أي: فاتركهم يخوضوا في باطلهم، ويلعبوا في دنياهم حتى يلاقوا يوم القيامة الذي يوعدون فيه بالعذاب، يوم يخرجون من القبور مسرعين، كما كانوا في الدنيا يذهبون إلى آلهتهم التي اختلقوها للعبادة من دون الله، يهرولون ويسرعون، ذليلة أبصارهم منكسرة إلى الأرض، تغشاهم الحقارة والمهانة، ذلك هو اليوم الذي وعدوا به في الدنيا، وكانوا به يكذبون 46.
3.عندما يساقون إلى المحشر.
قال تعالى: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} [مريم:86] .
أي: ونسوق المجرمين الذين ارتكبوا الجرائم في دنياهم، نسوقهم سوقًا إلى جهنم كما تساق البهائم، حالة كونهم عطاشًا، يبحثون عن الماء فلا يجدونه 47.
ومن ألوان العذاب والذل لهؤلاء أنهم يحشرون عميًا.
قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه:124] .
أي: فمن يتكبر عن عبادة الله عز وجل ويعرض عن ذكره فإن له معيشة ضنكًا في الحياة الدنيا، مليئة بالهم والغم والشقاء، حتى ولو ملك كنوز الدنيا؛ لأن المعيشة الطيبة لا تكون إلا مع طاعة، ويحشر يوم القيامة أعمى، قال ابن عباس رضي الله عنه: وذلك حين يخرج من القبر يخرج بصيرًا، فإذا سيق إلى المحشر عمي 48.
وقال تعالى: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان:34]
يبين الله عز وجل حال المكذبين يوم البعث، فهم يحشرون على وجوههم، تسحبهم ملائكة العذاب يجرونهم على وجوههم، وهذه صورة حسية في غاية الفظاعة والشناعة، تجمع بين العذاب الحسي، والتحقير المعنوي وتوحي بالذلة والمهانة 49.
وقد بَيَنَ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بحديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه: (أن رجلًا قال: يا نبي الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا، قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة) 50.
كما يحشرون أيضًا زرق العيون من شدة الغم والهم الذي أصابهم من هول هذا الموقف.
قال تعالى: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا} [طه:102] .
قال الإمام الطبري: «عنى بالزرق في هذا الموضع: ما يظهر في أعينهم من شدة العطش الذي يكون بهم عند الحشر لرأي العين من الزرق» 51.
وقيل: وصفوا بذلك لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها عند العرب، لأن الروم كانوا أعدى أعدائهم، وهم زرق العيون 52.
وفي الحديث التالي سيتضح لنا مدى الذل والحقارة التي تلحق بالمتكبرين يوم الحشر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكانٍ، يساقون إلى سجن جهنم، يقال له: بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار: طينة الخبال) 53.
وقبل أن يدخلوا النار تراهم ينظرون لها وهم خائفون.
قال الله تعالى: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى:45] .
المراد بالخشوع في هذه الآية: ما يظهر عليهم من أثر الذلة والخزي، وهو شامل لسائر البدن بما فيه أصواتهم، وأبصارهم، لذا قال تعالى: {يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} من ذله وصغاره، وذلك من هول ما يرونه من العذاب فهم يسارقون النظر إلى النار مسارقة شزرًا من هيبتها وخوفًا منها وذلةً في أنفسهم 54.
4.عندما يدخلون جهنم.
الذل الأعظم والهوان الأكبر عندما يدخلون إلى النار -عافانا الله منها- فهم منبوذون في النار.
قال تعالى: {كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ} [الهمزة:4] .
النبذ: هو طرح ما هو خفيف هين، ويستخدم للتحقير والمهانة والذل 55.
ومن الذل الذي يلحق بهم أيضًا أنهم يصفدون في الأغلال والسلاسل.
قال تعالى: {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} [إبراهيم:49] .
لقد بينت الآية الكريمة ما أعد الله عز وجل لأهل النار جزاء كفرهم بالله وآياته، فهم {مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} أي: مقرنة أيديهم وأرجلهم إلى أعناقهم بالوثاق، قد قرن بعضهم مع بعض، أو قرنوا مع شياطينهم 56.
وزيادة في التنكيل والعذاب، فهم يسحبون في نار جهنم.
قال الله تعالى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} [غافر 70 - 72] .
وفي وصف السلسلة، قال تعالى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} [الحاقة 30 - 32] .
فهي سلسلة من سلاسل الجحيم، كل حلقة منها قدر حديد الدنيا، طولها سبعون ذراعًا يسلوكونها 57.
ومن شدة الذل التي يلحق بهم ترى وجوههم مسودة تلفحها النار، قال تعالى: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} [المؤمنون:104] .
«تحرقها، واللفح كالنفخ إلا أنه أشد تأثيرًا منه، وتخصيص الوجوه بذلك؛ لأنها أشرف الأعضاء، فبيان حالها أزجر عن المعاصي المؤدية إلى النار، وهو السر في تقديمها على الفاعل» 58.
ثم إن وجوههم تغشاها النار، وتسعر أجسامهم المسربلة بالقطران.
قال تعالى: {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ} [إبراهيم:49 - 50] .
نحن أمام مشهد من مشاهد العذاب المذل المخزي لأهل النار، فهم مقرونون في الأغلال والقيود، سرابيلهم وثيابهم من قطران، وتعلو وجوههم وتضربها النار، وخص «القطران» بالذكر؛ لأنه شديد القابلية للاشتعال، مع نتن رائحته، ففيه الذل والتحقير، وفيه الإيحاء بشدة الاشتعال 59.
وقال تعالى: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب:66] .
قال الزمخشري: «وقوله: تقلب بمعنى تتقلب، ومعنى تقليبها: تصريفها في الجهات، كما ترى البيضة تدور في القدر إذا غلت، فترامى بها الغليان من جهة إلى جهة، أو تغييرها عن أحوالها وتحويلها عن هيئاتها، أو طرحها في النار مقلوبة منكوسة» 60.
إن الوقوع في الذل من أعظم المصائب التي يقع بها كثير من الناس، وهذا الوقوع لا يكون عبثًا أو صدفةً، إنما ينتج عن أسباب كثيرة، نتعرف عليها من خلال النقاط الآتية:
أولًا: الشرك بالله تعالى والابتداع في الدين:
يقول الحق تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 116] .
يبين الحق عز وجل مصير المشرك به بقوله {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} أي: ومن يشرك بالله تعالى بأن يعبد سواه، أو يجعل معه شريكًا في العبادة فقد سار في طريق الشرور والآثام سيرًا بعيدًا ينتهى به إلى الهلاك، ويفضي به إلى الذل والهوان 61.
ولقد حاربت الشريعة الإسلامية جميع أنواع الشرك بالله تعالى، وحاربت البدع والمحدثات التي تخرج الناس عن العقيدة السليمة وأحكام الشرع، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌ) 62.
فالمبتدع يلقى عليه الذل في الدنيا، والغضب من الله تعالى، والطرد من رحمة الله عز وجل في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [الأعراف: 152] .
أي: إن الذين كفروا بالله عز وجل واتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم، وسيصيبهم هوان وذلة عقوبة من الله في الدنيا قبل الآخرة 63.
وقد ذكر بعض المفسرين أن هذا خاصٌ بافتراء البدع، قال الحسن البصري: «إن ذل البدعة على أكتافهم، وإن هملجت 64 بهم البغلات 65، وطقطقت 66 بهم البراذين 67» ، وقال سفيان بن عيينة: «كل صاحب بدعةٍ ذليلٌ» 68.
فالإيمان بالله تعالى القائم على التوحيد يجعل المؤمن يستمد عزته ومنعته وقوته من ربه عز وجل، ومن فقد الإيمان بالله عز وجل والاعتزاز بعزته، واعتمد على عزةٍ من الناس فهو ذليل؛ لأنه فقد الإذعان لأحكام الله تعالى، فحقت عليه كلمة الذلة» 69.
وقال تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [البقرة: 61] .
وقال تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [آل عمران: 112] .
أي: أحاطت بهم الذلة كما يحيط السرادق بمن فيه، وكما تحيط القبة بما في داخلها، أو ألصقت بهم، من ضرب الطين على الحائط، فهي محيطة بهم ولازمة لهم وملصقة بهم، فهم في نشاطهم وحركتهم في ذلة، لا ينتقلون من ذل إلا إلى ذل 70.
واستحقوا غضبًا من الله، بسبب كفرهم بآيات الله تعالى، وأدلته التي يقيمها عليهم، في كتبه وخلقه على ألسنة رسله، ولا يكتفون بجحود الحق وإنكاره، بل يعتدون على الداعي إليه، فيقتلون رسل الله عز وجل 71.
وكما أن الشرك بالله يودي بصحبه في الذل والمهانة، كذلك الابتداع في الدين، يقول الامام الشاطبي: «كل من ابتدع في دين الله، فهو ذليل حقير بسبب بدعته، وإن ظهر لبادي الرأي عزه وجبروته، فهم في أنفسهم أذلاء. وأيضًا فإن الذلة الحاضرة بين أيدينا موجودة في غالب الأحوال، ألا ترى أحوال المبتدعة في زمان التابعين، وفيما بعد ذلك؟ حتى تلبسوا بالسلاطين، ولاذوا بأهل الدنيا، ومن لم يقدر على ذلك، استخفى ببدعته، وهرب بها عن مخالطة الجمهور، وعمل بأعمالها على التقية» 72.
ثانيًا: التكبر عن طاعة الله تعالى:
ورد الكبر في القرآن في أكثر من موضع، وصرحت آيات عديدة بالمنع من التكبر مطلقًا، وبذمه وذم المتخلقين به، وبينت أنه سبب في هلاك الأمم ودمار القرى.
قال تعالى: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} [النحل: 23] .
فهذا وعيد من الله عز وجل لكل متكبر، إنه لا يحب المستكبرين، وقد يراد به المستكبرون عن التوحيد، ويجوز أن يعم كل مستكبر ويدخل هؤلاء تحت عمومه 73.
قال ابن القيم: «من تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم والخضوع والرجاء وتعليق القلب به خوفًا ورجاءً والتجاءً واستعانة، فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته وألوهيته، وهو حقيق بأن يهينه غاية الهوان، ويذله غاية الهوان، ويذله غاية الذل، ويجعله تحت أقدام خلقه» 74.
والكبر يعتبر من أول الذنوب التي عصي الله تعالى بها، قال تعالى مبينًا سبب امتناع إبليس عن السجود لآدم، {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [النحل: 23] .
قال الإمام الطبري: «وهذا، وإن كان من الله جل ثناؤه خبرًا عن إبليس، فإنه تقريع لضربائه من خلق الله الذين يتكبرون عن الخضوع لأمر الله، والانقياد لطاعته فيما أمرهم به، وفيما نهاهم عنه، والتسليم له فيما أوجب لبعضهم على بعض من الحق» 75.
فكان مصيره الطرد من الجنة، وأصبح من أهل الصغار من الهوان على الله عز وجل.
قال تعالى: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} [الأعراف: 13] .
يبين الله عز وجل أن الإذلال والخزي هو مصير كل من يتكبر على أوامر الله تعالى، فعندما استكبر إبليس بإبائه السجود، كان مصيره الطرد من الجنة التي هي مكان المطيعين المتواضعين من الملائكة، لأنها لا تقبل عاصيًا متكبرًا، فدلت هذه الآية على أن التكبر على الله يوجب العقاب الشديد، وهذه المعاملة بعكس ما يريد المتكبر، يريد لنفسه الرفعة والشرف والعظمة والتجبر، فعاقبه الله تعالى بالإذلال والهوان؛ لأنه لما أظهر الاستكبار ألبسه الله عز وجل ثوب الصغار 76.
ثالثًا: استمراء المعاصي والإصرار عليها:
إن استمراء المعاصي والتمادي في الباطل يورث في القلوب الجحود بالحق، لأن المعاصي تنكت في القلب نكتًا سوداء، فإذا استمر الشخص عليها وضعت عليه أغلفة من الظلمة تمنع أن يصل الحق إليه، ولذلك قال تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا} [الأعراف: 13] 77.
وقال ابن المبارك 78:
رأيت الذنوب تميت القلوب
وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب
وخيرٌ لنفسك عصيانها
وما حل في بني إسرائيل من ضرب الذلة والمسكنة، واستحقاق الغضب الإلهي؛ كان بسبب ما استمرأته نفوسهم من اقتراف المعاصي والإصرار عليها.
قال تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [البقرة: 61] .
وقال تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [آل عمران: 112] .
رابعًا: محادة الله ورسوله:
إن من أسباب الوقوع في الذل محادة الله ورسوله، ومخالفة أوامره ونواهيه، فالكفار المعاندون الذين يحاربون الحق ويعادون الإسلام هم من أذل خلق الله تعالى، ولا يوجد أحدٌ أذل منهم.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ} [المجادلة: 20] .
أي: أن الكفار المخالفون لأوامر الله عز وجل ونواهيه، المعادون يشاقون الله ورسوله ويجعلون أنفسهم في حد، وشرع الله ورسوله في حد آخر، فأصل المحادة: مخالفة حدود الله تعالى التي حدها لخلقه 79.
{أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ} أي: من جملة من أذله الله من الأمم السابقة، فهم أذل خلق الله تعالى، وذلهم في الدنيا بالقتل أو الأسر أو الطرد من الديار، وفي الآخرة بالخزي والعذاب، كما قال تعالى: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [آل عمران: 192] 80.
فهؤلاء الذين يحادون الله ورسوله ما كانوا ليتجرءوا على فعل ذلك إلا لكثرة أعوانهم وأتباعهم، فيظن من يراهم أنهم الأعزاء، الذين لا يوجد على الأرض من هو أعز منهم.
لذا نعتهم الحق عز وجل بقوله: {فِي الْأَذَلِّينَ} أي: الذين يعرفون أنهم أذل الخلق، بحيث يوصف كل منهم بأنه الأذل مطلقًا من غير مفضل عليه، وذلك في الدنيا والآخرة، فالجزاء من جنس العمل 81.
وهذا المعنى الذي تضمنته الآية الكريمة، من كون الذين يحادون الله ورسوله هم أذل خلق الله عز وجل في الأولين والآخرين، بينه الله عز وجل في غير موضع في القرآن الكريم، كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} [المجادلة: 5] .
يخبر سبحانه عن المعادين لله ورسوله، الخارجين عن حدوده وفرائضه بأنهم {كُبِتُوا} أي: أخزوا وذلوا وأهينوا ولعنوا، وقيل: صرعوا وكبوا على وجوههم 82، وللتأكيد على تحقق وقوع الذل والخزي لهم عبر سبحانه عن المستقبل بلفظ الماضي 83.
فالذل والصغار واقع بهم، كما ذل الذين من قبلهم من كفار الأمم الماضية بسبب ما وقع منهم من معاندة ومعاداة لشرع الله عز وجل.
خامسًا: ترك الجهاد:
من أهم أسباب الوقوع في الذلة والمهانة: ترك الجهاد في سبيل الله، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) 84.
وسبب هذا الذل: أنهم تركوا الجهاد في سبيل الله الذي فيه عز الإسلام وإظهاره على كل دين، وأقبلوا على الزرع ونحوه، تسلط عليهم العدو لعدم تأهبهم له واستعدادهم لنزوله، فأولاهم ذلًا وهوانًا، لا يتخلصون منه حتى يرجعوا إلى ما هو واجب عليهم من جهاد الكفار، والإغلاظ عليهم، وإقامة دين الله، ونصرة الإسلام وأهله، وإعلاء كلمة الله، وإذلال الكفر وأهله 85.
إن للذل ضريبة كما أن للكرامة ضريبة، وضريبة الذل أفدح في كثير من الأحيان، ولكن أصحاب النفوس الضعيفة يخيل إليهم أن للكرامة ضريبة باهظة لا يطيقونها، فيختارون الذل والمهانة هربًا من تكاليف الكرامة، فيعيشون عيشة تافهة رخيصة.
قال تعالى {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [البقرة: 96] .
يعيشون أذلاء يؤدون ضريبة أفدح من تكاليف الكرامة، ضريبة الذل والمهانة 86.
ففي الجهاد الفوز والسعادة، وفي تركه والتخلف عنه الهلاك والشقاوة في الدنيا والآخرة 87.
والناظر إلى أحوال المسلمين اليوم يرى أنهم قد فرطوا في دينهم تفريطًا عظيمًا، وركنوا إلى الدنيا، وتركوا الجهاد في سبيل الله، فألزمهم الله الذل في أعناقهم، فهم يلجئون إلى الشرق أو الغرب خاضعين ذليلين، يطلبون منهم العزة والنصر، وما عرف أولئك أن الذل لا يرفع عنهم حتى يرجعوا إلى دينهم.
قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [النساء: 139] .
سادسًا: اتباع الهوى:
قال ابن القيم رحمه الله: «أن لكل عبد بداية ونهاية، فمن كانت بدايته اتباع الهوى، كانت نهايته الذل والصغار والحرمان والبلاء المتبوع بحسب ما اتبع من هواه، بل يصير له ذلك في نهايته عذابًا يعذب به في قلبه، لو تأملت حال كل ذي حال سيئة زرية، لرأيت بدايته الذهاب مع هواه، وإيثاره على عقله، ومن كانت بدايته مخالفة هواه وطاعة داعي رشده، كانت نهايته العز والشرف والغنى والجاه عند الله عز وجل، وعند الناس» 88.
والعاقل ينهى نفسه عن لذة، يعقبها ألم، وشهوة تورث ذلًا وندمًا، فمخالفة الهوى توجب شرف الدين وشرف الآخرة، وعز الظاهر وعز الباطن 89.
قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [النازعات:40] .
أي: أما من تذكر مقامه للحساب بين يدي الله عز وجل، وأدرك مقدار عظمته وقهره، وجبروته وسطوته، وجنب نفسه الوقوع في محارمه، فالجنة مثواه وجزاؤه 90.
وقد ورد ذم الهوى في آيات عديدة من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} [الفرقان:43] .
وقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية:23] .