قال ابن كثير رحمه الله: «أي هذه الجنة التي وصفنا بهذه الصفات العظيمة هي التي نورثها عبادنا المتقين، وهم المطيعون لله عز وجل في السراء والضراء، والكاظمون الغيظ والعافون عن الناس، وكما قال تعالى {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) } إلى أن قال: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) } [المؤمنون: 1 - 11] 200.
وتصف الآيات الكريمة كيف يدخل المتقين إلى الجنة وفدًا كما قال تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) } [مريم: 85] .
«أي اليوم الذي يجتمع فيه من اتقى الله في الدنيا بطاعته إلى جنته وفدًا أي جماعات، قال ابن عباس رضي الله عنه: ركبانًا، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: على الإبل، وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: ما يحشرون-والله- على أرجلهم، ولكن على نوقٍ، رحالها من الذهب، ونجائب، سروجها يواقيت، إن هموا بها سارت، وإن هموا بها طارت» 201.
ويقرب الله تعالى إليهم الجنة إكرامًا لهم كما قال تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) } [ق: 31] .
أي: وأدنيت الجنة وقرّبت للذين اتقوا ربهم، فخافوا عقوبته بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، ثم قال عز وجل: غير بعيد أي ينظرون إليها قبل دخولها، ويقال غير بعيد، يعني: دخولهم غير بعيد 202.
ثم يصف الله تعالى في آياته الكريمة ما أعده لعباده المتقين من نعيم وذلك في قوله تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (35) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36) } [النبأ: 31 - 36] .
وقال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) } [آل عمران: 133] .
ويشير النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزلة التقوى وأن محلها القلوب بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا) ويشير إلى صدره ثلاث مرات 203.
ومما تقدم يتبين أن التقوى سبب من أسباب دخول الجنة وشرط لحصول الرحمة، ولا يمكن أن يكون المؤمن تقيًّا إلا إذا اتبع أوامر الله تعالى واجتنب كل نواهيه، عندها ينال رحمة الله تعالى الموجبة لدخول الجنة.
رابعًا: الاستقامة على دين الله:
إن من استقام على دين الله فإن الملائكة تنزل عليه وتبشره بالجنة، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) } [فصلت: 30] .
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) } [الأحقاف: 13] .
وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ} ، اعترافًا بربوبيته وإقرارًا بوحدانيته، {ثُمَّ اسْتَقَامُوا} في العمل وثمّ لتراخيه عن الإقرار في الرتبة من حيث أنه مبدأ الاستقامة، أو لأنها عسر قلما تتبع الإقرار، وما روي عن الخلفاء الراشدين في معنى الاستقامة من الثبات على الإيمان وإخلاص العمل وأداء الفرائض فجزئياتها، {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ} فيما يعن لهم بما يشرح صدورهم ويدفع عنهم الخوف والحزن، أو عند الموت، أو الخروج من القبر، {أَلَّا تَخَافُوا} ما تقدمون عليه. ولا تحزنوا على ما خلفتم، {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} في الدنيا على لسان الرسل 204.
وعلى ذلك فالاستقامة على دين الله تعالى تعني: الالتزام بطاعته والائتمار بأوامره والبعد عن معصيته، وهي سبب من أسباب دخول الجنة والنجاة من عذاب الله تعالى وغضبه في الآخرة، فمن استقام على دين الله تعالى نجى وفاز بالجنة، وللاستقامة أسباب منها: الصبر، وإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك.
خامسًا: الإحسان في العبادة:
إن الإحسان هو مراقبة الله تعالى في العبادة، وأن يعبد المرء الله تعالى كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله تعالى يراه، وعظم الله تعالى ثواب أهل الإحسان، فقال تعالى: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195] .
وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) } [النحل: 128] .
وقال تعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان: 22] .
وقال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] .
والإحسان من أفضل مراتب العبودية وكمالها لذلك قال تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) } [الرحمن: 60] .
أي: «ما جزاء من أحسن في الدنيا بطاعة الله تعالى إلا الإحسان إليه في الآخرة بالجنة ونعيمها» 205.
وفسره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل لما قال له: (فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) 206.
قال القاضي عياض: «وقوله: (ما الإحسان) ، وفسره في الحديث بما معناه الإخلاص ومراقبة الله في السر والإعلان، وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة، من عقود الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه» 207.
وإن من موجبات دخول الجنة أن يكون المؤمن محسنًا لذلك وصف الله تعالى المحسنين بقوله تعالى: {آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) } [الذاريات: 16 - 19] .
«أي إنهم كانوا في دار الدنيا يفعلون صالح الأعمال، خشية من ربهم وطلبًا لرضاه، ومن ثم نالوا هذا الفوز العظيم، والمكرمة التي فاقت ما كانوا يؤملون ويرجون» 208.
ثم فصل ما أحسنوا فيه فقال: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} ، أي كانوا ينامون القليل من الليل ويتهجدون في معظمه، قال ابن عباس: ما تأتى عليهم ليلة ينامون حتى يصبحوا؛ إلا يصلون فيها شيئًا إما من أولها أو من وسطها، وقال الحسن البصري: كابدوا قيام الليل، فلا ينامون من الليل إلا أقله، وربما نشطوا فجدّوا إلى السحر. وعن أنس قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء، {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} ، أي فهم يحيون الليل متهجدين، فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار، كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم، ولما ذكر أنهم يقيمون الصلاة ثنى بوصفهم بأداء الزكاة والبر بالفقراء فقال: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} ، أي وجعلوا في أموالهم جزءًا معينًا ميزوه وعزلوه للطالب المحتاج، والمتعفف الذي لا يجد ما يغنيه، ولا يسأل الناس، ولا يفطنون إليه ليتصدقوا عليه 209.
سادسًا: الجهاد في سبيل الله تعالى:
جعل الله تعالى الجنة ثمنًا لمن جاهد في سبيله بنفسه وأمواله جزاءً له على إيمانه وإخلاصه في طاعة الله ورسوله؛ لذلك قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) } [التوبة: 111] .
قال ابن كثير رحمه الله: «يخبر تعالى أنه عاوض عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذ بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه، فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عباده المطيعين له؛ ولهذا قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم والله فأغلى ثمنهم» 210.
وفي الآية: ترغيب للمؤمنين في الجهاد ببيان حال المتخلفين عنه، ولا ترى ترغيبًا في الجهاد أحسن ولا أبلغ مما في هذه الآية لأنه أبرز في صورة عقد، عاقده رب العزة جل جلاله، وثمنه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولم يجعل المعقود عليه كونهم مقتولين فقط، بل كونهم قاتلين أيضًا لإعلاء كلمة الله تعالى ونصرة دينه سبحانه، وجعله مسجلًا في الكتب السماوية، وناهيك به من صك، وجعل وعده حقًّا ولا أحد أوفى من واعده، فنسيئته أقوى من نقد غيره، وأشار إلى ما فيه من الرحب والفوز العظيم، وهو استعارة تمثيلة، صور جهاد المؤمنين وبذل أموالهم وأنفسهم فيه وإثابة الله تعالى لهم على ذلك الجنة بالبيع والشراء، وأتى بقوله سبحانه: يقاتلون إلخ بيانا لمكان التسليم وهو المعركة، وإليه الإشارة بقوله صلّى الله عليه وسلم: (الجنة تحت ظلال السيوف) 211.
قال الجصاص: «أطلق الشرى فيه على طريق المجاز؛ لأن المشتري في الحقيقة هو الذي يشترى مالا يملك، والله تعالى مالك أنفسنا وأموالنا ولكنه كقوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245] .
فسماه شرى كما سمى الصدقة قرضًا لضمان الثواب فيهما به، فأجرى لفظه مجرى ما لا يملكه العامل فيه استدعاء إليه وترغيبًا فيه» 212.
وتصور الآية الكريمة كل أطراف البيع والشراء، والبائع والمشتري، والثمن، فالبائع هو المؤمن، والمشتري هو الله، والثمن الجنة، ومن رحمة الله أن جعل الله الإنسان مالكًا لنفسه وماله، يتصرف فيهما بحرية واختيار وإرادة، ليقبض الثمن وهو الجنة، وإن كان الله هو المالك الحقيقي للأنفس والأموال، ولكن القرآن الكريم يصوّر الإنسان مالكًا وبائعًا وقابضًا للثمن، لتكون الصورة ملائمة للواقع المنظور في الحياة، بدلًا من تصوير الغيب المستور 213.
ويتبين مما مضى أن الجهاد في سبيل الله تعالى سبب من أسباب دخول الجنة، وأن من جاهد في سبيل الله تعالى فجزاؤه الجنة التي وعده الله تعالى بها؛ لأنه باع نفسه وماله ليقاتل في سبيل الله تعالى.
سابعًا: الصبر على الابتلاء:
إن طلب الجنة ودخولها لا يتم ولا يكمل إلا بالصبر على الابتلاء واحتمال الشدائد في التكليف وإقامة الحق؛ لذلك قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) } [البقرة: 214] .
أي: أم حسبتم أنكم أيها المؤمنون بالله ورسله تدخلون الجنة، ولم يصبكم مثل ما أصاب من قبلكم من أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار، فتبتلوا بما ابتلوا واختبروا به من البأساء وهو شدة الحاجة والفاقة، والضراء وهي العلل والأوصاب، ولم تزلزلوا زلزالهم أي ولم يصبهم من أعدائهم من الخوف والرعب شدة وجهدٌ، حتى يستبطئ القوم نصر الله إياهم، فيقولون: متى الله ناصرنا؟ ثم أخبرهم الله أن نصره منهم قريبٌ، وأنه معليهم على عدوّهم، ومظهرهم عليه، فنجّز لهم ما وعدهم، وأعلى كلمتهم، وأطفأ نار حرب الذين كفروا 214.
وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) } [آل عمران: 142] .
وقوله: {وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} : «يعني الصابرين عند البأس على ما ينالهم في ذات الله من جرح وألم ومكروه» 215.
وتحث هذه الآيات الكريمة المؤمنين على الصبر عند الابتلاء، وتدعوهم إلى الثبات والتحمل بذكر قصص الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام والسابقين، وما يلقّى الأعمال الصالحة وجزاءها إلا أهل الصبر، قال تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) } [فصلت: 35] .
وبشر الله تعالى الصابرين بمضاعفة الأجر بقوله تعالى: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} [القصص: 54] .
وزاد على ذلك بأجر لا حد له بقوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] .
وورد الصبر في السنة أيضًا في أحاديث متعددة، منها: ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ولن تعطوا عطاء خيرًا وأوسع من الصبر) 216.
وبشر النبي صلى الله عليه وسلم الذي يصبر على فقد عينيه بالجنة بقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ثم صبر عوضته منهما الجنة) 217.
فالصبر عند الابتلاء سبب من أسباب دخول الجنة، فلا يمكن دخول الجنة إلا بالصبر على المكاره وعند الشدائد والمصائب، وحبس النفس عن الذنوب والمعاصي، والصبر على طاعة الله تعالى فكل ذلك يؤدي إلى الجنة.
ثامنًا: الإخبات:
ذكر الله تعالى في آياته الكريم صفة من صفات أهل الجنة وهي الإخبات فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23) } [هود: 23] .
أي إن الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا في الدنيا الأعمال الصالحة، فأتوا بالطاعات وتركوا المنكرات، وخشعت نفوسهم واطمأنت إلى ربهم أولئك هم قطّان 218 الجنة الذين لا يخرجون منها ولا يموتون، بل هم ما كثون فيها أبدًا 219.
وقوله تعالى: {وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: يعني خافوا ربهم، وهو قول ابن عباس، الثاني: يعني اطمأنوا، قاله مجاهد، الثالث: أنابوا، وهو قول قتادة، الرابع: خشعوا وتواضعوا لربهم، رواه معمر، الخامس: أخلصوا إلى ربهم، قاله مقاتل 220.
وقال الراغب الاصفهاني: الخبت: المطمئن من الأرض، وأخبت الرّجل: قصد الخبت، أو نزله، نحو: أسهل وأنجد، ثمّ استعمل الإخبات استعمال اللّين والتّواضع، قال الله تعالى: {وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ} [هود: 23] .
وقال تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [الحج: 34] .
أي: المتواضعين، نحو: {لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} [الأعراف: 206] .
وقوله تعالى: {فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} [الحج: 54] ، أي: تلين وتخشع 221.
وعلى ذلك فمعنى الإخبات هو الاطمئنان والتواضع والخشوع والخضوع لله عز وجل في طاعته وعبادته والانقطاع إليه.
وقد بشر الله تعالى المخبتين من عباده ووصفهم بقوله عز وجل: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35) } [الحج: 34 - 35] .
أي وبشر أيها الرسول الخاضعين لله بالطاعة، المذعنين له بالعبودية، المنيبين إليه بالتوبة، بما أعدّ لهم من جزيل ثوابه، وجليل عطائه، ثم بين سبحانه علاماتهم فقال:
1. (گ ? ? ? ? ?) ، أي إنهم إذا ذكر الله عرتهم رهبة من خشيته، وخوف من عقابه.
2. (? ? ? ں) ، من النوائب والمحن في طاعة الله.
3. (ں ?) ، أي والمؤدين حقه تعالى فيما أوجبه عليهم من فريضة الصلاة في الأوقات التي حددها لهم.
4. (? ? ?) ، أي وينفقون بعض ما آتاهم الله من طيب الرزق في وجوه البر وعلى أهليهم وأقاربهم وعلى الخلق كافة، ومن ذلك إهداء الهدايا التي يغالون في أثمانها 222.
وكل هذا من آثار الإخبات على نفوس المؤمنين حيث وجلت قلوبهم لذكر الله تعالى، والصبر على أقداره، والإخلاص في عبوديته، والإحسان إلى خلقه، كما مضى في الآية الكريمة.
1.لقد ذكر القرآن الكريم الذين يدخلون الجنة وصفاتهم، وكذلك ذكر أن هناك أصنافًا حرمت من الجنة وهم كثير، وجاءت النصوص بشأنهم من الكتاب والسنة، منها ما يأتي:
1.إبليس.
وهو اسم أعجمي، وقيل عربى واشتقاقه من الإبلاس؛ لأن الله تعالى أبلسه من رحمته، وآيسه من مغفرته 223، وهو أول من حرم من الجنة وطرد منها ولا يمكن له أبدًا دخولها، وسبب حرمانه منها، عصيانه لأمر الله تعالى حين أمره بالسجود لآدم فأبى واستكبر، كما قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) } [البقرة: 34] .
أي: «امتنع عما أمر به، استكبارًا من أن يتخذه وصلة في عبادة ربه، أو يعظمه ويتلقاه بالتحية، أو يخدمه ويسعى فيما فيه خيره وصلاحه» 224.
فأمر الله تعالى إبليس بأن يهبط من الجنة إلى الأرض في قوله تعالى: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) } [الأعراف: 13] .
لعصيانه أمر ربه، وخروجه عن طاعته، فما ينبغي له أن يتكبر فيها ثم أمره تعالى بالخروج من الجنة ذليلًا حقيرًا كما قال تعالى: {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) } [الأعراف: 18] .
2.الكافرون.
وهم الذين حرموا من الجنة بدليل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (116) } [آل عمران: 116] .
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169) } [النساء: 168 - 169] .
أي: «الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوا به وبما جاءهم به من عند الله لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا، يعني: لن تدفع أمواله التي جمعها في الدنيا، وأولاده الذين ربّاهم فيها، شيئًا من عقوبة الله يوم القيامة إن أخرها لهم إلى يوم القيامة، ولا في الدنيا إن عجّلها لهم فيها» 225.
وهذا وعيدٌ من الله تعالى للأمم الأخرى الفاسقة من أهل الكتاب، الذين أخبر عنهم بأنهم فاسقون، وأنهم قد باؤوا بغضب منه، ولمن كان من نظرائهم من أهل الكفر بالله ورسوله وما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله.
3.المبتغون غير الإسلام دينًا.
قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) } [آل عمران: 85] .
أي: ومن يطلب دينًا غير دين الإسلام ليدين به، فلن يقبل الله منه وهو في الآخرة من الخاسرين، أي: من الباخسين أنفسهم حظوظها من رحمة الله عز وجل، بإبطال الفطرة السليمة التى فطر الناس عليها، وترك منزله في الجنة، واختار منزله في النار 226.
4.المنافقون.
قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68) } [التوبة: 68] .
«أي وعد الله هؤلاء جميعًا نار جهنم يصلونها ماكثين فيها أبدًا، وقدم المنافقين في الوعيد على الكفار للإيذان بأنهم وإن أظهروا الإيمان وعملوا أعمال الإسلام شر من الكفار، ولا سيما المتدينين منهم بأديان محرّفة أو منسوخة كأهل الكتاب» 227.