فكان إذا أصاب المنافقين الخصب، والنماء، وكثرة الأولاد، قالوا: هذا من عند الله، وإن أصابهم القحط، ونقص في الثمار والأولاد أو غير ذلك، نسبوا ذلك لسبب اتباعهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أي: بقضائه وقدره، وهو جارٍ على المؤمن والكافر على السواء.
وقد ورد في سبب نزول قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) } [الحج: 11] . أن الأعراب كانوا إذا ما آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فصحوا، وولدت نساؤهم الغلمان، وأنتجت بهائمهم، قالوا: ما أصابنا منذ دخلنا في هذا الدين إلا الخير، وإن أصابهم همٌ ووجعٌ، وحلت بهم الكروب، وسوس إليهم شيطانهم أنه ما أصابهم منذ دخولهم في دين محمد صلى الله عليه وسلم إلا الشر، فينقلبوا عن دينهم خاسرين 57.
ومما سبق يتضح أن القرآن الكريم ذم التطير، والمتطيرين، وجعل هذه الصفة ملازمةً لأعداء رسله وأتباعهم، تنفيرًا منها، وإظهارًا لخطورتها على عقيدة المؤمن، فالمؤمن الحق هو الذي يسلم أمره لربه ويحسن التوكل عليه، ويعلم أن كل ما أصابه من خيرٍ أو شر جارٍ بقضاء الله وقدره.
كما يلاحظ توافق الكافرين في موقفهم من الرسل عليهم السلام، والتقائهم على التطير منهم، وذلك نظرًا للكفر الجامع بينهم، الأمر الذي جعلهم شركاء في الذم.
قال السعدي في حق المتطيرين: «فلما تشابهت قلوبهم بالكفر تشابهت أقوالهم وأعمالهم، وهكذا كل من نسب حصول الشر أو زوال الخير لما جاءت به الرسل أو لبعضه، فهو داخلٌ في هذا الذم الوخيم» 58.
وتجدر الإشارة إلى أنه لا تعارض بين الآيات، قال تعالى: {أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ} [الأعراف: 131] .
وقوله تعالى: {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} [يس: 19] .
بل كل منهما محققٌ للآخر ومتممٌ لمعناه، فقوله تعالى: {طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} ، أي: أن الله هو المقدر لهذا الشيء وليس غيره سبحانه، فهي في بيان سبب حصول الشؤم لهم، فهو بسبب كفرهم ومعصيتهم 59، فالله قدر السوء والشر لهم بأعمالهم جزاءً عليها 60.
ثم أخبر سبحانه وتعالى أن كل ما يجري على ذلك العبد من نعمةٍ أو مصيبةٍ من عنده تعالى 61، فقال: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء: 78] .
وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، حكم التطير، وكونه من الشرك، فقال صلى الله عليه وسلم: (الطيرة من الشرك) 62.
وعلى هذا فإن قوله: (من الشرك) ، دلالة على كونه من الشرك الأصغر، لأنه اعتمد على سببٍ لم يجعله الله تعالى سببًا، «إن كل إنسانٍ اعتمد على سببٍ لم يجعله الشرع سببًا، فإنه مشرك شركًا أصغر» 63.
قال الطاهر بن عاشور: «التطير من شعار أهل الشرك لأنه مبني على نسبة المسببات لغير أسبابها، وذلك من مخترعات الذين وضعوا لهم ديانة الشرك وأوهامها» 64.
أما إذا اعتقد أنها مؤثرة بذاتها، فهذا عين الشرك الأكبر المخرج من الملة 65.
ثانيًا: الشرك في الأعمال:
تعد الطاعة من أعظم أنواع العبادات التي أمر الله بها.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) } [النساء: 59] .
أي: أطيعوا الله تعالى فيما أمركم به، ونهاكم عنه، وأطيعوا رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو مبلغ عن ربه، وأطيعوا أولي الأمر من الأمراء والحكام، والعلماء، شرط أن يكونوا أمناء، لا يخالفون منهج الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم 66.
وبين سبحانه وتعالى أن من أطاع أحدًا من خلقه، في تحليل ما حرم الله تعالى، أو تحريم ما أحل الله تعالى، فقد اتخذ من دون الله ربًا مشرعًا.
قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) } [التوبة: 31] .
ففي الآية بيان للشرك في الطاعة، وذلك بطاعة الأحبار والرهبان، في تغيير شرع الله تعالى، وهذا من الشرك الأكبر، «فقد سماهم أربابًا وهم لا يعبدونهم، لكن من حيث تلقوا الحلال والحرام من جهتهم، وهو أمر لا يتلقى إلا من جهة الله عز وجل، ونحو هذا قال ابن عباس، وحذيفة بن اليمان، وأبو العالية، وحكى الطبري أن عدي بن حاتم قال: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب ذهب، فقال: يا عدي؛ اطرح هذا الصليب من عنقك، فسمعته يقرأ {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} فقلت: يا رسول الله، وكيف ولم نعبدهم؟ فقال أليس تستحلون ما أحلوا وتحرمون ما حرموا)، قلت: نعم. قال: (فذاك) 67.
قال سليمان بن عبد الله: «فمن أطاع مخلوقًا في ذلك فقد عبده، إذ معنى التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله يقتضي إفراد الله بالطاعة، وإفراد الرسول بالمتابعة» 68.
وقال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) } [الأنعام: 121] .
قال ابن كثير: «أي: حيث عدلتم، عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدمتم عليه غيره، فهذا هو الشرك» 69.
وفرق أهل العلم بين شرك العبادة، وشرك الطاعة.
قال تعالى: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) } [الأعراف: 190 - 191] .
فقد جاء بسند صحيح عن قتادة أنه قال: «شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته» ، وهذا دليل على التفريق بين الشرك في الطاعة والشرك في العبادة، فالشرك في العبادة كفر أكبر مخرج من الملة، أما الشرك في الطاعة فله درجات يبدأ من المعصية والمحرم وينتهي بالشرك الأكبر 70.
لقد حرم الله تعالى السحر.
قال تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) } [البقرة: 102] .
فهذا إخبار عن اليهود الذين أخذوا بالسحر الذي تقولته الشياطين على عهد ملك سليمان، ونسبوه إلى سليمان عليه السلام بهتانًا وزورًا، ثم بين الله سبحانه وتعالى أن سليمان لم يكن ساحرا كما زعموا، ولكن الشياطين هم السحرة، وهم الذين كفروا بتعليمهم للناس السحر، ثم بين سبحانه وتعالى شيئًا من مقاصد الذين يتعلمون السحر، وهو تفريقهم بين المرء وزوجه، ولكن الله أخبر أنه لا يتم تأثير السحر إلا بإذنه، وأن من اعتاض بالسحر عن دين الله، فإنه ليس له في يوم القيامة نصيب ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون 71، وهذا تحذير من السحر لأنه لا يتم إلا بالشرك، والشرك مناف للتوحيد 72.
وقد بين سبحانه وتعالى أن السحر باطل؛ لأنه يسبب الإفساد بين الناس، ومن كان شأنه كذلك فمآله إلى زوال لا محالة.
قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) } [يونس: 80 - 81] .
وقال تعالى: {قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) } [يونس: 77] .
أي: لا يظفر الساحر بالحاجة والغلبة، لأنه باطل، والباطل لا يغلب الحق 73.
هو الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة، وهو سمة العبودية واستشعار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله عز وجل وإضافة الجود والكرم إليه 74.
ويمكن القول بأن شرك الدعاء هو: سؤال العبد غير الله؛ من الأنبياء، والأولياء، وغيرهم، فيما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل؛ ويدخل في ذلك الاستغاثة، والاستعانة، والاستعاذة، بغير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ من طلب رزق، أو شفاء مريض، أو إحياء ميت، أو غير ذلك؛ فقد أشرك مع الله غيره، سواء أكان ذلك الغير نبيا، أو وليا، أو جنيا، أو غير ذلك من المخلوقات 75.
والأدلة على كون دعاء غير الله تعالى شركًا كثيرة، منها:
قول الله عز وجل: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14) } [فاطر: 13 - 14] .
فالآية تؤكد عجز الأصنام، فهي لا تملك شيئًا ولو كان حقيرًا، وهو ما تشير إليه كلمة قطمير، أي: قشر النواة، فالمشركون كانوا يزعمون أن الأصنام تسمعهم، لذلك كانوا يدعونها ويتوجهون إليها: فنبههم القرآن إلى عجزها، بأنها لا تسمع، وعلى فرض أنها تسمعهم فإنها لا تستجيب لهم، قال ابن عاشور: «أي: ولو سمعوا على سبيل الفرض والتقدير ومجاراة مزاعمكم حين تدعونها فإنها لا تستجيب لدعوتكم، أي: لا ترد عليكم بقبول» 76.
وقول الله تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) } [النحل: 53 - 54] .
قال ابن كثير: «لعلمكم أنه لا يقدر على إزالته إلا هو، فإنكم عند الضرورات تلجئون إليه، وتسألونه وتلحون في الرغبة مستغيثين به» 77.
والدعاء نوعان: دعاء العبادة والثناء، ودعاء المسألة والطلب، وهما متلازمان.
فدعاء العبادة والثناء: هو ما يقصد به العبد ثناء على الله تعالى بما هو أهله، تذللا له، وانكسارًا بين يديه، سبحانه وتعالى.
ودعاء المسألة: هو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو دفع ضر، إذ الذي يدعى لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضر 78.
دعاء المسألة والطلب لا يعد كله شركًا، فالإنسان إما أن يدعو مخلوقًا حيًا بأمر يدركه وهذا جائز، كسؤال الفقير، وإما أن يدعو مخلوقا مطلقًا حيًا كان أو ميتًا فيما لا يقدر عليه إلا الله، مثل: يا فلان! اجعل ما في بطن امرأتي ذكرا؛ فهذا شرك أكبر؛ لأن هذا من فعل الله عز وجل الذي لا يستطيعه البشر، ولا يقدرون عليه، وإما أن يدعو مخلوقًا لا يجيب بالوسائل الحسية المعلومة؛ كدعاء الأموات؛ فهذا شرك أكبر أيضا؛ لأن هذا لا يقدر عليه المدعو. ولا يقع مثل هذا النوع من الدعاء إلا إذا اعتقد الداعي في المدعو شيئا سريا يدبر به الأمور 79.
إن من تمام التوحيد نسبة النعم إلى الله عزوجل، فمن نسب النعمة إلى غيره تعالى، فقد كفر؛ لأنه جعل شريكًا مع الله في الإنعام 80.
قال تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (83) } [النحل: 83] .
فالكفار يقرون بأنها كلها من الله تعالى، ثم ينكرونها بأفعالهم حيث يعبدون غير منعمها أو بقولهم، إنها بشفاعة آلهتنا، أو بترك الشكر عليها، أو يعرفونها في الشدة، وينكرونها في الرخاء، أو يعرفونها بقلوبهم، ويجحدونها بألسنتهم {وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ} أي: المنكرون بقلوبهم غير المعترفين بما ذكر 81.
وإنكار النعمة أن تنسب إلى غير الله، وأن يجعل المتفضل بالنعمة غير الذي أسداها، وهو الله جل جلاله، فالواجب على العبد أن يعلم أن كل النعم من الله جل وعلا، وأن كمال التوحيد لا يكون إلا بإضافة كل نعمة إلى الله جل وعلا، وأن إضافة النعم إلى غير الله نقص في كمال التوحيد، ونوع شرك بالله جل وعلا.
قال تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50) } [فصلت: 50] .
أي: لئن أذقناه عافية من بعد سقم، أو غنى من بعد فقر؛ ليقولن: هذا لي، أي: هذا من حقي؛ استوجبته بتقواي وصلاحي، أو بقوتي واجتهادي. وهو في عداد المتكبرين 82.
وقال تعالى: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) } [القصص: 78] .
فهذه مقولة المغرور الذي ينسى مصدر النعمة، فقارون نسي من وهبه النعمة، وركن إلى السبب، وهو أن هذا الثراء والغنى إنما حصله من علمه وبجهده الخاص، فجاءه التهديد والوعيد من الله تعالى: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص: 78] 83.
وقد ورد في تفسير قوله تعالى: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} [الأعراف: 190] .
أنعم الله عليهم بالأولاد، وكمل الله النعمة بهم بأن جعلهم صالحين في أبدانهم، وتمام ذلك أن يصلحوا في دينهم، فعليهم أن يشكروا الله على إنعامه، وأن لا يعبدوا أولادهم لغير الله، أو يضيفوا النعم لغير الله، فإن ذلك كفران للنعم مناف للتوحيد 84.
فمن تحقيق التوحيد نسبة النعم لمسديها وواهبها، وهو الله تعالى، قال تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11) } [الضحى: 11] .
لقد حذر القرآن الكريم من الشرك أيًا كان نوعه، حمايةً لجناب التوحيد، وحرصًا على أهله، لأنه إما أن يخرج صاحبه من الإسلام ويحرمه نعمة التوحيد ويورده النار، وإما أن ينافي كماله، وقد ينتهي به إلى الخروج من الإسلام آخر الأمر 85.
وقد قسم أهل العقيدة الشرك إلى مرتبتين: شرك أكبر، وشرك أصغر (خفي) 86.
وسنتناول ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: الشرك الأكبر:
وهو «اتخاذ العبد غير الله من نبيٍ أو ولي أو جماد أو حيوان ندًا مساويًا لله، يحبه كحبه ويخافه ويخشاه كخشيته إلخ» 87.
وعرفه الدكتور عبد القادر صوفي فقال: «إثبات شريك لله عز وجل في خصائصه؛ فيجعل الإنسان ندًا لله في ربوبيته، أو في ألوهيته، أو في أسمائه وصفاته» 88.
قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] .
وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] .
عرف ابن القيم الطاغوت بقوله: ما تجاوز به العبد حده: من معبود، أو متبوع، أو مطاع 89.
وقد وصف الله تعالى الشرك بالظلم العظيم، فقال على لسان لقمان الحكيم: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) } [لقمان: 13] .
ففي الآية يوصي لقمان ولده الذي هو أشفق الناس عليه، وحقيقة أن يمنحه أفضل ما يعرف؛ بأن يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا.
وينقسم الشرك الأكبر إلى أقسام 90، وبيانها فيما يأتي:
1.شرك في الربوبية.
وهو أن يجعل لغير الله تعالى معه نصيبًا من الملك أو التدبير أو الخلق أو الرزق الاستقلالي 91.
ويمكن القول بأنه نسبة أفعال الله تعالى لغيره من الخلق، حيًا كان أو ميتًا، كالرزق، التصرف في الكون، الإحياء، الإماتة إلخ، ومثاله أيضًا شرك النصارى بقولهم: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} [المائدة: 73] 92.
2.شرك في الأسماء والصفات.
وهو التسوية بين الله والخلق في شيء من الأسماء والصفات؛ بأن يجعل لله عز وجل ندا في أسمائه وصفاته؛ فيسميه بأسماء الله، أو يصفه بصفاته 93، كشرك الممثلة: وهو اعتقاد أن صفات الخالق تماثل صفات المخلوق، كمن يقول: يد الله كيدي، فهذا كله شرك.
قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] .
3.الشرك الأكبر في الألوهية.
وهو أن يجعل العبد لله ندًا في العبادة، أو في التشريع 94، وهو على أنواع، منها:
1.شرك الدعاء، قال تعالى: (? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [العنكبوت: 65] .
2.شرك الخوف، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النحل: 51] .
3.شرك الطاعة، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة: 31] .
4.شرك المحبة، قال تعالى: (چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ) [البقرة: 165] .
5.شرك الشفاعة، قال تعالى: (? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يونس: 18] . قال الطبري: أي: كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند الله 95.
6.شرك النية، والإرادة والقصد: هو أن يريد العبد بعمله غير الله تعالى، كأن يعمل عملًا صالحًا يبتغي به الدنيا 96، قال تعالى: (? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑک ک ک ک گ گ گ گ ? ?) [هود: 15 - 16] . صرح تعالى في هذه الآية الكريمة: أن من عمل عملًا يريد به الحياة الدنيا أعطاه جزاء عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة إلا النار 97.
ثانيًا: الشرك الأصغر:
عرفه الشيخ عبد الرحمن بن سعدي بأنه: «كل وسيلة يتوسل بها إلى الشرك الأكبر كالحلف بغير الله، ويسير الرياء ونحو ذلك» 98.
ويمكن القول: إن الشرك الأصغر كل ما ينافي كمال التوحيد قولًا كان، أو فعلًا، أو نيةً.
والدليل على وجود الشرك الأصغر: قول الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] .
قال الزمخشري: «أي: أن لا يرائي بعمله، وأن لا يبتغى به إلا وجه ربه خالصا لا يخلط به غيره» 99.
وبينت الآية شرطي العبادة المقبولة عند الله تعالى، وهما: الموافقة للشريعة، وعدم الإشراك بالله تعالى 100.
قال العثيمين: «قال {بِعِبَادَةِ رَبِّهِ} ليتبين لك أنه جل وعلا حقيق بأن لا يشرك به؛ لأنه الرب الخالق المالك المدبر لجميع المخلوقات» 101.
وقال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) } [يوسف: 106] .
فالآية ليست دليلًا فقط على من عبد غير الله، بل تشمل الرياء، والطيرة، والحلف بغير الله، وتعليق التمائم .. إلخ 102.