فلا شك أن هذا القرآن واتباع الشريعة بصائر لقلوب الناس، كما جعل روحًا وحياة لها، فإن من تمسك بالكتاب والسنة وأمعن فيهما النظر وعمل بمقتضاهما فتحت بصيرته، وحيي قلبه، وهدى من الضلالة ورحم من العذاب. ولا يتحقق ذلك كله إلا لأصحاب اليقين الثابت الذي لايتزعزع ولا يتزحزح 111.
وإنما كان هدي؛ لأنه طريق نفع لمن اتبع إرشاده، فاتباعه كالاهتداء للطريق الموصلة إلى المقصود. وإنما كان رحمة؛ لأن في اتباع هديه نجاح الناس أفرادا وجماعات في الدنيا؛ لأنه نظام مجتمعهم ومناط أمنهم، وفي الآخرة؛ لأنه سبب نوالهم درجات النعيم الأبدي. وكان بصائر؛ لأنه يبين للناس الخير والشر، ويحرضهم على الخير ويحذرهم من الشر، ويعدهم على فعل الخير ويوعدهم على فعل الشرور، فعمله عمل البصيرة 112.
وجعل الهدى والرحمة لقوم يوقنون؛ لأنه لا يهتدي ببيانه إلا الموقن بحقيقته ولا يرحم به إلا من اتبعه المؤمن بحقيته. وذكر لفظ (قوم) ؛ للإيماء إلى أن الإيقان متمكن من نفوسهم، كأنه من مقومات قوميتهم التي تميزهم عن أقوام آخرين 113.
وإنما خص الموقنين بأنه لهم هدى ورحمة؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بما فيه دون من كذب به من أهل الكفر فإنه عليهم عمى 114.
فقوله تعالى: {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} إشارة إلى أن هذا القرآن وما فيه من بصائر للناس جميعا وهدى ورحمة لهم لا يرد مورده ولا يرتوي من هذا المورد إلا من جاء إليه بقلب سليم، مهيأ لاستقبال الخير وتقبله 115.
خص سبحانه وتعالى أهل اليقين بالفلاح، فقال: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 4 - 5] .
والفلاح: الظفر بالبغية وإدراك الأمل 116، ويكون في أحوال الدنيا وأحوال الآخرة. والمفلحون هم: «الفائزون بالجنة والباقون فيها» 117.
يقول ابن كثير رحمه الله: «يقول الله تعالى: {أُولَئِكَ} أي: المتصفون بما تقدم من الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والإنفاق من الذي رزقهم الله والإيمان بما أنزل إلى الرسول ومن قبله من الرسل والإيقان بالدار الآخرة، وهو مستلزم الاستعداد لها من الأعمال الصالحة وترك المحرمات على نور وبيان وبصيرة من الله تعالى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي: في الدنيا والآخرة» 118. «وحصر الفلاح فيهم؛ لأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم، وما عدا تلك السبيل فهي سبل الشقاء والهلاك والخسار التي تفضي بسالكها إلى الهلاك» 119.
موضوعات ذات صلة:
الإيمان، التقوى، الشك، الظن
1 مقاييس اللغة، ابن فارس، 6/ 157.
2 انظر: الصحاح، الجوهري، 6/ 2219، لسان العرب، ابن منظور، 13/ 457.
3 المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/ 1066.
4 انظر: التعريفات، الجرجاني، ص 259، تاج العروس، الزبيدي، 36/ 300.
5 الكليات، الكفوي، 1/ 980.
6 المصباح المنير، الفيومي، 2/ 681.
7 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص 748 - 749.
8 انظر: الوجوه والنظائر، الدمغاني ص 478، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص 635، 636، الوجوه والنظائر، أبو هلال العسكري ص 510.
9 معجم مقاييس االلغة، ابن فارس، 4/ 109، مجمل اللغة، ابن فارس، 1/ 624.
10 المفردات، الراغب الأصفهاني، 1/ 508.
11 الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، 1/ 81.
12 بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 5/ 397 بتصرف.
13 مقاييس اللغة، ابن فارس، 3/ 462، الصحاح، الجوهري، 6/ 2160.
14 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 539.
15 التعريفات، الجرجاني ص 144.
16 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 3/ 173.
17 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 265.
18 التعريفات ص 168.
19 انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 5/ 395، مدارج السالكين، ابن القيم 2/ 374.
20 الحديث: أخرجه الطبراني في الكبير، 10/ 215.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد 4/ 71: أخرجه الطبراني في الكبير، وفيه خالد بن يزيد العمري، واتهم بالوضع.
وأخرجه، من طريق أخرى، أبو نعيم في الحلية، 5/ 106، والبيهقي في شعب الإيمان، 1/ 221. وفيه: عطية العوفي وهو ضعيف، ومحمد بن مروان السدي وهو متروك الحديث.
21 بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 5/ 396، مدارج السالكين، ابن القيم 2/ 375.
22 أخرجه الإمام أحمد في مسنده، 1/ 184، رقم 5.
23 أخرجه أحمد في مسنده، رقم 6654.
وحسنه الهيثمي في مجمع الزوائد، 10/ 148، والمنذري في الترغيب والترهيب، 2/ 491، رقم 492.
24 أخرجه الترمذي في سننه، 5/ 528، رقم 3502.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، 1/ 215، رقم 2148.
25 انظر: اليقين، ابن أبي الدنيا ص 45.
26 موسوعة نضرة النعيم 8/ 3730. باختصار.
27 مدارج السالكين 2/ 378.
28 تفسير الشعراوي 1/ 556.
29 مدارج السالكين، ابن القيم 2/ 380.
30 الكشاف 4/ 791.
31 جامع البيان 24/ 580 بتصرف.
32 التفسير القيم 1/ 575.
ولم يعين سبحانه المتكاثر به، بل ترك ذكره، إما لأن المذموم هو نفس التكاثر بالشيء، لا المتكاثر به. كما يقال: شغلك اللعب واللهو، ولم يذكر ما يلعب ويلهو به، وإما إرادة الإطلاق، وهو كل ما تكاثر به العبد غيره من أسباب الدنيا، من مال أو جاه أو عبيد. أو إماء أو بناء، أو غراس، أو علم لا يبتغى به وجه الله، أو عمل لا يقربه إلى الله. فكل هذا من التكاثر الملهي عن الله والدار الآخرة. 1/ 576.
33 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، رقم 2958.
34 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثًا، رقم 1048.
35 التفسير القيم 1/ 577.
36 انظر: جامع البيان، الطبري 24/ 581، الكشاف، الزمخشري 4/ 792.
37 زاد المسير 4/ 486.
38 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 4/ 465، أنوار التنزيل، البيضاوي 5/ 334.
39 اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 20/ 481.
40 مفاتيح الغيب، الرازي 22/ 273.
41 جامع البيان 23/ 163.
42 انظر: محاسن التأويل، القاسمي 9/ 135، التفسير الوسيط، سيد طنطاوي 14/ 190.
43 التفسير الوسيط، سيد طنطاوي 14/ 190.
44 التحرير والتنوير، ابن عاشور 27/ 350
45 تفسير الشعراوي 1/ 556.
46 التفسير الوسيط، طنطاوي 1/ 46.
47 اللباب في علوم الكتاب 1/ 302.
48 زهرة التفاسير، أبو زهرة 1/ 112.
49 في ظلال القرآن، سيد قطب 1/ 41. بتصرف.
50 جامع البيان، الطبري 19/ 426.
51 زهرة التفاسير 10/ 5430. بتصرف.
52 التفسير الوسيط، طنطاوي 11/ 149.
53 تفسير الشعراوي 17/ 10851. بتصرف يسير.
54 التحرير والتنوير 20/ 39.
55 معالم التنزيل 6/ 111 بتصرف.
56 مفاتيح الغيب 24/ 499.
57 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/ 138 بتصرف يسير.
58 الكشاف 3/ 314.
59 لباب التأويل 4/ 201. بتصرف
60 التفسير القرآني للقرآن 13/ 221.
61 تفسير الشعراوي بتصرف 6/ 3739.
62 محاسن التأويل 4/ 400.
63 الوسيط، سيد طنطاوي 5/ 109.
64 مفاتيح الغيب 13/ 35.
65 الكشاف 4/ 399. بتصرف يسير.
66 زاد المسير 4/ 96.
67 مفاتيح الغيب 27/ 670.
68 الوسيط، سيد طنطاوي باختصار 7/ 440.
69 البيضاوي 3/ 180.
70 لباب التأويل 3/ 4.
71 التفسير الوسيط 15/ 183.
72 ابن أبي حاتم 10/ 3384. تفسير القرآن العظيم 8/ 294. بتلخيص، الدر المنثور 8/ 333.
73 انظر: جامع البيان، الطبري 29/ 159، الدر المنثور، السيوطي 8/ 333، السيرة النبوية، ابن هشام 1/ 335.
74 مفاتيح الغيب، الرازي 15/ 184. ملخصًا.
75 محاسن التأويل 9/ 356. باختصار وتصرف.
76 صفوة التفاسير 3/ 454.
77 التحرير والتنوير 29/ 315. ملخصًا.
78 التفسير الوسيط 15/ 183. بتصرف.
79 التفسير القرآني للقرآن 15/ 1297.
80 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب القرآن، باب تمني القرآن والعلم رقم 7232.
81 زاد المسير 1/ 557. لباب التأويل 2/ 52.
82 جامع البيان، الطبري 10/ 394.
83 لباب التأويل 2/ 52.
84 البحر المحيط 4/ 287
85 جامع البيان، الطبري 10/ 394.
86 الكشاف 1/ 642.
87 زاد المسير 1/ 557.
88 التفسير القرآني للقرآن 3/ 1113.
89 زاد المسير 2/ 547 بتصرف.
90 المحرر الوجيز 3/ 376.
91 زهرة التفاسير 8/ 4119.
92 فتح القدير 7/ 329.
93 وعن العلاقة بين العبودية واليقين ينقل القشيري عن شيخه الدقاق قوله: «العبادة لمن له علم اليقين، والعبودية لمن له عين اليقين، والعبودة لمن له حق اليقين» الرسالة ص 99.
94 الهداية 6/ 3942.
95 تفسير السمعاني 3/ 156.
96 زهرة التفاسير 8/ 4119.
97 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب، إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنبٍ رقم 1117.
98 التفسير الوسيط، سيد طنطاوي 11/ 103، بتلخيص.
99 المصدر السابق.
100 تيسير الكريم الرحمن ص 645.
101 التفسير القرآني للقرآن 11/ 549.
102 المصدر السابق 11/ 550.
103 المصدر السابق 11/ 551.
104 التفسير الوسيط، الزحيلي 3/ 2015.
105 الكشاف 3/ 2015.
106 التحرير والتنوير 21/ 237.
107 المصدر السابق.
108 روح المعاني، 11/ 139.
109 محاسن التأويل 8/ 43.
110 التفسير المنير، الزحيلي 25/ 269.
111 البحر المديد 5/ 309، بتصرف.
112 التحرير والتنوير 25/ 350.
113 المصدر السابق.
114 المراغي 25/ 152.
115 التقسير القرآني للقرآن 13/ 241.
116 المحرر الوجيز، ابن عطية 1/ 86.
117 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 1/ 182.
118 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 82.
119 تيسير الكريم الرحمن ص 40.