أولًا: لا يسأل الرسل عن مصير الكافرين:
أرشد القرآن إلى أن الرسل لا يسألون عن مصير الكافرين.
قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} [البقرة: 119] .
والتوجيه في الآية للنبي صلى الله عليه وسلم، فبعد أن قص الله سبحانه وتعالى عليه قصص أقوام من اليهود والنصارى، وذكر ضلالتهم، وكفرهم بالله، وجراءتهم على أنبيائه، قال له: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ} يا محمد {بِالْحَقِّ بَشِيرًا} لمن آمن بك واتبعك ممن قصصت عليك أنباءه ومن لم أقصص عليك أنباءه، {وَنَذِيرًا} لمن كفر بك وخالفك، فبلغ رسالتي، فإنما عليك البلاغ والإنذار، ولست مؤاخذًا بكفر من كفر بعد التبشير والإنذار، وليس عليك من أعماله - بعد إبلاغك إياه رسالتي - تبعة، ولا أنت مسئول عما فعل بعد ذلك، وكان من أهل الجحيم 187.
ومثل ذلك قوله تعالى مرشدًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم: {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) } [عبس: 5 - 7] .
أي: لست مسؤولًا عن هدايته ولا مآله.
وكما صرح القرآن بأن الرسل لا يسألون عن مصير الكافرين، فقد بين هذا المعنى من طريق اللزوم، حيث قصر مسؤولية الرسل على البلاغ المبين في آيات كثيرة، وهو التبليغ الواضح؛ منها قوله سبحانه: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99) } [المائدة: 99] .
وقوله سبحانه: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (82) } [النحل: 82] .
وقوله سبحانه: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} [الشورى: 48] .
وقوله سبحانه: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [التغابن: 12] .
وقد سبق بيان معناها.
وهذا ليس حصرًا على رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، بل ذلك مطرد في جميع الرسل عليهم السلام، والقرآن ذاخر بالأدلة على ذلك؛ منها قوله سبحانه: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النحل: 35] .
وهذا سؤال استنكاري يفيد تقرير أن الرسل ليس عليهم إلا التبليغ البين الظاهر الذي يصل إلى القلوب، ولا يبقى لأحد على الله حجة - كما سبق بيانه-. فإذا بلغتهم الرسل أمر ربهم ونهيه، واحتجوا عليهم بالقدر، فليس للرسل من الأمر شيء، وحسابهم على الله عز وجل، وأما الهداية فهي إلى الله سبحانه وتعالى 188.
والمصير تبع للهداية، وبما أنها ليست إليهم، فيلزم أنهم لا يسألون عنها، كما وضحت الآية التالية.
قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [النحل: 36] .
ومنه قوله عز من قائل: {وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [العنكبوت: 18] .
وهذه الآية كما تحتمل أن تكون من كلام إبراهيم عليه السلام لتقرير أن واجب الرسول - أي رسول- هو إبلاغ ما أرسل به بينًا واضحًا. كذلك فإنها تحتمل أن يكون الكلام متوجهًا إلى كفار قريش على سبيل الالتفات فيكون المقصود بالرسول: محمد صلى الله عليه وسلم، ويكون المقصود: أن مقام الرسالة لا يقتضي إلا التبليغ الواضح 189.
ومنه قوله تعالى على لسان الثلاثة المرسلون في معرض ضرب المثل لمشركي قريش بأصحاب القرية: {قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) } [يس: 16 - 17] .
فهذا بيان واضح بأن الرسل لا يسألون عن مصير الكافرين، إذ أن مهمتهم تقتصر على البلاغ المبين، وأن الهداية من الله سبحانه، وأن حساب الأمم عليه سبحانه. وهو إرشاد عظيم للداعية إلى الله أن لا ينشغل بالنتائج، بل يبذل وسعه في التبليغ الواضح، وتوجيه له بألا يتأثر بباطل أهل الزيغ والضلال من الكفار والفسقة والطغاة، ولا يلين لأهوائهم طمعًا في استدراجهم إلى الحق، بل يصدع بما يؤمر ويعرض عن المشركين.
ثانيًا: لا يسأل الإنسان عن عمل غيره:
رسَّخَ القرآن الكريم في آيات عديدة قاعدة هامة؛ وهي: أن الإنسان غير مسؤول عن عمل غيره، ولا هو مؤاخذ به، ما لم يكن من نتاج عمله هو. وقد دلل على هذا المعنى صراحة ولزومًا.
ومن ذلك: التصريح بعدم سؤال الفرق بعضها عن أعمال بعض.
قال تعالى: {قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [سبأ: 25] .
وفي سياق هذه الآية يرشد ربنا سبحانه نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن يقول للمشركين الذين يخاطبهم: أحد فريقينا على هدى والآخر على ضلال، فلسنا مهتدين جميعًا ولسنا على ضلال كلنا، وأنتم غير مؤاخذين بما نعمل، ولا تسألون عما أجرمنا نحن من جرم إن كان عملنا جرمًا، ولا نسأل نحن عما تعملون أنتم من عمل 190.
وفي الآية إرشاد للنبي محمد صلى الله عليه وسلم لأحكم أساليب الدعوة، بأن يتجنب الكلام الذي يمكن أن يصد ويحجز عن الهدى بما يورث من المعاندة والاستكبار، وأن يعمل في دعوته بما يفتح المجال للتفكر لا ردود الأفعال.
وفيه معنى التبرؤ منهم ومن عملهم، أي: لستم منا ولا نحن منكم، بل ندعوكم إلى الله وإلى توحيده وإفراد العبادة له، فإن أجبتم فأنتم منا ونحن منكم، وإن كذبتم فنحن بريئون منكم وأنتم بريئون منا، وإرشاده سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم إلى هذا القول دليل على تقريره.
كما قال تعالى: {وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [يونس: 41] 191.
ومما يدل على بعد نسخ آية سبأ المذكورة بآية السيف كما زعم بعض المفسرين 192 أن البناء للمجهول في الفعل المضارع يدل على أن السائل طرف خارج الفريقين، ودلالة المضارعة في السياق على الحال والاستقبال، كما أن الآية التالية لها تتحدث عن الجمع والحكم؛ حيث يتبين المهتدي من الضال وهو فيما يستقبل من أمر الآخرة.
قال سبحانه: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) } [سبأ: 26] .
ومن الآيات التي في التصريح بعدم سؤال الإنسان عن عمل غيره قوله سبحانه: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134] .
وفيها تصريح بأن كل نفس قدمت على الله يوم القيامة، فإنما تسأل عما كسبت وأسلفت، دون ما أسلف غيرها 193.
التصريح بأنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره:
وهذا في القرآن كثير.
قال سبحانه: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الأنعام: 164] .
وقال عز من قائل: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) } [الإسراء: 15] .
وقال: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18) } [فاطر: 18] .
وقال عز وجل: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الزمر: 7] .
وقال تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) } [النجم: 36 - 38] .
ومعنى {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} أنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره 194.
فكل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب فإنما عليها وزرها، لا يحمله عنها أحد 195.
كما هو ظاهر في قوله سبحانه: {وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [فاطر: 18] .
وعدم تحمل أحد ذنب غيره يدل على عدم مسؤوليته عن عمله.
الإشارة إلى أن كسب الإنسان متعلق بعمله هو:
أنَّ آيات عديدة من القرآن الكريم تشير إلى أن عمل الإنسان حسنه وسيئه مقصور عليه هو لا يتعدى لغيره إلا ما كان فضلًا من الله سبحانه.
منها قوله سبحانه: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] .
ومعناها: أن من عمل بطاعة الله في هذه الدنيا، فأتمر لأمره، وانتهى عما نهاه عنه فلنفسه عمل ذلك الصالح من العمل الذي مآله الجنة، ومن عمل بمعاصي الله فيها، فعلى نفسه جنى، لأنه أكسبها بذلك سخط الله، والعقاب الأليم. وما الله سبحانه بحامل عقوبة ذنب مذنب على غير مكتسبه، بل لا يعاقب أحدًا إلا على جرمه الذي اكتسبه في الدنيا، أو على سبب استحقه به منه 196.
ونظيره قوله سبحانه: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [الإسراء: 15] .
ومنها قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39] .
أي: كما لا يحمل عليه وزر غيره، كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه 197.
قال الحسين بن الفضل بأن هذا من طريق العدل، أما من باب الفضل فجائز أن يزيده الله ما شاء 198.
وقد دل على هذا المعنى القرآن والسنة.
قال تعالى في القرآن الكريم: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: 21] .
وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جواز الحج عن الغير، وأفادت النصوص والإجماع وصول الدعاء والصدقة للغير. على أنه ينبغي التنبيه إلى أن باب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء 199.
ومن عمل الغير ما يلحق بالإنسان إن كان سببًا فيه، أو داعيًا إليه، أو راضيًا وراغبًا فيه، فيلحق به أجره إن كان صالحًا، ووزره إن كان سيئًا، لأنه في حكم عمله هو. والأدلة على ذلك كثيرة؛ منها: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقةٍ جارية، ٍ أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له) 200.
فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله، كما جاء في الحديث: (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه) 201.
والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه. والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضا من سعيه وعمله.
ومنها ما ثبت في الصحيح: (من دعا إلى هدًى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا) 202.
ومثله قوله سبحانه: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا} [النساء: 85] .
ومنها قوله تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [النحل: 25] .
ومنها قوله سبحانه: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [المائدة: 32] .
ومنها الحديث: قال صلى الله عليه وسلم: (لا تقتل نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفلٌ من دمها؛ لأنه أول من سن القتل) 203.
ومنها قوله صلوات ربي وسلامه عليه: (إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم، قال: لا ما صلوا) 204.
خلاصة القول: إن الإنسان لا يسأل عن عمل غيره ولا يؤاخذ بسيئه، إلا ما كان هو السبب فيه، أو الداعي إليه، أو كان راضيًا عنه راغبًا فيه بأن يعمل مثله؛ وذلك في الحقيقة من جملة عمله هو؛ لأنها إما آثار عمل جوارحه، أو هي أعمال قلبه. فلا يكتب عليه إلا ما سعى عدلًا. ومن فضل الله على عبده المؤمن أنه تنفعه بعض أعمال غيره من المؤمنين كالدعاء - وهو شفاعة-، والصدقة والحج عنه.
الفقه هو الفهم الدقيق، والعبد الذي يفقه المسؤولية على وجهها الصحيح يتأثر بذلك في سلوكه تأثرًا بليغًا، حيث يعرف السائل والمسؤول عنه، ويعرف مبدأ المسؤولية ومآلها، ويعرف كيفية التتبع والمحاسبة، ويعرف فحوى السؤال ووقته. فمن عرف ذلك كله أيس من النجاة إلا بسلوك سبيل الحق، وتخلق بالتقوى والصدق، واستعد ليوم الحساب، وعمل ليوم المآب، فجاء سلوكه مستقيمًا متوافقًا مع الشريعة ظاهرًا وباطنًا، وأناب واستجاب وأسلم لله.
إن معرفة السائل، وهو الله سبحانه، تورث الإيمان به ربًّا، كما تورث محبته، ورجاءه، والخوف منه سبحانه؛ محبته سبحانه لجليل صفاته، وعظيم إنعامه وفضله، ورجاءه لعظيم رحمته ومنته وآلائه، وقبوله التوبة والشفاعة، وعفوه عن السيئات، ومضاعفته للحسنات، والخوف منه سبحانه لعظيم عقابه وشديد غضبه، وأليم عذابه وبليغ انتقامه. وهذا يجعل طاعة أوامره والانتهاء عن نواهيه امتثالًا أولى ما يتقرب به العبد إليه من القربات، وتلك هي التقوى، فيأتي سلوك العبد مستقيمًا متسقًا مع منظومة السلوك الإسلامي المستفادة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والله سبحانه يقول: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) } [الفاتحة: 1 - 7] .
فأعظم ثمرات فقه المسؤولية إذًا: توحيد الله سبحانه توحيدًا خالصًا، والإذعان لأمره، والافتقار إليه، والاستقامة على طاعته، {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] .
ومعرفة المسؤول عنه تفضي إلى الاهتمام والعناية به، وتوجه سلوك المسلم نحوه، فلا يتشتت جهد الإنسان في مذاهب شتى، ويضطرب في تحديد الأولويات، ولا يحجم عن العمل بالكلية، بل يتوجه نحو المسؤول عنه بالرعاية التي يستحقها ليأتي شرط السائل على الوجه المراد، ويتحرى فيه الإتقان والإحسان، فتترتب الأولويات، ويكون التركيز على المهمات، ويكون الانشغال بالغايات.
أما معرفة مبدأ المسؤولية ومآلها: التكليف الرباني، والحساب الأخروي؛ فتورث تعظيم المسؤولية في النفوس، وتجذيرها في الهموم، فتجد من الرعاية ما تستحق، ومن العمل ما تحتاج، ومن السعي ما يقوم بها على وجهها.
وأما معرفة كيفية التتبع والمحاسبة، فتفضي بالإنسان إلى المراقبة، إذ أن كل شيء محصى، وكل عمل مكتوب، والله تعالى منه قريب؛ قال سبحانه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) } [ق: 16] .
فيحصل من ذلك الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وأما المحاسبة فإن معرفتها تؤدي إلى الاستعداد، والتوبة من الزلات، والندم على التفريط وعلى ما فات، والعزم على الرشد، والعمل في جد واجتهاد. فمن أدرك المحاسبة وعرف مآلاتها رجا النجاة مقتصدًا أو سابقًا بالخيرات، والنجاة يوم القيامة فوز.
قال سبحانه: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) } [آل عمران: 185] .
ومن عرف أن السؤال يكون بعد العمل، وأن فحواه الطاعة والعصيان، عمل بطاعة الله، وخاف من عصيانه وتاب وأناب إذا عصاه، واجتهد في وقت العمل للفوز يوم الحساب، {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9) } [الأعراف: 8 - 9] .
ومن فقه أنه مسؤول يقينًا غلب عليه الإشفاق، ومن غلب عليه الإشفاق في الدنيا فهو خائف من عذاب الله راجٍ رحمة الله محبٌّ لله فإنه يعمل بطاعة الله، ويمتثل أمره، ويؤدى ما عليه من المسؤولية، وعن أمثال هؤلاء.
قال تعالى: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28) } [الطور: 25 - 28] .
ومن أيقن بالسؤال وغلب عليه الإشفاق في الآخرة حين يرى كتابه وكسبه هلك.
قال تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) } [الكهف: 49] .
وقال سبحانه: {تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22) } [الشورى: 22] .
ففقه المسؤولية يورث الإشفاق في وقت العمل والإنابة، والإشفاق يدفع لامتثال أوامر الله سبحانه، والاستقامة على الشرعة، وأداء المسؤوليات على أفضل الوجوه.