فهرس الكتاب

الصفحة 903 من 2431

الحرية

أولًا: المعنى اللغوي:

تدل مادة (ح ر ر) على معنين رئيسين:

الأول: ما خالف العبودية، وبرئ من العيب والنقص.

الثاني: خلاف البرد 1.

فالحُرَّ: خلاف العبد 2.

يقال: حرّ الرجل يحرّ من الحرية 3.

ويقال: حَرَّره، أي: أعتقه، والمحرِّر الذي جعل من العبد حرًّا، فأعتقه 4.

فالحرية: الخلوص من الشوائب، والقدرة على التصرف بملء الإرادة والاختيار 5.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عرّفها الجرجاني بأنها: «الخروج عن رق الكائنات، وقطع جميع العلائق والأغيار» 6.

وعرّفها بعضهم بأنها: «حالة يكون عليها الكائن الحيّ الذي لا يخضع لقهر أو قيد أو غلبة ويتصرّف طبقًا لإرادته وطبيعته» 7.

ويرى ابن تيمية أن الحرية محلها القلب، فيقول: «الحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب» ثم يعلل ذلك بقوله: «إن أسر القلب أعظم من أسر البدن؛ فإن من استعبد بدنه واسترق وأسر لا يبالي إذا كان قلبه مستريحًا، بل يمكنه الاحتيال والخلاص، أما إذا كان القلب وهو ملك الجسم رقيقًا مستعبدًا متيّمًا بغير الله، فهذا هو الذل والأسر المحض» 8.

وردت مادة (حرر) في القرآن (7) مرات 9.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

المصدر ... 5 ... {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء:92]

الصفة المشبهة ... 1 ... {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} [البقرة:178]

اسم المفعول ... 1 ... {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} [آل عمران:35]

وجاءت الحرية في القرآن بمعناها اللغوي، وهو: الخلوص من الشوائب، والقدرة على التصرف بملء الإرادة والاختيار 10، والتحرير: جعل الشيء حرًّا خالصًا 11.

العبودية:

العبودية لغة:

مادة (ع ب د) تدلّ لغةً على اللّين والذل، وسمّي المملوك عبدًا؛ لأن فيه معنى الذل والخضوع والطاعة لغيره، وكلمة (العبد) تطلق على الإنسان حرًّا كان أو رقيقًا على معنى أنه مربوبٌ لباريه، وذليلٌ لمولاه جل وعلا 12.

والعبوديّة أصلها الذّلّة 13.

العبودية اصطلاحًا:

لا يختلف معنى العبودية اصطلاحًا عن معناه اللغوي، فهي إظهار للتذلل والخضوع 14.

الصلة بين الحرية والعبودية:

العبودية خلاف الحرية 15.

والحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، فما استرق القلب واستعبده، فالقلب عبده 16.

أولًا: الحرية المقيدة وحدودها:

إننا إذا رجعنا إلى أصل الخلق والمنشأ تبين لنا أن هناك إرادة عليا قادرة خلّاقة أوجدت هذا الإنسان بالشكل والتكوين الذي هو عليه، ومن هنا يتأكد لنا أن إرادة الخلق لم تكن للإنسان وإنما لخالق الإنسان؛ ولهذا فإن الحرية معدومة في هذا الجانب، بمعنى أن الإنسان لم يستشره ربه عن رغبته في أن يوجد في هذه الحياة الدنيا، ولا بالشكل والصورة التي وجد عليها، ولا في اليوم الذي سيولد فيه، أو اليوم الذي سيموت، أو أن يكون سعيدًا أو شقيًّا، ذكيًّا أم غيبًّا، أبيض أم أسود، مرزوقًا أو مقترًا عليه؛ لذلك لا يكون مسئولًا عنها فهي خارجة عن مجال حريته.

وإنما الذي هو ضمن حدود حريته هو ما يمكنه أن يفضّله أو يدركه تحقيقًا لمقصوده؛ لأن العقل البشري هو الذي يعرف حدود الحرية التي أطلقت له؛ ولأن فاقد العقل غير مسئول مطلقًا، وإن تصرفاته لا يبنى عليها حكم إرادي.

وإن ما يوجبه العقل للإنسان من تحرك أو تصرف أو قول، أو إمساك عن ذلك هو ضمن حدود الحرية المعطاة للإنسان، فالمسئولية تترتب على حرية التصرف المنبثقة عن عقل الإنسان، والإرادة تتبع العقل، ولا تكون لمن لا عقل له.

والذات الإلهية أرادت أن نكون فكُنَّا كما أرادت، فهي التي أوجدتنا، وهي أعلم بنا منا نحن بأنفسنا، فأطلقت لنا الحرية فيما يعود علينا بالنفع، وأثابتنا على فعله، ومنعتنا ما يعود علينا بالضرر، وسمّته حدود الله، وحذّرت من تعديها، وعاقبت على تجاوزها، غير أن هذا التقيد لا يشل من انطلاقة الإنسان فيما ينفعه 17.

وإنما هو لمصلحته، وإنه لم يأت منع لجانب إلا وكانت المضرة متحققة فيه، إذن الحرية في الإسلام لا تتصور إلا مقيدة؛ لأن الحرية ليست انطلاقًا من القيود؛ بل هي معنى لا يتصور في الوجود إلا مقيدًا، فالحر -كما سبق تعريفه-: هو الشخص الذي تتجلى فيه معاني الإنسانية العالية، الذي يضبط نفسه، ويحترم حقوق الآخرين، ولا يعاملهم إلا بالحسنى، وبما يجب أن يعاملوه به، بل يسمو عليهم بالتسامح، ولا يكون عبدًا لهواه، ولا أسيرًا لشهواته، بل يكون سيد نفسه، مالكًا لزمامها.

فالحرية الحقة لا يمكن أن نتصورها انطلاقًا من كل قيد أو ضابط؛ لأن الانطلاق في جانب تقييد له في جانب آخر 18.

ومن هنا كانت حدود الحرية وضوابطها ثابتة لا تقبل التغيير والتعديل من حيث الأصل؛ لأنها قائمة على أساس الشريعة الإسلامية، وهي متصفة بالبقاء والثبات؛ لأن الواضع لها هو الله تعالى، وهو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، في الماضي والحاضر والمستقبل 19.

والحرية معنى اجتماعي لا يتصوّر وجوده إلا في مجتمع متكافل يأخذ فيه الآحاد ويعطون، وإذا كانت كذلك فلابد من أن تكون في حدود رسمها المجتمع الفاضل من غير إرهاق نفسي، وفي التشريع الإسلامي هي حدود الله التي وضعها ورسمها لعباده، وحذّرهم من تجاوزها، وهو سبحانه أرحم وأرفق بهم من أنفسهم، ومن أي تشريع وضعي.

قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] .

وقال تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت: 40] .

وإن الذين يفهمون الحرية أنها انطلاق من كل قيد ولو أضرت بغيرهم هم عبيد لأهوائهم؛ لأنهم لا يرعون حق المجتمع، ولا حق أنفسهم، فلابد أن تأطرهم على الحق أطرًا؛ لأنه من كان عبدًا لنفسه وشهواته أولى به العصا، ولابد من ملاحظة أن القيود الضابطة للحرية هي في أصلها قيود نفسية، وليست قيودًا خارجية ابتداءً، وهي تتكون من حقيقتين:

الأولى: السيطرة على النفس، والخضوع لحكم العقل لا لحكم الهوى.

وثانيهما: الإحساس الدقيق بحق الناس عليه، وإلا كانت الأنانية المفرطة الجامحة.

ومن الإحساس بحق الآخرين ينبعث نور الحياء، والحياء لا يؤدي إلا إلى خير، كما تنبعث منه روح المساواة التي تفرض أن للناس حقوقًا كما لهذا الأناني من حقوق، وأنه ليس لأحد فضل على غيره إلا بعمل الخير، وكف الأذى.

والناس ليسوا سواء في مراعاة حرية الآخرين، فمنهم من يراعي هذه الحقوق، ومنهم من لا يراعيها، أو بعبارة أدق من الناس من هم أحرار بصدق تصرفاتهم، ومنهم من هم عبيد أهوائهم، وهم يحسبون أنهم الأحرار؛ لذلك كان لابد من تقييد حرية بعض الناس بقيود خارجية عن النفس بحكم الأنظمة التي يضعها ولي أمر المسلمين.

وأن التعبير الصادق في معناه أن نقول:

إن هذه حماية للحرية وليست قيودًا لها، وإنما هي قيود للذين انطلقوا غير مراعين لها حقًّا، أي: إن المصلحة في تقييد حرية أمثالهم حفظًا لحريات غيرهم.

ومن هنا نستطيع أن نقول أيضًا: إن القيود لا تكون للحرية إلا إذا ضعف المعنى النفسي، وتجاوز بعضهم على حقوق الآخرين.

وإن وضع الأنظمة والأوامر من خالق البشر، ومجاراة المجتمعات الإنسانية لذلك، ووضعهم ما يضبط تصرفات مواطنيهم، هو من المصلحة التي اقتضتها سلامة التعايش بين الناس، وما اضطر الناس إلى تولية أمير عليهم إلا لمراعاة هذه المعاني في ضبط الأمور، وحجز المتجاوزين لحدودهم عن ذلك، ولو تركوا وهواهم لما استقام أمر الناس، ولما تعايشوا 20.

ثانيًا: ضوابط الحرية:

لا شك أن الحدود التي تقف عندها الحرية الإنسانية تبنى عادة على المرجعية التي تقوم عليها، والهدف والغاية التي تصبو إليها، وحين كانت المرجعية التي يقوم عليها مفهوم الحرية في الإسلام هو الوحي المنزل، وكانت الغاية التي تصبو إليها هو تحقيق الأهداف التي أرادها الله من الإنسان، وأهمها تحقيق العبودية لله عز وجل؛ فإن حدود الحرية في الإسلام انسجمت مع هذا النمط الهيكلي ... ، وارتسمت صورتها مع ما يتوافق معه.

ومجمل تلك الحدود يرجع إلى الضابط الآتي: «هو أن حرية الإنسان تظل مطلقة ما لم تؤدّ إلى الإضرار بدين المسلم وعبوديته لربه، أو إلى عرقلة كمال خضوعه له، وما لم تؤد إلى الإضرار بحياة الإنسان، وإفساد علاقته بالكون، أو بغيره من البشر، ومتى أدت إلى شيء من ذلك فإنه يجب أن تتوقف الحرية، ولا يجوز لها أن تقفز تلك السياج» ، إذن فحدود الحرية مركبة من بعدين أساسين، هما:

1.البعد الديني: وهو في العلاقة مع الله تعالى، بحيث لا يكون فيها ضررٌ بتدين الناس، وعلاقتهم بربهم.

2.البعد الدنيوي: وهو في العلاقة مع الخلق، بحيث لا يكون فيها ضررٌ بحياة الإنسان في الدنيا، وعلاقته بالكون وغيره من البشر 21.

ومن هنا وضع القرآن الكريم ضوابط للحرية، ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة ضوابط:

أولًا: الضوابط العقدية:

وهي التي تتمثل في احترام المسلم لعقيدته هو، وتشمل كذلك احترامه لعقيدة أهل الكتاب، ومن ثمّ تشمل احترام الكتابي لعقيدة المسلم.

1.احترام المسلم لعقيدته.

ومعلوم أن الإسلام قد أوجب على متبعيه احترامه، فقد جعل لهم الحرية قبل الدخول فيه، ولكن إذا اتبعوه فلا يصح لهم الخروج منه، ومن هنا حرّم الإسلام الردة عنه، واعتناق دين آخر غيره، وهذا ما لا يرضاه الحق سبحانه.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 100 - 102] .

في هذه الآية يتعجب الحق سبحانه، وينكر على من يرتد عن الإسلام إلى الكفر مع قوة أسباب الإيمان، وقطع الكفر.

قال تعالى: (? ? ? پ پ) والتي تدفع الشبه والوساوس، وفيكم الرسول، وهو متمكن من قول الحق فيكم.

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑڑ ک ک ک ک گ گ گ) الآية [البقرة: 217] .

قال الرازي: «لما بيّن تعالى أن غرضهم من تلك المقاتلة هو أن يرتد المسلمون عن دينهم ذكر بعده وعيدًا شديدًا على الردة، فقال: (? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ) الآية [البقرة: 217] » 22.

فالردة محرمة شرعًا، بل جعل سبحانه عليها عقوبة وهي الخلود في النار.

وتحريم الردة ليس من الحجر على حرية الرأي أو حرية العقيدة؛ لأن الحرية الرئيسة تعطى لغير المسلم قبل اعتناقه للإسلام وهو مخيّر حينها إن شاء دخل فيه، وإن شاء أبى، أما بعد الدخول في الإسلام وأصبح عضوًا في المجتمع المسلم فلا يجوز له أن يخرج من الإسلام بحال من الأحوال.

وخلاصة القول: أن الإسلام أعطى الحرية للمسلمين ولغير المسلمين، واعترف بها كحق إنساني يجب أن يتصف به الإنسان، ولكن لا يعني هذا في عرف الإسلام أن يلغي هذا من حدود الله، أو أن يعدّل بعض قوانين الإسلام إلا أن يجد له استنادًا من النصوص 23.

2.احترام الكتابي لعقيدة الإسلام.

وقد أعطى الإسلام أهل الديانات السماوية الحرية في عدم الدخول في الإسلام بشرط أن يحترموا العقيدة الإسلامية، ولا يتعمدوا إهانة شعائر الإسلام، وأما عن كيفية احترام هذا الدين الإسلامي فكما يلي:

وقد شرع القرآن هذه التشريعات مراعاة لمصلحة الجميع؛ لئلا تثور الفتن والاضطرابات بينهم وبين عوام المسلمين؛ ولئلا يكون في ذلك ترويج لعقائدهم، وتحريف لعقائد المسلمين، وإغراء السفهاء المسلمين على ترك دينهم، واتباع دين النصارى أو اليهود وثم يحكم عليهم بالقتل ردة، فتكون المفسدة أعم 24.

3.احترام المسلم أهل الكتاب.

لقد سمح الإسلام لأهل الكتاب أن يعيشوا في المجتمع الإسلامي بشرط أن يعطوا الجزية.

قال تعالى: (چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ) الآية [التوبة: 29] .

فأهل الكتاب في حقيقتهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، وبسبب هذه الأوصاف أوجب الإسلام محاربتهم؛ حتى يذعنوا للإسلام بالدخول فيه، أو دفع الجزية؛ وذلك لإزالة العوائق المادية من جهة؛ ولتحرير الناس من الدينونة بغير دين الحق، على أن يدع لكل فرد حرية الاختيار، ويقصد بذلك كسر شوكة السلطات القائمة على غير دين الحق، وعندها يتم التحرير بضمان كل فرد أن يختار الدين الحق على اقتناع فإذا لم يقتنع بقي على عقيدته، وأعطى الجزية 25.

ورغم ذلك فقد منحهم الإسلام الكثير من الحقوق، منها:

••أن يترك أهل الذمة أحرارًا في معابدهم وأحوالهم الشخصية، وأباح لهم التمسك بعقائدهم.

••أباح لهم التمتع بما هو حلال عندهم، حتى ولو كان ذلك حرامًا عند المسلمين، كالخمر والخنزير وغيرها.

••أباح لهم حق التعلم وتعليم أبناءهم مبادئهم، فلهم إقامة المدارس الخاصة بهم، ولا يوجد ما يمنعهم من حرية الرأي والاجتماع بشرط عدم إساءة استعمال الحق، كأن يبشّروا بدينهم مثلًا ... الخ 26.

ثانيًا: الضوابط الشرعية:

وتتمثل الحدود الشرعية في العقوبات التي شرعها الحق سبحانه -لمصلحة الجماعة- على عصيان أمر الشارع، والمقصود منها إصلاح حال البشر وحمايتهم من المفاسد، وإنقاذهم من الجهل 27.

والمقصود من العقوبة أمران: إصلاح المجتمع، وحمايته، ففيها إجراء وقائي وعلاجي في آن واحد.

لقد ضبطت الحرية بالعقوبة؛ لأن الله تعالى منع الناس من بعض الأعمال؛ لأنها تعود بالضرر على الإنسان والإنسانية، ولما كان الإنسان يحب العجلة ولا يفكر في عواقب أمره كان من الممكن أن يفعل هذه الأفعال رغم خطورتها، ورحمة من الله بعباده جعل هذه العقوبات زواجر للناس.

والعقوبات إما أن تكون حدًّا من حدود الله -وعلى الحاكم تنفيذها- كحد الزنا، ويتمثّل في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ?) [النور: 2] .

وهذا في حق غير المحصن، وأما المحصن فعقوبته الرجم، كما جاء في الحديث (أن رجلًا ممن أسلم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاعترف بالزنا، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم اعترف فأعرض عنه، حتى شهد أربع مرات، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فرجم) 28.

وكحد القذف، ويتمثّل في قوله تعالى: (ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ?) [النور: 4] .

لأن القاذف يؤلم المقذوف إيلامًا نفسيًّا، والجلد يؤلمه إيلامًا حسيًّا، فهذا الإيلام يساوي ذاك، ويضاف على إيلامه الحسي عقوبة أخرى معنوية في المجتمع، وهي عدم قبول شهادته؛ لأن القاذف يحقر المقذوف، فاستحل بذلك أن يحقره المجتمع؛ وذلك بعدم قبول شهادته 29.

وكحد السرقة، ويتمثّل في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ) [المائدة: 38] .

وفائدتها هي أن السارق حينما يفكر في السرقة إنما يفكر في أن يزيد كسبه بكسب غيره، فهو يستصغر ما يكسبه عن طريق الحلال، ويريد أن ينميه عن طريق الحرام، وهو لا يكتفي بثمرة عمله، فيطمع في ثمرة غيره، فإذا قطعت يده أدى ذلك إلى نقص كسبه الذي لا يستحقه 30.

وإما أن تكون العقوبات غير الحدود كالتعزيرات، وتشمل القصاص، ويتمثّل في قوله تعالى: (ژ ژڑ ڑ ک ک ک) [البقرة: 178] .

والدافع للقتل هو حب التغلب والاستعلاء والتنازع على البقاء، فإذا علم أنه سيقتل فلن يقدم على قتل أخيه، وبهذه العقوبة يتوفر الأمن والاستقرار في المجتمع، ومن ثمّ يتمتع المجتمع بجميع مقومات الحياة؛ لنشر العدالة والسعادة بين الناس.

وأما عقوبة التعزير فقد ثبتت بقوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 34] .

فقد استدل العلماء بهذه الآية على أن التعزير غير محدد؛ إذ لم يحدّد كم مدة الهجران، ولا كم عدد الضرب، بل راجع إلى المصلحة، فمتى ما تحققت امتنع الضرب أو الهجر؛ لقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ) [النساء: 34] 31.

وفي قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ?) [التوبة: 118] .

فقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بمقاطعتهم حتى تاب الله عليهم، ولم تكن المقاطعة عقوبة محددة، ولما كانت التعازير أقل، وضررها أهون، جعلت تحت تصرف القاضي الذي يجب أن يراعي المصلحة العامة للمجتمع.

وكذلك الكفارات، وتتمثّل في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ) [البقرة: 184] .

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة: 95] .

وغير ذلك من الآيات التي تشير إلى وجوب الكفارات على المخالفين والمتجاوزين لحدود الله.

ثالثًا: ضوابط اجتماعية:

والضوابط الاجتماعية تتمثل في العادات والأعراف.

والعادة هي: «كل عمل خيرًا كان أو شرًّا يصير عادة تميل النفس إليه، وإجابة هذا الميل بإصدار العمل مع تكرار ذلك» 32.

وأما العرف فهو: «ما استقرت عليه النفوس بشهادة العقول، وتلقته الطبائع بالقبول» 33.

والعرف وسيلة مهمة وجوهرية وأساسية في الضبط الاجتماعي، وهو يحكم في وجود القانون، وفي عدم وجوده، وتظهر أهميته في رعاية القيم الروحية والاجتماعية 34.

وتكمن أهمية العرف في أن الفرد لا يستطيع مخالفة المبادئ المعرفية الموجودة في المجتمع، ولو فعل لتعرض للجزاء الاجتماعي؛ لهذا كان للعرف دورٌ أساس في ضبط الحرية، ولما جاء الإسلام وأقر العادات الحسنة، وخلص المجتمع الجاهلي من العادات السيئة أمرهم بالتزام الحسن، فقال تعالى: (? ? ? ? ? چ چ) [الأعراف: 199] .

أي: خذ من أخلاق الناس وأعمالهم كل ما هو حسن 35.

وقال صلى الله عليه وسلم: (ما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن) 36.

والقاعدة الفقهية المشهورة تقول: «العادة محكمة» 37.

وقد اعتبرت العادة العرف مرجعًا في الكثير من المسائل الفقهية، وليس هذا محل تفصيلها، فتراجع في مظانها 38.

إذن فللضوابط الاجتماعية دور في ضبط الحرية، فمثلًا مخالفة الآداب الاجتماعية العامة يعتبر مرفوضًا، فالإنسان الذي يخرج من بيته إلى الأماكن العامة لابسًا ما يستر عورته فقط يرفضه المجتمع، ويعتبره شاذًّا، رغم أنه لم يفعل حرامًا.

ثانيًا: الحرية في الاختيار والالتزام:

هذا النوع من الحريات هو الذي انفرد به الإنسان عن سائر المخلوقات، أخذًا من قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحزاب: 72] .

وتجمع أقوال المفسرين على أن المقصود من الأمانة هنا أنها: (التكليف) ، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها: وهو أنه إن قام بها أثيب، وإن تركها عوقب، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه إلا من وفقه الله، والله المستعان 39.

وهذا التكليف للإنسان فيه الخيار وليس الإلزام، أي فيه حرية الاختيار؛ لأن باقي الحيوانات مفطورة على ما أعدها الله له، فلا تستطيع الخروج عن ذلك خلافًا للإنسان الذي له إرادة مستقلة يستطيع بموجبها أن يختار ما يريد.

إنها الإرادة، والإدراك والمحاولة، وحمل المسئولية هي ميزة هذا الإنسان على كثير من خلق الله، وهي مناط التكريم الذي أعلنه الحق سبحانه في قوله: (ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں) [الإسراء: 70] .

وفي أمره للملائكة بالسجود لآدم في قوله: (ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ?) [البقرة: 34] .

فليعرف الإنسان مناط تكريمه عند الله، ولينهض بالأمانة التي اختارها، والتي عرضت على السماوات والأرض والجبال (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحزاب: 72] 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت