قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) } [البقرة:282] .
ذكرت الآية الدعوة إلى الإشهاد على الدين، لحفظ الحقوق ومنع الخلاف، ويجب على الشاهد قبل تحمل الشهادة، أن يعاين المشهود عليه حتى تكون شهادته في موطنها وعلى وجهها، ويلزم أن يكون آخذ الدين حاضرًا حتى يعرف الشاهد أنه قد أخذ الدين وأقر به، لأن آخذ القرض هو الذي يتحمله ويلزمه رده.
وابتدأ الله تعالى بذكر الإيمان فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} وهذا يعني أن مخالفة هذه الأحكام نقص في الإيمان، كأنه قال: لكمال إيمانكم افعلوا هذا؛ فإن لم تفعلوا فإيمانكم ناقص.
في الآية جواز الدين شرعًا. قال تعالى: {تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ} سواء كان هذا الدين ثمن مبيع، أو قرضًا، أو أجرة، أو صداقًا، أو عوض خلع، أو أي دين يكون.
وينقسم الدين إلى ثلاثة أقسام 78:
القسم الأول: مؤجل بأجل مسمى، قال تعالى: {بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} .
القسم الثاني: مؤجل بأجل مجهول.
الدين إلى أجل غير مسمى لا يصح؛ وأخذ هذا القسم من قوله تعالى: {مُسَمًّى} مثل أن أقول لك: اشتريت منك هذه السلعة إلى قدوم زيد، وقدومه مجهول؛ لأن فيه غررًا؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أسلف في شيءٍ ففي كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ) 79.
والدين إلى أجل غير مسمى لا يكتب؛ لأنه عقد فاسد، والدين إلى أجل مسمى جائز بنص الآية 80.
القسم الثالث: غير مؤجل.
الدين إلى غير أجل جائز شرعًا، مثاله: أن أشتري منك هذه السلعة، ولا أعطيك ثمنها، ولا أعينه لك؛ فهذا دين غير مؤجل؛ وفي هذه الحال لك أن تطالبني بمجرد ما ينتهي العقد.
وذهب الجمهور إلى عدم وجوب كتابة الدين غير المؤجل؛ لقوله تعالى في الآية التي تليها: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} ، وينبغي على هذا القول أن يستثنى من ذلك ما إذا كان الدائن متصرفًا لغيره كولي اليتيم، فإنه يجب عليه أن يكتب الدين الذي له لئلا يضيع حقه 81.
وأما الكاتب فيجب عليه أن يكتب بالعدل {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} بحيث لا يجحف مع الدائن، ولا مع المدين.
ومن صفات الشاهد أن يكون عدلًا، لأن الله تعالى يقول: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق:2] 82.
ولا يجوز للكاتب الامتناع أو المماطلة عن الكتابة وأن يكتب كما علمه الله؛ لقوله تعالى: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} ؛ ولهذا أكد هذا النهي بالأمر بالكتابة في قوله تعالى: {فَلْيَكْتُبْ} وهذا ظاهر الآية، ويحتمل أن يقال: إن توقف ثبوت الحق على الكتابة كانت الكتابة واجبة على من طلبت منه؛ وإلا لم تجب 83.
وأما إن كان الذي له الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يمل يقوم الولي في الإملال؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} [البقرة:282]
ويستحب توثيق الدين حتى لا تكون عرضة للضياع، لكثرة النسيان، ووقوع المغالطات، والاحتراز من الخونة الذين لا يخشون الله تعالى. ويكون بإحدى هذه الطرق الثلاثة: الكتابة، والإشهاد، والرهن، إنما هو على سبيل الاستحباب والأفضل، وليس ذلك بواجب، وذهب بعض العلماء إلى وجوب كتابة الدين، ولكن أكثر العلماء على الاستحباب، وهو الراجح 84.
والشهادة على الدين تتحقق بشاهدين مسلمين من الرجال، فلا تصح هنا شهادة غير المسلمين ولا شهادة الصبيان، وكذلك لا تصح شهادة العبيد عند أكثر الفقهاء 85، وتكون برجلين مرضيين عند المشهود له، والمشهود عليه؛ أو رجل، وامرأتان؛ والمرأة يغلب عليها العاطفة، فربما تضل وتحيد عن الشهادة فتقوم الأخرى فتذكرها، قال تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} فلا يرد على ذلك من نبوغ بعض النساء، وغفلة بعض الرجال.
ولا يجوز للشهود الامتناع إذا دعوا للشهادة، ولقوله تعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة:283] .
حكم التوثيق بالشهادة:
جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة: وهو أن الإشهاد على الدين مندوب إليه وليس بواجب؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} .
قال الكيا الهراسي: «ومعلوم أن هذا الأمن لا يقع إلا بحسب الظن والتوهم لا على وجه الحقيقة، وذلك يدل على أن الشهادة إنما أمر بها لطمأنينة قلبه لا لحق الشرع، فإنها لو كانت لحق الشرع لما قال: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} ولا ثقة بأمن العباد، إنما الاعتماد على ما يراه الشرع مصلحة، والله تعالى جعل توثيق الديون طرقًا منها: الكتاب، والرهن، والإشهاد، ولا خلاف بين علماء الأمصار أن الرهن مشروع بطريق الندب لا بطريق الوجوب، فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد» 86.
فإذا لم تكتب الدين ولم تشهد عليه ولم تأخذ رهنًا فلا تأثم بذلك، والآية نفسها تدل على هذا {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} والائتمان يكون بعدم توثيق الدين بالكتابة أو الشهود أو الرهن، ولكن في هذه الحال يحتاج إلى التقوى والخوف من الله، ولهذا أمر الله في هذه الحال من عليه الحق أن يتقي الله ويؤدي أمانته {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} 87.
اتفق العلماء على الإشهاد على اليتيم إذا بلغ ورشد واراد الولي دفع المال اليه، عملًا بقوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6) } [النساء:6] .
الآية الكريمة تدفع بالأولياء، وتهيب بهم أن يلتزموا جانب الحيطة، والتدبير لأنفسهم بالإشهاد وإطلاع الغير على عملية تسليم المال إلى ذوي العلاقة، فرارًا مما قد يقع فيه من محذور الاتهام نتيجة إحسانه وأتعابه عليهم.
قال تعالى: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} .
والآية أمرٌ من الله تعالى لمن يتولى أمر الأيتام، يقتضي الإشهاد عند دفع المال إلى اليتيم الذي علم منه البلوغ والرشد، ويكون الإشهاد بأنهم قبضوها وتسلموها ممن تولى أمرهم، دفعًا للتهمة، وابتعادًا عن الخصومة 88.
و اختلف الفقهاء في حكم الإشهاد، هل هو واجب أم مستحب:
فالمالكية قالوا: الإشهاد واجب عند الدفع للأيتام 89. وأما الحنفية 90، والحنابلة 91، قالوا: إن الإشهاد على دفع المال إلى اليتيم مستحب، إذا لم يكن الولي أبًا أو جدًا، فإذا كان كذلك فلا حاجة للإشهاد.
وجرى العرف والقانون في أيامنا أن تتولى المحاكم الشرعية توثيق وتسجيل أملاك المحجور عليهم من أيتام وغيرهم، وهذا في حالة كون من يتولى أمرهم وصيًا أو قاضيًا.
فالأولى والأفضل في هذه الحالة أن يقوم من يتولى أمر اليتيم بالإشهاد عند دفع المال، وأن يقوم تسجيل ذلك لدى المحكمة المختصة، ابتعادًا عن الخصومة والمنازعة، وتبرئة لساحته.
والملاحظ أن فاصلة الآية الكريمة بأمر بضرورة الإشهاد على عملية تسليم أموال اليتامى من قبل الأولياء، أو الأوصياء بقوله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} .
بمعنى: رقيبًا على أعمالكم ليحافظ كل فرد على ما هو مقرر في حقه، فكما كان التشريع يقف في جانب اليتيم يحذر الآخرين مغبة التجاوز عليه، ويشوقهم إلى مساعدته، والأخذ بيده، كذلك حذره من التطاول على من رعاه، وكفى به حسيبًا، ورقيبًا في كل صغيرة، وكبيرة، وهو المطلع على السرائر، ولا تخفى عليه خافية سواء من جانب الأولياء، أو بعد ذلك مما قد يتعقب عملية تسليم الأموال من اتهامات يوجهها اليتامى لأوليائهم.
قال البغوي: «هذا أمر إرشاد، ليس بواجب، أمر الولي بالإشهاد على دفع المال إلى اليتيم بعدما بلغ؛ لتزول عنه التهمة وتنقطع الخصومة، وكفى بالله حسيبًا محاسبًا ومجازيًا وشاهدًا» 92.
وقال الجصاص: «وفي هذه الآية دلالة على وجوب تسليم أموال اليتامى بعد البلوغ وإيناس الرشد إليهم وإن لم يطالبوا بأدائها؛ لأن الأمر بدفعها مطلق متوعد على تركه غير مشروط فيه مطالبة الأيتام بأدائها، ويدل على أن من له عند غيره مال، فأراد دفعه إليه أنه مندوب على الإشهاد عليه، لقوله تعالى: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ} » 93.
وزوال الحجر عن الصغير وجواز دفع المال إليه بشيئين: بالبلوغ والرشد، فالبلوغ يكون بأحد أشياء أربعة، اثنان يشترك فيهما الرجال والنساء، واثنان تختصان بالنساء، فما يشترك فيه الرجال والنساء أحدهما السن، والثاني الاحتلام، أما السن فإذا استكمل المولود خمس عشرة سنة حكم ببلوغه غلامًا كان أو جارية، فعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردني، ثم عرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني، قال نافع: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز، فقال: هذا فرق بين المقاتلة والذرية، وكتب أن يفرض لابن خمس عشرة سنة في المقاتلة، ومن لم يبلغها في الذرية. وهذا قول أكثر أهل العلم 94.
وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: بلوغ الجارية باستكمال سبع عشرة، وبلوغ الغلام باستكمال ثماني عشرة سنة. وأما الاحتلام فنعني به نزول المني سواء كان بالاحتلام أو بالجماع، أو غيرهما، فإذا وجدت ذلك بعد استكمال تسع سنين من أيهما كان حكم ببلوغه؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور:59] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ في الجزية حين بعثه إلى اليمن: (خذ من كل حالم دينارًا) 95.
وأما الإنبات، وهو نبات الشعر الخشن حول الفرج 96 فهو بلوغ في أولاد المشركين، لما روي عن عطية القرظي قال: كنت من سبي قريظة، فكانوا ينظرون فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت ممن لم ينبت 97.
رابعًا: الإشهاد على الوصية:
الوصية: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع، سواء أكان المملك عينًا أم منفعة 98.
قال الخطيب الشربيني: «الإيصاء يعم الوصية والوصاية لغةً، والتفرقة بينهما من اصطلاح الفقهاء، وهي تخصيص الوصية بالتبرع المضاف لما بعد الموت، والوصاية بالعهد إلى من يقوم على من بعده» 99.
والإسلام وجهة طرق الوصية التي كانت عند العرب في الجاهلية للتفاخر والمباهاة، ويتركون أقاربهم في الفقر والحاجة، فألزم أصحاب الأموال قبل تشريع الميراث بالوصية للوالدين والأقربين، فكانت الوصية في مبدأ الأمر واجبة بكل المال للوالدين والأقربين بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) } [البقرة:180] .
قال السايس: «نسخت هذه الآية بالحديث المستفيض، وهو قوله: (ألا لا وصية لوارث) ولا ناسخ إلا السنة» 100.
وقيل: إنها محكمة ولم يدخلها لا نسخ ولا تخصيص، وقال به أبو مسلم الأصفهاني ومحمد رشيد رضا 101.
والراجح أنه لما نزلت آيات سورة النساء بتشريع المواريث تفصيلًا، أصبحت الوصية في الأقربين مقيدة بقيدين:
الأول: عدم كون الوصية للوارث إلا بإجازة الورثة، لقوله صلى الله عليه وسلم في خطبة عام حجة الوداع: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) 102. وصارت الوصية مندوبة لغير الوارثين.
الثاني: تحديد مقدارها بالثلث؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص الذي أراد الإيصاء بثلثي ماله أو بشطره، إذ لا يرثه إلا ابنة له. فقال: (الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس) 103. أما الزائد عن الثلث فهو من حق الورثة، لا ينفذ تصرف الموصى له إلا بموافقتهم ورضاهم 104.
وذكر الله تعالى الوصية في آيات المواريث وقدمها على الدين؛ حتى لا يتهاون الناس في الوصية، مع أن الدين مقدم على الوصية في النفاذ، لقول علي رضي الله عنه: إنكم تقرؤون هذه الآية: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء:11] .
والنبي صلى الله عليه وسلم قضى أن الدين قبل الوصية 105.
والأفضل أن يجعل وصيته لأقاربه الذي لا يرثون إذا كانوا فقراء، باتفاق أهل العلم، لقوله تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} [الإسراء:26] .
وقوله تعالى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى} [البقرة:177] . فبدأ بهم.
ولقوله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأحزاب:6] فسر بالوصية.
قال الطبري: «كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، وعاقد أبو بكر رضي الله عنه مولًى فورثه. فأنزل الله: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} ، يقول: إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصيةً، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت. وذلك هو المعروف» 106.
واشترط الشافعية: لإثبات الوصية الكتابة مع الشهادة، هو أن يطلع الموصي الشهود على ما في الكتابة، فإن لم يطلعهم على ما في كتابه، لم تنعقد وصيته 107.
وإذا كان العاجز عن النطق عالمًا بالكتابة مثل الأخرس أو معتقل اللسان، فلا تنعقد وصيته إلا بالكتابة؛ لأن دلالتها على المقصود أدق وأحكم 108.
وتنعقد الوصية عند المالكية بالإشارة المفهمة حتى لو كان قادرًا على النطق 109.
فمن كتب وصية، ولم يشهد عليها، حكم بها ما لم يعلم رجوعه عنها، فتثبت الوصية ويقبل ما فيها بالخط الثابت أنه خط الموصي، بإقرار ورثته، أو ببينة تعرف خطه تشهد أنه خطه، وإن طال الزمن أو تغير حال الموصي، أو بأن عرف خطه وكان مشهور الخط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده) 110.
ولم يذكر أمرًا زائدًا على الكتابة، فدل على الاكتفاء بها 111.
روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: كانوا يكتبون في صدور وصاياهم: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أوصى به فلان أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، أوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة:132] 112113.
خامسًا: الإشهاد على الطلاق:
وضع الإسلام الحلول للإشكالات التي تتعرض لها الأسرة المسلمة، ومن ذلك أباح فسخ عقد النكاح بتشريع الطلاق، فمن حكمة الله تعالى أن شرع الإذن للرجل بالانفراد بالطلاق دون المرأة، لما في ذلك من المصلحة الظاهرة، فلو لم يأذن الله بذلك لكان الطلاق باطلًا كله، إلا أن يرضى الطرفان! كما هو في سائر العقود.
وذهب جمهور أهل العلم إلى عدم اشتراط الإشهاد على الطلاق لوقوعه، بل وينقلون الإجماع على هذا كما فعل الشوكاني، وإن اختلفوا في استحبابه من عدمه.
وقال الشوكاني: «الإجماع على عدم وجوب الاشهاد في الطلاق» 114.
وقال القرطبي: «قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا} أمرنا بالإشهاد على الطلاق، وقيل: على الرجعة، والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق. ثم الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة كقوله: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} ، وعند الشافعي واجب في الرجعة» 115.
وذهب آخرون منهم ابن عباس وعمران بن حصين وعطاء و الضحاك و السدي وابن حزم ومن المعاصرين العلامة أحمد شاكر وغيرهم من العلماء إلى اشتراط وجوب الإشهاد في الطلاق 116.
وعمدة القائلين بهذا القول هو قول الله عز وجل في سورة الطلاق: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) } [الطلاق 1 - 2]
فقالوا: إن الأمر بالإشهاد في هذه الآية عائد على الطلاق والرجعة معًا، وقال غيرهم: بل هو عائد على الأمر بالرجعة، ومن ثم اختلفوا في دلالة هذا الأمر، فمن قائل: إنه للوجوب، أو للندب، أو للإرشاد 117.
وقال القنوجي: « {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} : على الرجعة، وقيل: على الطلاق، وقيل: عليهما قطعًا للتنازع وحسمًا لمادة الخصومة، والأمر للندب كما في قوله: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة:282] » 118.
ظاهر سياق الآيات أن الأمر عائد على الطلاق و الرجعة معًا، بل إن السورة بأكملها باسم الطلاق، فهي بيان لأحكامه و مسائله، ومن الممكن أن يكون الأمر بالإشهاد عائد على الأمرين معًا.
قال ابن عاشور: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} ظاهر وقوع هذا الأمر بعد ذكر الإمساك أو الفراق، أنه راجع إلى كليهما؛ لأن الإشهاد جعل تتمة للمأمور به في معنى الشرط للإمساك أو الفراق؛ لأن هذا العطف يشبه القيد وإن لم يكن قيدًا وشأن الشروط الواردة بعد جمل أن تعود إلى جميعها» 119.
و اختار كثير من المفسرين القول بأن الأمر بالإشهاد عائد على الطلاق و الرجعة 120.
فظهر بهذا أن الأمر بالإشهاد عائد على الطلاق والرجعة معًا، والأمر يقتضي الوجوب إلا إذا أتت قرينة تصرفه عن ظاهره إلى غيره.