القوية والأدلة والبراهين على صدقه، فهذا النوع من الجدال له فائدة، ففيه خير ونفع للإسلام، كما فيه عزة للمسلمين؛ لأنه بدونه لا تتم الدعوة إلى الله تعالى والذب والدفاع عن دينه العظيم، وقد أمرت آياتٌ كثيرة من القرآن الكريم بهذا النوع من الجدال كما في قوله تعالى: ادْعُ إِلَى? سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ? وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ?) [النحل:125] .
وقوله: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ? وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَ?هُنَا وَإِلَ?هُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ?46?) [العنكبوت:46] .
وشأن هذه الآيات هو إظهار الحق، والدعوة إليه، وتدفع عن الإسلام والمسلمين كل ما يلصق بهم من اتهامات باطلة وزائفة 79.
ومارس نوح عليه السلام أسلوب الجدال المحمود هذا، القائم على المنطق القويم، والحجة القوية، والرأي السديد في دعوته لقومه إلى عبادة الله تعالى وحده وعدم الإشراك به، فقال تعالى: (وَلَقَد أَرسَلنا نوحًا إِلى قَومِهِ إِنّي لَكُم نَذيرٌ مُبينٌ?25? أَن لا تَعبُدوا إِلَّا اللَّهَ إِنّي أَخافُ عَلَيكُم عَذابَ يَومٍ أَليمٍ ?26? فَقالَ المَلَأُ الَّذينَ كَفَروا مِن قَومِهِ ما نَراكَ إِلّا بَشَرًا مِثلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذينَ هُم أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأيِ وَما نَرى لَكُم عَلَينا مِن فَضلٍ بَل نَظُنُّكُم كاذِبينَ ?27? قالَ يا قَومِ أَرَأَيتُم إِن كُنتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبّي وَآتاني رَحمَةً مِن عِندِهِ فَعُمِّيَت عَلَيكُم أَنُلزِمُكُموها وَأَنتُم لَها كارِهونَ ?28? وَيا قَومِ لا أَسأَلُكُم عَلَيهِ مالًا إِن أَجرِيَ إِلّا عَلَى اللَّهِ وَما أَنا بِطارِدِ الَّذينَ آمَنوا إِنَّهُم مُلاقو رَبِّهِم وَلكِنّي أَراكُم قَومًا تَجهَلونَ ?29? وَيا قَومِ مَن يَنصُرُني مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُهُم أَفَلا تَذَكَّرونَ ?30? وَلا أَقولُ لَكُم عِندي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعلَمُ الغَيبَ وَلا أَقولُ إِنّي مَلَكٌ وَلا أَقولُ لِلَّذينَ تَزدَري أَعيُنُكُم لَن يُؤتِيَهُمُ اللَّهُ خَيرًا اللَّهُ أَعلَمُ بِما في أَنفُسِهِم إِنّي إِذًا لَمِنَ الظّالِمينَ ?31? قالوا يا نوحُ قَد جادَلتَنا فَأَكثَرتَ جِدالَنا فَأتِنا بِما تَعِدُنا إِن كُنتَ مِنَ الصّادِقينَ ?32? قالَ إِنَّما يَأتيكُم بِهِ اللَّهُ إِن شاءَ وَما أَنتُم بِمُعجِزينَ ?33? وَلا يَنفَعُكُم نُصحي إِن أَرَدتُ أَن أَنصَحَ لَكُم إِن كانَ اللَّهُ يُريدُ أَن يُغوِيَكُم هُوَ رَبُّكُم وَإِلَيهِ تُرجَعونَ ?34? أَم يَقولونَ افتَراهُ قُل إِنِ افتَرَيتُهُ فَعَلَيَّ إِجرامي وَأَنا بَريءٌ مِمّا تُجرِمونَ) [هود:25 - 35] .
لذلك سئم منه قومه، واتهموه بإكثار الجدال فيهم، وطلبوا منه أن يأتيهم بما يتوعدهم به من العذاب.
وفيما فعله نوح عليه السلام تتجلى جوانب واضحة في منهجية الجدل، ومنها:
أولًا: تكذيب قوم نوح:
بعد أن عرض نوح عليه السلام دعوته ومعالمها على قومه، كيف كان استقبالهم للدعوة؟ وماذا كان ردهم عليها؟
ذكر الله تعالى تكذيب قوم نوح عليه السلام له ولدعوته بشكل عام في آيات كثيرة، منها:
قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ ?12?) [ص:12] .
وقوله تعالى: (فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ) [القمر:9] .
لكن أول من امتنع من قبول الدعوة ورفضها ووقف في طريقها وصد عنها، هم الملأ من قومه. والملأ هم: «جماعة يجتمعون على رأي، فيملؤون العيون رواءً ومنظرًا، والنفوس بهاءً وجلالًا» 80.
فهم الرؤساء وعظماء القوم وسادتهم، وهم واجهة المجتمع، يقفون عقبةً أمام وجه الدعوة، ويظنون أنهم إن استجابوا للنبي الذي بعث فيهم أنه سيضيع ملكهم، وجاههم ومنصبهم ومكانتهم في المجتمع، فها هم يرفضون دعوة نبيهم، ويتهمونه بالضلال الذي هو العدول عن طريق الحق والذهاب عنه 81، فيقول الله عز وجل عنهم: (قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [الأعراف:60] .
أي: إنا لنراك في دعوتنا إلى إله واحد في ضلال عن الحق. وتارة أخرى يطعنون في نبوته من ثلاث جهات، وهذا متمثل في قوله تعالى: (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى? لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) [هود:27] .
ووجوه الطعن الثلاثة هي:
الأول: قولهم: (مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا) ، أي: نحن وأنت مشتركون في البشرية، فلم تكن لك مزيةٌ علينا تستحق بها النبوة التي تدعيها؟
الثاني: قولهم: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ) ، أي: لم يتبعك فيما زعمت أحدٌ من الأشراف، فكلهم من أراذل القوم، فليس لك مزية علينا باتباع هؤلاء الأراذل لك في ظاهر الرأي بدون تروٍّ ولا تعمق ولا أدنى تفكير.
الثالث: قولهم: (وَمَا نَرَى? لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ) ، أي: ما نرى لك ولمن اتبعك من هؤلاء الأراذل فضلًا علينا تتميزون به وتستحقون ما تدعونه.
ثم اتهموه بالكذب فقالوا: (بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) في كل ما تدعونه وتزعمونه 82.
وتارةً ثالثةً صرحوا أن البشر لا يكونون رسلًا، فقال الله تعالى عنهم: (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَ?ذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَ?ذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) [المؤمنون:24] .
أي: قالوا: ما نوحٌ إلا رجل عادي منكم، ليس له مزية عليكم في فضل ولا خلق، فيكون أهلًا للنبوة دوننا؛ بل هو رجل أراد أن يسود عليكم، وتكون له الكلمة، وزعم الرسالة؛ ليحقق ما تصبو إليه نفسه، ثم ذكروا موانع ثلاثة تحول بينه وبين نبوته، وهي:
الأول: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً)، أي: لو شاء الله أن نعبده وحده لأرسل إلينا ملائكةً تؤدي الرسالة، وليس نوحًا.
الثاني: (مَا سَمِعْنَا بِهَ?ذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) ، أي: ما سمعنا في عهود آبائنا وأجدادنا بمثل الذي يدعونا إليه نوح، وفيه إشارة إلى أنهم قومٌ يعولون على التقليد الأعمى، كما أنهم قد بلغوا الغاية في العناد والتكذيب.
الثالث: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) [المؤمنون:25] .
أي: ما نوح إلا رجل به خبل في عقله، فالذي يدعيه ويزعمه لا يصدر عن رجل عاقل يزن قوله ويدعم رأيه بحجة قوية ناصعة. ثم قالوا في إبطال دعوته: (فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى? حِينٍ) [المؤمنون:25] .
أي: فتلبثوا وانتظروا لعله يعود إلى سيرته الأولى، إلى دينكم ودين آبائكم وأجدادكم 83.
وهكذا يظهر تكذيب هؤلاء الملأ لنوح عليه السلام، وليس هذا فحسب، بل يتبين مدى مكابرتهم لفرط عنادهم، مع علمهم بأن نوحًا عليه السلام هو أرجح الناس عقلًا وأكثرهم رزانةً في كلامه.
ثانيًا: صفات قوم نوح:
تعددت صفات قوم نوح عليه السلام، ومن خلال استقراء الآيات الواردة فيها صفاتهم نجدها متمثلة في الآتي:
وصفهم الله تعالى بهذا الوصف في قوله: فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ? إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ) [الأعراف:64] .
فبعدما دعا نوح عليه السلام قومه إلى توحيد الله عز وجل وأخبرهم أنه مرسلٌ من عنده كذبوه وخالفوا أمره، فما كان من الله تعالى إلا أن نجاه والذين آمنوا معه في الفلك، وأغرق الله عز وجل الذين كذبوا بآياته وحججه، ولم يتبعوا نبيهم، ولم يقبلوا نصحه وإرشاده لهم، فأغرقهم بالطوفان؛ لأنهم كانوا قومًا عمين عن الحق والإيمان 84، فقد أغلقوا بصائرهم عنهما.
عندما حانت لحظة المفاصلة التامة بين الحق والباطل، هدد نوح عليه السلام قومه بأن يجتمعوا هم وشركاؤهم على أمر واحد، وينفذوه بدون تردد ولا تراجع، فقال الله تعالى على لسان نوح عليه السلام: (يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ) [يونس:71] .
ولكنهم لم يستطيعوا أن يتفقوا، أو أن يأخذوا قرارًا حاسمًا بشأن نوح عليه السلام وبشأن دعوته القوية التي حماها الله عز وجل وحمى الداعي إليها.
وبذلك يظهر أن موقف قوم نوح عليه السلام كان موقف الجبان الضعيف الهياب المتخاذل المتردد.
إن قوم نوح قد أساؤوا التعامل مع نبيهم الذي أرسل فيهم، فكذبوه، واتهموه بالجنون، وهددوه بالرجم، ولو أنهم أرادوا عدم التصديق بنبوته لاكتفوا بهذا، ولما فعلوا بنوح عليه السلام ما فعلوه، وفي المقابل رأينا كيف كان نوح عليه السلام يخاطبهم بلفظ الحريص عليهم والمشفق بهم والناصح لهم، فكان دائمًا يقول: (يَا قَوْمِ) ؛ لذلك وصفهم الله تعالى بأنهم قوم سوء، فقال: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ) [الأنبياء:77] .
أي: إنهم كانوا قومًا يسيئون الأعمال، فيعصون الله تعالى، ويخالفون أوامره 85.
دعوة نوح عليه السلام لما طالت في قومه أوحى الله تعالى إليه أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن معه واتبعه، وستحين لحظة المفاصلة التامة بين الحق والباطل، فأوحى إليه أن يصنع السفينة؛ كي ينجو بها هو والمؤمنون معه من هلاك الطوفان الذي سوف يعم الكافرين، فامتثل نوح عليه السلام لأمر ربه وشرع يصنع السفينة، وأثناء صناعته لها كان كلما مر عليه جماعة من قومه سخروا منه وهزئوا وضحكوا، وقالوا: يا نوح، كنت بالأمس نبيًّا، وأصبحت اليوم نجارًا!، أو سخروا من صناعته للسفينة بعيدةً عن البحار والأنهار، فرد عليهم نوح عليه السلام بكل هدوء واطمئنان قائلًا: إن تهزؤوا منا اليوم فإنا سوف نسخر منكم في المستقبل عندما تغرقون بالطوفان كما تسخرون منا الآن، فأنتم الأولى والأحق بهذه السخرية والاستهزاء، ثم توعدهم وهددهم بأنهم سوف يعلمون عاقبة التكذيب والاستهزاء هذا 86، فقال تعالى مصورًا هذا الأمر: (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ? قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) [هود:38] .
وعليه فإن السخرية خلق مذموم، ومن آثاره ومضاره أنها نذير شؤم للساخرين، فقد كان الغرق عاقبة قوم نوح، هؤلاء الذين كفروا بالله سبحانه وتعالى وسخروا من نبيهم النبي الذي بعثه الله تعالى إليهم.
قال الله عز وجل: (وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ ? إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) [الذاريات:46] .
والمعنى: أن قوم نوح عليه السلام حين كذبوا نبيهم أغرقهم الله عز وجل؛ لأنهم كانوا قومًا فاسقين خارجين عن طاعة الله تعالى 87، وهذه سنة الله تعالى فيمن عصاه.
وصف الله تعالى قوم نوح بهذين الوصفين الشنيعين، فقال: (وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ ? إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى?) [النجم:52] .