فهرس الكتاب

الصفحة 470 من 2431

الإنصاف

أولًا: المعنى اللغوي:

(نصف) النون والصاد والفاء أصلان صحيحان، أحدهما: يدل على شطر الشيء، والآخر على جنس من الخدمة والاستعمال، فالأول نصف الشيء ونصيفه: شطره ... ، والإنصاف في المعاملة كأنه الرضا بالنصف، والنصف الإنصاف أيضًا 1.

وأنصف الرجل أي: عدل 2. يقال: أنصف ينصف إنصافًا فهو منصف.

وأنصفت الرجل إنصافًا إذا أعطيته الحق، وتناصف القوم إذا تعاطوا الحق بينهم.

والخلاصة: أن (أنصف) من الجذر (ن ص ف) الذي يدل على النصف والعدل والقسط والاستواء، يقال: أنصفت الرجل إنصافًا: عاملته بالعدل والقسط 3.

وأنصف المظلوم من الظالم: استوفى له حقه منه 4. ويقال: أنصف فلانًا من فلان استوفى له حقه منه، و (ناصفه) الشيء قاسمه نصفه 5.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

الإنصاف بكسر الهمزة: العدل.

عرفه ابن الأعرابي بأنه: أن تعطيه من الحق كالذي تستحقه لنفسك 6.

وعرفه المناوي بقوله: الإنصاف في المعاملة العدل، بأن لا يأخذ من صاحبه من المنافع إلا مثل ما يعطيه، ولا ينيله من المضار إلا كما ينيله، وقيل: هو استيفاء الحقوق لأربابها، واستخراجها بالأيدي العادلة، والسياسات الفاضلة، وهو والعدل توأمان، نتيجتهما علو الهمة، وبراءة الذمة، باكتساب الفضائل، واجتناب الرذائل 7.

ولم يرد مصطلح (الإنصاف) في القرآن الكريم، ولكن القرآن تحدث عنه بعبارات بمختلفة، كما سيأتي معنا في ثنايا هذا البحث.

العدل:

العدل لغة:

العدل مصدر عدل يعدل عدلًا، وهو مأخوذ من مادة (ع د ل) التي تدل على معنيين متقابلين: أحدهما يدل على الاستواء، والآخر على الاعوجاج 8، ويرجع لفظ العدل هنا إلى المعنى الأول.

العدل اصطلاحًا:

أصله ضد الجور 9. قال في دستور العلماء: العدل: ضد الظلم، وإحقاق الحق، وإخراج الحق عن الباطل، أي: ممتازًا عنه، والأمر المتوسط بين الإفراط والتفريط 10. وعرفه الجرجاني بقوله: العدل: عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط ... ، وقيل: العدل، مصدر بمعنى: العدالة، وهو الاعتدال والاستقامة، وهو الميل إلى الحق 11.

الصلة بين العدل والإنصاف:

الإنصاف إعطاء النصف، والعدل يكون في ذلك وفي غيره، ألا ترى أن السارق إذا قطع قيل: إنه عدل عليه، ولا يقال: إنه أنصفه 12.

والمقصود: أن الإنصاف بمعنى العدل -وإن كنا لا نعدم فرقًا طفيفًا بينهما- كما سبق، وكما هو مبين في كتب اللغة؛ ولهذا فسوف يكون الكلام في هذا البحث متداخلًا ومشتركًا بينهما، حيث يستدل للإنصاف بمثل ما استدل للعدل من آيات القرآن.

القسط:

القسط لغة:

القسط بالكسر: العدل، يقال أقسط يقسط؛ فهو مقسطٌ: إذا عدل، وقسط يقسط فهو قاسطٌ: إذا جار، والقسط أيضًا: مكيال، وهو نصف صاع 13.

القسط اصطلاحًا:

«القسط بالكسر: النصيب بالعدل» 14.

الصلة بين القسط والإنصاف:

لفظ (الإنصاف) -كما سبق- يفيد معنى العدل، والقسط، والاستواء، والاستقامة؛ فهو على ارتباط وثيق بهذه المعاني كلها، فيشترك معها في كثيرٍ من الدلالات اللغوية، وإن كنا لا نعدم فرقًا طفيفًا بين كل واحدٍ منها، فالقسط هو: العدل البين الظاهر، ومنه سمي المكيال قسطًا، والميزان قسطًا؛ لأنه يصور لك العدل في الوزن حتى تراه ظاهرًا، وقد يكون من العدل ما يخفى؛ ولهذا قلنا: إن القسط هو النصيب الذي بينت وجوهه، وتقسط القوم الشيء تقاسموا بالقسط 15.

الجور:

الجور لغة:

(جور) الجيم والواو والراء أصل واحد، وهو الميل عن الطريق 16.

الجور اصطلاحًا:

قال السيوطي: الجور: الخروج عن الوسط بزيادة أو نقصان 17، وقال بعضهم: الجائر من الناس هو الذي يمنع من التزام ما يأمر به الشرع 18.

الصلة بين الجور والإنصاف:

الجور والإنصاف لفظان متقابلان، يدل أحدهما على ضد ما يدل عليه الآخر، فالإنصاف والنصف والنصفة: العدل، والجور: الظلم والتعدي.

وقيل: نقيض الظلم الإنصاف، ونقيض الجور العدل 19.

الإنصاف قيمة عليا من قيم الإسلام، وخلق من أخلاقه الرئيسة السامية، والإنصاف كمفهوم شامل واجب مطلقًا مع كل أحد، والمسلم مأمورٌ بالإنصاف والعدل، وهو إعطاء كل أحد ما يستحقه دون حيف أو ظلم، ويدخل في الإنصاف خمسة أنواع:

أولًا: إنصاف العبد ربَه:

لما كان حقيقة الإنصاف هو استيفاء الحقوق لأربابها، والاعتراف لهم بها، دون بخس ولا هضم، وكان من أعظم الحقوق على العبد على الإطلاق حق الخالق سبحانه وتعالى، كان أعظم أنواع الإنصاف وأجلها قدرًا أن ينصف العبد ربه، بأن يوفيه حقه -قدر استطاعته- دون بخس أو نقص، وإلا فكيف يستقيم أن يؤمر العبد أن ينصف عبدًا مثله، ويترك إنصاف ربه سبحانه، الخالق المنعم، فهو أولى بالإنصاف، ويكون ذلك بعبادته، والقيام بأمره، والوفاء بحقوقه.

والله تعالى قد أمر بالعدل -وهو الإنصاف- أمرًا عامًا مطلقًا، دون تحديد مع من يكون هذا العدل؟ ولا تحديد بزمن معين، بل هو عدل مع كل أحد، وفي كل وقت، فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} [النحل:90] .

قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: إن الله يأمر في هذا الكتاب الذي أنزله إليك يا محمد بالعدل، وهو الإنصاف، ومن الإنصاف: الإقرار بمن أنعم علينا بنعمته، والشكر له على إفضاله، وتولي الحمد أهله، وإذا كان ذلك هو العدل ولم يكن للأوثان والأصنام عندنا يد تستحق الحمد عليها؛ كان جهلًا بنا حمدها وعبادتها، وهي لا تنعم فتشكر، ولا تنفع فتعبد، فلزمنا أن نشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له؛ ولذلك قال من قال: العدل في هذا الموضع: شهادة أن لا إله إلا الله 20.

وتفسير العدل في هذه الآية بهذا النوع من العدل، وهو العدل مع الله، وهي شهادة التوحيد، قال به كثير من المفسرين، ولا جرم فهو أعظم أنواع العدل والإنصاف، وضده وهو الشرك، أعظم أنواع الظلم، وقد بدأ به السمعاني في الكلام عن المراد بالعدل في هذه الآية، حيث قال: في الآية أقوال:

أحدها: أن العدل هو: شهادة أن لا إله إلا الله، وهذا مروي عن ابن عباس وغيره، وقيل: إنه التوحيد، وهو في معنى الأول 21. وكذا بدأ به ابن الجوزي، ثم قال: قال أبو سليمان: العدل في كلام العرب: الإنصاف، وأعظم الإنصاف: الاعتراف للمنعم بنعمته 22.

وقال الشنقيطي بعد أن ذكر الأقوال في هذه الآية: فإذا عرفت هذا، فاعلم أن أقوال المفسرين في الآية الكريمة راجعة في الجملة إلى ما ذكرنا؛ كقول ابن عباس رضي الله عنهما: العدل: لا إله إلا الله، والإحسان: أداء الفرائض؛ لأن عبادة الخالق دون المخلوق هي عين الإنصاف والقسط، وتجنب التفريط والإفراط، ومن أدى فرائض الله على الوجه الأكمل فقد أحسن.

ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي حلف لا يزيد على الواجبات: (أفلح إن صدق) 23.

وكقول علي رضي الله عنه: العدل: الإنصاف، والإحسان: التفضل 24.

إلى غير ذلك من أقوال السلف 25.

وقال ابن العربي: العدل بين العبد وربه: إيثار حقه تعالى على حظ نفسه، وتقديم رضاه على هواه، والاجتناب للزواجر، والامتثال للأوامر 26.

والمقصود: أن هذه الآية من جوامع الكلم القرآنية الرائعة، فيما يجب أن يفعله المؤمن، وينتهي عنه.

فالمتبادر أن العدل في الآية في مقامه، وبخاصة والآية مكية لم يقصد به العدل في القضاء، أو لم يقصد به ذلك وحسب، بل قصد به العدل المطلق الذي يتناول معاني الإنصاف، وعدم الإجحاف، وعدم تجاوز الحق قولًا وفعلًا، في كل موقف ومناسبة، ومع كل أحد، ويدخل فيه إنصاف الرب سبحانه وتعالى 27.

فمن أعظم الإنصاف المطالب به العبد إنصافه صاحب الفضل الأكبر عليه، وهو خالقه وموجده، والمنعم عليه بسائر النعم.

إذ العدل مطلوب في أمور التكليف كلها، في الأمور العقدية التي هي عمل القلب، وكذلك مطلوب في الأمور العملية التي هي أعمال الجوارح، وفي حركة الحياة كلها 28.

ومن الأوامر الإلهية العامة بالعدل والإنصاف، والتي يدخل فيها هذا النوع من الإنصاف، وهو إنصاف الرب عز وجل قوله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ} [الأعراف:29] .

والقسط: العدل، ويقع ذلك في حق الله تعالى، وفي حق الخلق، وفي حق النفس، فالعدل في حق الله الوقوف على حد الأمر، من غير تقصير في المأمور به، أو إقدام على المنهي عنه، ثم ألا تدخر عنه شيئًا مما خولك، ثم لا تؤثر عليه شيئًا فيما أحل لك 29. فلا إنصاف ولا نصفة أجمل وأحق من الاعتراف بمن أنعم علينا بنعمه، والشكر له على إفضاله، وحمده، وهو أهل للحمد.

فلله تبارك وتعالى على العبد حقوقٌ عظيمة، ونعمٌ جسيمة، فهو من أنشأه من العدم، وأوجده حتى صار شيئًا مذكورًا، بعد أن كان عدمًا.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) } [الانفطار: 6 - 8] .

فمن الإنصاف أن يعترف العبد بالخالق الموجد من العدم، ويقوم بعبادته على الوجه المأمور به شرعًا.

يقول ابن القيم في هذا النوع من الإنصاف، وهو إنصاف الخالق سبحانه وتعالى: فصل: طوبى لمن أنصف ربه، فأقر له بالجهل في علمه، والآفات في عمله، والعيوب في نفسه، والتفريط في حقه، والظلم في معاملته، فإن آخذه بذنوبه رأى عدله، وإن لم يؤاخذه بها رأى فضله، وإن عمل حسنة رآها من منته وصدقته عليه، فإن قبلها فمنة وصدقة ثانية، وإن ردها فلكون مثلها لا يصلح أن يواجه به، وإن عمل سيئة رآها من تخليه عنه، وخذلانه له، وإمساك عصمته عنه؛ وذلك من عدله فيه، فيرى في ذلك فقره إلى ربه، وظلمه في نفسه، فإن غفرها له فبمحض إحسانه، وجوده وكرمه 30.

وقال: ولو أنصف العبد ربه، وأنى له بذلك! لعلم أن فضله عليه فيما منعه من الدنيا ولذاتها ونعيمها أعظم من فضله عليه فيما آتاه من ذلك، فما منعه إلا ليعطيه؛ ولا ابتلاه إلا ليعافيه، ولا امتحنه إلا ليصافيه، ولا أماته إلا ليحييه، ولا أخرجه إلى هذه الدار إلا ليتأهب منها للقدوم عليه؛ وليسلك الطريق الموصلة إليه 31.

ثانيًا: إنصاف النبي صلى الله عليه وسلم:

إن أعظم نعم الله على هذه الأمة إظهار محمد صلى الله عليه وسلم لهم، وبعثته، وإرساله إليهم.

قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164) } [آل عمران:164] .

فإن النعمة على الأمة بإرساله أعظم من النعمة عليهم بإيجاد السماء والأرض، والشمس والقمر، والرياح، والليل والنهار، وإنزال المطر، وإخراج النبات، وغير ذلك؛ فإن هذه النعم كلها قد عمت خلقًا من بني آدم كفروا بالله، وبرسله، وبلقائه، فبدلوا نعمة الله كفرًا، وأما النعمة بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم فإن بها تمت مصالح الدنيا والآخرة، وكمل بسببها دين الله الذي رضيه لعباده، وكان قبوله سبب سعادتهم في دنياهم وآخرتهم 32.

ولهذا كان من أعظم أنواع الإنصاف إنصاف المسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنصافه يكون بالإيمان به، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر.

قال تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف:158] .

ونظير هذه الآية آيات كثيرة، جاءت تأمر بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، ونلحظ منها: أن الله تعالى قرن الإيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم مع الإيمان به، وفي هذا دليل على أن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم واجب متعين، بل لا يتم إيمان المرء إلا به، ولا يصح إسلام إلا معه.

قال الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (13) } [الفتح:13] .

ولما كان الإيمان بالله هو الأصل يتفرع عنه الإيمان بالرسول والنبي بدأ به، فقال: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ} ثم أتبعه بالإيمان بالرسول، فقال: {وَرَسُولِهِ} ثم أتبع ذلك بالإشارة إلى المعجز الدال على نبوته، وهو كونه أميًا {النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ} وظهر عنه من المعجزات في ذاته ما ظهر من القرآن الجامع لعلوم الأولين والآخرين، مع نشأته في بلد عارٍ من أهل العلم لم يقرأ كتابًا، ولم يخط، ولم يصحب عالمًا، ولا غاب عن مكة غيبة تقتضي تعلمًا 33.

وفي نهاية الآية يخبر الله تعالى أن النبي الأمي- صلوات الله وسلامه عليه- يؤمن بالله وكلماته، ومع أن هذه بديهية، إلا أن هذه اللفتة لها مكانها، ولها قيمتها، فالدعوة لا بد أن يسبقها إيمان الداعي بحقيقة ما يدعو إليه، ووضوحه في نفسه، ويقينه منه؛ لذلك يجيء وصف النبي المرسل إلى الناس جميعًا بأنه: {الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} وهو نفس ما يدعو الناس إليه ونصه، ثم يتضمن أخيرًا لفتة إلى مقتضى هذا الإيمان الذي يدعوهم إليه، وهو اتباعه فيما يأمر به ويشرعه، واتباعه كذلك في سنته وعمله، وهو ما يقرره قول الله سبحانه: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} فليس هناك رجاء في أن يهتدي الناس بما يدعوهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا باتباعه فيه، ولا يكفي أن يؤمنوا به في قلوبهم ما لم يتبع الإيمان الاتباع العملي، وهو الإسلام 34.

ومن إنصافه صلى الله عليه وسلم وجوب طاعته.

قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) } [الأنفال:20] .

وقال: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32) } [آل عمران: 32] .

وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) } [آل عمران:132] .

والآيات في هذا كثيرة.

فجعل الله تعالى في هذه الآيات طاعة رسوله طاعته، وقرن طاعته بطاعته، ووعد على ذلك بجزيل الثواب، وأوعد على مخالفته بسوء العقاب، وأوجب امتثال أمره، واجتناب نهيه.

قال القاضي عياض رحمه الله: وأما وجوب طاعته فإذا وجب الإيمان به، وتصديقه فيما جاء به، وجبت طاعته؛ لأن ذلك مما أتى به 35.

ولما كانت طاعة الرسول هي طاعة الله لأنه إنما يدعوه إليه، وإنما خلقه القرآن، وحد الضمير، فقال: {وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ} ولم يقل: عنهما، وهو كقوله تعالى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة:62] .

والمراد: ولا تولوا عن الرسول في حال من الأحوال، وفي أمر من الأوامر، من الجهاد وغيره، ومن الغنائم وغيرها، خف أو ثقل، سهل أو صعب 36.

وأصله: (ولا تتولوا) فحذف إحدى التاءين تخفيفًا {وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} أي: وأنتم تسمعونه، أو ولا تتولوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تخالفوا وأنتم تسمعون، أي: تصدقون؛ لأنكم مؤمنون لستم كالصم المكذبين من الكفرة 37.

ونلحظ في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء:59] أنه كرر قوله: {أَطِيعُوا} ولم يقل: أطيعوا الله والرسول، وإنما أعيد فعل {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} مع أن حرف العطف يغني عن إعادته؛ وذلك إظهارًا للاهتمام بتحصيل طاعة الرسول؛ لتكون أعلى مرتبة من طاعة أولي الأمر؛ ولينبه على وجوب طاعته فيما يأمر به، ولو كان أمره غير مقترن بقرائن تبليغ الوحي؛ لئلا يتوهم السامع أن طاعة الرسول المأمور بها ترجع إلى طاعة الله فيما يبلغه عن الله دون ما يأمر به في غير التشريع، فإن امتثال أمره كله خير، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا سعيد بن المعلى وأبو سعيد يصلي، فلم يجبه، فلما فرغ من صلاته جاءه، فقال له: (ما منعك أن تأتيني؟) فقال: «كنت أصلي» فقال: (ألم يقل الله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال:24] ) 38.

ولذلك كان الصحابة إذا لم يعلموا مراد الرسول من أمره ربما سألوه: أهو أمر تشريع أم هو الرأي والنظر؟ كما قال له الحباب بن المنذر يوم بدر حين نزل جيش المسلمين: أهذا منزل أنزلكه الله، ليس لنا أن نجتازه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: (بل الرأي والحرب والمكيدة .. ) 39 الحديث 40.

ومن إنصافه صلى الله عليه وسلم: امتثال سنته، والاقتداء بهديه.

قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) } [آل عمران:31] .

فجعل المحبة في اتباعه، وجعل جزاء اتباعه محبته لعباده، وهي أعلى الكرامة 41.

نعم فحب الله ليس دعوى باللسان، ولا هيامًا بالوجدان، إلا أن يصاحبه الاتباع لرسول الله، والسير على هداه، وتحقيق منهجه في الحياة، وإن الإيمان ليس كلمات تقال، ولا مشاعر تجيش، ولا شعائر تقام، ولكنه طاعة لله والرسول، وعمل بمنهج الله الذي يحمله الرسول 42.

ومن حقه صلى الله عليه وسلم عليهم أن يتحاكموا إليه؛ لأنه رسول الله، وهو مأمور بأن يحكم بين الناس بما أراه الله في وحيه، وما هداه إليه في اجتهاده.

قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) } [النساء:65] .

أي: ينقادون لحكمك، يقال: سلم واستسلم وأسلم إذا انقاد.

وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (6) } [الممتحنة:6] .

فالأسوة في الرسول الاقتداء به، والاتباع لسنته، وترك مخالفته في قول أو فعل.

ومن إنصافه صلى الله عليه وسلم: لزوم محبته، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) } [التوبة:24] .

ففي هذه الآية الكريمة حض وتنبيه بالغ على وجوب محبته، وعظم شأنها، واستحقاقه لها؛ إذ قرع سبحانه وتعالى من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وأوعدهم بقوله تعالى: {فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} ثم فسقهم بتمام الآية، وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله.

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: أمر تعالى رسوله أن يتوعد من آثر أهله وقرابته وعشيرته على الله ورسوله، وجهاد في سبيله، فقال: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا} أي: اكتسبتموها وحصلتموها {وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا} أي: تحبونها لطيبها وحسنها، أي: إن كانت هذه الأشياء {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا} أي: فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله بكم؛ ولهذا قال {حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} 43.

ومن إنصافه صلى الله عليه وسلم وجوب مناصحته، قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة:91] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت