وفي هذه الآية دليلٌ على أنه جل جلاله يبين دائمًا عظيم نعمه على عباده، ومنها نعمة الركوب، ومن ثم تسهيل عملية الحركة والسفر؛ لسرعة التواصل بين البشر، مما يذلل العقبات أمام انتشار العلم، وتبادل الثقافات التي تطور العلوم التي يتوصل إليها بلدٌ من البلاد، وإن العلم الدنيوي مطلوبٌ كي لا يقع المسلمون في الحرج.
وعلى هذا فإن الآية تحث على الاستغلال الأمثل للمواصلات بما يرقى من خلاله المجتمع المسلم في كل أموره المعاشية، ومما يدل على هذا أن الآية التالية تنبه على أمور المعاد، فيكون معناها: كما يدبر سبحانه أمور معاش عباده على الوجه الأليق بحالهم، كذلك له سبحانه أن يدبر لهم أمور معادهم؛ بل هي أولى بالتدبير على الله المصلح لأحوال عباده.
وإن أول آياتٍ نزلت في القرآن الكريم على قلب النبي صلى الله عليه وسلم كانت تأمر بالقراءة التي هي مفتاح العلم الموصل إلى الله تعالى، حيث قال الله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5] .
وقد اشتملت هذه الآيات على أمورٍ، منها:
1.الحث على القراءة بل والأمر بها، والمقصود بالقراءة هنا حسن الطلب للعلم بما يشمل حسن التلقي للعلم، ومن ثم السعي لتطوير ذلك العلم الذي تلقاه، والاستفادة منه عمليًا في العلوم التي تقبل الاجتهاد، أما العلوم العقدية الأصولية، فإنه يكفي أن يتلقاها الإنسان ويجتهد في تطبيقها.
2.جاء الأمر بالقراءة مرتبطًا بمراحل خلق الإنسان، حيث يقول تعالى: (خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ) [العلق: 2] . وقد أفاد ذلك في الحث على معرفة الأسرار الخفية في خلق ذلك الإنسان، كيف لا والله تعالى يقول: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ ? أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [الذاريات: 21] .
3.جاء الأمر بالقراءة مرتبطًا بالإيقان الكامل أن الله سبحانه وتعالى أعز وأكرم من كل شيء، قال تعالى: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) [العلق: 3] .
4.بينت الآيات أنه سبحانه وتعالى علم بالقلم الذي هو صيد كل العلوم، حيث قال الله تعالى: (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ?4?) [العلق: 4] .
5.جاء الأمر بالقراءة مرتبطًا ببيان أن كل علم تعلمه الخلق إنما هو من الله تعالى، حيث قال الله تعالى: (عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ?5?) .
يركز هذا المبحث على عرض أهم الدروس المستفادة من رحلة موسى والخضر عليهما السلام في طلب العلم، دون التركيز على ما هو ليس داخلًا في طلب العلم؛ انسجامًا مع سياق الدراسة العام، وعلى هذا فإنه يمكن إجمال الدروس المستفادة بالنقاط الآتية:
1.تواضع العالم، وهذا يعني ألا يتعامل الإنسان مع نفسه أنه أعلم الناس، ولا يجزم بذلك حتى لو كان نبيًا مرسلًا، ومما يدل على هذا ما جاء في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (بينما موسى في ملأٍ من بني إسرائيل جاءه رجلٌ فقال: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله عز وجل إلى موسى: بلى عبدنا خضرٌ) 82.
2.الكد والتعب لأجل العلم، وهذا يستفاد من قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى? لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى? أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ?60?) [الكهف: 60] . أي: «واذكر يا محمد إذ قال موسى بن عمران لفتاه يوشع: (لَا أَبْرَحُ) يقول: لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين» 83.
3.إيقان العالم أن الشدة تكون فيها قرب الفرج، فإن النبي موسى عليه السلام حينما نسي فتاه الحوت أدرك أنه وصل إلى الخضر عليه السلام 84.
4.التلطف في طلب العلم، وهذا في حسن طلب موسى من الخضر أن يعلمه مما علمه الله تعالى، قال عز وجل: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا(65) قَالَ لَهُ مُوسَى? هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى? أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66 ) ) [الكهف: 65 - 66] حيث تبين هاتان الآيتان أن النبي موسى عليه السلام قال للخضر عليه السلام: جئت لأتبعك وأصحبك؛ لأجل أن تعلمني علمًا ترشدني به 85.
5.اختبار المعلم لقدرة المتعلم، وقد جاء هذا في قول الخضر كما في الآية: (قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) [الكهف: 67] وإنما قال الخضر ذلك؛ لأنه علم أن موسى عليه السلام سيرى أمورًا منكرةً، ولا يجوز للنبيين أن يصبروا على المنكرات، ثم بين عذره في ترك الصبر بقوله: (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى? مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) [الكهف: 68] أي: علمًا.
6.الأدب الرفيع في صحبة المعلم، وذلك حينما رد موسى عليه السلام على الخضر عليه السلام في قوله تعالى: قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) [الكهف: 69] حيث علق المشيئة على رب العالمين.
7.عدم تعجل النتائج في العلم مع الثقة بالمعلم، قال تعالى: (قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى? أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) [الكهف: 70] أي: فإن صحبتني فلا تسألني عن شيء حتى أكون أنا الذي أفسره لك 86، وقد كان هذا بمعايشة الحادثة، ثم إعطاء الحكم عليها، ولا شك أن هذه طريقةٌ طيبة في تحصيل العلم.
8.العالم ينسب العيب إلى نفسه، والمشيئة إلى ربه، قال تعالى: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ?79?) [الكهف: 79] أي: أجعلها ذات عيب 87، وهذا أدبٌ رفيع من الخضر عليه السلام مع ربه؛ إذ إنه موحىً إليه من الله تعالى، ويدل على هذا قوله تعالى: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ? ذَ?لِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) [الكهف: 82] .
موضوعات ذات صلة:
الجاهلية، العقل، الغفلة، الفقه
1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 4/ 109.
2 انظر: مشارق الأنوار، القاضي عياض 2/ 83.
3 انظر: لسان العرب، ابن منظور 12/ 417، مختار الصحاح، الرازي ص 217.
4 التعريفات، الجرجاني ص 155.
5 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 246.
6 الحدود الأنيقة، السنيكي ص 66.
7 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص 276.
8 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 4/ 110، لسان العرب، ابن منظور 12/ 416.
9 انظر: لسان العرب، ابن منظور 9/ 236.
10 انظر: الحدود الأنيقة، السنيكي ص 66.
11 القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 1250.
12 انظر: التعريفات، الجرجاني ص 168.
13 انظر: المصدر السابق.
14 انظر: التعريفات ص 259، الكليات ص 979.
15 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص 892، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 5/ 399.
16 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 347.
17 انظر: لسان العرب، ابن منظور 11/ 129، النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 3/ 322.
18 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 209، العين، الفراهيدي 3/ 390.
19 انظر: تفسير المراغي 27/ 105، نظم الدرر، البقاعي 19/ 143.
20 انظر: فتح البيان، صديق حسن خان 7/ 211.
21 انظر: فتح القدير، الشوكاني 3/ 179.
22 إرشاد العقل السليم، أبو السعود 9/ 34.
23 انظر: تيسير التفسير، القطان 3/ 145.
24 انظر: أوضح التفاسير، محمد الخطيب ص 538.
25 انظر: أيسر التفاسير، الجزائري 5/ 454.
26 انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 1/ 232.
27 انظر: تفسير السمرقندي 2/ 435.
28 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم 4/ 1235، 1236.
29 انظر: الوجيز، الواحدي ص 1143.
30 الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب 8/ 5457.
31 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب قول الله جل ذكره: (أحل لكم ليلة الصيام) ، 3/ 28، رقم 1915، أسباب النزول، الواحدي ص 54.
32 انظر: جامع البيان، الطبري 3/ 494.
33 انظر: النكت والعيون، الماوردي 4/ 349.
34 انظر: جامع البيان، الطبري 20/ 159، تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 3/ 379.
35 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب قول الله تعالى: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) ، 1/ 37، رقم 125، ومسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب سؤال اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح 4/ 2152، رقم 2794. وانظر: أسباب النزول، الواحدي ص 299.
36 انظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة من علماء الأزهر ص 422.
37 انظر: تفسير السمرقندي 2/ 14، تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم 5/ 1677.
38 انظر: التفسير القيم، ابن القيم ص 150.
39 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 3/ 38 - 39.
40 انظر: تفسير القرآن، السمعاني 3/ 512.
41 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 1/ 285.
42 انظر: المصدر السابق.
43 انظر: زاد المسير، ابن الجوزي 3/ 555.
44 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 31/ 77.
45 انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 1/ 511 - 512.
46 انظر: جامع البيان، الطبري 18/ 203، 204، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 11/ 111.
47 انظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة من علماء الأزهر ص 481.
48 انظر: التفسير الميسر، نخبة من أساتذة التفسير ص 237.
49 انظر: جامع البيان، الطبري 18/ 480.
50 انظر: المصدر السابق 19/ 535.
51 انظر: لباب التأويل، الخازن 3/ 359.
52 انظر: جامع البيان، الطبري 9/ 200.
53 انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي 1/ 488.
54 انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 1/ 240.
55 انظر: فتح القدير، الشوكاني 1/ 361.
56 انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي 4/ 244.
57 انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب 12/ 1038.
58 انظر: تفسير الراغب الأصفهاني 1/ 277.
59 انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 1/ 166.
60 انظر: جامع البيان، الطبري 19/ 199.
61 انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 3/ 240.
62 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة 4/ 345، رقم 2682، وابن ماجه في سننه، افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم 1/ 81، رقم 223.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، 2/ 1079، رقم 6297.
63 انظر: جامع البيان، الطبري 6/ 267.
64 أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الرقائق، باب التوبة، ذكر البيان بأن المرء عليه إذا تخلى لزوم البكاء على ما ارتكب من الحوبات وإن كان بائنًا عنها مجدًا في إتيان ضدها 2/ 386، رقم 620.
قال الألباني: وهذا إسنادٌ جيد، رجاله كلهم ثقات غير يحيى بن زكريا، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، قال: ليس به بأس، هو صالح الحديث.
انظر: السلسلة الصحيحة 1/ 147.
65 انظر: الوجيز، الواحدي ص 576.
66 انظر: فتح القدير، الشوكاني 4/ 235، 236.
67 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم 10/ 3180.
68 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 14/ 343، 344.
69 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/ 544.
70 انظر: الوجيز، الواحدي ص 842.
71 انظر: جامع البيان، الطبري 21/ 235.
72 انظر: معالم التنزيل، البغوي 4/ 76.
73 انظر: تفسير السمرقندي 2/ 562.
74 انظر: لطائف الإشارات، القشيري 2/ 311.
75 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم 9/ 3012.
76 انظر: المصدر السابق 9/ 3013.
77 انظر: الكشف والبيان، الثعلبي 5/ 242.
78 انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب 9/ 5972.
79 انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 4/ 30.
80 التحرير والتنوير، ابن عاشور 3/ 118.
81 إرشاد العقل السليم، أبو السعود 5/ 98.
82 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم باب ما ذكر في ذهاب موسى عليه السلام في البحر إلى الخضر 1/ 26، رقم 74، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب من فضائل الخضر عليه السلام 4/ 2852، رقم 2380.
83 جامع البيان، الطبري 18/ 55.
84 انظر: تفسير القرآن، السمعاني 3/ 204.
85 انظر: معالم التنزيل، البغوي 3/ 206.
86 انظر: الوجيز، الواحدي ص 668.
87 انظر: المصدر السابق ص 669.