يقول الشنقيطي: «ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة: وَمَنْ يَأْتِهِ? يوم القيامة في حال كونهمُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ أي: في الدنيا حتى مات على ذلك فَأُ ولَ?ئِكَ لَهُمُ عند الله الدَّرَجَاتُ الْعُلَى والعلى: جمع عليا وهي تأنيث الأعلى، وقد أشار إلى هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: كْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا، وقوله: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ونحو ذلك من الآيات» 95.
وقد وصف الله سبحانه وتعالى المؤمنين بصفات عديدة، وبيّن ما لهم من الدرجات عند ربهم.
قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى? رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ?2?الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ?3? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ? لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ?4? [الأنفال: 2 - 4] .
قال الطبري «لَهُمْ دَرَجَاتٌ أي: لهؤلاء المؤمنين الذين وصف جل ثناؤه صفتهم دَرَجَاتٌ، وهي مراتب رفيعة في الجنة» 96.
وفضّل الله سبحانه وتعالى المجاهدين على القاعدين درجة.
قال تعالى: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ? فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ? وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى? ? وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ?95?دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ? وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ?96? [النساء: 95 - 96] .
فنفى سبحانه وتعالى التسوية بين المؤمنين القاعدين عن الجهاد، وبين المجاهدين في سبيله، و أخبر عن تفضيل المجاهدين على القاعدين درجة، ثم أخبر عن تفضيلهم عليهم درجات، باعتبار المنازل الرفيعة بعد دخول الجنة، والمغفرة باعتبار ستر الذنب، والرحمة باعتبار دخول الجنة 97.
يقول ابن القيم: «ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق؛ عبودية لربه، وأعلمهم به، وأشدهم له خشية، وأعظمهم له محبة، كانت منزلته أقرب المنازل إلى الله، وهي أعلى درجة في الجنة، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن يسألوها له لينالوا بهذا الدعاء زلفى من الله وزيادة الإيمان» 98.
3.الترغيب في غرف الجنة.
أعد الله في الجنة لعباده غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، متألقة كأنها النجوم، ولقد ورد لفظ «غرف» في القرآن الكريم مرتين في سورة الزمر، وورد لفظ «غرفًا» مرة واحدة في سورة العنكبوت، وورد لفظ «الغرفات» مرة واحدة في سورة سبأ.
وبيّن الله سبحانه وتعالى صفات من يستحق دخول هذه الغرف وهم:
قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ? نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [العنكبوت: 58] .
يقول ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: «لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا: لنسكننهم منازل عالية في الجنة، تجري من تحتها الأنهار، على اختلاف أصنافها، من ماء، وخمر، وعسل، ولبن، يصرفونها ويجرونها حيث شاءواخَالِدِينَ فِيهَا أي: ماكثين فيها أبدًا، لا يبغون عنها حولًا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ نعمت هذه الغرف أجرًا على أعمال المؤمنين» 99.
ووصف الله سبحانه وتعالى حال المؤمنين في غرف الجنة بأنهم آمنون، قال تعالى: وَمَا? أَمْوَ?لُكُمْ وَلَا? أَوْلَ?دُكُم بِ?لَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَ?لِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَا?ءُ ?لضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِى ?لْغُرُفَ?تِ ءَامِنُونَ [سبأ: 36] .
يخبر سبحانه وتعالى عن حال المشركين المغترين بالمال، والولد، فيقول لهم: وما أموالكم ولا أولادكم بالحال التي تقربكم منا، وتجعلنا نرضى عنكم، وندنيكم منا زلفى، أي: قربى.
إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَ?لِحًا أي: لكن من فعلوا الواجبات والمندوبات.
فَأُوْلَئِكَ: المذكورون لهم جزاء الضعف، أي: جزاء تضاعف لهم حسناتهم فيه، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة، وذلك بسبب عملهم الصالح.
وَهُمْ فِى ?لْغُرُفَ?تِ ءَامِنُونَ أي: في منازل الجنة العالية، آمنون من الموت، ومن كل بأس، ومكروه، ومنغص لسعادتهم، ومن كل شر وخوف وحزن 100.
قال تعالى: لَ?كِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ? وَعْدَ اللَّهِ ? لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ [الزمر: 20] .
وعد الله سبحانه و تعالى عباده السعداء، الذين اتقوا ربهم بأداء فرائضه، واجتناب محارمه، أن لهم غرفًا في الجنة، وهي قصور شاهقة من فوقها غرف مبنية مزخرفات عاليات 101.
فعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن في الجنة غرفًا، يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى بالليل، والناس نيام) 102.
فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم، أصناف الناس الذين يدخلون هذه الغرف في الجنة، وهم الذين يطعمون الطعام، ويمدون يد العون والمساعدة للمحتاجين، وكذلك الذين يفشون السلام على من يعرفون ومن لا يعرفون، ومن يصلّون بالليل، والناس نيام.
فهؤلاء أكرمهم الله سبحانه و تعالى بهذا الثواب، جزاءً على أعمالهم الصالحة التي قدموها في دنياهم.
4.الترغيب في ثمار الجنة وطعام أهلها.
قال تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ? كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا ? قَالُوا هَ?ذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ? وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ? وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ? وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ?25? [البقرة: 25] .
أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبشّر المؤمنين المستقيمين بما رزقهم من جنات تجري من تحتها الأنهار، كما أخبر عنهم بأنهم إذا قدّم لهم أنواع الثمار المختلفة، قالوا: هذا الذي رزقنا مثله في الدنيا، فهو يشبه طعام الدنيا في اللون، غير متشابه في الطعم، زيادة في حسنه وكماله، وعظيم الالتذاذ به، فدلت الآية على كمال النعيم والسرور الذي أعده سبحانه و تعالى لعباده المؤمنين 103.
وقال تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ? فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ? وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ? [محمد: 15] .
قال الطبري في تفسير قوله تعالى: «وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ولهؤلاء المتقين في هذه الجنة من هذه الأنهار التي ذكرنا من جميع الثمرات التي تكون على الأشجار» 104، فرزق الجنة متتابع التدفق على المؤمنين، فكما قال الله سبحانه وتعالى لآدم عندما وضعه في الجنة: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى?وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى? ?119? [طه: 118، 119] .
هكذا سيكون حال جميع أهل الجنة الموعودة.
وقد أباح الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين في الجنة أن يتناولوا من خيراتها، وألوان طعامها ما يشتهون، قال تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة: 24] .
وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس من المآكل والمشارب.
قال تعالى: يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ? وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ? وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ?71? [الزخرف: 71] .
وسيأكل أهل الجنة أنواعًا من اللحوم.
قال تعالى: وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ?22? [الطور: 22] .
وقد خص لحم الطير بالذكر، فقال سبحانه وتعالى: وَلَحْمٍ طير مِمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة: 21] ؛ لأن لحوم الطير أطيب اللحوم وألذها، وقد يتبادر إلى الذهن أن طعام الجنة، ينتج عنه ما ينتج عن طعام أهل الدنيا، من البول والغائط، فالأمر ليس كذلك، فالجنة دار خالصة من الأذى، وأهلها مطهرون من أوشاب الدنيا 105.
وحينما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن بقايا الطعام والشراب، أفاد أنها تتحول إلى رشح كرشح المسك، يفيض من أجسادهم.
فعن جابر رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أهل الجنة يأكلون فيها، ويشربون، ولا يتفلون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك ... ) 106.
وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، أن أول طعام يتحف به أهل الجنة، زيادة كبد الحوت، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يكفؤها الجبار بيده، كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر، نزلًا لأهل الجنة، قال: فأتى رجل من اليهود، فقال: بارك الرحمن عليك أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بلى، قال: تكون الأرض خبزة واحدة - كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: فنظر إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضحك حتى بدت نواجذه، قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: بلى، قال: إدامهم بالام ونون 107، قالوا: وما هذا؟ قال: ثور ونون، يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفًا) 108.
5.الترغيب في شراب الجنة.
أكرم الله سبحانه وتعالى أهل الجنة إلى جانب الطعام الكثير، بأنواع من الشراب اللذيذ، من ماءٍ ولبنٍ وخمرٍ وعسل.
قال تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ? فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ? وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ? [محمد: 15] .
مثل الجنة التي أعدّها الله لعباده، الذين اتقوا سخطه، واتبعوا رضوانه، أي: نعتها وصفتها أنّ: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ أي: غير متغير الطعم والرائحة، لا بمرارة، ولا بكدورة، بل هو أعذب المياه وأصفاها، وأطيبها ريحًا، وألذها شربًا، أَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ بحموضة ولا غيرها، وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ أي: لذيذة الطعم، طيبة الشرب، لا كخمر الدنيا الذي يكره مذاقه، ويصدع الرأس، ويذهب العقل.
قال الشنقيطي: «وقد بيّن تعالى من صفات خمر الجنة، أنها لا تسكر شاربها، ولا تسبّب له الصداع، الذي هو وجع الرأس في آيات من كتابه، كقوله تعالى: لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ [الواقعة: 19] . وقوله: لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ [الصافات: 47] » 109.
قال الإمام الشوكاني في تفسيره لهذه الآية: «أهل الجنة يسقون في الجنة كأسًا من الخمر ممزوجة بالزنجبيل، وقد كانت العرب تستلذ مزج الشراب بالزنجبيل لطيب رائحته» 110.
وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم نهر الكوثر في الجنة، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، والماء يجري على اللؤلؤ، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج) 111.
ومن خلال ما سبق تبين لنا أن الله سبحانه وتعالى استخدم أساليب كثيرة ترغّب المؤمن بالثواب العظيم والأجر الكبير الذي أعدّه الله لعباده، سواء في الدنيا أو الآخرة، وهذا يدل على كرم الله لعباده المؤمنين الموحدين.
قال الله جل وعلا: إِنَّ هَ?ذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ?9? [الإسراء: 9] .
ومن أجل ذلك بعث الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم لعباده ليخرجهم من الظلمات إلى النور وليتمم لهم مكارم الأخلاق، ويزكيهم لأحسن الأقوال والأفعال.
والمسلم إذا تدبر كتاب الله وما اشتملت آياته من الترغيب التي لا تكاد سورة تخلو منه، وعمل بما في هذه الآيات، فاجتنب طريق الضالين المفسدين والمنافقين، واتبع طريق أولياء الله المتقين، وتقرّب إلى الله في السر والعلن بصالح العمل، وأدى العبادات من صلاة، وزكاة، وصيام، وحج كما شرع الله كاملة بأركانها وواجباتها مخلصًا بذلك وجهه لله تعالى، وأحسن معاملته للناس، واقتدى بأخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإن نفسه تسمو، وهمته تعلو، وتتطلع إلى معالي الأمور ومكارم الأخلاق، وتعزف عن سفساف الأمور ورذائل الأخلاق، وينعكس ذلك على سلوكه وأخلاقه، ويكون ذلك سببًا لاستقامته ظاهرًا وباطنًا.
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: 30] .
يقول السعدي في تفسيره: «اعترفوا ونطقوا ورضوا بربوبية الله تعالى، واستسلموا لأمره، ثم استقاموا على الصراط المستقيم، علمًا وعملًا فلهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة» 112.
فإذا استقام المرء على الطاعة، ينال بذلك رضا المولى جل وعلا ومحبته والقرب منه، ويفوز بالدرجات العلا من الجنة.
فوائد الترغيب في التربية والدعوة
أولًا: فوائد الترغيب في التربية:
الترغيب منهج تربوي قرآني، يجب على المربّين اعتماده وأن لا يهملوه، خاصة إذا كان الأمر المراد بيانه أمرًا شرعيًّا دينيًّا، وردت فيه نصوص شرعية صريحة ترغّب فيه أو ترهّب منه؛ ذلك أن النفس البشرية بطبعها تميل إلى الثمرات الطيبة للأعمال وتطمع في الثواب، وتكره النتائج السيئة وتخاف من العقاب.
وبمثل هذا الأسلوب ينشّأ المرء على محبة الله تعالى والحرص على طاعته، ويغرس في قلبه الخوف منه والرجاء فيه سبحانه وتعالى، فهذا الأسلوب يغرس الفضائل الإسلامية والقيم النبيلة.
وأما من نشأ بعيدًا عن هذه المعاني فإنه من العسير جدًّا التحكم في أخلاقه وتقويم سلوكه إذا ما وقع في بعض الانحراف.
وإنّ التربية الحقة إنّما تكون في تدريب الفرد وترغيبه على أعمال الخير وإرشاده إلى الصّراط المستقيم، وتعليمه الأخلاق الطّيبة، وذلك كله لا يتحقّق إلّا بالإيمان باللّه وحده وعدم الشّرك به تعالى؛ ولذلك كان أول نصائح لقمان لابنه البعد عن الشرك والإيمان بالله وحده.
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] .
فمن الآية الكريمة يتبيّن أن الأصل الأول لهذه التربية الإيمان باللّه وعدم الشّرك به تعالى؛ ولهذا يجب أن تكون عظة لقمان لابنه نبراسًا يستضيء به الآباء في توجيه أبنائهم وسراجًا يقودهم من الظّلمات إلى النّور.
ثانيًا: فوائد الترغيب في الدعوة:
إنّ الترغيب في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى من أجلّ الأفعال، وأعظم الأعمال التي يؤديها المسلم في دنياه، فالدعاة إلى الله يقومون بمهمة بالغة الشأن، عظيمة الأهمية، ولما كانت الدعوة إلى الله أمرًا عظيمًا، فقد تولاها الله سبحانه وتعالى بنفسه.
قال تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يونس: 25] .
وأرسل بها رسله مبشرين ومنذرين، يدعون الناس إلى كل خير وينهونهم عن كل شر، يبلّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله، وأقام من بعدهم عباده الصالحين من ورثة الأنبياء الصادقين، الذين جعلهم حجة على الناس في كل وقت وحين، ينشرون دين الله بين الأنام ويدعونهم إلى الجنة دار السلام.
فكم من أرض أناروها بنور الإسلام، وكم من أمم أخرجوها من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
وأعظم فضائل الدعوة على هذه الأمة هي الخيرية المطلقة التي نالت بها السبق على كل الأمم.
قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] .
أي: عند الله في اللّوح المحفوظ، يعني: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ثمّ مدحهم بما فيهم من خصال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهم خير الأمم وأنفع الناس للناس، وهذا شرف لأمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم قاموا بتبليغ الرسالة المحمدية للناس 113.
ويكفي الدعاة شرفًا أن قولهم من أحسن الأقوال، قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33] .
ومن صور الدعوة إلى الله تحبيب العبد في ربه، بذكر تفاصيل نعمه، وسعة جوده، وكمال رحمته، وأوصاف كماله، ونعوت جلاله، ومن الدعوة إلى الله: الترغيب في اقتباس العلم والهدى من كتاب الله وسنة رسوله، والحث على ذلك، بكل طريق موصل إليه.
ومن ذلك: الحث على مكارم الأخلاق، والإحسان إلى عموم الخلق، ومقابلة المسيء بالإحسان، والأمر بصلة الأرحام، وبر الوالدين.
ومن ذلك الوعظ لعموم الناس، في أوقات المواسم، والعوارض، والمصائب، بما يناسب ذلك الحال، إلى غير ذلك، مما لا تنحصر أفراده، مما تشمله الدعوة إلى الخير كله 114.
فالحاجة ماسة إلى الدعوة في هذه الأزمان بسبب كثرة التضليل، وانتشار الذنوب والمعاصي، وأمراض القلوب والشبهات والشهوات.
ومن هنا تظهر فوائد الدعوة إلى الله بأنها تقوّم السلوك، وتربي النفس على حب الطاعة لله والابتعاد عن المعصية، فقد بيّن سبحانه وتعالى أنّ من أسباب الفلاح في الدنيا والآخرة الدعوة إلى الله.
قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] .
والخير المذكور في الآية هو كل شيء يرغب فيه من الأفعال الحسنة، وقيل: هو هنا كناية عن الإسلام.
والمعنى: لتكن أمة، أي: جماعة دعاة إلى الإسلام وإلى كل فعل حسن يستحسن في الشرع والعقل، وقيل: الدعوة إلى فعل الخير يندرج تحتها نوعان:
أحدهما: الترغيب في فعل ما ينبغي، وهو الأمر بالمعروف.
والثاني: الترغيب في ترك ما لا ينبغي وهو النهي عن المنكر.
فذكر الحسن وهو الخير، ثم أتبعه بنوعيه مبالغة في البيان، والمعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل والشرع حسنه، والمنكر ضد ذلك، وهو ما عرف بالعقل والشرع قبحه 115.
يقول السعدي في تفسير قوله: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} : «الفائزون بالمطلوب، الناجون من المرهوب» 116.
فمن خلال ما سبق ظهر لنا أنّ الترغيب له فوائده التربوية، التي تعود على الفرد بالنفع والخير والصلاح في الدنيا والآخرة، وكذلك أهمية الترغيب في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى فهي مهنة الأنبياء، والدعاة إلى الله موعودون بالفلاح في الدنيا والآخرة.
موضوعات ذات صلة:
التربية، الترهيب، الدعوة، النصيحة
1 المفردات، ص 358.
2 انظر: مختار الصحاح، الرازي، 1/ 267،لسان العرب، ابن منظور، 1/ 422، المصباح المنير، الفيومي، 1/ 231.
3 أصول الدعوة، ص 437.
4 أصول التربية الإسلامية وأساليبها، ص 257.
5 الترغيب والترهيب ودورهما في استقامة الإنسان ص 3.
6 انظر: المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الراء، ص 591.
7 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 2/ 415، المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 358، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 3/ 89.
8 لسان العرب، ابن منظور، 3/ 188.
9 التعريفات، الجرجاني، ص 16.
10 مختار الصحاح، الرازي، ص 342.
11 التوقيف، المناوي، ص 339.
12 المفردات، الراغب، ص 218.
13 التوقيف، المناوي، ص 135.
14 انظر: المفردات، ص 367.
15 الترغيب والترهيب ودورهما في استقامة الإنسان، أحمد رزق، ص 3.
16 انظر: فتح البيان، القنوجي، 4/ 295.
17 تيسير الكريم الرحمن، ص 432.
18 التحرير والتنوير، 24/ 69.
19 أيسر التفاسير، 5/ 244.
20 انظر: جامع البيان، الطبري، 23/ 128.
21 جامع البيان، 14/ 355.
22 تفسير القرآن العظيم، 4/ 177.
23 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 158.
24 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/ 374، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 867.
25 انظر: جامع البيان، الطبري، 3/ 15.
26 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 17/ 251.
27 انظر: تفسير القران العظيم، ابن كثير، 6/ 77.
28 انظر: جامع البيان، الطبري، 7/ 641، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 2/ 272.
29 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب في الكفاف والقناعة، 2/ 730، رقم 2473.
30 جامع البيان، 6/ 497.
31 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 536.
32 أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الصلاة، باب ما جاء في ترك الصلاة، 4/ 365، رقم 2621.
قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب» ، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي 6/ 121.
33 انظر: معالم التنزيل، البغوي، 5/ 304.
34 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 128.
35 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما، 1/ 144، رقم 572.
36 انظر: جامع البيان، الطبري، 19/ 210.
37 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد، باب المشي إلى الصلاة تمحي به الخطايا، 2/ 131، رقم 1554.
38 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 935.
39 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب دعاؤكم إيمانكم، 1/ 11، رقم 8.
40 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 350.
41 جامع البيان، 14/ 338.
42 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الحياء من الإيمان، 1/ 14، رقم 25.
43 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين، 1/ 37، رقم 130.
44 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب ما جاء في المسألة، 3/ 95، رقم 2357.
45 إرشاد العقل السليم 8/ 229.