فهرس الكتاب

الصفحة 1526 من 2431

الظلمات

أولًا: المعنى اللغوي:

ظلم: الظّاء واللّام والميم أصلان صحيحان، أحدهما: خلاف الضّياء والنّور، والآخر- وضع الشّيء غير موضعه تعدّيًا، فالأول: الظّلمة، والجمع ظلماتٌ، والظّلام: اسم الظّلمة، وقد أظلم المكان إظلامًا، والأصل الآخر: ظلمه يظلمه ظلمًا، والأصل الثاني: وضع الشّيء في غير موضعه.

والظّلمة: ضدّ النّور، وضمّ اللّام لغةٌ، وجمع الظّلمة: ظُلَمٌ وظُلْماتٌ وظُلَماتٌ وظُلُماتٌ، بضمّ اللّام وفتحها وسكونها، وقد (أظلم) اللّيل، والظّلماء: الظّلمة، وربّما وصف بها، يقال: ليلةٌ ظلماء، أي: مظلمةٌ، وأظلم القوم دخلوا في الظّلام 1.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الجرجاني: «الظلمة: عدم الضوء فيما من شأنه أن يكون مضيئًا» 2، والظلمة هي: «ما يظلم عليك من الأفق، أو المكان، أو الأمر» 3.

وبالتأمل يلحظ أنه يوجد تلازم وصلة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي.

وردت مادة (ظلم) في القرآن على صيغ متعددة، بلغت (315) مرة، يخص موضوع البحث منها (26) مرة 4.

والصيغ التي وردت عليها هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 1 ... {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} [البقرة:20]

اسم الفاعل ... 2 ... {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا} [يونس:27]

الجمع ... 23 ... {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) } [البقرة:17]

وجاءت الظّلمات في الاستعمال القرآني على أربعة أوجه 5:

الأول: أهوال البر والبحر، ومنه قوله تعالى: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام:63] .يعني: أهوال البرّ والبحر.

الثاني: الظّلمات المعروفة، وهي ضد النور، ومنه قوله تعالى: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ} [الزمر:6] . يعني: ظلمة البطن والرّحم والمشيمة.

الثالث: الشرك، ومنه قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة:257] . يعني: من الشرك إلى الإيمان.

الرابع: الليل، ومنه قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام:1] . يعني: جعل الليل والنهار.

النور:

النور لغةً:

قال ابن فارس: «النون والواو والراء أصلٌ صحيح يدلّ على إضاءةٍ واضطراب وقلّة ثبات، منه النور والنار، سمّيا بذلك من طريقة الإضاءة، ولأنّ ذلك يكون مضطربًا سريع الحركة» 6.

النور اصطلاحًا:

قال الراغب: «النّور: الضّوء المنتشر الذي يعين على الإبصار» 7.

الصلة بين النور والظلمات:

هما ضدان فلا يجتمعان، فالنور ضوء يعين على رؤية الأشياء، والظلمة ليس فيها كذلك، كما أن النور واحد لا يتعدد، والظلمات كثيرة ومتعددة.

الضياء:

الضياء لغةً:

هو جمع ضوء كسوط وسياط، أو مصدر ضاء ضياءً كقام قيامًا، والضَّوء والضُّوء بالضّمّ، وضاءت النّار تضوء ضَوءًا وضُوءًا، وأضاءت غيرها، فالفعل يكون لازمًا ومتعديًا 8.

الضياء اصطلاحًا:

هو: «اسم لهذه الكيفيّة إذا كانت كاملة تامّة قويّة» 9، وقال الراغب: «الضّوء: ما انتشر من الأجسام النّيّرة» 10.

الصلة بين الضياء والظلمات:

هما ضدان فلا يجتمعان، فالضياء شدة الإنارة، والظلمات شدة العتمة.

الليل:

الليل لغةً:

هو ضدّ النّهار وخلافه 11، وهو الظلام الذي يحلّ فيه 12، وتبتدئ فترته الزّمنيّة من غروب الشمس إلى طلوعها.

الليل اصطلاحًا:

هو «من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق» 13.

الصلة بين الليل والظلمات:

هناك علاقة اقتران بين الظلمة والليل، فالظلام مقترن بالليل، كالضياء مقترن بالنهار.

تنقسم الظلمات إلى ظلمات حسية وظلمات معنوية، نتناول بيانها فيما يأتي:

أولًا: الظلمة الحسية:

قال عز وجل الهادي للسّير في الظّلمات بما خلق في الإنسان من المدارك، وبما خلق في السماء والأرض من دلائل: {أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 63] .

أي: بما خلق من الدّلائل السّماويّة والأرضيّة، كما قال تعالى: {وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16] .

وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: 97] 14.

«والناس -ومنهم المخاطبون أول مرة بهذا القرآن- يسلكون فجاج البر والبحر في أسفارهم، ويسبرون أسرار البر والبحر في تجاربهم، ويهتدون، فمن يهديهم؟ من أودع كيانهم تلك القوى المدركة؟ من أقدرهم على الاهتداء بالنجوم وبالآلات وبالمعالم؟ من وصل فطرتهم بفطرة هذا الكون، وطاقاتهم بأسراره؟ من جعل لآذانهم تلك القدرة على التقاط الأصوات، ولعيونهم تلك القدرة على التقاط الأضواء؟ ولحواسهم تلك القدرة على التقاط المحسوسات؟ ثم جعل لهم تلك الطاقة المدركة المسماة بالعقل أو القلب للانتفاع بكل المدركات، وتجميع تجارب الحواس والإلهامات؟ من؟ أإله مع الله؟» 15.

وقال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59] .

ظلمات الأرض بطونها، وقيل: الصّخرة الّتي هي أسفل الأرضين السّابعة 16. «أي: في الأمكنة المظلمة» ، وقيل: «في بطن الأرض» 17.

«وقيل: ما في الأرض من شجرة ولا مغرز إبرة إلا وعليها ملكٌ موكّلٌ، يأتي اللّه بعلمها، رطوبتها إذا رطبت، ويبوستها إذا يبست» 18.

وقيل: «وما تسقط من حبّةٍ بفعل فاعلٍ مختارٍ في ظلمات الأرض كالحبّ الّذي يلقيه الزّرّاع في بطون الأرض يسترونه بالتّراب فيحتجب عن نور النّهار، والّذي تذهب به النّمل وغيرها من الحشرات في قراها وجحورها» 19.

وقيل: «وفي ظلمات الأرض صفةٌ لـ (حبّةٍ) أي: ولا حبّةٍ من بذور النّبت مظروفةٍ في طبقات الأرض إلى أبعد عمقٍ يمكن» 20.

وقد عبر بـ (في الظّلمات) الدّالّة على انغماس صاحبه، وانقماعه وتدسّسه فيه.

وقال تعالى للمشركين: أعبادة ما تشركون بالله خير أم الذي يرشدكم في ظلمات البر والبحر إذا ضللتم فأظلمت عليكم السبل؟! قال تعالى: {أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 63] .

وقال تعالى آمرًا رسوله: قل أيها الرسول للمشركين: من تدعون إذا أخطأتم الطّريق وخفتم الهلاك؟ {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 63] .

روى الطبري بسنده عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: «يقول: إذا أضلّ الرّجل الطّريق دعا اللّه {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس: 22] » 21.

وظلمات البرّ والبحر يراد به: شدائدهما، فهو لفظ عام يستغرق ما كان من الشدائد بظلمة حقيقية، وما كان بغير ظلمة، والعرب تقول: عام أسود، ويوم مظلم، ويوم ذو كواكب ونحو هذا، يريدون به الشدة، قال قتادة رحمه الله: «المعنى من كرب البر والبحر» 22.

وقال ابن عاشور رحمه الله: « {ظُلُمَاتِ الْبَرِّ} ظلمة اللّيل الّتي يلتبس فيها الطّريق للسّائر، والّتي يخشى فيها العدوّ للسّائر وللقاطن، أي: ما يحصل في ظلمات البرّ من الآفات.

و (ظلمات البحر) يخشى فيها الغرق والضّلال والعدوّ، وقيل: أطلقت الظّلمات مجازًا على المخاوف الحاصلة في البرّ والبحر، كما يقال: يومٌ مظلمٌ إذا حصلت فيه شدائد» 23.

فحيثما «وقع الناس في ظلمة من ظلمات البر والبحر لم يجدوا في أنفسهم إلا الله يدعونه متضرعين أو يناجونه صامتين، إن الفطرة تتعرى حينئذٍ من الركام، فتواجه الحقيقة الكامنة في أعماقها، حقيقة الألوهية الواحدة، وتتجه إلى الله الحق بلا شريك؛ لأنها تدرك حينئذٍ سخافة فكرة الشرك، وتدرك انعدام الشريك» 24.

قال تعالى: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [الزمر: 6] .

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ} «يعني بالظلمات الثلاث: بطن أمه، والرحم، والمشيمة» 25.

قال سيد قطب رحمه الله عن الظلمات الثلاث: «ظلمة الكيس الذي يغلّف الجنين، وظلمة الرحم الذي يستقر فيه هذا الكيس، وظلمة البطن الذي تستقر فيه الرحم، والله يخلق هذه الخلية الصغيرة خلقًا من بعد خلق، وعين الله ترعى هذه الخليقة وتودعها القدرة على النمو، والقدرة على التطور، والقدرة على الارتقاء، والقدرة على السير في تمثيل خطوات النفس البشرية كما قدّر لها بارئها.

وتتبّع هذه الرحلة القصيرة الزمن، البعيدة الآماد، وتأمّل هذه التغيرات والأطوار، وتدبّر تلك الخصائص العجيبة التي تقود خطى هذه الخلية الضعيفة في رحلتها العجيبة، في تلك الظلمات، وراء علم الإنسان وقدرته وبصره.

هذا كله من شأنه أن يقود القلب البشري إلى رؤية يد الخالق المبدع، رؤيتها بآثارها الحية الواضحة الشاخصة، والإيمان بالوحدانية الظاهرة الأثر في طريقة الخلق والنشأة، فكيف يصرف قلب عن رؤية هذه الحقيقة؟» 26.

ظلمات البطون في العلم الحديث:

يقول العلماء: «يحاط الجنين في داخل الرحم بمجموعة من الأغشية هي من الداخل إلى الخارج كما يلي: غشاء السلي أو الرهل (amnion) ، والغشاء المشيمي (chorion) ، والغشاء الساقط (decidua) ، وهذه الأغشية الثلاثة تحيط بالجنين إحاطة كاملة، فتجعله في ظلمة شاملة هي الظلمة الأولى، ويحيط بأغشية الجنين جدار الرحم، وهو جدار سميك يتكون من ثلاث طبقات تحدث الظلمة الكاملة الثانية حول الجنين وأغشيته.

والرحم المحتوي على الجنين وأغشيته في ظلمتين متتاليتين، يقع في وسط الحوض، ويحاط إحاطة كاملة بالبدن المكون من كل من البطن والظهر، وكلاهما يحدث الظلمة الثالثة» 27.

ظلمات بطن الحوت: قال تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] .

عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما: «معترفًا بذنبه، تائبًا من خطيئته» 28، وعن قتادة رحمه الله قال: «ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل» 29.

روى الترمذي بسنده عن سعدٍ رضي الله عنه، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (دعوة ذي النّون إذ دعا وهو في بطن الحوت: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} فإنّه لم يدع بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قطّ إلّا استجاب اللّه له) 30.

قال تعالى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40] .

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «يعني بالظلمات: الأعمال، وبالبحر اللجّي: قلب الإنسان، قال: {يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ} ، قال: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} ، يعني بذلك الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر» 31.

ونور الله هدى في القلب، وتفتح في البصيرة، واتصال في الفطرة بنواميس الله في السماوات والأرض، والتقاء بها على الله نور السماوات والأرض.

فمن لم يتصل بهذا النور فهو في ظلمة لا انكشاف لها، وفي مخالفة لا أمن فيها، وفي ضلال لا رجعة منه، ونهاية العمل سراب ضائع يقود إلى الهلاك والعذاب؛ لأنه لا عمل بغير عقيدة، ولا صلاح بغير إيمان، إن هدى الله هو الهدى، وإن نور الله هو النور 32.

قال ابن القيم رحمه الله: «ذكر سبحانه للكافرين مثلين: مثلًا بالسّراب، ومثلًا بالظّلمات المتراكمة؛ وذلك لأنّ المعرضين عن الهدى والحقّ نوعان ... ، النّوع الثّاني: أصحابٌ مثل الظّلمات المتراكمة، وهم الّذين عرفوا الحقّ والهدى، وآثروا عليه ظلمات الباطل والضّلال، فتراكمت عليهم ظلمة الطّبع، وظلمة النّفوس، وظلمة الجهل، حيث لم يعملوا بعلمهم، فصاروا جاهلين، وظلمة اتّباع الغيّ والهوى، فحالهم كحال من كان في بحرٍ لجّيٍّ لا ساحل له، وقد غشيه موجٌ، ومن فوق ذلك الموج موجٌ، ومن فوقه سحابٌ مظلمٌ، فهو في ظلمة البحر، وظلمة الموج، وظلمة السّحاب، وهذا نظير ما هو فيه من الظّلمات الّتي لم يخرجه اللّه منها إلى نور الإيمان.

وهم أيضًا أصحاب العلم الّذي لا ينفع والاعتقادات الباطلة؛ ولهذا مثّل لحالم في تلاطم أمواج الشّكوك والشّبهات والعلوم الفاسدة في قلوبهم بتلاطم أمواج البحر فيه، وأنّها أمواجٌ متراكمةٌ من فوقها سحابٌ مظلمٌ، وهكذا أمواج الشّكوك والشّبه في قلوبهم المظلمة الّتي قد تراكمت عليها سحب الغيّ والهوى والباطل.

وأخبر سبحانه أنّ الموجب لذلك أنّه لم يجعل لهم نورًا، بل تركهم على الظّلمة الّتي خلقوا فيها فلم يخرجهم منها إلى النّور؛ فإنّه سبحانه وليّ الّذين آمنوا يخرجهم من الظّلمات إلى النّور» 33.

وفي هذا المعنى روى عبد اللّه بن عمر أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ اللّه خلق خلقه في ظلمةٍ، وألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النّور اهتدى، ومن أخطأه ضلّ؛ فلذلك أقول: جفّ القلم على علم اللّه) 34.

أقسم سبحانه وتعالى بالليل عندما يغطي الأرض فيكون ما عليها مظلمًا، فقال تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} [الشمس: 4] .

وقال تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [الليل: 1] .

وأقسم بالليل إذا سكن بالخلق، واشتد ظلامه، قال تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} [الضحى: 2] .

ولقّن سبحانه وتعالى بـ (قل) التلقينية الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول للناس: أخبروني -أيها الناس- إن جعل الله عليكم الليل دائمًا إلى يوم القيامة، من إله غير الله يأتيكم بضياء تستضيئون به؟ أفلا تسمعون سماع فهم وقبول؟

قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ} [القصص: 71] .

ثانيًا: الظلمات المعنوية:

العبد إذا سدّ أمام أذنه وعينه وقلبه أنوار الهدى، عاش في ظلمات الكفر والنفاق والجهل.

قال تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17] .

هذه الآيات نزلت في المنافقين، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارًا في ليلة مظلمة في مفازة، فاستدفأ ورأى ما حوله، فاتّقى مما يخاف، فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره، فبقي في ظلمة خائفًا متحيّرًا؛ فكذلك المنافقون بإظهار كلمة الإيمان أمنوا على أموالهم، وأولادهم، وناكحوا المؤمنين، ووارثوهم، وقاسموهم الغنائم، فذلك نورهم، فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف» 35.

شبّه سبحانه وتعالى في الآية «أعداءه المنافقين بقوم أوقدوا نارًا؛ لتضيء لهم، وينتفعوا بها، فلما أضاءت لهم النار فأبصروا في ضوئها ما ينفعهم وما يضرهم، وأبصروا الطريق بعد أن كانوا حيارى تائهين، فهم كقوم سفر ضلوا عن الطريق، فأوقدوا النار تضيء لهم الطريق، فلما أضاءت لهم فأبصروا، وعرفوا طفئت عنهم تلك الأنوار، وبقوا في الظلمات لا يبصرون، قد سدّت عليهم أبواب الهدى الثلاث، فإن الهدى يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب، مما يسمعه بأذنه، ويراه بعينه، ويعقله بقلبه، وهؤلاء قد سدت عليهم أبواب الهدى، فلا تسمع قلوبهم شيئًا، ولا تبصره، ولا تعقل ما ينفعها، وقيل: لما لم ينتفعوا بأسماعهم وأبصارهم وقلوبهم، نزّلوا منزلة من لا سمع له، ولا بصر، ولا عقل، والقولان متلازمان» 36.

وفي قوله تعالى: {لَا يُبْصِرُونَ} حذف مفعول {يُبْصِرُونَ} إيذانًا بالعموم، أي: لا يبصرون مسلكًا من مسالك الهداية، ولا يرون طريقًا من طرقها؛ لأنّه صرف عنايته عنهم بتركهم سنّته، وإهمالهم هدايته، ووكلهم إلى أنفسهم.

وقال تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} [البقرة: 19] .

فشبّه نصيبهم مما بعث الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم من النور والحياة بنصيب أصحاب الصيّب، وهو المطر الذي يصوب، أي: ينزل من علو إلى سفل، فشبّه الهدى الذي هدى به عباده بـ (الصيب) ؛ لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وشبّه نصيب المنافقين من هذا الهدى بنصيب من لم يحصل له نصيب من الصيب إلا ظلمات ورعد وبرق، ولا نصيب له فيما وراء ذلك، مما هو المقصود بالصيب من حياة البلاد والعباد، والشجر والدواب، فإن تلك الظلمات التي فيه، وذلك الرعد والبرق مقصود لغيره، وهو وسيلة إلى كمال الانتفاع بذلك الصيب.

فالجاهل لفرط جهله يقتصر على الإحساس بما في الصيب من ظلمة ورعد وبرق، ولوازم ذلك: من برد شديد، وتعطيل مسافر عن سفره، وصانع عن صنعته، ولا بصيرة له تنفذ إلى ما يئول إليه أمر ذلك الصيب من الحياة والنفع العام، وهكذا شأن كل قاصر النظر ضعيف العقل، لا يجاوز نظره الأمر المكروه الظاهر إلى ما وراءه من كل محبوب، وهذه حال أكثر الخلق إلا من صفت بصيرته، فإذا رأى ضعيف البصيرة ما في الجهاد من التعب والمشاق، والتعرض لإتلاف المهجة والجراحات الشديدة، وملامة اللوام، ومعاداة من يخاف معاداته لم يقدم عليه؛ لأنه لم يشهد ما يئول إليه من العواقب الحميدة، والغايات التي إليها تسابق المتسابقون، وفيها تنافس المتنافسون.

وحال هؤلاء حال الضعيف البصيرة والإيمان الذي يرى ما في القرآن من الوعد والوعيد، والزواجر والنواهي، والأوامر الشاقة على النفوس التي تفطمها عن رضاعها من ثدي المألوفات والشهوات، والفطام على الصبي أصعب شيء وأشقه، والناس كلهم صبيان العقول إلا من بلغ مبلغ الرجال العقلاء الألبّاء، وأدرك الحق علمًا وعملًا ومعرفة، فهو الذي ينظر إلى ما وراء الصيب، وما فيه من الرعد والبرق والصواعق، ويعلم أنه حياة الوجود» 37.

وتأمل قول سيد قطب في تصوير مشهد هؤلاء رحمه الله: «إنه مشهد عجيب، حافل بالحركة، مشوب بالاضطراب، فيه تيه وضلال، وفيه هول ورعب، وفيه فزع وحيرة، وفيه أضواء وأصداء.

صيِّبٌ من السماء هاطل غزير {فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} [البقرة: 19] .

قال تعالى: {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} [البقرة: 20] .

وقال تعالى: {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} [البقرة: 20] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت