فهرس الكتاب

الصفحة 607 من 2431

أي: وأخبر -أيها الرسول- أهل الإيمان والعمل الصالح خبرًا يملؤهم سرورًا، بأن لهم في الآخرة حدائق عجيبة، تجري الأنهار تحت قصورها العالية وأشجارها الظليلة، كلما رزقهم الله فيها نوعًا من الفاكهة اللذيذة، قالوا: قد رزقنا الله هذا النوع من قبل، فإذا ذاقوه وجدوه شيئًا جديدًا في طعمه ولذته، وإن تشابه مع سابقه في اللون والمنظر والاسم، ولهم في الجنات زوجات مطهرات من كل ألوان الدنس الحسي كالبول والحيض، والمعنوي كالكذب وسوء الخلق، وهم في الجنة ونعيمها دائمون، لا يموتون فيها ولا يخرجون منها.

ومنها قوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ? وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ(155 ) ) [البقرة: 155] .

أي: وبشر -أيها النبي- الصابرين بما يفرحهم ويسرهم من حسن العاقبة في الدنيا والآخرة.

ومنها قوله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى? شِئْتُمْ ? وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ ? وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [البقرة: 223] .

وبشر المؤمنين -أيها النبي- بما يفرحهم ويسرهم من حسن الجزاء في الآخرة.

ومنها قوله تعالى: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ? وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [التوبة: 112] .

أي: وبشر -أيها النبي- هؤلاء المؤمنين المتصفين بهذه الصفات برضوان الله وجنته.

ومنها قوله تعالى: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى? رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ? قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَ?ذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ) [يونس: 2] .

أي: وبشر الذين آمنوا بالله ورسله أن لهم أجرًا حسنًا بما قدموا من صالح الأعمال.

ومنها قوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى? مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ? فَإِلَ?هُكُمْ إِلَ?هٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ? وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) [الحج: 34] .

أي: وبشر -أيها النبي- المتواضعين الخاضعين لربهم بخيري الدنيا والآخرة.

ومنها قوله تعالى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَ?كِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى? مِنْكُمْ ? كَذَ?لِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى? مَا هَدَاكُمْ ? وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) [الحج: 37] .

أي: وبشر -أيها النبي- المحسنين بعبادة الله وحده والمحسنين إلى خلقه بكل خير وفلاح.

ومنها قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا) [الأحزاب: 47] .

أي: وبشر -أيها النبي- أهل الإيمان بأن لهم من الله ثوابًا عظيمًا، وهو روضات الجنات.

ومنها قوله تعالى: (وَأُخْرَى? تُحِبُّونَهَا ? نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ? وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [الصف: 13] .

أي: وبشر المؤمنين -أيها النبي- بالنصر والفتح في الدنيا، والجنة في الآخرة.

ومنها قوله تعالى: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَ?نَ بِالْغَيْبِ ? فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) [يس: 11] .

أي: وبشر من آمن بالقرآن، واتبع ما فيه من أحكام الله، والخائف من الرحمن بمغفرة من الله لذنوبه، وثواب منه في الآخرة على أعماله الصالحة، وهو دخوله الجنة.

ومنها قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى? ? فَبَشِّرْ عِبَادِ ?17?ہ) [الزمر: 17] .

أي: والذين اجتنبوا طاعة الشيطان، وعبادة غير الله، وتابوا إلى الله بعبادته، وإخلاص الدين له، لهم البشرى في الحياة الدنيا بالثناء الحسن والتوفيق من الله، وفي الآخرة برضوان الله، والنعيم الدائم في الجنة.

ومن تتبع الآيات السابقة وجد اختلاف البشرى للمبشرين حسب حالتهم الإيمانية، فكلما زادت الحالة الإيمانية، ومقتضياتها زادت درجات البشرى.

3.تبشير الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم المنافقين بالعذاب الأليم.

قال تعالى: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [النساء: 138] .

أي: وبشر -أيها الرسول- المنافقين -وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر- بأن لهم عذابًا موجعًا.

4.تبشير الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الكافرين بالعذاب الأليم.

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران: 21] .

أي: إن الذين يجحدون بالدلائل الواضحة، وما جاء به المرسلون، ويقتلون أنبياء الله ظلمًا بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالعدل، واتباع طريق الأنبياء، فبشرهم بعذاب موجع.

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ? وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [التوبة: 34] .

أي: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إن كثيرًا من علماء أهل الكتاب وعبادهم ليأخذون أموال الناس بغير حق كالرشوة وغيرها، ويمنعون الناس من الدخول في الإسلام، ويصدون عن سبيل الله، والذين يمسكون الأموال ولا يؤدون زكاتها، ولا يخرجون منها الحقوق الواجبة، فبشرهم بعذاب موجع.

وبالمقارنة بين آيات البشرى في حق المؤمنين وحق المنافقين والكافرين نجد كثرة عدد آيات البشرى في حق المؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون بها، وقلة عدد آيات تبشير المنافقين والكافرين، والتي هي على سبيل التهكم؛ تحقيقًا لسنته في خلقه (إن رحمتي سبقت غضبي) 56.

وإبرازًا لصفة الرحمة في حق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وحق رسالته، كما قال: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107] .

رابعًا: القرآن:

قال تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى? لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل: 102] .

المراد بالمسلمين الذين آمنوا، فكان مقتضى الظاهر أن يقال: وهدى وبشرى لهم، فعدل إلى الإظهار لزيادة مدحهم بوصف آخر شريف 57.

وقال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى? لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل: 89] .

هذه الآية من الآيات الجامعة التي تبين فضل القرآن، فهذا الكتاب الذي نزل به جبريل «فيه الهداية التامة من أنواع الضلالات، والبشارة بالخير الدنيوي والأخروي، لمن آمن به» 58.

وقوله تعالى: (وَهُدًى) فالمراد به أن القرآن مشتمل على أمرين:

أحدهما: بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأعمال الجوارح، وهو من هذا الوجه هدى.

وثانيهما: بيان أن الآتي بتلك الأعمال كيف يكون ثوابه وهو من هذا الوجه بشرى؟ ولما كان الأول مقدمًا على الثاني في الوجود لا جرم قدم الله لفظ الهدى على لفظ البشرى.

فإن قيل: ولم خص كونه هدى وبشرى بالمؤمنين مع أنه كذلك بالنسبة إلى الكل؟

الجواب من وجهين:

الأول: أنه تعالى إنما خصهم بذلك لأنهم هم الذين اهتدوا بالكتاب، فهو كقوله تعالى: (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) [البقرة: 2] .

والثاني: أنه لا يكون بشرى إلا للمؤمنين؛ وذلك لأن البشرى عبارة عن الخبر الدال على حصول الخير العظيم، وهذا لا يحصل إلا في حق المؤمنين، فلهذا خصهم الله به 59.

وقيل: خص الهدى والبشرى بالمؤمنين لأن غير المؤمنين لا يكون لهم هدى به ولا بشرى، كما قال: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ? وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ? أُولَ?ئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) [فصلت: 44] .

ولأن المؤمنين هم المبشرون (فَبَشِّرْ عِبَادِ) [الزمر: 17] 60.

«فالقرآن هدى وبشرى للقلوب المؤمنة، التي تتفتح له وتستجيب، وهذه حقيقة ينبغي إبرازها، إن نصوص القرآن لتسكب في قلب المؤمن من الإيناس، وتفتح له من أبواب المعرفة، وتفيض فيه من الإيحاءات والمشاعر ما لا يكون بغير الإيمان، ومن ثم يجد فيه الهدى، كما يستروح فيه البشرى» 61.

ومن بلاغة القرآن حديثه عن نفسه بأنه (بشرى) المصدر الذي ليس له زمان معين، والمعنى أن القرآن (بشرى) للمؤمنين به في كل زمان بما يناسب هذا الزمان، وبما يناسب حالة المؤمنين الإيمانية، أي (بشرى) القرآن للمؤمنين امتدت طولًا حتى شملت آفاق الزمان، وامتدت عرضًا حتى شملت آفاق الأمم، واختلفت درجات البشرى باختلاف درجات المؤمنين في الإيمان والعمل الصالح.

خامسًا: الرياح:

الرياح أثر من آثار قدرة الله، ورحمة من رحماته على عباده؛ وهي كالرسل؛ ولذلك كانت موصوفة بالخير، كما روى البخاري بسنده عن ابن عباسٍ - رضي الله عنهما- قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلةٍ من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) 62.

وقد ذكر سبحانه وتعالى نعمه على خلقه في إرساله الرياح مبشرات بين يدي رحمته، بمجيء الغيث عقيبها؛ الذي ينزله فيحيي به العباد والبلاد، وتجري الفلك في البحر، وتسير بالريح، ويبتغون من فضل الله في التجارات والمعايش، والسير من إقليم إلى إقليم، وقطر إلى قطر، كما قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [الروم: 46] .

وبين تعالى أثرًا من آثار قدرته، ونفحة من نفحات رحمته، فقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) [الأعراف: 57] .

أي: الرياح المبشرات بالغيث، التي تثيره بإذن الله من الأرض، فيستبشر الخلق برحمة الله، وترتاح لها قلوبهم قبل نزوله 63.

وفي الآية: «تعريض ببشارة المؤمنين بإغداق الغيث عليهم، ونذارة المشركين بالقحط والجوع» 64.

بشر الله سبحانه وتعالى إبراهيم وزكريا عليهما السلام بالأولاد الصالحين، والذرية الطيبة التي ستكون منها مادة الهداية لأقوامهم، فبهم بعد توفيق الله يهتدي المهتدون، ولعظم هذه البشرى التي حدثت على غير العادة، أرسل الله بها ملائكته لتبشيرهما؛ لأنه سبحانه وتعالى مصدر البشرى، والملائكة والرسل سفراء لقومهم بها.

1.تبشير إبراهيم بإسحاق عليهما السلام مع كبر سنه وسن زوجه.

قال تعالى لإبراهيم على لسان الملائكة: (قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) [الحجر: 53] .

وهو إسحاق عليه الصلاة والسلام، وتضمنت هذه البشارة بأنه عليم، أي: كثير العلم، وفي الآية الأخرى: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) [الصافات: 112] .

2.تبشير الله سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام بإسماعيل عليه السلام.

بشر الله سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام بإسماعيل عليه السلام، كما قال تعالى: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) [الصافات: 101] .

وصف الله إسماعيل عليه السلام بالحلم، والحليم: اسم يجمع أصالة الرأي ومكارم الأخلاق، والرحمة بالمخلوق 65.

3.تبشير زكريا بيحيى عليهما السلام مع كبر سنه وكون امرأته عاقرًا.

قال تعالى: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى? لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ?7?قَالَ رَبِّ أَنَّى? يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ?8?قَالَ كَذَ?لِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ?9?) [مريم: 7 - 9] .

أي: بشره الله تعالى على يد الملائكة بـ «يحيى» وسماه الله له «يحيى» وكان اسمًا موافقًا لمسماه: يحيا حياة حسية، فتتم به المنة، ويحيا حياة معنوية، وهي حياة القلب والروح، بالوحي والعلم والدين.

ثانيًا: المؤمنون:

بشر الله سبحانه عباده المؤمنين ببشارات عظيمة ترجع لقيامهم بأعمال جليلة منهم المهاجرون المجاهدون في سبيله، وأمر ملائكته أن تبشر المؤمنين المستقيمين على طاعته والمنيبين إليه، وأمر رسوله بتبشير المؤمنين بما ينشطهم على العمل، وما يسرهم ويفرحهم، وجعل القرآن بشيرًا للمؤمنين بالنصر في الدنيا والكرامة في الآخرة، وجعل الرياح مبشرات بالبركات والنماء بعد القحط والجدب.

ثم اختلفت أنواع البشرى باختلاف العمل الصالح الذي قام به المبشرون.

تبشير الرسول صلى الله عليه وسلم أمته بما أمره به ربه عز وجل:

أمر الله عز وجل رسول الكريم صلى الله عليه وسلم بتبشير عباده بما يسرهم ويفرحهم في الدنيا والآخرة، وقد امتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه:

1.بشارة المؤمنين الذين جمعوا مع الإيمان العمل الصالح.

قال تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ? كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ? قَالُوا هَ?ذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ? وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ? وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ? وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 25] .

2.بشارة المخبتين.

قال تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى? مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ? فَإِلَ?هُكُمْ إِلَ?هٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ? وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى? مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ?35? [الحج: 34 - 35] .

بشر المخبتين بخير الدنيا والآخرة، والمخبت: الخاضع لربه، المستسلم لأمره، المتواضع لعباده، ثم ذكر صفات المخبتين فقال: (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْأي: خوفًا وتعظيمًا، فتركوا لذلك المحرمات، لخوفهم ووجلهم من الله وحده(وَالصَّابِرِينَ عَلَى? مَا أَصَابَهُمْ) من البأساء والضراء، وأنواع الأذى، فلا يجري منهم التسخط لشيء من ذلك، بل صبروا ابتغاء وجه ربهم، محتسبين ثوابه، مرتقبين أجره (وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ) أي: الذين جعلوها قائمة مستقيمة كاملة، بأن أدوا اللازم فيها والمستحب، وعبوديتها الظاهرة والباطنة (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) وهذا يشمل جميع النفقات الواجبة، كالزكاة، والكفارة، والنفقة على الزوجات والمماليك، والأقارب، والنفقات المستحبة، كالصدقات بجميع وجوهها، وأتي بـ (من) المفيدة للتبعيض ليعلم سهولة ما أمر الله به ورغب فيه، وأنه جزء يسير مما رزق الله، ليس للعبد في تحصيله قدرة، لولا تيسير الله له ورزقه إياه، فيا أيها المرزوق من فضل الله، أنفق مما رزقك الله، ينفق الله عليك، ويزدك من فضله 66.

3.بشارة المحسنين.

قال تعالى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَ?كِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى? مِنْكُمْ ? كَذَ?لِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى? مَا هَدَاكُمْ ? وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) [الحج: 37] .

والمحسنون المبشرون هم من عبدوا الله، كأنهم يرونه، فإن لم يصلوا إلى هذه الدرجة عبدوه معتقدين وقت عبادتهم اطلاعه عليهم، ورؤيته إياهم، والمحسنين لعباد الله بجميع وجوه الإحسان من نفع مال، أو علم، أو جاه، أو نصح، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو كلمة طيبة ونحو ذلك.

والبشارة المبشرون بها هي سعادة الدنيا والآخرة، وسيحسن الله إليهم، كما أحسنوا في عبادته ولعباده (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) [الرحمن: 60] .

(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى? وَزِيَادَةٌ ?) [يونس: 26] 67.

4.بشارة الخائفين من الله بالغيب.

قال تعالى: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَ?نَ بِالْغَيْبِ ? فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) [يس: 11] .

أخبر الله في هذه الآية أن من اتصف بالقصد الحسن في طلب الحق، وخشية الله تعالى فهو أحق بالبشارة بمغفرة ذنوبه، والأجر الكريم وهو الجنة.

5.بشارة المؤمنين بالله واليوم الآخر والمجاهدين.

أخبر الله سبحانه وتعالى المؤمنين المهاجرين والمجاهدين في سبيله بالبشرى منه بالرحمة الواسعة والرضوان الذي لا سخط بعده، ومصيرهم إلى جنات الخلد والنعيم الدائم.

قال تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ? لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(19) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) ?يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ? إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) [التوبة: 19 - 22] .

6.بشارة المستقيمين على طريق الله.

أخبر الله سبحانه وتعالى أن الذين استقاموا على شريعته، تتنزل عليهم الملائكة عند الموت قائلين لهم: لا تخافوا من الموت وما بعده، ولا تحزنوا على ما تخلفونه وراءكم من أمور الدنيا، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون بها، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ(30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ? وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ (32 ) ) [فصلت: 30 - 32] .

7.بشارة المتقين:

قال تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى? فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ? لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ? ذَ?لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64 ) ) [يونس: 62 - 64] .

أي: لهؤلاء الأولياء البشارة من الله في الحياة الدنيا بما يسرهم، وفي الآخرة بالجنة، لا يخلف الله وعده ولا يغيره؛ ذلك هو الفوز العظيم؛ لأنه اشتمل على النجاة من كل محذور، والظفر بكل مطلوب محبوب.

8.بشارة الصابرين.

أخبر الله الصابرين بأن لهم ثناء ورحمة عظيمة منه سبحانه، وأنهم مهتدون إلى الرشاد.

قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ? وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ(155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَ?ئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) [البقرة: 155 - 157] .

ثالثًا: الكفار:

أمر الله رسوله بتبشير الذين كفروا بعذاب موجع في الدنيا بالقتل والأسر والجلاء، وفي الآخرة بالنار وبئس القرار، وذكر الأسباب الموجبة لهذا العذاب:

1.التولي والإعراض عن الحق البين الواضح.

قال تعالى: (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ? وَرَسُولُهُ ? فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ? وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ? وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [التوبة: 3] .

وجعل الإنذار بشارة على سبيل الاستهزاء بهم 68.

2.شراء لهو الحديث ليضل عن سبيل الله.

قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ? أُولَ?ئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) [لقمان: 6] .

و (لَهْوَ الْحَدِيثِ) : الأحاديث الملهية للقلوب، الصادة لها عن أجل مطلوب، فدخل في هذا كل كلام محرم، وكل لغو، وباطل، وهذيان من الأقوال المرغبة في الكفر والفسوق والعصيان، ومن أقوال الرادين على الحق، المجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق، ومن غيبة ونميمة وكذب وشتم وسب، ومن غناء ومزامير شيطان، ومن الوسائل الملهية التي لا نفع فيها في دين ولا دنيا، وإضلاله في هذا الحديث صده عن الحديث النافع، والعمل النافع، والحق المبين، والصراط المستقيم، ولا يتم له هذا حتى يقدح في الهدى والحق، ويتخذ آيات الله هزوًا، ويسخر بها، وبمن جاء بها، فإذا جمع بين مدح الباطل والترغيب فيه، والقدح في الحق، والاستهزاء به وبأهله، أضل من لا علم عنده وخدعه بما يوحيه إليه، من القول الذي لا يميزه ذلك الضال، ولا يعرف حقيقته.

وهذا ما تمارسه الأقلام المأجورة في الصحف، ودعاة السوء في القنوات الفضائية الممولة من أعداء الله في الداخل والخارج، وأصحاب مواقع الانترنت الضالة المضلة.

3.الاستكبار عن سماع آيات الله.

ومن أسباب البشارة بالسوء التي تؤثر في قلب الكافر بالحزن والغم وفي بدنه بالألم الموجع الاستكبار عن سماع آيات الله.

كما قال تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى? عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى? مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا ? فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [لقمان: 7] .

قيل: نزلت في أبي جهل، وقيل: في النضر بن الحارث، وما كان يشتري من أحاديث الأعاجم، ويشغل بها الناس عن استماع القرآن، والآية عامة فيمن كان مضارًا لدين الله 69.

والبشارة في هذا الموضوع نوع من التهكم المهين يليق بالمتكبرين المستهزئين.

4.الجحود بالدلائل الواضحة وما جاء به المرسلون، وقتل الأنبياء ظلمًا بغير حق، وقتل الذين يأمرون بالعدل واتباع طريق الأنبياء.

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران: 21] .

فهؤلاء الذين أخبر الله عنهم في هذه الآية أشد الناس جرمًا، وأي: جرم أعظم من الكفر بآيات الله التي تدل دلالة قاطعة على الحق الذي من كفر بها فهو في غاية الكفر والعناد، ويقتلون أنبياء الله الذين حقهم أوجب الحقوق على العباد بعد حق الله، الذين أوجب الله طاعتهم والإيمان بهم، وتعزيرهم، وتوقيرهم، ونصرهم، وهؤلاء قابلوهم بضد ذلك، ويقتلون أيضًا الذين يأمرون الناس بالقسط الذي هو العدل، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي حقيقته إحسان إلى المأمور ونصح له، وهذه الحالة صفة اليهود ونحوهم، قبحهم الله ما أجرأهم على الله وعلى أنبيائه وعباده الصالحين 70.

5.أكل أموال الناس بالباطل وكنز الذهب والفضة وعدم إنفاقها في سبيل الله.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ? وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [التوبة: 34] .

هذا تحذير من الله تعالى لعباده المؤمنين عن كثير من الأحبار والرهبان، أي: العلماء والعباد الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، أي: بغير حق، ويصدون عن سبيل الله، فإنهم إذا كانت لهم رواتب من أموال الناس، أو بذل الناس لهم من أموالهم، فإنه لأجل علمهم وعبادتهم، ولأجل هداهم وهدايتهم، وهؤلاء يأخذونها ويصدون الناس عن سبيل الله، فيكون أخذهم لها على هذا الوجه سحتًا وظلمًا، فإن الناس ما بذلوا لهم من أموالهم إلا ليدلوهم إلى الطريق المستقيم، ومن أخذهم لأموال الناس بغير حق أن يعطوهم ليفتوهم أو يحكموا لهم بغير ما أنزل الله، فهؤلاء الأحبار والرهبان ليحذر منهم هاتان الحالتان: أخذهم لأموال الناس بغير حق، وصدهم الناس عن سبيل الله.

رابعًا: المنافقون:

أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بتبشير المنافقين بأقبح بشارة وأسوئها، وهو العذاب الأليم، وذلك بسبب محبتهم الكفار وموالاتهم ونصرتهم، وتركهم موالاة المؤمنين، كما قال تعالى: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [النساء: 138] .

والعذاب الأليم هو الموجع، وذلك عذاب جهنم.

والمنافقون هم الذين أظهروا الإسلام، وأبطنوا الكفر، فطبع على قلوبهم، ثم وصفهم في الآية التالية بقوله: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ? أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) [النساء 139] .

أي: الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، بمعنى أنهم معهم في الحقيقة، يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنما نحن معكم، إنما نحن مستهزئون، أي: بالمؤمنين في إظهارنا لهم الموافقة، قال الله تعالى منكرًا عليهم فيما سلكوه من موالاة الكافرين: (أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ) [النساء: 139] .

وهذا هو الواقع من أحوال المنافقين ساء ظنهم بالله وضعف يقينهم بنصر الله لعباده المؤمنين، ولحظوا بعض الأسباب التي عند الكافرين، وقصر نظرهم عما وراء ذلك، فاتخذوا الكافرين أولياء يتعززون بهم ويستنصرون، والحال أن العزة لله جميعًا، فإن نواصي العباد بيده، ومشيئته نافذة فيهم، وقد تكفل بنصر دينه وعباده المؤمنين، ولو تخلل ذلك بعض الامتحان لعباده المؤمنين، وإدالة العدو عليهم إدالة غير مستمرة، فإن العاقبة والاستقرار للمؤمنين، وفي هذه الآية الترهيب العظيم من موالاة الكافرين؛ وترك موالاة المؤمنين، وأن ذلك من صفات المنافقين، وأن الإيمان يقتضي محبة المؤمنين وموالاتهم، وبغض الكافرين وعداوتهم 71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت