فهرس الكتاب

الصفحة 1937 من 2431

ومن صور الكسب السيِّئ كسب الذنوب والمعاصى عمومًا كما قال تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 111] .

أي: ومن يأت ذنبًا على عمدٍ منه له ومعرفة به، فإنما يجترح وبال ذلك الذنب وضره وخزيه وعاره على نفسه، دون غيره من سائر خلق الله 40.

ومن صور كسب السيئات: اتهام الأبرياء والافتراء عليهم كما قال تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 112] .

أي: من ارتكب خطيئة أو إثمًا ثم اتهم به بريئًا فقد ارتكب جريمة فظيعة، ونلاحظ من استخدام الحق هنا لكلمة (احتمل) وليس (حمل) ، تؤكد لنا أن هناك علاجًا ومكابدة وشدة؛ ليحمل الإنسان هذا الشيء الثقيل؛ فالجريمة جريمتان وليست واحدة، لقد فعل الخطيئة ورمى بها بريئًا، وفاعل الخطيئة يندم على فعلها مرة، ويندم أيضًا على إلصاقها ببريء. إذن فهي حمل على أكتافه 41.

ومن هذا الإيذاء والافتراء إيذاء المؤمنين بغير ما اكتسبوا، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58] .

أي: ينسبون إليهم ما هم برآء منه، لم يعملوه ولم يفعلوه، وهذا هو البهت البين، أن يحكى أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه، على سبيل العيب والتنقص لهم، ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله، ثم الرافضة الذين يتنقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد برأهم الله منه، ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم؛ فإن الله، عز وجل، قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم، وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم ويتنقصونهم، ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبدًا، فهم في الحقيقة منكوسو القلوب يذمون الممدوحين، ويمدحون المذمومين 42.

قيل: إنها نزلت في منافقين كانوا يؤذون عليًّا رضي الله عنه، وقيل: في أهل الإفك، وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات 43.

جاء في الصحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته) 44.

ثالثًا: كسب الأموال:

الكسب الطيب والمال الحلال ينير القلب، ويشرح الصدر، ويورث الطمأنينة والسكينة والخشية من الله، ويعين الجوارح على العبادة والطاعة، ومن أسباب قبول العمل الصالح وإجابة الدعاء، أما الكسب الخبيث فإنه شؤم وبلاء على صاحبه، بسببه يقسو القلب، وينطفئ نور الإيمان، ويحل غضب الجبار، ويمنع إجابة الدعاء، المال الحرام مستخبث الأصول، ممحوق البركة والمحصول، إن صرفه صاحبه في برٍّ لم يؤجر، وإن بذله في نفعٍ لم يشكر، ثم هو لأوزاره محتمل وعليه معاقب.

ومن صور كسب الأموال قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267] .

يأمر تعالى عباده المؤمنين بالنفقة من طيبات ما يسر لهم من المكاسب، ومما أخرج لهم من الأرض، فكما مَنَّ عليكم بتسهيل تحصيله فأنفقوا منه شكرًا لله وأداء لبعض حقوق إخوانكم عليكم، وتطهيرًا لأموالكم، واقصدوا في تلك النفقة الطيب الذي تحبونه لأنفسكم، {وَلَا تَيَمَّمُوا} الرديء الذي لا ترغبونه ولا تأخذونه إلا على وجه الإغماض والمسامحة؛ فهو {غَنِيٌّ} عنكم، ونفع صدقاتكم وأعمالكم عائد إليكم، ومع هذا فهو {حَمِيدٌ} على ما يأمركم به من الأوامر الحميدة والخصال السديدة، فعليكم أن تمتثلوا أوامره؛ لأنها قوت القلوب، وحياة النفوس، ونعيم الأرواح 45.

يستفاد من الآية: أن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، ومن هنا ينبغي على الإنسان أن يتخير النفقة الحلال ينفقها في سبيل الله.

جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(أيها الناس، إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51] .

وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172] .

ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب، يا رب، ومطعمه حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟!) 46.

وجاء في الصحيح أيضًا أنه (كان لأبي بكرٍ غلامٌ يخرج له الخراج، وكان أبو بكرٍ يأكل من خراجه، فجاء يومًا بشيءٍ فأكل منه أبو بكرٍ، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكرٍ: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسانٍ في الجاهلية، وما أُحْسِنُ الكهانةَ، إلا أني خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكرٍ يده، فقاء كلَّ شيءٍ في بطنه) 47.

ومن صور كسب الأموال قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79] .

تتحدث الآية الكريمة عن تحريف اليهود لكتبهم، وزعمهم أنها من عند الله، طمعًا في عَرَضٍ زائل، فكان الوعيد والتهديد لأولئك العلماء الذين يكتبون الكتب بأيديهم، ويودعونها آراءهم، ويحملون الناس على التعبد بها قائلين: إن ما فيها من عند الله، ويمكن الاستغناء بها عن الكتاب الذي نفهم منه ما لا يفهم غيرنا، يخطبون بتلك الكتب ميل العامة وودهم، ويبتغون الجاه عندهم، ويأكلون أموالهم بالدين؛ وهو مال حقير قليل، وكل ما يباع به الحق ويترك لأجله فهو قليل؛ لأن الحق أثمن الأشياء وأغلاها، وأرفعها، فالهلاك والويل محيط بهم من أقطارهم، ونازل بهم من جانب الوسيلة ومن جانب المقصد 48.

يستفاد من الآية: أنَّ الكتاب الذي بين يدي اليهود والنصارى لا سند له يمكن أن يعتمد عليه في صحة المعلومات الواردة فيه؛ فلهذا لا يمكن لليهود ولا للنصارى أن ينفوا إمكانية التحريف، والعبث فيه خاصة، وأن الذين استؤمنوا عليه وهم اليهود قد انحرفوا انحرافات خطيرة في الدين، وكفر كثير منهم، وأعرضوا عن دين الله، وتركوه رغبة عنه، وحبًّا للدنيا، وإيثارًا لها، وهذا ظاهر واضح لكل من طالع سجل تاريخهم وهو العهد القديم. فمع هذا الانحراف والفساد كيف يمكن أن تسلم التوراة من العبث والتحريف، هذا ما لا يقبله العقل السليم وواقع الإنسان 49.

من صفات الله تبارك وتعالى العدل في محاسبة خلقه، فلا يحاسبهم إلا بما عملوا، ولا يعاجلهم بالعقوبة، ولا يؤاخذهم إلا بما تعمدت قلوبهم مع العفو عن الكثير، ومن هنا جاءت النقاط الآتية:

أولًا: كلٌّ مرهون بكسبه:

قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] .

من رحمة الله بعباده أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولا يحاسبها إلا بما اجترحت وعملت من خير، فيكافئها عليه خيرًا، وبما عملت من شرٍّ فيجازيها عليه شرًا 50.

جاء في الصحيح عن أبي مسعودٍ رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلةٍ كفتاه) 51.

ومن صور ارتهان العبد بكسبه والتي تبين فضل الله على المؤمنين برفع درجات ذرية الصالحين إليهم، وليس كذلك لأبناء الكفار فلا يزيد من عذابهم بفعل آبائهم، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: 21] .

وهذا من تمام نعيم أهل الجنة، أن ألحق الله بهم ذريتهم الذين لحقوهم بالإيمان الصادر من آبائهم، فصارت الذرية تبعا لهم بالإيمان، ومن باب أولى إذا تبعتهم ذريتهم بإيمانهم الصادر منهم أنفسهم، فهؤلاء المذكورون يلحقهم الله بمنازل آبائهم في الجنة وإن لم يبلغوها، جزاء لآبائهم، وزيادة في ثوابهم، ومع ذلك لا ينقص الله الآباء من أعمالهم شيئًا، وحتى لا يتوهم متوهم أن أهل النار كذلك، يلحق الله بهم أبناءهم وذريتهم، بَيَّنَ تعالى أنَ كلَّ امرئ مرتهن بعمله، فلا تزر وازرة وزر أخرى، ولا يحمل على أحد ذنب أحد 52.

ومن الآيات التي تدلل على أن الكافر مرتهن بكسبه مغلولة به عنقه، قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ} [المدثر: 38 - 40] .

حيث يقول تعالى ذكره: إنَّ كلَّ نفس مأمورة منهية بما عملت من معصية الله في الدنيا، رهينة في جهنم موثقة بسعيها، قد ألزم عنقها، وغل في رقبتها، واستوجبت به العذاب إلا المؤمنين فإنهم غير مرتهنين، ولكنهم في جنات النعيم مطمئنين يتساءلون عن المجرمين 53.

وقال تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) } [النساء: 111] .

وقوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الأنعام: 164] .

في هذه الآيات تحديد المسئولية، حيث لا يؤخذ أحد بجرم غيره، ولن يخشى البريء أن يلقى عليه جرم المجرم، فإن أمر القضاء إلى عليم حكيم، يعلم عمل كل عامل من خير أو شر، فيجزى بالخير خيرًا، وبالشر شرًّا، كما يقضي بذلك عدله، وحكمته 54.

ومن حكمة الله أنه يجازي كلَّ عامل بقدر عمله الذي عمله، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11] .

أي: إن الذين جاءوا بأشنع الكذب، وهو اتهام أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالفاحشة جماعة منتسبون إليكم -معشر المسلمين- لا تحسبوا قولهم شرًّا لكم، بل هو خير لكم، لما تضمن ذلك من تبرئة أم المؤمنين ونزاهتها والتنويه بذكرها، ورفع الدرجات، وتكفير السيئات، وتمحيص المؤمنين. لكل فرد تكلم بالإفك جزاء فعله من الذنب، والذي تحمل معظمه، وهو عبد الله بن أبي ابن سلول كبير المنافقين -لعنه الله- له عذاب عظيم في الآخرة، وهو الخلود في الدرك الأسفل من النار 55.

يستفاد من الآية حرمة الطعن بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه من الكبائر التي توعد الله فاعلها بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، ومن هنا كان لا بد للأمة أن تنهض من تخاذلها، وتدافع عن عرض رسولها صلى الله عليه وسلم من أولئك الذين يطعنون في عرضه ويسيئون إليه.

وكما أن كل إنسان مرتهن بكسبه فكذلك الأمم، لا تؤاخذ أمة بجريرة أمة أخرى، فقال تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134] .

حيث يخاطب المولى عز وجل اليهود والنصارى بقوله: يا معشر اليهود والنصارى، دعوا ذكر إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والمسلمين من أولادهم بغير ما هم أهله، ولا تنحلوهم كفر اليهودية والنصرانية، فتضيفونها إليهم، فإنهم أمة لها ما عملت من خير، ولكم يا معشر اليهود والنصارى مثل ذلك ما عملتم، ولا تؤاخذون أنتم بهم فتسألوا عما كانوا يعملون. فيكسبون من خير وشر؛ لأنَّ لكلِّ نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت. فدعوا انتحالهم وانتحال مللهم، فإن الدعاوى غير مغنيتكم عند الله، وإنما يغني عنكم عنده ما سلف لكم من صالح أعمالكم، إن كنتم عملتموها 56.

يستفاد من الآيات أَنَّ سنة الله في الخلق أن المرء يجزى بعمله، ولا يسأل عن عمل غيره.

ثانيًا: العدل في الجزاء:

يتجلى العدل الإلهي في سنة المسئولية والجزاء، فالإنسان مسؤول عن فعله ومجزًى به؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. ولكنه ليس مسئولًا عن فعل غيره، إلا في حدود تأثيره فيه.

فكل أفعال الله وأحكامه عدل وسداد وصواب، وهو سبحانه قد أوضح السبل وأرسل الرسل، وأنزل الكتب وأزاح العلل، ومكن من أسباب الهداية والطاعة بالأسماع والأبصار والعقول، وهذا عدله ووَفَّقَ من شاء بمزيد عنايةٍ، فهذا فضله، وخذل من ليس بأهل لتوفيقه وفضله، وخَلَّى بينه وبين نفسه، ولم يرد سبحانه أن يوفقه، فقطع عنه فضله، ولم يحرمه عدله.

وهنا لا بد من إبراز بعض المفاهيم المغلوطة فيما يتعلق بقضية التخيير والتسيير في كسب الإنسان، فذهبت فرقة الجبرية إلى أن الإنسان مسير مجبور على كل ما يعمله وليس لديه اختيار، وفي المقابل ذهبت فرقة القدرية وهم المنكرون للقدر إلى أن الإنسان مخير في كل ما يعمله، وأنكروا قدرة الله على كل شيء فجعلوه لم يخلق أفعال العباد، فأخرجوها عن قدرته وخلقه.

والحق الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإنسان مخير في أشياء وهي الإرادية وعليها يكون الجزاء والحساب، ومسير في أشياء غير الإرادية كالميل القلبي ونحوه فلا يحاسب عليها 57.

قال الطاهر بن عاشور عند تفسير قوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29] : «وفي هذه الآية وآية سورة الإنسان إفصاح عن شرف أهل الاستقامة بكونهم بمحل العناية من ربهم إذا شاء لهم الاستقامة وهيأهم لها، وهذه العناية معنى عظيم تحير أهل العلم في الكشف عنه، فمنهم من تطوح به إلى الجبر، ومنهم من ارتمى في وهدة القدر، ومنهم من اعتدل فجزم بقوة للعباد حادثة يكون بها اختيارهم لسلوك الخير أو الشر، فسماها بعض هؤلاء قدرة حادثة، وبعضهم سماها كسبًا. وحملوا ما خالف ذلك من ظواهر الآيات والأخبار على مقام تعليم الله عباده التأدب مع جلاله، وهذا أقصى ما بلغت إليه الأفهام القويمة في مجامل متعارض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. ومن ورائه مسلك دقيق يشده قد تقصر عنه الأفهام» 58.

قال تعالى: {وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الجاثية: 22] .

يبين المولى عز وجل في هذه الاية الكريمة كمال قدرته وعدله من خلال خلق السموات والأرض بالحق، أي: إن الله أوجد وأبدع السموات والأرض بالحق المقتضي للعدل بين العباد، فلا يمكن أن يكون حال من اجترح السيئات، فعصاه وخالف أمره، كالذين آمنوا وعملوا الصالحات، في المحيا والممات، فلو لم يوجد البعث والحساب والجزاء، لما كان ذلك الخلق بالحق بل كان بالباطل، ومن العدل اختلاف الجزاء بين المحسن والمسيء؛ ليدل بهما على قدرته، ولكي تجزى كل نفس بما قدمت من عمل صالح أو سيِّئ، وهم -أي: المخلوقون- لا يظلمون بنقص ثواب أو زيادة عقاب، فلو ترك الظالم الذي ظلم غيره في الدنيا، ولم يقتص منه في الآخرة، لما كان خلق السموات والأرض بالحق 59.

قال الطبري: «ليثيب الله كل عامل بما عمل من عمل المحسن بالإحسان، والمسيء بما هو أهله، لا لنبخس المحسن ثواب إحسانه، ونحمل عليه جرم غيره، فنعاقبه، أو نجعل للمسيء ثواب إحسان غيره فنكرمه، ولكن لنجزي كلًّا بما كسبت يداه، وهم لا يظلمون جزاء أعمالهم» 60.

ولقد بين المولى سبحانه وتعالى عدله وسرعة حسابه بقوله: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [إبراهيم: 51] .

والجزاء أمر طبيعي في الوجود، وحتى الذين لا يؤمنون بإله؛ ويديرون حركة حياتهم بتقنينات من عندهم، قد وضعوا لأنفسهم قوانين جزاء تحدد كل جريمة والعقاب المناسب لها.

وبطبيعة الحال لا يكون أمرًا غريبًا أن يضع خالق الكون نظامًا للجزاء ثوابًا وعقابًا، ولو لم يضع الحق سبحانه نظامًا للجزاء بالثواب والعقاب؛ لنال كل مفسد بغيته من فساده؛ ولأحس أهل القيم أنهم قد خدعوا في هذه الحياة، وما دام الجزاء أمرًا طبيعيًّا؛ فلا ظلم فيه إذن؛ لأنه صادر عمن قال: {لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ} [غافر: 17] .

ولا يجازي الحق سبحانه الجزاء العنيف إلا على الجريمة العنيفة 61.

ومن عدل الله حين ينكر أصحاب الذنوب الأعمال التي ارتكبوها أنه يجعل من أعضائهم من تشهد عليهم كما قال تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يس: 65] .

هذا حال الكفار والمنافقين يوم القيامة، حين ينكرون ما اجترموه في الدنيا، ويحلفون ما فعلوه، فيختم الله على أفواههم، ويستنطق جوارحهم بما عملت 62.

عن أنس بن مالكٍ، قال: (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، فقال:(هل تدرون مم أضحك) ؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: (من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام، قا: فيقول: بعدًا لكن وسحقًا، فعنكن كنت أناضل) 63.

ومن عدل الله أنه لا يظلم أحدًا، كما قال تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر: 17] .

بَيَّنَ المولى عز وجل في هذه الآية أن كل َّنفس تجزى بما كسبت في الدنيا من خير وشر، وأن الظلم مأمون منه؛ لأنه ليس بظلام للعبيد، وأن الحساب لا يبطئ؛ لأنه لا يشغله حساب عن حساب، فيحاسب الخلق كله في وقت واحد، وهو أسرع الحاسبين 64.

وأكد المولى عز وجل على هذه الحقيقة في آية أخرى، فقال تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 25] .

أي: كيف يكون حال هؤلاء القوم الذين قالوا هذا القول، وفعلوا ما فعلوا من إعراضهم عن كتاب الله، واغترارهم بربهم، وافترائهم الكذب؟ وذلك من الله عز وجل وعيدٌ لهم شديد، وتهديدٌ غليظٌ.

فما أعظم ما يلقون من عقوبة الله وتنكيله بهم، إذا جمعهم ليوم يوفَّى كلُّ عامل جزاء عمله على قدر استحقاقه، غير مظلوم فيه؛ لأنه لا يعاقب فيه إلا على ما اجترم، ولا يؤاخذ إلا بما عمل، لا يخاف أحدٌ من خلقه منه يومئذ ظلمًا ولا هضمًا 65.

ويؤكد المولى على هذه الحقيقة في آخر آية نزلت من القرآن، فقال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281] .

أي: واحذروا أيها الناس يومًا ترجعون فيه إلى الله بسيئات تهلككم، أو بمخزيات تخزيكم، أو بفاضحات تفضحكم، فتهتك أستاركم، أو بموبقات توبقكم، فتوجب لكم من عقاب الله ما لا قبل لكم به، وإنه يوم مجازاة الأعمال، لا يوم استعتاب، ولا يوم استقالة وتوبة وإنابة، ولكنه يوم جزاء وثواب ومحاسبة، تُوَفَّى فيه كلُّ نفس أجرها على ما قدمت واكتسبت من سيئ وصالح، لا تغادر فيه صغيرة ولا كبيرة من خير وشر إلا أحضرت، فوفيت جزاءها بالعدل من ربها، وهم لا يظلمون. وكيف يظلم من جوزي بالإساءة مثلها، وبالحسنة عشر أمثالها؟! 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت