فهرس الكتاب

الصفحة 830 من 2431

وقوله: (? ?) «بيانٌ لكون القتال في سبيل الله بذلًا للنفس وأن المقاتل في سبيله باذلٌ لها وإن كانت سالمةً غانمة؛ فإن الإسناد في الفعلين ليس بطريق اشتراط الجمع بينهما ولا اشتراط الاتصاف بأحدهما البتة، بل بطريق وصف الكلّ بحال البعض، فإنه يتحقق القتال من الكل سواءٌ وجد الفعلان أو أحدهما منهم أو من بعضهم، بل يتحقق ذلك وإن لم يصدر منهم أحدهما أيضًا» 45.

فهي تجارة رابحة مع الله عز وجل، والثمن عظيم، إنها جنة عرضها السموات والأرض، أعدت لمن ضحى بنفسه في سبيل إعلاء كلمة الله.

قال عز وجل: (ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الصف: 10 - 11] .

وجاء في فضل الجهاد بالنفس العديد من الأحاديث منها: أن أعرابيًّا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: (رجل جاهد بنفسه وماله ورجل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره) 46.

فالجهاد من فضائل الأعمال، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما العمل في أيام أفضل منها في هذه؟) قالوا: ولا الجهاد؟ قال: (ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء) 47.

ثالثًا: الجهاد باللسان:

قد يكون الجهاد بكلمة يأمر فيها الإنسان بمعروف، أو ينهى عن منكر، كما في جهاد المنافقين، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ژژ ڑ ڑ ک) [التحريم: 9] .

وجهاد المنافقين باللسان بزجرهم ووعيدهم 48.

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) [الفرقان: 52] .

فهذه الآية نزلت بمكة ولم يكن القتال مشروعًا، فالمقصود من الآية أي جادلهم بالقرآن واتل عليهم ما فيه من القوارع، والنواذر والزواجر والأوامر والنواهي، والحجج والبراهين 49، يقول السعدي: «لا تبق من مجهودك في نصر الحق وقمع الباطل إلا بذلته ولو رأيت منهم من التكذيب والجراءة ما رأيت، فابذل جهدك واستفرغ وسعك، ولا تيأس من هدايتهم ولا تترك إبلاغهم لأهوائهم» 50.

والجهاد باللسان هو ما كان في بداية الدعوة الإسلامية؛ إذ كان المسلمون قلة ضعفاء وأعداؤهم كثر أقوياء، فأمرهم الله بالاكتفاء بالجهاد باللسان والدعوة، وأمرهم أن يكفوا أيديهم عن القتال، فهدى الله بذلك من هدى من المسلمين، كالصديق رضي الله عنه، وعمر الفاروق رضي الله عنه، وعثمان رضي الله عنه، وعلي رضي الله عنه، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن زيد، وطلحة بن عبيد الله، وجم غفير من الصحابة رضي الله عن الجميع وأرضاهم.

ومن الجهاد باللسان الجهر بالحق، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد كلمة عدلٍ عند سلطانٍ جائرٍ) 51.

وقال عبد الله بن مسعودٍ: «النّاس ثلاثةٌ فما سواهم فلا خير فيه: رجلٌ رأى فئةً تقاتل في سبيل الله فجاهد بنفسه وماله، ورجلٌ جاهد بلسانه، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، ورجلٌ عرف الحقّ بقلبه» 52.

وقد يكون الجهاد باللسان في الدعوة، بدعوة الناس إلى التمسك بالدين القويم، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، فهي دعوة فقط ليس فيها قتال، بل توجيه وإرشاد وإيضاح للحق والخلق الكريم، وتحذير من خلافه بالكلام الطيب واللطف والجدال بالتي هي أحسن، كما قال تعالى: (ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النحل: 125] .

وقوله تعالى: (? ? ?) [الحجر: 85] .

إلى غير ذلك من الآيات التي فيها الأمر بالصفح والإعراض عنهم، والجدال بالتي هي أحسن، إلى غير ذلك، وليس فيها الأمر بقتالهم.

ويكون الجهاد باللسان بالرد على أهل البدع والضلالات، قال الإمام ابن تيمية: «فالراد على أهل البدع مجاهد، حتى كان يحي ابن يحي يقول: الذب عن السنة أفضل من الجهاد» 53.

ومن صور الجهاد باللسان الجهاد بالقلم، وربما كان أبلغ من الجهاد باللسان وأعم فائدة.

وقد يكون الجهاد باللسان في الدعوة في ندوة أو محاضرة، وقد يكون بهجاء الكفار فعن عائشة، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (اهجوا قريشًا، فإنّه أشدّ عليها من رشقٍ بالنّبل) 54.

قال عز وجل: (ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الحجرات: 15] .

وهو ذروة سنام الإسلام كما جاء عن معاذ بن جبل، قال: قال صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟) ، قلت: بلى يا رسول الله، قال: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد) 55.

ولقد جاءت العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة تبين فضل ومكانة الجهاد في سبيل الله، وفضل المجاهدين في سبيله، وسأتحدث عن فضل الجهاد في سبيل الله في النقاط الآتية:

1.الجهاد في سبيل الله تعالى مفتاح الخير، وباب الفوز والفلاح.

قال الحق جلّ وعلا: (? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹٹ ? ? ? ?) [التوبة: 88] .

والخيرات: الثواب من الحسنات، وقيل: حور حسان في الجنة، وقيل: أن الخيرات لا يعلم معناها إلا الله 56.

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة: 20] .

ولهم البشارة من الله عز وجل.

قال عز من قائل: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ?) [التوبة: 21] .

وهذه أعظم البشارات؛ لأن الرحمة والرضوان من الله عز وجل على العبد نهاية مقصوده، ونعيم دائم غير منقطع 57.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لغدوةٌ في سبيل الله، أو روحة، خيرٌ من الدنيا وما فيها) 58.

2.الجهاد في سبيل الله سبيل الهداية إلى الخير.

قال الخالق تبارك وتعالى: (? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ) [العنكبوت: 69] .

«وعن ابن عباس: جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا، وعن الجنيد: جاهدوا في التوبة لنهدينهم سبل الإخلاص، أو جاهدوا في خدمتنا لنفتحن عليهم سبل المناجاة معنا» 59.

3.الجهاد في سبيل الله تجارة رابحة مع الله عز وجل.

قال تعالى: (ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الصف: 10 - 11] .

فقد جاء أن الصحابة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال، فنزلت السورة ومن ضمنها هذه الآيات 60.

وقد أوجب الله عز وجل من هذه التجارة للمجاهدين بأموالهم وأنفسهم الجنة جزاء لهم.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة: 111] .

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: «يخبر تعالى أنه عاوض من عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذا بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه؛ فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عبيده المطيعين له. ولهذا قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم الله فأغلى ثمنهم» 61.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمانٌ بي، وتصديقٌ برسلي، فهو عليّ ضامنٌ أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلًا ما نال من أجرٍ أو غنيمة) 62.

4.الجهاد في سبيل الله عز وجل مقدم على جميع المصالح الدنيوية.

قال تعالى: (چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ?) [التوبة: 24] .

وفي ذلك دليل على عظم هذه العبادة التي يقوم بها المجاهد في سبيله.

5.الجهاد في سبيل الله من أفضل الأعمال، وأصحابه لهم أعلى الدرجات.

فالقاعدون عن الجهاد من المؤمنين الصالحين مهما اجتهدوا في أعمال البر والطاعة في غير ميدان الجهاد فلن يلحقوا بركب المجاهدين.

قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 95] .

أي «لا يعتدل المتخلّفون عن الجهاد في سبيل الله من أهل الإيمان بالله وبرسوله، المؤثرون الدعة والخفض والقعود في منازلهم على مقاساة حزونة الأسفار والسير في الأرض، ومشقة ملاقاة أعداء الله بجهادهم في ذات الله، وقتالهم في طاعة الله» 63.

فالعبادات من صلاة وصيام من أفضل الأعمال، لكن الجهاد يعدل ذلك وزيادة، وفيه من المكابدة والصبر بحيث لا يستطيع أحد القيام بمثله.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد، قال: (لا أجده) ، قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر) ، قال: ومن يستطيع ذلك، قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد لَيسْتنُّ في طوله فيكتب له حسنات 64.

«قال ابن عياض: اشتمل حديث الباب على تعظيم أمر الجهاد، لأن الصيام وغيره مما ذكر من فضائل الأعمال قد عدلها كلها الجهاد حتى صارت جميع حالات المجاهد وتصرفاته المباحة معادلة لأجر المواظب على الصلاة وغيرها، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم (لا تستطيع ذلك) وفيه: أن الفضائل لا تدرك بالقياس، وإنما هي إحسان من الله تعالى لمن شاء، واستدل به على أن الجهاد أفضل الأعمال» 65.

«وقال ابن دقيق العيد: القياس يقتضي أن الجهاد أفضل الأعمال التي هي وسائل؛ لأن الجهاد وسيلة إلى إعلان الدين ونشره وإخماد الكفر ودحضه، ففضله بحسب فضل ذلك» 66.

والمجاهد في سبيل الله أفضل الناس بنصّ كلام الحبيب؛ قيل: يا رسول الله، أيّ الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مؤمنٌ يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله) ، قالوا: ثم من؟ قال: (مؤمنٌ في شعب من الشّعاب يتّقي الله، ويدع الناس من شرّه) 67.

والله عز وجل يرفع المجاهد في الجنة مائة درجة، قال عليه السلام: (من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها) ، فقالوا يا رسول الله أفلا نبشر الناس؟ قال: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة - أراه - فوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة) 68.

أولًا: إقامة حكم الله عز وجل في الأرض:

لا صلاح لهذه الأرض، ولا راحة للبشرية، ولا رفعة ولا طهارة، ولا تناسق مع سنن الكون وفطرة الحياة إلا بالرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، وبتطبيق أحكامه.

والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى له صورة واحدة وطريق واحد لا سواه، وهو العودة بالحياة كلها إلى منهج الله عز وجل الذي رسمه للبشرية في كتابه الكريم، وهو تحكيم هذا الكتاب وحده في حياتها، والتحاكم إليه وحده في شؤونها، وإلا فهو الفساد في الأرض، والشقاوة للناس، والارتكاس في الحمأة، والجاهلية التي تعبد الهوى من دون الله عز وجل 69.

قال تعالى في محكم التنزيل: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنفال: 39] .

فكان لا بد من ضرورة الجهاد لقيام الدعوة واستمرارها، وهو وسيلة من وسائلها، وإقامة حكم الله عز وجل في الأرض هدف من أهداف الجهاد ومقصد أساسي لا يمكن أن نتغاضى عنه، وبتطبيق شرع الله عز وجل تحيا القلوب وتطمئن النفوس، ويأمن الإنسان على أهله وماله، حيث قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 105] .

إن الأخطار التي تهدد الدولة المسلمة كثيرة جدًا، منها ما قد يأتي من داخل الدولة، وهذا يتكفل نشر العلم الإسلامي والدعوة إلى الرجوع لحكم الله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود بالتصدي له، وأما ما قد يجيء من خارج حدود الدولة الإسلامية، فإن منه ما يكف شره بالبيان، ومنه ما لا سبيل إلى قطع دابره إلا بالسيف والسنان، حيث إن الأمة الإسلامية لا تريد القتال أساسًا لأجل القتال، ولا لأجل الحرب، فلسنا أعداء لأحد من الناس من حيث الابتداء، ولكن لنا من بين الناس أعداء، الذين هم أعداء الله عز وجل، والذين يوقدون نار الحرب، ويسعون للفساد في الأرض، ويفتنون الناس عن الإيمان، ويصدون عن سبيل الله عز وجل، ولكي يحقق الحكم الإسلامي مقصده في إقامة الدين وتطبيق شرع الله عز وجل في الأرض بلا معوقات، فلابد أن يكون مستعدًّا لما قد يكون في الطريق من عقبات ترد الدعوة، أو تصد الدعاة عن القيام بواجب نشر الحق.

قال تعالى: (? ? ? ? ہہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الحج: 78] .

ولهذا كان على دولة الإسلام أن تتهيأ لما تواجه به هذه الظروف، وتعد الأمة للجهاد في سبيل الله عز وجل دائمًا ضد كل متصدر للوقوف في طريق كتائب الحق المتحركة نحو رضا الله سبحانه وتعالى، وإذا كان الجهاد وسيلة من وسائل إقامة الدين في الأرض 70.

فإن «إقامة حكم الله في الأرض والتمكين لدينه، غاية من غايات الجهاد في سبيل الله، والذي يجب أن يسعى لتحقيق هذه الغاية هم المسلمون الذين آمنوا بها وذاقوا حلاوتها، وعلموا أن من حق البشر عليهم أن يسعوا لإسعادهم بها، ولو كان الناس يقبلون دعوة المسلمين إلى تحكيم هذا الكتاب عليهم أن يكتفوا بالدعوة إلى ذلك لأنه يحقق الهدف، ولكن أكثر الناس لا يكفيهم أن يرفضوا تحكيم كتاب الله، بل إنهم يقفون محاربين من أراد تحكيمهم بكل ما أوتوا من قوة، وهذا يحتم على أولياء الله أن يجاهدوا أعداءه الذين يحاربونهم من أجله» 71.

إنّ أعداء الإسلام حاربوا هذا الدين بكل وسيلة أتيحت لهم، وعلى رأس هذه الوسائل القوة العسكرية التي احتلوا بها بعض بلدان المسلمين، وهددوا بها بعضها الآخر، متذرعين بحقوق الإنسان التي تحوي موادها حرية الاعتقاد الشاملة للخروج من الدين الإسلامي، وهو الهدف الأساسي عند اليهود والصليبيين والوثنيين، ولم نر هجومًا لهم سواء في الماضي أو الحاضر أو ما سيفعلونه في المستقبل، على أي دين وجد في الأرض مثل هجومهم على دين الإسلام، فهو هدفهم الرئيس من حملاتهم الظالمة.

وبيّن الله سبحانه وتعالى في كتابه: (? ? ? ? ? پ پ پ پ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 120] .

وقال تعالى: (ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ?ہ ہ ہ ہھ ھ ھ ھ) [البقرة: 217] .

فلذلك أسمى أنواع الجهاد هو إعلاء كلمة الله عز وجل وإقامة حكمه في الأرض، فعن أبي موسى رضي الله عنه، قال: جاء رجلٌ إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: الرّجل يقاتل للمغنم، والرّجل يقاتل للذّكر، والرّجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل اللّه؟ قال: (من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه) 72.

ثانيًا: انتصار الحق على الباطل:

إنّ مشهد انتصار الحق والإيمان في واقع الحياة المشهود، يكون بعد انتصارهما في عالم الفكر والعقيدة، وانتصار الإيمان في القلوب على الرغب والرهب، والتهديد والوعيد، والتاريخ القديم والحديث مليء بالأحداث الدالة على أن العاقبة لأصحاب الحق، وأن الدائرة عائدة على الواقفين إلى جانب الباطل، فنحن نرى كيف ينتصر الحق على الباطل والهدى على الضلال، والإيمان على الطغيان في الواقع المشهود، ودائمًا ما يكون النصر الأخير مرتبطًا بالنصر الأول، فما يتحقق النصر في عالم الواقع إلا بعد تمامه في عالم الضمير، وما يستعلي أصحاب الحق في الظاهر إلا بعد أن يستعلوا بالحق في الباطن، وإنّ للحق والإيمان حقيقة متى تجسمت في المشاعر أخذت طريقها فاستعلنت ليراها الناس في صورتها الواقعية، فأما إذا ظل الإيمان مظهرًا لم يتجسم في القلب، والحق شعارًا لا ينبع من الضمير، فإن الطغيان والباطل قد يغلبان، لأنهما يملكان قوة مادية حقيقية لا مقابل لها ولا كفاء في مظهر الحق والإيمان، فواجب على المجاهدين أن يحققوا الإيمان في النفس وفي القلب؛ لتصبح أقوى من حقيقة القوى المادية التي يستعلي بها الباطل ويصول بها الطغيان، وبذلك ينتصر الحق على الباطل 73.

إنّ الحرب سجال بين الحقّ والباطل، ولئن ربح الباطل جولة وإن حقق انتصارات هنا وهناك، فإنها انتصارات آنية واهية، وليست بانتصارات حقيقية واقعية، فإن الحقّ هو المنتصر في النهاية وهو الرابح في جميع الجولات القادمة مهما تفشى كبر وعلا 74، حيث قال الله سبحانه وتعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنفال: 7] .

يقول ابن عاشور «وإن المصارعة بين الحق والباطل شأن قديم، وهي من النواميس التي جبل عليها النظام البشري» 75.

وقال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ?) [التوبة: 14] .

لقد أراد الله عز وجل - وله الفضل والمنة- أن تكون ملحمة لا غنيمة وأن تكون موقعة بين الحق والباطل، ليحق الحق ويثبته، ويبطل الباطل ويزهقه، وأراد أن يقطع دابر الكافرين، وتذل كبرياؤهم، وتخضد شوكتهم، وتعلو راية الإسلام وكلمة الله عز وجل، ويمكّن الله سبحانه وتعالى للعصبة المسلمة التي تعيش بمنهج الله عز وجل، وتنطلق به لتقرير ألوهيته في الأرض، وتحطيم طاغوت الطواغيت، وأراد أن يكون هذا التمكين عن استحقاق لا عن جزاف -تعالى عنه علوًّا كبيرًا- وبالجهد والجهاد، وبتكاليف الجهاد ومعاناتها في عالم الواقع وفي ميدان القتال 76.

إنًّ المتتبع لآيات القرآن الكريم لا يعجزه أن يقف على حقيقة مفادها: أن الصراع بين الحق والباطل هو سنة أقام الله عز وجل عليها هذه الحياة، وأن الحياة لا يمكن أن يسودها الخير المطلق، بحيث تخلو من الشر، وبالمقابل لا يمكن أن تعاني من الشر المطلق بحيث لا يكون فيها قائم بالحق، والعاقبة للحق دائمًا، فالباطل وإن علا على الحق في بعض الأوقات والأحوال، فإن الله عز وجل يمحقه ويبطله ويجعل العاقبة للحق وأهله، كما قيل: للحق دولة وللباطل صولة 77.

والتاريخ خير شاهد الآن على كيفية المقاومة والجهاد في سبيل الله عز وجل في فلسطين وفي غزة بالتحديد، فقد نصر الله عز وجل تلك المقاومة رغم القوة العسكرية الهائلة التي كان يتمتع بها أعداؤه، وحققت هذه المقاومة انتصارات لا يمكن أن تخضع للتحليل العلمي، وتستعصي عليه، بيد أن الله سبحانه وتعالى جعل النصر حليفها، وذلك لكونها صاحبة حق تدافع عنه، ولكون أعدائها أصحاب باطل ينافحون فيه، ولاشك بأن التاريخ غني بالأمثلة والعبر التي تؤكد على أن المعركة بين الحق والباطل قائمة ومستمرة، وأن الله سبحانه وتعالى يختار للمدافع عن هذا الحق من كان أهلًا للدفاع عنه، وأنه سبحانه وتعالى يجعل العاقبة للحق ولنصرة دعوة الخير في نهاية المطاف، والويل والخذلان والخزي لدعاة السوء والباطل.

قال تعالى: (گ گ گ گ ? ? ? ? ?) [الأنبياء: 18] .

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 141] .

هذه الآية الكريمة تدل على أن المؤمنين ما داموا مستمسكين بدينهم، متبعين لأمره ونهيه، قائمين بعمل ما يستدعيه الدفاع عن الدين من أخذ الأهبة وإعداد العدّة لن يغلبهم الكافرون، ولن يكون لهم عليهم سلطان، وما غلب المسلمون على أمرهم إلا بتركهم هدى كتابهم، وتركهم أوامر دينهم وراءهم 78.

ثالثًا: دفع عدوان الكافرين:

إنّ من أسمى أهداف الجهاد في سبيل الله عز وجل دفع عدوان الكافرين والظالمين وهذا الجهاد لدفع العدوان يتمثل بعدة أشكال منها:

1. «رد اعتداء الكفار في ديار المسلمين» 79.

قال سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پپ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ٹ ٹ ٹ ٹ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 190 - 192] .

فقد نص الفقهاء وعلماء الدين على أنه إذا اعتدى الكفار على المسلمين في قعر دارهم، تعين عليهم الجهاد وذلك للدفاع عن الديار؛ لأن العدو الكافر إذا احتل دارًا للمسلمين سام فيها العذاب، ونفذ فيها أحكامه الكافرة، وأجبروا أهلها على الخضوع له، فتصبح دار كفر بعد أن كانت دار إسلام 80.

قال بعض علماء الحنفية: «وحاصله أن كل موضع خيف هجوم العدو منه فرض على الإمام أو على أهل ذلك الموضع حفظه، وإن لم يقدروا فرض على الأقرب إليهم إعانتهم إلى حصول الكفاية بمقاومة العدو» 81.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت