فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 2431

لِمَ لا يجوز أن يقال: إن العذاب النازل بعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ما كان بسبب كفرهم، بل كان بسبب الأحداث والظواهر الطبيعية؟

والجواب: ما الظواهر الطبيعية التي أوجبت نجاة بني إسرائيل من البحر وأغرقت فرعون وقومه في ساعة واحدة، وما الظواهر الطبيعية التي أوجبت الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم على القبط دون بني إسرائيل وهم معهم في بلد واحد، وما الظواهر الطبيعية التي نجت لوطًا ومن معه وأهلكت قومه وهم قريب منهم، وما الظواهر الطبيعية التي أوجبت حمل الطير الأبابيل حجارة من سجيل ورمت بها أصحاب الفيل دون غيرهم، وكل ذلك ثابت بالتواتر لا يمكن إنكاره 243.

لا تنفك الحكمة عن أفعال الله عز وجل وأقضيته، وأحكامه.

ومن ذلك الإهلاك، فلا تخلو حالةٌ من حالات الإهلاك التي قدرها الله تعالى من حِكَم.

ومن تلك الحِكَم:

أولًا: بيان قدرة الله تعالى:

من حكم الإهلاك أنها تبين قدرة الله تعالى من وجوه:

1.أن الله تعالي قادرٌ على إهلاك العالم بأسره وإعادته إن شاء.

قال تعالى: (فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) [الأنعام: 6] .

أي: أن الذي أهلك من قبلهم وأنشأ بعدهم قرنًا آخرين قادر على أن يهلك العالم بأسره، وقادر على الإعادة بعد الإهلاك 244.

2.أن الله تعالى قادر على الإهلاك في أي زمان ومكان وبأي وسيلة.

قال تعالى: (أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ?) [الأعراف: 155] .

أي: تقدر على إهلاكي 245.

وقال تعالى: (أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ?46? [النحل: 46] .

وقال تعالى: (فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً ? وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ(139) ٹ) [الشعراء: 139] .

أي: إن في ذلك الذي أنزله الله بعاد لبرهانًا على قدرة الله 246.

3.أن الله تعالى قادر على إهلاك العالم بأسره وإنشاء غيره متى أراد.

قال تعالى: (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ(16) وَمَا ذَ?لِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) [فاطر: 16 - 17] .

أي: إن الله تعالى قادر على أن يذهبهم وأن يفنيهم، فالإفناء أسهل من الإنشاء، فمن قدر على الإفناء قادر على الإنشاء الثاني 247.

وقال تعالى: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ ? [الأنعام: 133] .

والمعنى: إن يشأ الله يذهبكم بإهلاككم وإفنائكم ويأت بناس آخرين غيركم 248.

4.أن الله تعالى قادر على الإهلاك فجأة بسوط عذابه تأديبًا للغافلين.

قال تعالى: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى? أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ?) [الأنعام: 65] .

والمعنى: أنه قادر على أن يؤدبهم بسوط عذابه فجأة، فهو «العذاب التأديبي» من الله 249.

5.القدرة على إهلاك الكافرين واختيار نجاة المؤمنين من العذاب.

ومن ذلك قوله تعالى: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ?35?) [الذاريات: 35] .

وفيه فائدتان: إحداهما: بيان القدرة والاختيار أي قدرة الله تعالى على إهلاك الكافرين واختياره سبحانه نجاة المؤمنين، فيصيب الهلاك الفاجر وينجوا منه البار 250.

6.أن الله قادر على الإهلاك فلا يعجزه شيء، فلا يعجزه سبحانه قوة أو شدة.

قال تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [فصلت: 15] .

أي: أنهم ظنوا أنهم قادرون على دفع ما نزل بهم من العذاب، فرد الله عليهم بأن الله أشد منهم قدرة 251.

وقال تعالى: {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ} [الزخرف: 8] .

أي: لم يعجزنا أحد منهم 252.

ولا يعجزه كثرة المال ولا قوة الآلات والأنصار، قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} [مريم: 74] .

أي: لا ينبغي أن يغرهم هذا الذي يتبجحون به ويتطاولون 253.

وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا} [القصص 78] أي: أن الله تعالى قد أهلك من هو أشد منه قوة في الآلات، وجمعًا للأعوان والأنصار والأموال 254.

والآيات التي تدل على قدرة الله على الإهلاك -مهما كانت الأمم المهلكة أشد قوة أو بطشًا أو تمكنًا في الأرض -كثيرة منها، قال تعالى: {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ} [الدخان: 37] .

{وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ} [محمد: 13] .

{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا} [ق: 36] .

أي: إن كنا أهلكنا الذين هم أقوى منكم بأضعافٍ فعليكم أن تحذروا بطشنا 255.

ثانيًا: إظهار العدل الإلهي بين العباد.

ومن حكم الإهلاك أنها تبرز العدل الإلهي بين عباده تعالى، ومن صور ذلك العدل:

1.أن الله تعالى لم يهلك أحدًا ظلمًا.

قال تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً ? فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [المؤمنون: 41] .

أي: أهلكهم بالجزاء العدل الذي يستحقونه 256.

وقال تعالى: (ذَ?لِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى? بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ) [الأنعام: 131] .

يقول ابن عاشور: «وجملة لم يكن ربك مهلك القرى بظلم هو شأن عظيم من شؤون الله تعالى، وهو شأن عدله، فبين بهذه الآية أن هذا هو العدل» 257.

وقال تعالى: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ ? أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ? فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَ?كِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [التوبة: 70] .

وقال تعالى: (فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ) [الحج: 45] .

وقال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى? إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) [القصص 59] .

وهذا بيان لعدله وتقدسه عن الظلم، حيث أخبر بأنه لا يهلكهم إلا إذا استحقوا الهلاك بظلمهم 258.

2.أن الله تعالى لم يترك حجة لمعتذر عند إهلاكه.

فالعدل الإلهي اقتضى ألا يكون هلاك وعقاب في الدنيا إلا بعد بيان الحجة وإقامة البرهان 259.

قال تعالى: (فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا إِلَّا أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) [الأعراف: 5] .

فالله تعالى لا يأخذ ظلمًا، ولذا القرى التي دمرها لم تكن عندهم دعوى يعتذرون بها 260.

وقال تعالى: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ(208 ) ) [الشعراء: 208 - 209] .

يقول ابن كثير: «ثم قال الله تعالى مخبرًا عن عدله في خلقه: أنه ما أهلك أمة من الأمم إلا بعد الإعذار إليهم» 261.

3.أن الله تعالى يعاقب العاصي، فيهلكه، ويثيب الطائع فينجيه.

فالعدل الإلهي بين العباد يقتضي التفاوت بين الأمم، فيهلك الله الظالمين، وينعم على الطائعين 262.

قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ? إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ?66?وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ?67?) [هود: 66 - 67] .

فقد اقتضى العدل الإلهي ورحمة الله إنجاء صالح عليه السلام ومن آمن معه، وإهلاك قبيلة ثمود 263.

ولهذا قال سيدنا هود عليه السلام مخاطبًا قومه: (إِنَّ رَبِّي عَلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [هود: 56] .

أي: على الحق والعدل، فهذا تمثيل لعدله واستقامة تدبيره لخلقه، وجزائه لهم بالثواب والعقاب 264.

ثالثًا: الاعتبار بمصير المهلكين:

قال تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ) [الأنعام: 6] .

قال الحسن: (أَلَمْ يَرَوْا) ألم يعتبروا من كثرة إهلاكنا القرون قبلهم 265.

قال تعالى: (ذَ?لِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى? نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ? مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ?100?) [هود: 100] .

أي: ما قصه الله سبحانه من أخبار الأمم السالفة، هو مقصوص عليك لتخبر به قومك لعلهم يعتبروا 266.

وقال تعالى: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ [طه: 128] .

والمعنى: ألم يعتبروا 267.

وقال تعالى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ ?) [الرعد: 6] .

أي: أنهم قد مضت من قبلهم عقوبات الأمم السابقة، فما لهؤلاء لم يعتبروا بتلك الأمم؟ 268.

قال تعالى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ?51?) [القمر: 51] .

أي: فهل من يتذكر ويتعظ، ويعتبر به 269.

وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْھھ) [يوسف: 109] .

أي: ألم ينظروا ويتفكروا ألم يعتبروا 270.

وليس أدل على أن الإعتبار بمصير المهلكين من جملة حكم الإهلاك: من أن الله تعالى قد ذيل الحكاية عن هلاك الأمم بالتوجيه إلى النظر والإعتبار.

يقول الطاهر بن عاشور عقب إهلاك قوم لوط عليه السلام: «والخطاب في قوله تعالى: (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ?84?) [الأعراف: 84] .

يجوز أن يكون لغير معين، بل لكل من يتأتى منه الاعتبار، كما هو شأن إيراد التذييل بالاعتبار عقب الموعظة، لأن المقصود بالخطاب كل من قصد بالموعظة» 271.

ومن نماذج إيراد التذييل بالموعظة والاعتبار عقب إهلاك الأمم ما يلي:

قال تعالى: (وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ(15 ) ) [القمر: 15] .

أي: أبقينا خبرها أمرًا داعيًا للعظة والاعتبار 272.

قال تعالى: (فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً ? وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَٹ) [الشعراء: 139] .

أي: إن في إهلاكنا عادًا لعبرة وموعظة 273.

قال تعالى: (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ?) [الأعراف: 84] .

قال ابن عاشور: «فالأمر للإرشاد والاعتبار» 274.

قال تعالى: (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ) [الحجر: 79] .

ومعنى (لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ، أي: طريق بين واضح، وإن عليهم أن يعتبروا كلما مروا بطريقهم 275.

قال تعالى: (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) [الأعراف: 103] .

أي: فإن فيه معتبرًا للمعتبرين 276.

ولقد أجمل الله تعالى ذلك كله فقال: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) [يوسف: 111] .

قالوا: والله بين أنه ما قص علينا قصصهم إلا لنعتبر بها 277.

وقال تعالى: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ? وَجَاءَكَ فِي هَ?ذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى? لِلْمُؤْمِنِينَ) [هود: 120] .

أي: تلك القرى المهلكة نذكر لك يا محمد من أخبارها ما فيه عبرة لمن أرسلك الله إليهم 278.

رابعًا: تسلية الرسل وورثتهم.

أولًا: معنى التسلية هنا: تأتي على معنيين:

الأول: كشف الهم وإزالة الكرب 279.

الثاني: تطييب النفس وإذهاب ما بها من سأم وضيق 280.

وكلا المعنيين تحققًا للرسل عليهم السلام ولورثتهم بإهلاك مكذبيهم.

ثانيًا: ما جاء في التنزيل يبين أن إهلاك المكذبين كان فيه تسلية للرسل وورثتهم.

••ما كان تسلية لسيدنا نوح عليه السلام.

قال تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَى? نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ?36?) [هود: 36] .

يقول الله تعالى (فَلَا تَبْتَئِسْ) أي: لا تحزن فإني مهلكهم ومنقذك، وهذا تسلية من الله عز وجل لنوح عن قومه بما أعلمه من حالهم 281.

••ما كان تسلية لسيدنا موسى عليه السلام.

قال تعالى: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ? أَرْبَعِينَ سَنَةً ? يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ? فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ?26?) [المائدة: 26] .

بعد أن عاقب الله بني إسرائيل بالتيه قال لموسى عليه السلام: فلا تحزن، وسمي قومه (?) ليكون أبلغ في تسليته 282.

••ما كان تسلية لسيدنا محمد صلي الله عليه وسلم.

سلاه الله تعالى بإهلاك السابقين حين ناله الأذى والتكذيب من قومه.

قال تعالى: (وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ ? وَكُذِّبَ مُوسَى? فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ? فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ?44?فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى? عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ?45?) [الحج: 44 - 45] .

وفي ذلك تسلية وتسرية للنبي صلى الله عليه وسلم في عناد قومه له 283.

وقال تعالى: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى? مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى? أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ? وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ?) [الأنعام: 34] .

هذه الآية تسليةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم وتهوينٌ عليه 284.

وسلاه الله تعالى بإهلاك السابقين حين أصر قومه على الكفر واستهزؤا به صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ? فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ?32?) [الرعد: 32] . والكلام تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ووعيد للمشركين بالإهلاك 285.

وسلاه الله تعالى بإهلاك السابقين حين هم قومه بإخراجه من مكة.

قال تعالى: (فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا) [الإسراء: 104] .

وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم إذ قص عليه في إثر ما ذكر من هم قومه بإخراجه - قصة فرعون- وما هم به من استفزاز موسى وبني إسرائيل من أرض مصر، حتى أهلكه الله تعالى وأورثهم الأرض من بعدهم 286.

أمر الله تعالى المؤمنين بالنظر في عاقبة المفسدين وما حل بهم من الإهلاك لتسلي عن أذاهم.

قال تعالى: (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) [الأعراف: 103] .

أمر المؤمنين بالنظر في عاقبة المفسدين؛ لأن من توسم حلول الهلاك على عدوه، يكون له بعض التسلي في ذلك 287.

••كما أن في إهلاك ابن نوح عليه السلام تسلية للصالحين إذا فسد أبناهم.

قال تعالى: (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ? إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ? فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) [هود: 46] .

قال الإمام القرطبي: «في هذه الآية تسليةٌ للخلق في فساد أبنائهم وإن كانوا صالحين» 288.

••وقد سلى سيدنا موسى عليه السلام بني إسرائيل وطيب قلوبهم بانتظار إهلاك فرعون.

قال تعالى: (قَالَ مُوسَى? لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ? إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ? وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ?128?) [الأعراف: 128] .

أي: أنه أمرهم بذلك تسلية لهم من وعيد فرعون 289، لذلك قال الله تعالى بعدها: (قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ? قَالَ عَسَى? رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ(129 ) ) [الأعراف: 129] .

أي: قال موسى عليه السلام لبنى إسرائيل تسلية لهم وتطييبًا لقلوبهم، وبعثًا للأمل في نفوسهم: عسى ربكم أن يدمر عدوكم الذي أذاقكم العذاب ألوانًا بالقتل والعسف 290.

••وسلى سيدنا شعيب عليه السلام قلوب المؤمنين معه بتوعد الكافرين بالإهلاك.

قال تعالى: (وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى? يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا ? وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ?87?) [الأعراف: 87] .

والمقصود منه تسلية قلوب المؤمنين بأخبارهم بأن الله حاكم منزه عن الجور فلا بد وأن يخص المؤمن بالنجاة والكافر بأنواع العقوبات 291.

••وسلى الله تعالى المؤمنين بالسير في الأرض والنظر في عاقبة المكذبين التي كانت الإهلاك.

قال تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [آل عمران: 137] .

قال القرطبي: «هذا تسليةٌ من الله تعالى للمؤمنين» 292، وعاقبتهم كانت الإهلاك.

••وسلي الله تعالى المؤمنين بأن الكافرين مصيرهم في الدنيا العقاب والهلاك وفي الأخرة النار.

قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ ? وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ? وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ? فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) [غافر: 5] .

بين الله عداوة الكفار للأنبياء وأتباعهم، وكان ذلك أمرًا غائظًا محزنًا موجعًا، ختم ذلك ببيان حقوق كلمة العذاب وهي النار في الأخري كما أنه مستحق الأخذ والهلاك في الدنيا، تسلية للمؤمنين 293.

••وسلى الله تعالى كل مظلوم بإهلاك ظالمه.

قال تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ? وَكَفَى? بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ?17? [الإسراء: 17] .

قال القشيري: «فى الآية تسلية للمظلومين إذا استبطأوا هلاك الظالمين» 294.

خامسًا: تطهير الأرض من المجرمين.

••لخطورة الإجرام على الأرض فقد أكد القرآن الكريم أن الله تعالى قد أهلك أممًا بسبب إجرامها؛ تطهيرًا للأرض منهم.

قال تعالى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ? وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ? كَذَ?لِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ?13? ) ) [يونس: 13] .

أي: مثل ذلك الجزاء وهو الاستئصال الكلي لكل مجرم 295.

وقال تعالى: (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ? أَهْلَكْنَاهُمْ ? إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) [الدخان: 37] .

وقال تعالى: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى? إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ? كَذَ?لِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ?25?) [الأحقاف: 25] .

وقال تعالى: (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ?16? ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ ?17?كَذَ?لِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ?18? [المرسلات: 16 - 18] .

أي: أن الله قد أهلك من أهلك لكونهم مجرمين، فهذا الحكم عام في جميع المجرمين 296.

••إهلاك المجرمين فيه تطهير للأرض من شرهم، وهو نعمة من النعم.

قال تعالى: (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى? ?50?وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى? ?51?وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ ? إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى? ?52?وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى? ?53?فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى? ?54?فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى? ?55?) [النجم: 50 - 55] .

(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى) أي: أن هذه المصارع آلاء لله وأفضالًا؛ لأنه تعالى أهلك الشر 297، وطهر الأرض منه المجرمين.

وقال تعالى: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ?26?إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ?27?) [نوح: 26 - 27] .

يقول صاحب الظلال: «فقد ألهم قلب نوح أن الأرض تحتاج إلى غسل يطهر وجهها من الشر العارم الذي انتهى إليه قومه. وأحيانًا لا يصلح أي علاج آخر غير تطهير وجه الأرض من الظالمين» 298.

••إهلاك المجرمين فيه تطهير للأرض من ضررهم، وهو نعمة تستحق الحمد.

قال تعالى: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ? وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ?45?) [الأنعام: 45] .

فإراحة المسلمين من الظلمة الذين ليس فيهم إلا الضرر، من غير أن يكون هنالك نفعٌ، نعمةٌ من نعم الله، علم الله خلقه أن يحمدوه عليها 299.

••إهلاك المجرمين فيه تطهير للأرض منهم؛ لأن عدمهم أصبح خيرًا من وجودهم.

قال تعالى: (قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ?30?وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى? قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَ?ذِهِ الْقَرْيَةِ ? إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ ?31?) [العنكبوت: 30 - 31] .

يقول الرازي: «واعلم أن نبيًا من الأنبياء ما طلب هلاك قوم إلا إذا علم أن عدمهم خير من وجودهم، كما قال نوح: (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا) [نوح: 27] .

يعني: المصلحة إما فيهم حالًا أو بسببهم مآلًا ولا مصلحة فيهم 300.

••إهلاك المجرمين فيه تطهيرٌ للأرض عن نجاسة الكفر.

قال تعالى: (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ) [الذاريات: 41] .

الريح العقيم التي أهلكتهم، وفي ذلك تطهير الأرض من نجاسة الكفر 301.

••إهلاك المجرمين فيه تطهير للأرض من وسخ الشرك والإضلال.

قال تعالى: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ?28?) [المؤمنون: 28] .

فأمره بالحمد على نجاة أتباعه إشارة إلى أنه نعمة عليه، وفي هذه الآية إشارة إلى أنه لا ينبغي المسرة بمصيبة أحد ولو عدوًا من حيث كونها مصيبة له، بل لما تضمنه من السلامة من ضرره أو تطهير الأرض من وسخ شركه وإضلاله، ولذا قال: نجانا دون أهلكهم 302.

••إهلاك المجرمين وتطهير الأرض منهم هو العدل والحق الذي قامت عليه السماوات والأرض.

قال تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ?83?فَمَا أَغْنَى? عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ?84?وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) [الحجر: 83 - 85] .

قال المراغي: «فكان من العدل تطهير الأرض منهم، دفعًا لشرورهم وإصلاحًا لمن يأتي بعدهم» 303.

سادسًا: استخلاف المصلحين:

أولًا: الآيات القرآنية الدالة على أن الله تعالى يستخلف المصلحين بعد الإهلاك.

قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ? فَأَوْحَى? إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ?13?وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ? ذَ?لِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ?14?) [إبراهيم: 13 - 14] .

(?) إشارة إلى الموحى به وهو إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم أي: ذلك الأمر والوعد محقق ثابت 304.

وقال تعالى: (فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) [الأنعام: 6] .

أي: أن الأمم إذا هلكت بسبب فسادها، جاء جيل يصلح أمرها، ويزيل أسباب الفساد، ويجدد المتخرب، وهو الجيل الذي ينشئه الله على آثار المفسدين 305.

قال تعالى: (فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا(103) وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا) [الإسراء: 103 - 104] .

أي: بعد أن خرجوا من البحر ناجين، وغرق فرعون وجيشه، قلنا لهم بلسان الحال من بعده (? ?) 306.

قال تعالى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ? وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ? كَذَ?لِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ?13?ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ?14?) [يونس: 13 - 14] أي: استخلفناكم فيها بعد القرون التي أهلكناها استخلاف من يختبر 307.

ثانيًا: الرسل عليهم السلام يؤكدون لقومهم أن الله يستخلف المصلحين بعد الإهلاك.

••سيدنا هود عليه السلام يذكر قومه باستخلافهم من بعد قوم نوح ويحذرهم أن يستخلفوا.

قال تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ) [الأعراف: 69] : (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ? وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا) [هود: 57] .

••سيدنا صالح عليه السلام يذكر قومه فضل ربهم بأن استخلفهم من بعد عاد عند صلاحهم.

قال تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ) [الأعراف: 74] .

••سيدنا موسى عليه السلام يبشر المؤمنين من قومه بالاستخلاف من بعد فرعون.

قال تعالى: (قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ? قَالَ عَسَى? رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) [الأعراف: 129] .

وذلك يدل على أن المستخلفين في الأرض لم يستخلفوا فيها لأجل الإنعام بها عليهم، بل كل ذلك للابتلاء والامتحان، فيطيعون الله فيما استخلفهم فيه أو يعصونه 308.

ثالثًا: من سنن الله تعالى نصر الأنبياء والصالحين واستخلافهم بعد الإهلاك.

قال تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ? إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ?21?) [المجادلة: 21] .

فقد أهلك الله الكثير من أعداء رسله بأنواع العذاب، كقوم نوح وقوم صالح وقوم لوط وغيرهم 309. ونظيره قوله تعالى: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ?171?إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ?172?وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ?173?) [الصافات: 171 - 173] .

فالآيات دالة على أن الله تعالى أعلى كلمة جميع عباده المرسلين، وأهلك أعداءهم 310.

وقال تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ?51?) [غافر: 51] أي: أننا ننصر رسلنا وأتباعهم الذين يؤمنون بهم، في الحياة الدنيا وننتقم لهم من الكفرة بالاستئصال والقتل والسبي 311.

قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) [النور: 55] .

وفيه إشارة إلى من استخلفهم الله من عباده المؤمنين الصالحين، بعد أن أهلك القوم الظالمين 312.

وقال تعالى: (لَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: 105] .

وعبر بقوله (يَرِثُهَا) للإشارة إلى أن الصالحين يخلفون من كانوا عليها من فاسدين ظالمين عتاة 313.

••قص القرآن الكريم نماذج من القرى المهلكة، ثم عقب بعدها بقوله تعالى: (ذَ?لِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى? نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ? مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ?100?) [هود: 100] .

والمقصود: الإشارة إلى السابق من قصة نوح وقومه، وعاد وهود، وثمود وصالح، ومدين وشعيب، وطغيان فرعون 314.

وقد أجمل الله تعالى تلك القرى المهلكة فقال: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ?12?وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ ?13?وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ ? كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ?14?) [ق: 12 - 14]

أولًا: ديار قوم نوح عليه السلام:

ذكر الله قصتهم في سور: الأعراف ويونس وهودٍ والأنبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت والصافات واقتربت، وأنزل فيهم سورةً كاملةً. كما ذكرهم في آيات متفرقة في سور غيرها 315.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت