وقد وقع تفصيل هذه البشارة في الآية الموالية وهي قوله عز وجل: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47) } [الأحزاب:47] .
أي: «وبشر أهل الإيمان بالله يا محمد {بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا} : يقول: بأن لهم من ثواب الله على طاعتهم إياه تضعيفا كثيرا، وذلك هو الفضل الكبير من الله لهم» 117.
قال ابن عطية: «قال لنا أبي رضي الله عنه: هذه من أرجى آية عندي في كتاب الله تعالى لأن الله تعالى أمر نبيه أن يبشر المؤمنين بأن لهم عنده فضلًا كبيرًا، وقد بين تعالى الفضل الكبير ما هو في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [الشورى:22] .
فالآية التي في هذه السورة خبر والتي في «حم عسق» تفسير لها» 118.
وعلى هذا فالفضل الكبير هو الجنة لهم فيها ما يشاؤون عند ربهم.
ويقترن وصف البشير غالبا بوصف النذير -كما في الآية السابقة-، «وقدمت البشارة على النذارة لأن النبيء صلى الله عليه وسلم غلب عليه التبشير لأنه رحمة للعالمين، ولكثرة عدد المؤمنين في أمته» 119.
والبشارة سابقة للإنذار وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنها القاعدة الأولى والصبغة الأساس التي يجب أن تصطبغ بها الدعوة إلى دين الله، ففي المعجم الكبير للطبراني عن ابن عباس، قال: لما أنزلت {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليا ومعاذا، وقد كان أمرهما أن يخرجا إلى اليمن، فقال: (انطلقا وبشرا، ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، فإنه قد أنزلت علي {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا} : على أمتك، {وَمُبَشِّرًا} : بالجنة، {وَنَذِيرًا} : من النار {وَدَاعِيًا} إلى شهادة أن لا إله إلا الله {وَسِرَاجًا مُنِيرًا} بالقرآن) 120.
سابعًا: النذير:
وأما النذير فهو المنذر؛ مأخوذ من الإنذار: وهو الإعلام على سبيل التحذير والتخويف، يقال: «نذر بالشيء وبالعدو -بكسر الذال-، نذرا: علمه فحذره. وأنذره بالأمر إنذارا ونذرا أعلمه، والصحيح أن النذر الاسم والإنذار المصدر. وأنذره أيضا: خوفه وحذره» 121.
وإذا كان البشير هو المخبر بالخبر السار فإن النذير هو المخبر بضده، وكذا فإن البشرى لما كانت لأهل الإيمان فإن الإنذار لمن هم بخلاف حالهم، وهو عليه الصلاة والسلام منذرهم والنذير لهم: «مشتق من الإنذار وهو الإخبار بحلول حادث مسيء أو قرب حلوله، والنبيء عليه الصلاة والسلام منذر للذين يخالفون عن دينه من كافرين به ومن أهل العصيان بمتفاوت مؤاخذتهم على عملهم» 122.
وقد اشتق وصف النذير من الإنذار على صيغة فعيل في الآية ليكون كالاسم للموصوف به أي: النبي صلى الله عليه وسلم، قال في التحرير: «جيء في جانب النذارة بصيغة فعيل دون اسم الفاعل لإرادة الاسم فإن النذير في كلامهم اسم للمخبر بحلول العدو بديار القوم. ومن الأمثال: أنا النذير العريان، أي: الآتي بخبر حلول العدو بديار قوم. والمراد بالعريان أنه ينزع عنه قميصه ليشير به من مكان مرتفع فيراه من لا يسمع نداءه، فالوصف بنذير تمثيل بحال نذير القوم كما قال: {إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سبأ:46] .
للإيماء إلى تحقيق ما أنذرهم به حتى كأنه قد حل بهم وكأن المخبر عنه مخبر عن أمر قد وقع، وهذا لا يؤديه إلا اسم النذير، ولذلك كثر في القرآن الوصف بالنذير وقل الوصف بمنذر» 123.
وقد ضرب عليه الصلاة والسلام مثلا لهذا الإنذار بمن يخوف الناس عدوا يوشك أن يبطش بهم فمن صدق قوله وعمل بنصحه نجا ومن لم يفعل هلك، ففي صحيح البخاري عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثلي ومثل ما بعثني الله، كمثل رجل أتى قوما فقال: رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعته طائفة فأدلجوا على مهلهم فنجوا، وكذبته طائفة فصبحهم الجيش فاجتاحهم) 124.
«وشمل اسم النذير جوامع ما في الشريعة من النواهي والعقوبات وهو قسم الاجتناب من قسمي التقوى فإن المنهيات متضمنة مفاسد فهي مقتضية تخويف المقدمين على فعلها من سوء الحال في العاجل والآجل» 125.
ثامنًا: الداعي إلى الله:
«والداعي إلى الله هو الذي يدعو الناس إلى ترك عبادة غير الله، ويدعوهم إلى اتباع ما يأمرهم به الله.
والدعاء: الحث على قصد الشيء، ومنه قول يوسف عليه السلام: {السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف:33] .
وقول مؤمن آل فرعون: {وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) } [غافر:41] 126.
«وأصل دعاه إلى فلان: أنه دعاه إلى الحضور عنده، يقال: ادع فلانا إلي. ولما علم أن الله تعالى منزه عن جهة يحضرها الناس عنده تعين أن معنى الدعاء إليه الدعاء إلى ترك الاعتراف بغيره (كما يقولون: أبو مسلم الخراساني يدعو إلى الرضى من آل البيت) فشمل هذا الوصف أصول الاعتقاد في شريعة الإسلام مما يتعلق بصفات الله لأن دعوة الله دعوة إلى معرفته وما يتعلق بصفات الدعاة إليه من الأنبياء والرسل والكتب المنزلة عليهم.
وزيادة بإذنه ليفيد أن الله أرسله داعيًا إليه ويسر له الدعاء إليه مع ثقل أمر هذا الدعاء وعظم خطره وهو ما كان استشعره النبيء صلى الله عليه وسلم في مبدأ الوحي من الخشية إلى أن أنزل عليه: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) } [المدثر:1 - 2] .» 127.
تاسعًا: السراج المنير:
وصف «السراج المنير» ورد أيضًا في آية الأحزاب السابقة: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) } [الأحزاب:45 - 46] .
والسراج: «المصباح الزاهر الذي يسرج بالليل» 128، «والشمس سراج النهار، والهدى سراج المؤمنين» 129.
ومعنى كون النبي صلى الله عليه وسلم سراجا منيرا أنه «مثل السراج الذي يستضاء به، أو مثل الشمس في النور والظهور» 130. أو «هاديا كأنه سراج يهتدى به في الظلم» 131.
وقد التفت الطبري إلى أن السراج له مادة يستضيء بها فيضيء هو في نفسه، ثم يستضيء به الناس، قال: « {وَسِرَاجًا مُنِيرًا} يقول: وضياء لخلقه يستضيء بالنور الذي أتيتهم به من عند الله، {مُنِيرًا} يقول: ضياء ينير لمن استضاء بضوئه، وعمل بما أمره، وإنما يعني بذلك: أنه يهدي به من اتبعه من أمته» 132.
فهو عليه الصلاة والسلام يستضيء بالنور الذي جاءه من عند الله: وهو الوحي، فيضيء ويهدي بنوره لأن أمره «ظاهرٌ فيما جاء به من الحق، كالشمس في إشراقها وإضاءتها، لا يجحدها إلا معاندٌ» 133.
وأما ابن عاشور فقد نظر إلى الجانب العقلي من الهداية وهو إقامة الحجة وإزالة الشبهات فقال: «وقوله: {وَسِرَاجًا مُنِيرًا} : تشبيه بليغ بطريق الحالية وهو طريق جميل، أي: أرسلناك كالسراج المنير في الهداية الواضحة التي لا لبس فيها والتي لا تترك للباطل شبهة إلا فضحتها وأوقفت الناس على دخائلها، كما يضيء السراج الوقاد ظلمة المكان. وهذا الوصف يشمل ما جاء به النبيء صلى الله عليه وسلم من البيان وإيضاح الاستدلال وانقشاع ما كان قبله في الأديان من مسالك للتبديل والتحريف فشمل ما في الشريعة من أصول الاستنباط والتفقه في الدين والعلم، فإن العلم يشبه بالنور فناسبه السراج المنير» 134.
وهذا الوصف للنبي صلى الله عليه وسلم ورد في هذا الموضع فقط، ولكننا بعد التأمل نجد أن له نظائر؛ فقد وصفه الله سبحانه وتعالى بـ «السراج المنير» ، ووصف القرآن بـ «النور» في قوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) } [الشورى:52] .
ولا ينير السراج إلا وله نور. كما أن الآية صريحة في أنه صلى الله عليه وسلم لما أوحي إليه بهذا النور صار يهدي إلى صراط مستقيم.
ومثل القرآن الكريم النور في قلب المؤمن بالمصباح الذي يوقد من زيت شجرة مباركة كأنه كوكب دري، فقال تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) } [النور:35] .
قال السعدي: « {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الحسي والمعنوي، وذلك أنه تعالى بذاته نور، وحجابه -الذي لولا لطفه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه- نور، وبه استنار العرش، والكرسي، والشمس، والقمر، والنور، وبه استنارت الجنة. وكذلك النور المعنوي يرجع إلى الله، فكتابه نور، وشرعه نور، والإيمان والمعرفة في قلوب رسله وعباده المؤمنين نور. فلولا نوره تعالى، لتراكمت الظلمات، ولهذا: كل محل، يفقد نوره فثم الظلمة والحصر. {مَثَلُ نُورِهِ} الذي يهدي إليه، وهو نور الإيمان والقرآن في قلوب المؤمنين، {كَمِشْكَاةٍ} أي: كوة {فِيهَا مِصْبَاحٌ} لأن الكوة تجمع نور المصباح بحيث لا يتفرق ذلك {الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ} من صفائها وبهائها {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} أي: مضيء إضاءة الدر.
{يُوقَدُ} ذلك المصباح، الذي في تلك الزجاجة الدرية {مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ} أي: يوقد من زيت الزيتون الذي ناره من أنور ما يكون، {لَا شَرْقِيَّةٍ} فقط، فلا تصيبها الشمس آخر النهار، {وَلَا غَرْبِيَّةٍ} فقط، فلا تصيبها الشمس أول النهار، وإذا انتفى عنها الأمران، كانت متوسطة من الأرض، كزيتون الشام، تصيبها الشمس أول النهار وآخره، فتحسن وتطيب، ويكون أصفى لزيتها، ولهذا قال: {يَكَادُ زَيْتُهَا} من صفائه {يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} فإذا مسته النار، أضاء إضاءة بليغة {نُورٌ عَلَى نُورٍ} أي: نور النار، ونور الزيت» 135.
فإذا كان العلم والمعرفة صورة نور الله في قلوب رسله وعباده المؤمنين، فإن أحق من أشع منه هذا النور السراج المنير صلى الله عليه وسلم. جاء في تفسير ابن كثير: «وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال: حدثني عن قول الله: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} ، قال: يكاد محمد يبين للناس، وإن لم يتكلم، أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت أن يضيء» 136.
ولقد صدق كعب، فقد كان وجهه صلى الله عليه وسلم يشع صدقا كما قال عبد الله بن سلام: «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس نحوه فأتيته، فلما نظرت إليه، عرفت أن وجهه ليس وجه كذابٍ» 137، وكان أذن خير {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} [التوبة:61] .
زكى الله لسانه {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) } [النجم:3] .
وبصره: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) } [النجم:17] .
وشرح صدره: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) } [الشرح:1] .
وختم على قلبه لئلا يدخله باطل وربط عليه بالصبر {فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (24) } [الشورى:24] .
وامتدح خلقه: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) } [القلم:4] .
وأقسم بعمره: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) } [الحجر:72] .
ورفع ذكره: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) } [الشرح:4] .
وألقى في قلوب المؤمنين حبه: (فو الذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده) 138. فمن رآه أو سمع عنه أشع له من صدق الحق الذي يدعو إليه أشد من نور الشمس في ضحاها. فصلاة الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وصحبه الصادقين المرضيين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
جمع محمد صلى الله عليه سلم مكارم الأخلاق كلها واتصف بكمالها الإنساني، ولقد امتدحه ربه عز وجل فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) } [القلم:4] .
«والخلق العظيم: هو الخلق الأكرم في نوع الأخلاق وهو البالغ أشد الكمال المحمود في طبع الإنسان لاجتماع مكارم الأخلاق في النبيء صلى الله عليه وسلم فهو حسن معاملته الناس على اختلاف الأحوال المقتضية لحسن المعاملة، فالخلق العظيم أرفع من مطلق الخلق الحسن. ولهذا قالت عائشة: «كان خلقه القرآن» ، ألست تقرأ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) } [المؤمنون:1] - الآيات العشر-، وعن علي: الخلق العظيم: هو أدب القرآن ويشمل ذلك كل ما وصف به القرآن محامد الأخلاق وما وصف به النبيء صلى الله عليه وسلم من نحو قوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [آل عمران:159] .
وقوله: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) } [الأعراف:199] .
وغير ذلك من آيات القرآن. وما أخذ به من الأدب بطريق الوحي غير القرآن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) » 139.
فهو صلى الله عليه وسلم متصف بالخلق العظيم المستوحى من القرآن الكريم والحاصل من تأديب الحق سبحانه وتعالى له حتى بلغ في حسن الخلق منتهاه، وكان خلقه القرآن.
هذا على الإجمال، أما على التفصيل، فإننا نجد أنه عليه الصلاة والسلام قد وصف في نصوص القرآن الكريم بجملة من الأخلاق، هي:
أولًا: الصبر:
لا يختلف اثنان في أن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان آية في الصبر، ولقد أصابه من البلاء في الله ما أصابه: فمنذ أوحى الله إليه وصدع في الناس بالحق واجهه الناس بالصد والتكذيب والاستهزاء والإيذاء النفسي والبدني؛ ألقوا التراب على رأسه، واجتمعوا حول بيته يريدون قتله، وقاطعوه وقومه سنين عدة حتى أكلوا أوراق الشجر، وقتلوا من أصحابه من قتلوا وسلطوا على من قدروا عليه منهم العذاب الشديد، ولم يزالوا به حتى هاجر من مكة مستخفيا، وسيروا البعوث والجيوش لقتاله، وتحالفوا على ذلك وتراسلوا فيما بينهم.
وما جمع قبائل العرب المتعادية مع اليهود إلا الرغبة في استئصال الإسلام وأهله، حتى تعدى الأمر إلى الروم الذين كان لهم حظ من البلاء الذي أصاب المسلمين يوم مؤتة وفي مشاهد من بعدها ولكن الناس لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم يوما شاكيا أو ضاجرا أو ضعيفا أو يائسا، ولما أمكنه الله من رقاب أعدائه قال لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)
مع أنه صلى الله عليه وسلم كان آية في الصبر، إلا أن القرآن الكريم لم يصفه بهذه الصفة كما وصف أيوب عليه السلام مثلا من قبل بقوله: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا} [ص:44] .
بل نجد في مقابل ذلك وصية له صلى الله عليه وسلم بالصبر، وأمرا له بالاقتداء في ذلك بالأنبياء من قبله.
قال تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) } [النحل:126 - 128] .
وقال سبحانه: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35) } [الأحقاف:35] .
وقد دلت الآيتان على أن الله عز وجل قد أدب نبيه صلى الله عليه وسلم فاختار له من الأخلاق مكارمها، وأمره أن يتمثل الصفات الطيبة في خلق أولي العزم من الرسل.
أخرج البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة بن عبد المطلب حين استشهد فنظر إلى منظر لم ينظر إلى منظر أوجع للقلب منه -أو قال لقلبه منه- ونظر إليه وقد مثل به فقال:(رحمة الله عليك إن كنت ما علمت لوصولا للرحم فعولا للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع -أو كلمة نحوها-، أما والله على ذلك لأمثلن بسبعين كمثلتك) ، فنزل جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم بهذه السورة وقرأ: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} -إلى آخر الآية-، فكفر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمسك عن ذلك) 140.
واستئناسًا بهذا السبب، فإن الآية قد أمرته صلى الله عليه وسلم بالصبر والعفو في هذه الواقعة الخاصة، ولكن لفظها جار مجرى العموم خاصة مع الضعف الذي يعتري سبب النزول، وفيها أنه سبحانه وتعالى «رخص في القصاص للمظلوم في غير عدوان وندب له العفو والإحسان، وعزم لنبيه على الصبر يقول تعالى -مبيحا للعدل ونادبًا للفضل والإحسان-: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ} من أساء إليكم بالقول والفعل {فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} من غير زيادة منكم على ما أجراه معكم. {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ} عن المعاقبة وعفوتم عن جرمهم {لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} من الاستيفاء وما عند الله خير لكم وأحسن عاقبة كما قال تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى:40] .
ثم أمر رسوله بالصبر على دعوة الخلق إلى الله والاستعانة بالله على ذلك وعدم الاتكال على النفس فقال: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} هو الذي يعينك عليه ويثبتك. {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} إذا دعوتهم فلم تر منهم قبولا لدعوتك، فإن الحزن لا يجدي عليك شيئا. {وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ} أي: شدة وحرج {مِمَّا يَمْكُرُونَ} فإن مكرهم عائد إليهم وأنت من المتقين المحسنين، والله مع المتقين المحسنين، بعونه وتوفيقه وتسديده، وهم الذين اتقوا الكفر والمعاصي، وأحسنوا في عبادة الله، بأن عبدوا الله كأنهم يرونه فإن لم يكونوا يرونه فإنه يراهم، والإحسان إلى الخلق ببذل النفع لهم من كل وجه» 141.
فعزم الله لنبيه صلى الله عليه وسلم على الصبر، ورخص لغيره في القصاص وجعل الصبر له مندوبا، «ويروى أنه عليه السلام قال لأصحابه: (أما أنا فأصبر كما أمرت، فماذا تصنعون؟ فقالوا: نصبر يا رسول الله كما ندبنا) 142.
وكما أمره الله عز وجل أن يصبر ويعفو، فقد أمره أن يتمثل ذلك في خلق أولي العزم من الرسل وأن يقتدي بهم في كونهم صابرين في قوله سبحانه: {وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (35) } [الشورى:35] .
وهم ذوو الحزم والجد والصبر» 143.
وأما من هم أولوا العزم من الرسل فقد ذكر المفسرون فيه أقوالًا:
«أحدها: أنهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة، وعطاء الخراساني، وابن السائب.
والثاني: نوح، وهود، وإبراهيم، ومحمد صلى الله عليه وسلم، قاله أبو العالية الرياحي.
والثالث: أنهم الذين لم تصبهم فتنةٌ من الأنبياء، قاله الحسن.
والرابع: أنهم العرب من الأنبياء، قاله مجاهد، والشعبي.
والخامس: أنهم إبراهيم، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم، قاله السدي.