فهرس الكتاب

الصفحة 1704 من 2431

وقد جاءت الآية الكريمة بعد الحديث عن مواقف المنافقين وعدم خروجهم للجهاد، فهم لم يجاهدوا، لكن الرسول والذين آمنوا معه وكانوا ملازمين له فلم يتخلفوا عنه جاهدوا بأموالهم فأنفقوها وجاهدوا بأنفسهم فقدموها وبذلوها في مرضاة الله، فأولئك لهم الخيرات وهي جمع خيرة وتشمل كل خير في الدنيا والآخرة، وهم المفلحون فلاحًا حقيقيًّا، وأعظم الفلاح ما أعده الله لهم من جنات تجري من تحت أشجارها الأنهار خالدين فيها لا يموتون ولا هم عنها يتحولون وأعظم به من فوز وفلاح في الدنيا والآخرة!

ومن جزائهم الحسن أيضًا في السورة ما ورد في قوله تعالى: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ? إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة: 117] .

فقد تاب الله على نبيه صلى الله عليه وسلم، والتوبة معناها الرجوع، وهي في حق النبي صلى الله عليه وسلم رجوع من حال طاعة إلى أكمل منها، فقد رجع صلى الله عليه وسلم من حاله قبل تحصيل الغزوة وتحمل مشاقها إلى طاعة أكمل منها بعد ذلك، ويحتمل أن يكون جدد التوبة من غير أن يكون هفوة، ويكون لذلك حكم التجديد أو الثبات كسؤال الهدى وهم على الهدى، أو رده من حالة الغفلة إلى حالة الذكر 40.

وكذلك تاب الله على المهاجرين والأنصار الذين خرجوا فلم يتثاقلوا ولم يخالفوا، بل اتبعوه صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة الشديدة العسيرة من بعد ما كاد قلب بعضهم أن يزيغ كأبي خيثمة، لكن الله عصمهم ثم قبل توبتهم، إنه سبحانه صاحب الرحمة السابقة والمستقبلة، وافتتح بالتوبة واختتم بها فهي: «نهاية كل عارف، وغاية كل سالك، وكما أنها بداية فهي نهاية فجعل الله سبحانه التوبة عليهم شكرانًا لما تقدم من تلك الأعمال وذلك الجهاد» 41.

وإذا كان المعذرون قد اعتذروا ليؤذن لهم، فإن المؤمنين ما كان لهم أبدًا أن يتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ? ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(120) وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [التوبة: 120 - 121] .

فلم يكن لساكني المدينة ولا لمن سكن حولها من أهل البوادي والأعراب أن يتأخروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فيطلبوا ويرغبوا نفع أنفسهم بالأمن والدعة والراحة دون نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيتركونه في الحر والمشقة.

قال الزمخشري: «أمروا بأن يصحبوه على البأساء والضراء، وأن يكابدوا معه الأهوال برغبة ونشاط واغتباط، وأن يلقوا أنفسهم من الشدائد ما تلقاه نفسه، علما بأنها أعز نفس عند الله وأكرمها عليه، فإذا تعرضت مع كرامتها وعزتها للخوض في شدة وهول، وجب على سائر الأنفس أن تتهافت فيما تعرضت له، ولايكترث لها أصحابها ولايقيموا لها وزنًا، وتكون أخف شيء عليهم وأهونه، فضلًا عن أن يربؤوا بأنفسهم عن متابعتها ومصاحبتها ويضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه، وهذا نهى بليغ، مع تقبيح لأمرهم، وتوبيخ لهم عليه، وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية» 42.

وعلل النهي ببيان أنهم لا يصيبهم عطش ولا تعب بدن ولا شدة جوع في سبيل مرضاة الله، ولا يضعون أقدامهم موضعًا يغيظ الكفار ولا يصيبون من الكفار أي إصابة في أنفسهم أو أموالهم قليلة كانت أو كثيرة إلا كتبه الله لهم عملًا صالحًا، فهو سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ولا ينفقون نفقة في سبيل الله صغيرة ولا كبيرة ولا يتجاوزون واديًا في طريقهم إلا كتب لهم ليجزيهم بقدر عملهم ويزيدهم حتى يصير الثواب أحسن من عملهم، أو ليجزيهم الأحسن من أعمالهم.

وفي هذه الغزوة العظيمة نماذج طيبة لحرص الصحابة على عدم التخلف ومن أمثلة ذلك:

يقص أبو خيثمة موقفه في غزوة تبوك فيقول: (تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، حتى مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلت حائطًا، فرأيت عريشًا قد رش بالماء، ورأيت زوجتي، فقلت: ما هذا بالإنصاف، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السموم والحميم، وأنا في الظل والنعيم، فقمت إلى ناضح فاحتقبته، وإلى تميرات فتزودتها، فنادت زوجتي: إلى أين يا أبا خيثمة؟ فخرجت أريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كنت ببعض الطريق لحقني عمير بن وهب الجمحي، فقلت: إنك رجل جريء، وإني أعرف حيث النبي صلى الله عليه وسلم، وإني رجل مذنب، فتخلف عني حتى أخلو برسول الله صلى الله عليه وسلم، فتخلف عني عمير، فلما اطلعت على العسكر، فرأى الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(كن أبا خيثمة) ، فجئت فقلت: كدت أهلك يا رسول الله، فحدثته حديثي، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا، ودعا لي) 43.

وفي القصة سرعة رجوع أبي خيثمة ولومه لنفسه على التأخير، وجلده على تحمل مشاق الطريق مع قلة الزاد وبعد الشقة، وفيها معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه الكرام وصدق فراسته فيهم.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك جعل لا يزال يتخلف الرجل فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان، فيقول:(دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه) حتى قيل: يا رسول الله، تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه) .

فتلوم أبو ذر رضي الله عنه على بعيره فأبطأ عليه، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره، فخرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيًا، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض منازله، ونظر ناظر من المسلمين، فقال: يا رسول الله، هذا رجل يمشي على الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كن أبا ذر) فلما تأمله القوم، قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده) 44.

وفي القصة وضوح أسلوب الحسم النبوي في هذه الغزوة، وهذا واضح في كل أمورها، فلم يعط صك الأمان والخيرية لأحد، بل كانت الخيرية منوطة بالخروج وحسب، أما من لم يخرج فقد أراح الله منه عباده ووكل بالجهاد قوما يحبهم ويحبونه، وفي القصة تتجلى عزيمة أبي ذر رضي الله عنه وصبره الجميل على تحمل وعثاء الطريق ماشيًا حاملًا متاعه على ظهره، ويالها من مشقة تهون بمعرفة البشارة النبوية الكريمة له.

ثانيًا: المسارعة بالإنفاق في سبيل الله:

جاء تقديم الجهاد بالمال على النفس في سورة التوبة في خمس آيات هي قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) [التوبة: 20] .

وقوله تعالى: (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ? ذَ?لِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) [التوبة:41] .

وقوله تعالى: (لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ(44 ) ) [التوبة:44] .

وقوله تعالى: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ? قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ? لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) [التوبة:81] .

وقوله تعالى: (لَ?كِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ? وَأُولَ?ئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(88 ) ) [التوبة: 88] 45.

وما ذاك إلا لأهمية المال، فهو عصب الجهاد، وبذل المال مقدمة لبذل النفس، فمن هان عليه ماله هانت عليه نفسه، قال مسلم بن الوليد 46:

يجود بالنفس إن ضن البخيل بها

والجود بالنفس أقصى غاية الجود

ودائرة الجهاد بالمال ربما تكون أوسع من دائرة الجهاد بالنفس، إذ هي متاحة لكل رجل وامرأة، وبالقليل والكثير، فالنفقة الصغيرة مكتوبة ولن يضيع عند الله أجرها.

وقد حفلت غزوة تبوك بصور رائعة للإنفاق في سبيل الله ومن ذلك:

وقد تحدث عنه عمر رضي الله عنه فقال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق ذلك عندي مالًا، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ما أبقيت لأهلك؟) قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: (يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟) قال: أبقيت لهم الله ورسوله. قلت: لا أسبقه إلى شيء أبدًا) 47.

وهذا دليل عمليٌ على استحقاقه منزلة الصديقية، فهي من كمال التصديق، والصدقة برهان على كمال الإيمان فكيف بالتصدق بكل المال؟! قال ابن تيمية: «فكان ما فعله عمر من المنافسة والغبطة المباحة، لكن حال الصديق رضي الله عنه أفضل منه، وهو أنه خالٍ من المنافسة مطلقًا لاينظر إلى حال غيره» 48.

من نص الرواية السابقة نعلم أنه أخرج نصف ماله، وقد جاء تقدير ذلك في بعض الروايات عن عبد الله بن عباس فقال: وأنفق عمر مائة أوقية 49.

كانت نفقة عثمان في هذه الغزوة أعظم النفقات.

قال ابن إسحاق: «وأنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة، لم ينفق أحد مثلها» 50.

وقد وردت في ذلك روايات عدة أجتزئ منها ما ورد عن عبد الرحمن بن سمرة قال: (جاء عثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في ثوبه، حين جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة، قال: فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم، يقلبها بيده، ويقول:(ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم) يرددها مرارًا 51.

وعن عبد الرحمن بن خباب السلمي، قال: (خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحث على جيش العسرة. فقال عثمان بن عفان: عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم حث. فقال عثمان: عليَّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم نزل مرقاة من المنبر ثم حث. فقال عثمان بن عفان: عليَّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقول بيده هكذا يحركها. وأخرج عبدالصمد يده كالمتعجب:(ما على عثمان ما عمل بعد هذا) 52.

أنفق عبد الرحمن بن عوف كثيرًا من ماله فقد ورد أنه جاء بأربعة آلاف درهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله مالي ثمانية آلاف، جئتك بأربعة آلاف، فاجعلها في سبيل الله، وأمسكت أربعة آلاف لعيالي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بارك الله فيما أعطيت، وفيما أمسكت) 53.

وجاد كلٌ بما عنده، ولم يك أمر الإنفاق قاصرًا على الرجال فقط بل شارك فيه النساء بقوة.

روى الواقدي عن أم سنان الأسلمية قالت: «لقد رأيت ثوبًا مبسوطًا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة رضي الله عنها فيه مسك، ومعاضد، وخلاخل وأقرطة وخواتيم، وخدمات، مما يبعث بها النساء يعن به المسلمين في جهازهم. والناس في عسرة شديدة» 54.

إن مواقف الشدة هي التي تبين أقدار العظماء، ولما كانت غزوة تبوك في حالٍ من العسرة والضيق فإنها بينت بصدق معادن أولئك الصنف من الناس الذين تهون عليهم في المعالي أموالهم فيبذلونها ابتغاء وجه الله الأعلى.

ثالثًا: موقف الفقراء:

أنفق كثير من الصحابة كما أسلفت، لكن العدد كبير، والنفقة قاصرة، وليس في الإمكان في هذا الأوان سوى ما كان، فتخلف جمع من الصحابة، ما حبسهم إلا العذر والفقر، أرادوا الجهاد فلم يجدوا نفقة فأنفقوا الدمع ساخنًا أسفًا منهم على فوات نصيبهم من مقارعة الكفار، فأنزل الله في شأنهم قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة.

قال تعالى: (لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى? وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ? مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(91) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ) [التوبة:91 - 92] .

وقد رفعت الآية الكريمة الحرج عن ثلاثة أصناف من المؤمنين:

أولهم: الضعفاء وهم أصحاب الأمراض المزمنة التي يصعب معها الجهاد والذين هم ضعفاء في أصل خلقتهم ونحوهم الصبيان والنساء.

وثانيهم: المرضى الذين بهم علة تحول بينهم وبين الخروج للجهاد.

أما الصنف الثالث: فهم الذين لا يجدون الزاد والراحلة؛ كي يخرجوا للجهاد مع المؤمنين، قيل: هم من مزينة وجهينة وبني عذرة 55.

وكل هؤلاء ومن كان على شاكلتهم ليس عليهم من إثم أو حرج طالما كانوا ناصحين لله ورسوله، والنصح «تحرِّي فعل أو قول فيه صلاح صاحبه وهو من الإخلاص والإحكام» 56.

فيكون المعنى: لا حرج ولا لوم على هؤلاء إذا أخلصوا لله تعالى في الإيمان ولرسوله صلى الله عليه وسلم في الطاعة والانقياد وهذا نصح العمل، ونصح القول بأداء واجب النصيحة، فهي من مهمات الدين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) 57.

وقوله تعالى: (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍہ) لرفع الحرج عنهم؛ لأنهم حينئذ من أهل الإحسان، وما على المحسنين من سبيل «أي: لا يمر بهم العتاب ولا يجوز في أرضهم فما أبعد العتاب عنهم، وهو جار مجرى المثل» 58.

ثم يأتي تذييل الآية بأن الله ذو المغفرة والرحمة التي وسعت كل شيء، ولا ينفك عن الاحتياج لها قادر أو عاجز.

ومن هؤلاء من تصدق بصدقة عجيبة غير مسبوقة، وهو علبة بن زيد الذي خرج من الليل فصلى ما شاء الله ثم بكى، وقال: (اللهم إنك قد أمرت بالجهاد ورغبت فيه ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني بها في مال أو جسد أو عرض، ثم أصبح مع الناس. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:(أين المتصدق في هذه الليلة؟) فلم يقم أحد، ثم قال: (أين المتصدق في هذه الليلة؟ فليقم ولا يتزاهد ما صنع هذه الليلة) فقام إليه فأخبره. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أبشر فوالذي نفس محمد بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة) 59.

لقد شغله أمر البذل والتضحية، ولم يكتف بإراقة الدمع، بل قام خاليًا وتفتق ذهنه عن أمر رآه في مكنته، فبذل عرضه صدقة بينه وبين ربه، فتقبلها ربه، ونزل الوحي بذلك وأتته البشرى في فلق الصباح.

لقد تعددت مواقف المنافقين في هذه الغزوة، وسوف أذكرها مع التعقيب القرآني عليها وذلك في النقاط الآتية:

أولًا: استئذان المنافقين للقعود عن الجهاد:

بعد أن أمر الله المؤمنين بالجهاد ورغبهم فيه، وعنف من تثاقل عن الداعي التفت الخطاب القرآني إلى المنافقين بصيغة الغيبة تنزيها عن خطابهم بصورة الحاضر، فقال تعالى: (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَ?كِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ? وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ?42?) [التوبة: 42] .

أي: لو كان ما تدعوهم إليه أمرًا من أمور الدنيا التي هي سهلة المنال قريبة المأخذ، أو سفرًا هيِّنًا غير شاق؛ لأسرعوا في اتباعك والسير وراءك.

ولكنهم يؤثرون السلامة ويرون أن الشقة بعيدة عليهم، وما عرفوا أن مصيبتهم الكبرى ليست في بعد الطريق أو شدة الأمر، ولكن مصيبتهم الكبرى في نفوسهم التي زينت لهم القعود والركون، فلو فارقوا أنفسهم الأمارة خطوة لسهل عليهم كل أمر.

وما كان هؤلاء المنافقون ليفارقوا أنفسهم وراحتها إلى الجهاد وتبعاته؛ لأنهم لا يحركهم إلا المغنم العاجل، وهذا النموذج البشري موجود بكثرة، نموذج أولئك الذين يكثرون عند الطمع ويقلون ويفرون عند الفزع، وما ينكشف أمرهم إلا عند حلول البأس.

وإنهم ليتذرعون بالحجج الباطلة فيرهنون أمر الجهاد بالاستطاعة. وقد سجل القرآن هذا الأمر عليهم قبل أن يقولوه: (وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ) ليس لدينا من مال أو صحة أو زاد أو راحلة، أي حجة أو عذر، المهم أن لا يهلكوا أنفسهم بالقتال. وما درى هؤلاء أن الهلاك الحقيقي بترك الجهاد بالحلف الكاذب كما قال صلى الله عليه وسلم: (اليمين الفاجرة تذر الديار بلاقع) 60.

وليس أمرهم بخاف على ربهم، فهو سبحانه يعلم أنهم مستطيعون وما منعهم إلا نفاق قلوبهم.

ثم تتوجه الآيات بالخطاب إلى النبي وتبدأ بهذا الخطاب الرقيق: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) وفيه بيانٌ لفضيلة النبي صلى الله عليه وسلم وكرامته على ربه، حيث بدأ بالعفو قبل المعاتبة. وقيل: هي افتتاح كلام كما تقول: أصلحك الله وأعزك الله. وعلى هذا فلا يكون في الآية أى عتاب 61.

والذي يقتضيه النظر الصحيح للآية، أن الإذن للمنافقين في التخلف لم يكن محظورًا قبل الآية حتى يكون فيه مخالفة، بل كان أمرًا متروكًا إلى الاختيار كما نقل القاضي عياض: «كان مخيَّرًا في أمرين، وقد كان له أن يفعل ما شاء فيما لم ينزل عليه فيه وحي» 62 فليس في الإذن ذنب، بل غايته أنه اجتهاد فيما لا نص فيه، وهذا جائز في حق الأنبياء، فقد نص علماء الأصول على جواز الاجتهاد في حق الأنبياء فيما لا نص فيه، لكن الوحي يصوب لهم اجتهادهم، ولا ضير في ذلك 63.

وقد أوضحت الآية الحكمة في عدم الإذن لهم: (حَتَّى? يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) وحتى للغاية، أي: هلا تأنيت إلى أن يظهر لك الصادق في إيمانه وفي وعده من الكاذب.

قال ابن عباس: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين يومئذ 64.

وقوله تعالى: (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِں) استئناف بياني قصد به إظهار الفرق بين المؤمن والمنافق، فالمؤمن لا يستأذن في الخروج للجهاد بل دأبه المبادرة والمسارعة دومًا. كما ورد في الحديث: (من خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانه) 65.

فالمؤمن الحق يخرج إلى الجهاد ولا يحتاج إلى استئذان، قال صاحب الكشاف: «وكان الخلص من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذن النبي صلى الله عليه وسلم أبدًا في الجهاد، ولنجاهدن أبدًا معه بأموالنا وأنفسنا» 66.

وإذا كان المؤمنون لا يستأذنون في القيام بالجهاد، فإنهم لن يستأذنوا في تركه من باب أولى.

وفي مقابل هؤلاء المؤمنين جاء ذكر المنافقين الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، والذين يحرصون على الاستئذان في ترك الجهاد والغزو، فوصفهم الله بعدم الإيمان، لأن الإيمان هو الباعث المحرك للنفس.

ثم بينت الآيات الكريمة أن المنافقين ما كانوا بذوي أعذار؛ لأنهم لم ينووا الخروج أصلًا، ولو نووا الخروج لأعدوا له عدة، والعدة أولًا عدة نفسية بالتهيؤ وصدق العزم، ثم عدة عسكرية تشمل كل ما يحتاجه المجاهد من مؤن وسلاح، وكان منهم عبد الله بن أُبي، وعبد الله بن نبتل، وأوس بن قيظي، ورفاعة بن التابوت، وغيرهم كما ورد عن مجاهد 67، وقد كانوا ذوي مال وبأس، ولن يعجزهم إعداد العدة، لكنهم ما أرادوا وما خرجوا.

لم يخرج هؤلاء المنافقون بل ثبطهم الله وكسلهم وثقل عليهم الخروج لكراهة انبعاثهم، وقيل لهم: (فَاقْعُدُواھ) . والقائل: يحتمل أن يكون قول بعضهم لبعض، ويحتمل أن يكون من قول الرسول صلى الله عليه وسلم غضبًا عليهم، ويحتمل أن يكون من قول الشيطان لهم بالوسوسة، أو من قول الله تعالى أو هو خذلان أوقعه الله تعالى في قلوبهم 68.

والقاعدون هم الذين تخلفوا بعذر كالنساء والأطفال، وفي لفظ: (مَعَ الْقَاعِدِينَ) زيادة مذمة لهم بإلحاقهم بهذه الأصناف التي لا تخرج ولا يطلب منها خروج.

فإن قيل: إذا ما كان الأمر كذلك، فلم عوتب النبي صلى الله عليه وسلم على إذنه لهم بالقعود، ولا فائدة في خروجهم أصلًا؟

وللجواب نقول: لا شك أن المفسدة تحصل بخروجهم مع الجيش، لكن وجه العتاب كان للإذن قبل أن ينكشف أمرهم انكشافًا تامًّا، فقد كانت المصلحة تقتضي عدم الإذن لهم حتى يظهر الصادق من الكاذب 69. هذا هو الوجه.

أما خروجهم فلا فائدة منه أصلًا، بل إنه كما قال ربنا: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) [التوبة:47] .

أولها: أنهم لن يزيدوا الصف المسلم شيئًا من القوة أو العزة، بل يزيدونكم خللًا في النظام واضطرابًا في الرأي، وفسادًا في القتال، فوجودهم لا خير فيه، والاستثناء على هذا الوجه متصل؛ لأنه مستثنى من أعم الأشياء 70.

والمفسدة الثانية المترتبة على خروجهم: (وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ) أي: لأسرعوا في السعي بالنميمة وتفريق الصف، وتخذيل المجاهدين، وبث الأراجيف والتخويف من العدو، ويبغونكم الفتنة يعني: يطلبون لكم ما تفتنون به عن الخروج إلى الغزو. وفيكم من الضعاف الذين يكثرون من سماع كلامهم ويتأثرون بهم فتضعف همتهم عن القتال، يقول قتادة: وفيكم من يسمع كلامهم 71.وتفسير السماع بالتأثر والقبول هو ما عليه جمهور المفسرين 72.

ثم تختتم الآية بهذا الوعيد والتهديد لهم: (? وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) فهو سبحانه عالم بدخائل نفوسهم مطلع عليها وسيجازيهم عليها، وهل الظالمون هنا المنافقون فقط أم المنافقون والسماعون؟ الظاهر الأول ولعله يشمل الثاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت