فهرس الكتاب

الصفحة 1410 من 2431

أولًا: المعنى اللغوي:

أَصل الصَبْر في اللغة الحَبْس، وكل من حَبَس شيئًا فقد صَبَرَه، والمَصبُورة التي نُهِى عنها هي المَحْبُوسَة على المَوْت، وكل ذي روح يُصْبَر حيًا، ثم يُرْمَى حتى يُقْتَل فقد قُتِل صبرًا 1.

قال ابن فارس: «الصبر: الصاد والباء والراء أصولٌ ثلاثة: الأول: الحبس، والثاني: أعالي الشيء، والثالث: جنس من الحجارة، وقد اشتق الصبر المراد هنا من المعنى الأول، وهو الحبس، يقال: صبرت نفسي على ذلك الأمر، أي: حبستها» 2.

وقال الراغب: «الصبر: الإمساك في ضيق، يقال: صبرت الدابة بمعنى حبستها بلا علف» 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الراغب: «هو حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عما يقتضيان حبسها عنه» 4.

وقيل: «هو حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش» 5.

وقال الجرجاني: «هو ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله إلا إلى الله» 6.

وردت مادة (ص ب ر) في القرآن الكريم (103) مرات 7.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 22 ... {الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42) } [النحل:42]

الفعل المضارع ... 11 ... {وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [النساء:25]

فعل الأمر ... 29 ... {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا} [الأعراف:128]

المصدر ... 15 ... {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18) } [يوسف:18]

اسم الفاعل ... 22 ... {قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا} [الكهف:69]

صيغة المبالغة ... 4 ... {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5) } [إبراهيم:5]

وجاء الصبر في القرآن على وجهين 8:

الأول: حبس النفس: ومنه قوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 44] . وهو الأعم في القرآن.

الثاني: الجرأة: ومنه قوله تعالى: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: 175] . يعني: فما أجرأهم على النار.

الحلم:

الحلم لغة:

الأَناة، والتثبُت فِي الأُمور 9.

الحلم اصطلاحًا:

ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب 10.

الصلة بَين الصَبْر والحلم:

أَن الْحلم هُوَ الْإِمْهَال بِتَأْخِير الْعقَاب الْمُسْتَحق والحلم من الله تعالى من العصاة فِي الدُنْيَا فعل يُنَافِي تَعْجِيل الْعقُوبَة من النِعْمَة والعافية، وَلَا يَصح الْحلم إِلَا مِمَن يقدر على الْعقُوبَة، وَمَا يجْرِي مجْراهَا من التَأْدِيب بِالضَرْبِ 11. أما الصبر فهو حبس النفس عن الجزع والتسخط.

الاحتمال:

الاحتمال لغة:

الِاحْتِمَالُ الْغَضَبُ. يُقَالُ احْتُمِلَ، إِذَا غَضِبَ. واحْتَمَلَهُ الْغَضَبُ، وَأَقَلَهُ الْغَضَبُ، وَذَلِكَ إِذَا أَزْعَجَهُ 12.

الاحتمال اصطلاحًا:

إتعاب الْبدن فِي الْحَسَنَات 13.

الصلة بَين الصَبْر وَالِاحْتِمَال:

أَن الِاحْتِمَال للشَيْء يُفِيد كظم الغيظ فِيهِ، وَالصَبْر على الشدَة يُفِيد حبس النَفس عن الْمُقَابلَة عَلَيْهِ بالْقَوْل وَالْفِعْل،

وَالصَبْر عَن الشَيْء يُفِيد حبس النَفس عَن فعله 14.

الجزع:

الجزع لغة:

الْجَزَعُ: نَقِيضُ الصَبْرِ، وَهُوَ انْقِطَاعُ الْمُنَةِ عَنْ حَمْلِ مَا نَزَلَ 15.

الجزع اصطلاحًا:

والجزع إِظْهَار مَا يلْحق الْمُصَاب من المضض 16.

الصلة بين الصبر والجزع:

الصبر حبس النفس لمصادفة المكروه، وصبر الرجل: حبس نفسه عن إظهار الجزع، والجزع إظهار ما يلحق المصاب من المضض والغم 17.

السخط:

السخط لغة:

الْكَرَاهِيَةُ لِلشَيْءِ، وَعَدَمُ الرِضَا بِهِ 18.

السخط اصطلاحًا:

الغضب الشديد المقتضي للعقوبة 19.

الصلة بين الصبر والسخط:

الصبر: هو ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله، أما السخط فهو الغضب الشديد المقتضي للعقوبة، ولا يكون إلا من الكبير على الصغير، يقال: سخط الأمير على الحاجب، ولا يقال: سخط الحاجب على الأمير، والسخط إذا عديته بنفسه؛ فهو خلاف الرضا 20.

أولًا: أسلوب الطلب:

ورد الصبر في القرآن بأساليب متنوعة فتارة يكون بأسلوب الأمر الصريح للنبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه المؤمنين، وتارة يكون بالنهي عن ضد الصبر:

ورد في آيات متعددة منها قوله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] .

قال الحسن البصري رحمه الله: «أمروا أن يصبروا على دينهم، الذي ارتضاه الله لهم، وهو الإسلام، فلا يدعوه لسراء ولا لضراءَ، ولا لشِدَة ولا لرِخَاء، حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء الذين يكتمون دينهم، وكذلك قال غير واحد من علماء السلف» 21، وقال أبو حيان: «ختم الله تعالى هذه السورة بهذه الوصاية، التي جمعت الظهور في الدنيا على العدو، والفوز بنعيم الآخرة، فأمره تعالى بالصبر والمصابرة والرباط، فقيل: اصبروا وصابروا بمعنى واحد للتأكيد، وقال الحسن، وقتادة، والضحاك، وابن جريج: اصبروا على طاعة الله في تكاليفه، وصابروا أعداء الله في الجهاد، ورابطوا في الثغور في سبيل الله، أي: ارتبطوا الخيل كما يرتبطها أعداؤكم، وقال أبي، ومحمد بن كعب القرظي: هي مصابرة وعد الله بالنصر، أي: لا تسأموا وانتظروا الفرج، وقيل: رابطوا، استعدوا للجهاد كما قال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60] » 22.

وقال البغوي رحمه الله: «قال الحسن: اصبروا على دينكم، ولا تدعوه لشدة ولا رخاء، وقال قتادة: اصبروا على طاعة الله، وقال الضحاك ومقاتل بن سليمان: على أمر الله، وقال مقاتل بن حيان: على أداء فرائض الله تعالى، وقال زيد بن أسلم: على الجهاد، وقال الكلبي: على البلاء، وصابروا يعني: الكفارَ، ورابطوا يعني: المشركين، قال أبو عبيدة: أي: داوموا واثبتوا، والربطُ الشَدُ، وأصل الرباط أن يربط هؤلاء خيولهم، وهؤلاء خيولهم، ثم قيل: لكل مقيم في ثغر يدفعُ عمن وراءه، وإن لم يكن له مركب» 23.

والصبر يدخل تحته أنواع: الصبر على مشقة النظر والاستدلال على الطاعات، وعلى الاحتراز عن المنهيات، وعلى شدائد الدنيا من الفقر، والقحط والخوف، وأما المصابرة فهي تحمل المكاره الواقعة بينه وبين غيره، كتحمل الأخلاق الرديئة من أهله وجيرانه، وترك الانتقام، كقوله تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] .

وإيثار الغير على نفسه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقوله: {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا} [آل عمران: 200] من الجناس اللفظي 24.

وقال الله تعالى: {وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [الأعراف: 87] .

قال الإمام البغوي رحمه الله في قوله: {فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا} [الأعراف: 87] : «بتعذيب المكذبين وإنجاء المصدقين» 25.

وقال ابن عاشور رحمه الله: «وحكم الله أريد به حكم في الدنيا، بإظهار أثر غضبه على أحد الفريقين، ورضاه على الذين خالفوهم؛ فيظهر المحق من المبطل، وهذا صدر عن ثقة شعيب عليه السلام بأن الله سيحكم بينه وبين قومه، استنادًا لوعد الله إياه بالنَصْر على قومه، أو لعلمه بسنة الله في رسله ومَن كذبهم، بإخبار الله تعالى إياه بذلك، ولولا ذلك؛ لجاز أن يتأخر الحكم بين الفريقين إلى يوم الحساب، وليس هو المراد من كلامه؛ لأنه لا يناسب قوله: {فَاصْبِرُوا} إذا كان خطابًا للفريقين، فإن كان خطابًا للمؤمنين خاصة؛ صح إرادة الحُكمين جميعًا، وأدْخَل نفسه في المحكوم بينهم بضمير المشاركة؛ لأن الحكم المتعلق بالفريق الذين آمنوا به يعتبر شاملًا له؛ لأنه مؤمن برسالة نفسه، وجملة: {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} تذييل بالثناء على الله؛ بأن حكمه عَدْل محض، لا يحتمل الظلم عَمدًا ولا خطأ، وغيره من الحاكمين يقع منه أحد الأمرين أو كلاهما» 26.

وقال صاحب اللباب: «قوله: {فَاصْبِرُوا} يجوز أن يكون الضمير للمؤمنين من قومه، وأن يكون للكافرين منهم، وأن يكون للفريقين، وهذا هو الظاهر أمر المؤمنين بالصبر ليحصل لهم الظفر والغلبة، والكافرون مأمورون به لينصر الله عليهم المؤمنين لقوله: {قُلْ تَرَبَّصُوا} [الطور: 31] . أو على سبيل التنازل معهم أي: اصبروا؛ فستعلمون من ينتصر، ومن يغلب مع علمه بأن الغلبة له» 27.

والشوكاني رحمه الله يرى أن هذا من باب التهديد والوعيد الشديد لهم، وليس هو من باب الأمر بالصبر على الكفر، وحكم الله بين الفريقين هو نصر المحقين على المبطلين ومثله قوله تعالى: {فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ} [التوبة: 52] 28.

وقال الله تعالى: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128] .

يخبر الله تبارك وتعالى في هذه الآية بأن نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام خاطب قومه بهذا الخطاب؛ تطمينًا لقلوبهم، وتعليمًا لهم بنصر الله إياهم؛ لأنه علم ذلك بوحي الله إليه حين توعده فرعون، قال أبو حيان رحمه الله: «لما توعدهم فرعون جزعوا وتضجروا؛ فسكنهم موسى عليه السلام وأمرهم بالاستعانة بالله وبالصبر، وسلاهم، ووعدهم النصر، وذكرهم ما وعد الله بني إسرائيل من إهلاك القبط، وتوريثهم أرضهم وديارهم، {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} » 29.

وقال التستري: «أمرهم أن يستعينوا بالله على أمر الله؛ فيقهروا ما فيها، ويستولوا عليها وعلى مخالفتها، وأن يصبروا على ذلك تأدبًا» 30.

قال الماوردي رحمه الله: «قوله عز وجل: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا} يحتمل وجهين:

أحدهما: أنه أمرهم بذلك؛ تسلية لهم من وعيد فرعون، كما يقول من نالته شدة: استعنت بالله.

والثاني: أنه موعد منه بأن الله سيعينهم على فرعون إن استعانوا به.

ثم قال: {وَاصْبِرُوا} يحتمل وجهين:

أحدهما: واصبروا على ما أنتم فيه من الشدة طمعًا في ثواب الله.

والثاني: أنه أمرهم بالصبر انتظارًا لنصر الله» 31.

وقال الله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46] .

قال أبو جعفر الطبري رحمه الله: «يقول تعالى ذكره للمؤمنين به: أطيعوا أيها المؤمنون ربَكم ورسوله فيما أمركم به ونهاكم عنه، ولا تخالفوهما في شيء، ولا تختلفوا؛ فتفرقوا، وتختلف قلوبكم {فَتَفْشَلُوا} يقول: فتضعفوا وتجبنوا، {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} ، وإنما يراد به في هذا الموضع: وتذهب قوتكم وبأسكم؛ فتضعفوا ويدخلكم الوهن والخلل، {وَاصْبِرُوا} مع نبي الله صلى الله عليه وسلم عند لقاء عدوكم، ولا تنهزموا عنه وتتركوه {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} ، يقول: اصبروا فإني معكم» 32.

وقال القرطبي رحمه الله: «بأن هذا أمر بالصبر، وهو محمود في كل المواطن وخاصة موطن الحرب، كما قال: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} [الأنفال: 45] » 33.

وفي هذه الآية تعليم من الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين آداب اللقاء، وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} [الأنفال: 45] 34.

وثبت عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدو حتى إذا مالت الشمس قام فيهم، فقال: (يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم؛ فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) 35.

وقال ابن كثير رحمه الله: «فأمر تعالى بالثبات عند قتال الأعداء، والصبر على مبارزتهم، فلا يفروا، ولا ينكلوا، ولا يَجْبُنوا، وأن يذكروا الله في تلك الحال، ولا ينسوه، بل يستعينوا به، ويتكلوا عليه، ويسألوه النصر على أعدائهم، وأن يطيعوا الله ورسوله في حالهم ذلك، فما أمرهم الله تعالى به ائتمروا، وما نهاهم عنه انزجروا، ولا يتنازعوا فيما بينهم أيضًا؛ فيختلفوا؛ فيكون سببًا لتخاذلهم وفشلهم، وقد كان للصحابة رضي الله عنهم في باب الشجاعة، والائتمار بأمر الله، وامتثال ما أرشدهم إليه، ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم» 36.

وقال الله تعالى: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [يونس: 109] .

هذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يتمسك بما أنزل الله عليه، وأوحاه إليه، ويصبر على مخالفة من خالفه من الناس؛ حتى يفتح الله بينه وبينهم، وهو سبحانه خير الفاتحين بعدله وحكمته 37.

وقال القرطبي رحمه الله: «معناه اصبر على الطاعة وعن المعصية» 38.

وحكم الله في هذه الآية لم يبينه، وقد بينه في آيات كثيرة، قال الشنقيطي رحمه الله: «لم يبين هنا ما حكم الله به بين نبيه وبين أعدائه، وقد بين في آيات كثيرة أنه حكم بنصره عليهم، وإظهار دينه على كل دين، كقوله: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1] إلى آخر السورة.

وقوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: 1] إلى آخرها.

وقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} الآية [الرعد: 41] .

إلى غير ذلك من الآيات» 39.

وقال الله تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49] .

قال ابن كثير رحمه الله: «فاصبر على تكذيب من كذبك من قومك، وأذاهم لك، فإنا سننصرك ونحوطك بعنايتنا، ونجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة، كما فعلنا بإخوانك المرسلين حيث نصرناهم على أعدائهم، {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [غافر: 51 - 52] .

وقال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171 - 173] .

وقال تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49] » 40.

والأمر بالصبر للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية على القيام بأمر الله، وتبليغ الرسالة، وما تلقى من أذى الكفار كما صبر نوح عليه الصلاة والسلام، ووعده بأن عاقبة الصبر هي النصر في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة، وهي أمر لأتباعه صلى الله عليه وسلم خاصة الدعاة إلى الله عز وجل، فإن عليهم أن يقوموا بواجب الدعوة إلى الله عز وجل وتبليغ دينه والعاقبة للمتقين.

قال ابن عطية رحمه الله في قوله: {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} : «أي: فاجتهد في التبليغ، وجِدَ في الرسالة، واصبر على الشدائد، واعلم أن العاقبة لك، كما كانت لنوح في هذه القصة» 41.

وقال الله تعالى: {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [هود: 115] .

قال أبو جعفر الطبري: «يقول تعالى ذكره: واصبر، يا محمد، على ما تلقى من مشركي قومك من الأذى في الله والمكروه؛ رجاءَ جزيل ثواب الله على ذلك، فإن الله لا يضيع ثوابَ عمل من أحسن؛ فأطاع الله، واتبع أمره؛ فيذهب به، بل يوَفره أحوجَ ما يكون إليه» 42.

وقال البيضاوي رحمه الله: « {وَاصْبِرْ} على الطاعات وعن المعاصي، {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} عدول عن الضمير؛ ليكون كالبرهان على المقصود، ودليلًا على أن الصلاة والصبر إحسان، وإيماء بأنه لا يعتد بهما دون الإخلاص» 43.

وقال ابن سعدي رحمه الله: « {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} بل يتقبل الله عنهم أحسن الذي عملوا، ويجزيهم أجرهم، بأحسن ما كانوا يعملون، وفي هذا ترغيب عظيم للزوم الصبر، بتشويق النفس الضعيفة إلى ثواب الله، كلما ونت وفترت» 44.

وقال الله تبارك وتعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: 127] .

قال ابن كثير رحمه الله: «قال تعالى: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أي: على من خالفك، لا تحزن عليهم؛ فإن الله قدر ذلك، {وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ} أي: غم {مِمَّا يَمْكُرُونَ} أي: مما يجهدون أنفسهم في عداوتك، وإيصال الشر إليك، فإن الله كافيك وناصرك، ومؤيدك، ومظهرك ومُظْفِرك بهم» 45.

وقال البغوي رحمه الله في قوله: « {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} أي: بمعونة الله وتوفيقه، {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} في إعراضهم عنك، {وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} أي: فيما فعلوا من الأفاعيل» 46.

وصرح الله تبارك وتعالى بالأمر بالصبر في هذه الآية لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أولى الناس به لزيادة علمه بالله ووثوقه عليه» 47.

ويقول ابن سعدي رحمه الله: «أمر رسوله بالصبر على دعوة الخلق إلى الله والاستعانة بالله على ذلك وعدم الاتكال على النفس، فقال: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} هو الذي يعينك عليه ويثبتك، {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} إذا دعوتهم فلم تر منهم قبولًا لدعوتك، فإن الحزن لا يجدي عليك شيئًا، {وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ} أي: شدة وحرج {مِمَّا يَمْكُرُونَ} فإن مكرهم عائد إليهم، وأنت من المتقين المحسنين» 48.

وقال الله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] .

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «أي: اجلس مع الذين يذكرون الله ويهللونه، ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه، ويسألونه بكرة وعشيًا من عباد الله، سواء كانوا فقراء أو أغنياء، أو أقوياء أو ضعفاء، يقال: إنها نزلت في أشراف قريش، حين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلس معهم وحده، ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه، كبلال وعمار وصهيب وخباب وابن مسعود، وليفرد أولئك بمجلس على حدة، فنهاه الله عن ذلك، فقال: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} الآية [الأنعام: 52] .

وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء، فقال: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ} الآية [الكهف: 28] » 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت