فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 2431

الاستعانة

أولًا: المعنى اللغوي:

مصدر استعان، وهو من العون بمعنى المعاونة والمظاهرة على الشيء، يقال: فلان عوني، أي: معيني وقد أعنته، والاستعانة: طلب العون.

قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45] .

والعون: الظهير على الأمر، الواحد والاثنان والجمع والمؤنث فيه سواء، وقد حكي في تكسيره أعوان، والمعونة: الإعانة، ورجل معوان حسن المعونة، وكثير المعونة للناس. وكل شيء أعانك فهو عون لك، كالصوم عون على العبادة 1.

وبذلك نجد أن الاستعانة في لغة العرب بمعنى طلب العون.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لم تخرج الاستعانة في معناها الاصطلاحي عن المعنى اللغوي لها، فالاستعانة في الاصطلاح: طلب الإعانة من الغير 2.

والأصل أن تكون هذه الاستعانة بالله، فهي طلب العون من الله، وتكون الاستعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه.

قال ابن تيمية رحمه الله: «الاستعانة: طلب العون من الله، ويطلب من المخلوق ما يقدر عليه من الأمور» 3.

وبذلك نستطيع أن نقول: إن الاستعانة هي طلب العون؛ لإزالة العجز.

وردت مادة (عون) في القرآن (10) مرات 4.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 1 ... {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) } [الفرقان:4]

الفعل المضارع ... 1 ... {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) } [الفاتحة:5]

فعل الأمر ... 6 ... {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) } [البقرة:45]

الاسم المفعول ... 2 ... {وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18) } [يوسف:18]

وجاءت الاستعانة في القرآن بمعناها اللغوي: طلب العون.

الدعاء:

الدعاء لغة:

مأخوذ من مادة (د ع و) التي تدل في الأصل على إمالة الشيء إليك بصوت وكلام يكون منك، ومن هذا الأصل: الدعاء في معنى الرغبة إلى الله عز وجل، وهو واحد الأدعية، والفعل من ذلك دعا يدعو، والمصدر الدعاء والدعوى 5.

الدعاء اصطلاحًا:

هو سؤال العبد ربه حاجته.

الصلة بين الاستعاذة والدعاء:

بالتأمل نجد أن الاستعانة أعم من الدعاء، فالدعاء صورة من صور الاستعانة، والاستعانة تكون بالدعاء وبغيره. فكل دعاء استعانة، وليس العكس.

الاستعاذة:

الاستعاذة لغة:

مصدر استعاذ، وهي من مادة (ع وذ) التي تدل على الالتجاء إلى الشيء، ثم يحمل على ذلك كل شيء لصق بشيء أو لازمه 6.

الاستعاذة اصطلاحًا:

هي اللجوء والاعتصام، وطلب كف الشر 7.

الصلة بين الاستعانة والاستعاذة:

الاستعانة أعم من الاستعاذة، فإنهما يجتمعان في طلب كف الشر، وبذلك فالاستعاذة صورة من صور الاستعانة، وتزيد الاستعانة بأنها تكون في تحصيل الخير. فكل استعاذة استعانة، وليس كل استعانة استعاذة.

الاستغاثة:

الاستغاثة لغة:

مصدر استغاث، وهو مأخوذ من الغوث بمعنى: الإغاثة والنصرة عند الشدة 8.

الاستغاثة اصطلاحًا:

طلب الغوث في الشدائد والأزمات 9.

الصلة بين الاستعاذة والاستغاثة:

بينهما عموم وخصوص من وجه؛ فكل استغاثة استعانة، وليست كل استعانة استغاثة، فالاستغاثة خاصة بالشدائد والمكروبات، والاستعانة عامة فيها وفي غيرها.

التوكل:

التوكل لغة:

مصدر توكل يتوكل، وهو مأخوذ من مادة (و ك ل) التي تدل على اعتماد على الغير في أمر ما، ومن ذلك التوكل وهو إظهار العجز في الأمر والاعتماد على غيرك 10.

التوكل اصطلاحًا:

صدق اعتماد القلب على الله في استجلاب المصالح ودفع المضار 11.

الصلة بين الاستعانة والتوكل:

التوكل: هو تفويض الأمر، والاستعانة لا يلزم منها هذا التفويض، وبذلك تكون الاستعانة أعم من التوكل.

المتمعن في نصوص القرآن يرى اقتران الصلاة بالصبر في عدة مواضع منه؛ كما يلحظ اقتران العبادة بالاستعانة؛ للإشارة إلى الصلة الوثيقة بين هذه الأمور.

وفيما يلي بيان لبعض الحكم من اقتران هذه الأمور ببعضها:

أولًا: اقتران الصبر والصلاة بالاستعانة:

قرن الله بين الصبر والصلاة في موضوع الاستعانة في بعض الآيات.

قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45] .

وقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] .

والمتأمل في اقتران الصبر والصلاة في موضوع الاستعانة، يجد حكمًا كثيرة 12، منها:

1.الصبر والصلاة يمدان المؤمن بالقوة التي تعينه على احتمال تكاليف العبادة، ومشقة الجهاد، ومدافعة شهوات النفس وأهوائها.

أما الصبر فهو قهر النفس على احتمال المكاره في ذات الله تعالى، وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب الجزع، ومن حمل نفسه وقلبه على هذا التذليل سهل عليه فعل الطاعات، وتحمل مشاق العبادات، وتجنب المحظورات.

والصلاة صلة بين العبد وربه، وهي من أكبر العون على الثبات في الأمر، وأما الاستعانة بها فلأنه يجب أن تؤدى على طريق الخضوع والتذلل للمعبود والإخلاص له، ويجب أن يوفر همه وقلبه عليها، وعلى ما يأتي فيها من قراءة، فيتدبر الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، ومن سلك هذه الطريقة في الصلاة فقد ذلل نفسه لاحتمال المشقة فيما عداها من العبادات؛ ولذلك قال الله سبحانه: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى? عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: 45] .

2.الصبر أشد الأعمال الباطنة على البدن.

إذ فيه ضبط النفس، وسيطرة الإرادة على الهوى، وسيطرة العقل على الشهوة، والصلاة أشد الأعمال الظاهرة على البدن؛ إذ فيها خضوع واستسلام لله، وتوجه بالقلب إليه، واستشعار لعظمة الخالق، فجمع بينهما في الاستعانة تنبيهًا على أن الإنسان إذا أتى بهما على وجههما كان متمًا لما عداهما من التكاليف.

3.الاستعانة بالصبر والصلاة طريق تحقيق الإيمان والذكر والشكر.

قال تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ?152?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ? إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ?153?) [البقرة: 152 - 153] .

فلما أمر بالذكر والشكر حث على الاستعانة بالصبر والصلاة؛ تنبيهًا على أنه بهما يتوصل إلى الإيمان، فإن الصبر مبدأ الإيمان، والشكر منتهاه.

4.الطاعات والاستقامة عليها، لها أعباؤها التي تحتاج إلى قوة احتمال ومجاهدة.

ولكى يقوى الإنسان على حمل هذه الأعباء، كان لا بد له من زاد يعينه، ويمسك عليه عزمه ومضاءه.

والصبر والصلاة هما خير ما يتزود الإنسان به؛ لكى يجد من نفسه القدرة على الوفاء ببعض حق الله عليه.

وإذا استعان المؤمن بالصبر والصلاة التي تملأ القلب خشية وخشوعا لله، وتبعد النفس عن الفواحش والمنكرات، هانت عليه المصاعب، وتحمل كل شدة ومشقة، وقاوم كل عناء وكرب.

5.إطاعة الأوامر الإلهية وعدم مخالفتها تتطلب الصبر.

ومن صبر عن المعاصي فقد صبر على الطاعة، ومن أخص حالات الصبر: الصلاة، فالصلاة فيها سجن النفوس، وجوارح الإنسان فيها مقيدة بها عن جميع الشهوات، فكانت الصلاة أصعب على النفس، وكانت مكابدتها أشق.

6.الاستعانة بالصبر والصلاة الطريق الأمثل لمواجهة محن الدعوة، من شبهات الأعداء، والصبر على الاستشهاد في الجهاد.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] .

والملاحظ أن هذه الآيات وردت في سياق الحديث عن تحويل القبلة، والاستشهاد في الجهاد، فبعد أن ذكر سبحانه افتتان الناس بتحويل القبلة، وأقام الحجة على المشاغبين.

وبين فوائد التحويل للمؤمنين، ومن أهمها: البشارة، وكون ذلك طريقا للهداية، لما في الفتن من تمييز الخبيث من الطيب، والمسلم من المنافق، ثم قفى على ذلك بالأمر بذكره وشكره على هذه النعم، ليستبين للناس أن تحويل القبلة الذي صوره السفهاء بصورة النقمة هو نعمة كبرى، ومنة عظمى.

بين في هذه الآيات أن هذه النعم التي يجب ذكرها وشكرها تقرن بضروب من البلاء وألوان من المصائب، من أعظمها ما يلاقيه أهل الحق من مقارعة أشياع الباطل، ومفارقة الحياة استشهادًا في سبيل الله؛ لهذا كله أمر عباده أن يستعينوا على مقاومة ذلك كله بالصبر والصلاة، فبهما يستسهل العبد في سبيل الله كل صعب، ويستخف بكل كرب، ويحتمل كل بلاء، ويقاوم كل عناء.

ثانيًا: اقتران العبادة بالاستعانة:

قرن سبحانه بين العبادة والاستعانة في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] .

واقتران العبادة بالاستعانة وراءه حكم كثيرة 13، منها:

1.الجمع بين الوسيلة والغاية.

فالعبادة غاية العباد التي خلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها، فجمع سبحانه بين أشرف غاية ووسيلتها.

2.الإشارة إلى كمال التوحيد المطلوب من العباد.

فقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) تبرؤ من الشرك، وقوله: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فيه تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله عز وجل، فجمع بينهما سبحانه تنبيهًا لعباده إلى كمال التوحيد المطلوب منهم.

3.بيان أن الاستعانة هي ثمرة التوحيد، واختصاص الله تعالى بالعبادة.

4.الإشارة إلى أن لزوم الاستعانة في العبادة سبيل السعادة الأبدية.

فالعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة. والاستعانة هي: الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع، ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك.

والقيام بعبادة الله والاستعانة به هو الوسيلة للسعادة الأبدية، والنجاة من جميع الشرور، فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما.

5.بيان احتياج العباد الدائم إلى الاستعانة بالله في العبادة.

فالله ذكر الاستعانة بعد العبادة، مع دخولها فيها؛ لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى؛ فإنه إن لم يعنه الله لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر، واجتناب النواهي.

فالاستعانة هي نوع من استصغار العبد حاله بجوار عظمة الله تعالى، وافتقاره إليه تعالى، وأنه محتاج إليه دائمًا، ولا يركبه غرور الحياة والضلال في أن يقر بنفسه الغرور، وهو استجابة وفهم لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ? وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ?15?) [فاطر: 15] .

6.الإشارة إلى أن الاستعانة لا تكون إلا بمن يستحق العبادة.

فقوله: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) بعد قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل إلا على من يستحق العبادة؛ لأن غيره ليس بيده الأمر.

7.الجمع بين شكر الألوهية والربوبية.

فعبادة الله تعالى هي غاية الشكر له في القيام بما يجب لألوهيته، واستعانته هي غاية الشكر له في القيام بما يجب لربوبيته، أما الأول فظاهر؛ لأنه هو الإله الحق فلا يعبد بحق سواه، وأما الثاني: فلأنه هو المربي للعباد، الذي وهب لهم جميع ما تكمل به تربيتهم.

8.القضاء على الكبر والعجب عند الإنسان.

فإن قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} يقتضي حصول رتبة عظيمة للنفس بعبادة الله تعالى، وذلك يورث العجب، فأردف بقوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ليدل ذلك على أن تلك الرتبة الحاصلة بسبب العبادة ما حصلت من قوة العبد، إنما حصلت بإعانة الله.

فالمقصود من ذكر قوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} إزالة العجب، وإفناء الكبر.

1.إن المؤمن الذي يريد أن يرتقي في أشرف منازل الآخرة، لا يستطيع أن يرتقي إلا بعد عون الله وتوفيقه له؛ لذلك فالله هو المستعان على الحقيقة دون غيره من الخلق؛ لأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل.

وحاجة العبد إلى الاستعانة بالله تعالى لا تعدلها حاجة، بل هو مفتقر إليه في جميع حالاته، فهو محتاج في كل أحواله إلى الهداية والإعانة عليها، ومحتاج إلى تثبيت قلبه على الحق، ومغفرة ذنبه، وستر عيبه وحفظه من الشرور والآفات وقيام مصالحه، وغير ذلك من الحاجات التي لا تنفك عنها لحظة من لحظات حياته، وغيرها كثير مما يكثر احتياجه إليه وافتقاره إلى الإعانة عليه.

والعبد يجد في قلبه كل وقت مطلوبًا من المطلوبات يحتاج إلى الإعانة على تحقيقه.

والله تعالى هو المستعان الذي بيده تحقيق النفع ودفع الضر، فلا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو سبحانه.

وهذا أمر تكرر تأكيده في القرآن العظيم في مواضع كثيرة:

قال تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنعام: 17] .

وقال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38] .

وقال سبحانه: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} [الملك: 20 - 21] .

والمقصود: أنه لا يحصل لعبد نفع في أمر من أمور دينه ودنياه إلا بالله، فهو المستعان وحده على كل ذلك.

وكل سبب من الأسباب التي يبذلها العبد لتحقيق النفع أو دفع الضر لا يستقل بالمطلوب، فلا يوجد سبب مستقل بالمطلوب، بل لا بد أن يكون معه سبب مساعد، ولا بد معه أيضًا من انتفاء المانع، ولا يكون كل ذلك إلا بإذن الله.

فالاستعانة بالله تعالى من أجل العبادات وأفضلها، والتي أمر الله بها عباده للحصول على عطائه وكرمه، لذلك كان من أعظم الكلمات التي أمرنا الله بها إذا وقفنا بين يديه في كل ركعة من ركعات صلاتنا أن نقول مخاطبين إياه تبارك وتعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] .

ما أجمل هذا الدرس العظيم الذي تلقيه علينا الآية الكريمة التي ترشدنا إلى أنه لا يليق بالمسلم أن يغفل عن بارئه طرفة عين في كل شؤونه الدينية والدنيوية.

فالله تبارك وتعالى هو المستعان، الغني عن الظهير والمعين، والشريك والوزير، فلا يحتاج إلى أحد.

وهو سبحانه المستعان الذي لا يطلب العون من أحد، بل كل عبد يطلب منه العون على فعل الطاعات واجتناب المحرمات، وجلب المنافع، ودفع المضار. وهو سبحانه الغني المستعان، والخلق كلهم فقراء إليه، عبيد لديه.

وهو الملك القادر على كل شيء، الذي ليس له شريك في الملك، ولا في الخلق، ولا في الأمر، ولا في الأسماء، ولا في الصفات.

وهو سبحانه الحي القيوم المستعان، فلا يحتاج إلى أحد من خلقه، بل الخلائق كلها بحاجة إلى الاستعانة به، بل لا قيام ولا حياة ولا وجود لهم إلا به، وبقدرته وقوته وإعانته وحده لا شريك له.

وقد أرشدتنا الآية إلى أن الله هو المستعان في كل الأمور الدينية والدنيوية، فقد «حذف متعلق {نَسْتَعِينُ} الذي حقه أن يذكر مجرورًا بعلى، وقد أفاد هذا الحذف الهام عموم الاستعانة المقصورة على الطلب من الله؛ تأدبًا معه تعالى» 14.

فلم يذكر المستعان عليه من الأعمال، ليشمل الطلب كل ما تتجه إليه نفس الإنسان من الأعمال الدينية والدنيوية.

وفي اقتران العبادة بالاستعانة في الآية دليل على أن الإنسان لا يقوى على أن يعبد الله إلا إذا أعانه الله تبارك وتعالى.

والملاحظ في آية الفاتحة أنه «قدم المفعول وهو {إِيَّاكَ} ، وكرر؛ للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة. والدين يرجع كله إلى هذين المعنيين» 15.

وتكرير الضمير المنصوب للتنصيص على تخصيصه تعالى بكل واحدة من العبادة والاستعانة، ولإبراز الاستلذاذ بالمناجاة والخطاب.

وقد ذكر الله الاستعانة في الآية بعد العبادة مع دخولها فيها «لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى. فإنه إن لم يعنه الله، لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر، واجتناب النواهي» 16.

وقد بين لنا ربنا في كتابه أن أنبياءه ورسله كانوا على يقين بأن الله هو المستعان لا غيره، فقد أخبر عن نبيه يعقوب عليه السلام، لما أتاه بنوه يخبرونه أن يوسف قد مات عليه السلام، فقال: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] .

فأخبرهم أنه لا يستطيع ولا يطيق أن يتحمل وقع هذه الكلمات، أو يتحمل أثر هذه الكلمات، أو يتحمل فقدان هذا الوليد الحبيب إلى قلبه عليه السلام إلا بأن ينزل عليه العون والتأييد والتثبيت من الله تبارك وتعالى، فكان من يعقوب عليه السلام التسليم لأمر الله تعالى وتوكلٌ عليه.

وقد جمع يعقوب عليه السلام بين الصبر والاستعانة، وهذا «دال على أن إقدامه على الصبر لا يمكن إلا بمعونة الله تعالى؛ للتغلب على الجزع أو الحزن بسبب الدواعي القوية إليه» 17.

وأخبر الله سبحانه عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه: {قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 112] .

وقبل هذه الآية بيان لسبب هذه المقولة، فقال الله: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (109) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (110) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (111) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 108 - 112] .

فهذه الأوصاف التي يطلقونها على الله تبارك وتعالى انتقاصًا لحقه، والتي يطلقونها على رسول الله صلى الله عليه وسلم تكذيبًا له ورميًا له بالجنون، ورميًا له بالكهانة والشعر والسحر، لا يستطيع قلبه الطاهر صلى الله عليه وسلم أن يتحملها إلا إذا تغمده الله عز وجل بعونه وتأييده وتوفيقه، فقال: {رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} أي: نسأل ربنا الرحمن، ونستعين به على ما تصفون، من قولكم سنظهر عليكم، وسيضمحل دينكم، فنحن في هذا لا نعجب بأنفسنا، ولا نتكل على حولنا وقوتنا، وإنما نستعين بالرحمن، الذي ناصية كل مخلوق بيده، ونرجوه أن يتم ما استعناه به.

«وتعريف {الْمُسْتَعَانُ} لإفادة القصر، أي: لا أستعين بغيره على ما تصفون، إذ لا ينصرنا غير ربنا» 18.

وكما كانت هذه عقيدة الأنبياء في ربهم، فقد حرصوا على إرسائها في قلوب أقوامهم، فها هو موسى عليه السلام يخاطب بني إسرائيل قائلًا: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128] .

فأمرهم بالاستعانة بالله في رد عدوان فرعون وملئه.

وفي ديننا نبدأ كل سور القرآن بالبسملة، وهذا بمثابة الدرس التطبيقي للمسلمين أن يربطوا كل أمورهم بالله، فمنه يستمدون العون، ويستلهمون السداد في القول، والإصابة في العمل، وعليه يتوكلون في كل ما يأتون من أعمال، فلا حول ولا قوة لهم إلا بالله.

فالله سبحانه وتعالى هو المستعان على كل أمرٍ من أمور الخير يجلبها، وعلى كل أمرٍ من أمور الشر يدفعها، على كل أمرٍ من أمور الطاعة يوفق لها، وعلى كل أمرٍ من أمور المعصية يدرأها ويباعد عنها.

قال ابن تيمية رحمه الله: «إن العبد محتاج في كل وقت إلى الاستعانة بالله على طاعته وتثبيت قلبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله» 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت