فهرس الكتاب

الصفحة 1576 من 2431

والمعنى: أنهم ضموا إلى فعل الطاعات والمسارعة فيها أمرين: أحدهما: الفزع إلى الله تعالى لمكان الرغبة في ثوابه والرهبة في عقابه. والثاني: الخشوع وهو المخافة الثابتة في القلب، فيكون الخاشع هو الحذر الذي لا ينبسط في الأمور خوفًا من الإثم».94 وقال ابن القيم: «وقد أثنى سبحانه على أقرب عباده إليه بالخوف منه، فقال عن أنبيائه بعد أن أثنى عليهم ومدحهم: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} فالرغب: الرجاء والرغبة، والرهب: الخوف والخشية، وقال عن ملائكته الذين قد أمنهم من عذابه: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50) } [النحل:50] » 95.

فإن محبة الله تعالى وتعظيمه، دافع من دوافع عبادته، فالله عزو جل أهل لأن يعبد لذاته الجليلة، وأن يطاع لصفاته العظيمة، قال تعالى: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} [المدثر:56] .

قال السعدي: «أي: هو أهل أن يتقى ويعبد؛ لأنه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وأهل أن يغفر لمن اتقاه واتبع رضاه» 96.

وقد مدح الله سبحانه وتعالى المؤمنين الصادقين في كتابه، لمحبتهم إياه، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة:165] .

قال القرطبي في هذه الآية: «وقيل: إنما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} لأن الله تعالى أحبهم أولًا ثم أحبوه، ومن شهد له محبوبه بالمحبة كانت محبته أتم، قال الله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة:54] » 97.

قال الرازي في قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} «وفيه دقيقة وهي أنه تعالى قدم محبته لهم على محبتهم له، وهذا حق؛ لأنه لولا أن الله أحبهم، وإلا لما وفقهم حتى صاروا محبين له» 98.

فكلما ازداد القلب حبا لله ازداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبًا وحرية عما سواه 99.

فإن نعم الله سبحانه وتعالى على بني آدم عظيمة؛ لأن كل النعم على بني آدم منه.

قال تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل:53] .

وهي دافع للعبادة لله سبحانه وتعالى، شكرًا وعرفانًا بعطاياه التي لا تعد ولا تحصى.

قال تعالى: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) } [إبراهيم:34] .

فلا يستطيع الإنسان حصر هذه النعم؛ لكثرتها عليه.

قال الشنقيطي: «ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن بني آدم لا يقدرون على إحصاء نعم الله لكثرتها عليهم، وأتبع ذلك بقوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} فدل ذلك على تقصير بني آدم في شكر تلك النعم، وأن الله يغفر لمن تاب منهم، ويغفر لمن شاء أن يغفر له ذلك التقصير في شكر النعم، وبين هذا المفهوم المشار إليه هنا بقوله: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن المفرد إذا كان اسم جنس وأضيف إلى معرفة أنه يعم؛ لأن {نِعْمَتَ اللَّهِ} مفرد أضيف إلى معرفة فعم النعم» 100.

وقد أمر الله بالشكر، ونهى عن ضده.

قال الله تعالى: {وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النحل:114] .

وقال تعالى: {وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة:152] .

ووعد أهله بأحسن جزائه.

قال تعالى: {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران:144] .

وجعله سببًا للمزيد من فضله، وحارسًا وحافظًا لنعمته.

قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم:7] .

وقلة أهله في العالمين تدل على أنهم هم خواصه، كقوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ:13] 101.

وقد سمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلا يقول: اللهم اجعلني من القليل، فقال عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل: أردت قوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} فقال عمر رضي الله عنه: كل الناس أعلم منك يا عمر! 102، فشكر الله تعالى أصعب عبادة وأشرفها.

قال الراغب في قوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152) } [البقرة:152] .

«وإنما قال تعالى: {وَاشْكُرُوا لِي} ولم يقل: (واشكروني) علمًا بقصورهم عن إدراكه، بل عن إدراك الآية، كما قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} ، فأمرهم أن يعدوا بعض أفعاله في الشكر له، وشكر الله عز وجل أصعب عبادة وأشرفها، ولهذا قيل: غاية شكر الله الاعتراف بالعجز عنه، فكل نعمة يمكن شكرها إلا نعمة الله، فإن شكرها نعمهً منه» 103.

من حكمة الله تعالى في شريعته أن نوَّع لهم العبادات، وجعل لها صورًا وأشكالًا مختلفة، ومن تلك الصور:

أولًا: عبادات قولية:

وتشمل قول اللسان: كالدعوة إلى الله، وتبليغ دينه، وقراءة القرآن، والدعاء إلى الله، ونحو ذلك.

ومن أدلة هذا النوع:

قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125] .

وقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) } [النحل:98] .

وقوله عز وجل: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر:60] 104.

ثانيًا: عبادات قلبية:

وتشمل قول القلب: وهو الاعتقاد بما أخبر الله به عن نفسه، وعن ملائكته ولقائه على لسان رسله، ونحو ذلك 105.

ومن أدلة هذا النوع:

قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة:177] 106.

وقوله تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) } [المائدة:111] .

وتشمل كذلك عمل القلب: كالتوكل عليه، والإنابة إليه، والصبر على أوامره، وعن نواهيه، والذل له والخضوع، والإخبات إليه وغير ذلك من أعمال القلوب 107.

ومن أدلة هذا النوع:

قول الله عز وجل: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة:23] .

وقوله سبحانه وتعالى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} [الزمر:54] .

وقوله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) } [آل عمران:200] 108.

وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23) } [هود:23] .

ثالثًا: عبادات بدنية:

وتشمل أعمال الجوارح: من صلاة، وجهاد، وحج، ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات، ومساعدة العاجز، والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك 109.

ومن أدلة هذا النوع:

قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) } [الحج:77] .

وقوله جل جلاله: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) } [الحج:29] .

وقوله سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) } [الجمعة:9] 110.

وقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) } [فصلت:33] .

رابعًا: عبادات مالية:

وتشمل إخراج الزكاة من المال؛ امتثالًا لأمر الله، والوفاء بالنذر، والجهاد بالمال في سبيل الله عز وجل.

ومن أدلة هذا النوع:

قول الله عز وجل: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) } [البقرة:110] .

وقوله سبحانه وتعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41) } [التوبة:41] .

وقول الله عز وجل: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) } [الإنسان:7] 111.

خامسًا: عبادات مشتركة:

وهي ما اشتملت على نوعين فأكثر من العبادات، منها على سبيل المثال:

الحج: وهي عبادة مركبة من نوعين بدنية ومالية 112.

واتفق الفقهاء على أن من شروط وجوب الحج الاستطاعة؛ لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران:97] .

والاستطاعة أي: القدرة، وتتحقق بأمور منها: وجود المال الذي يكفى ذهابًا وإيابًا 113، فالحج إذًا عبادة لا تقوم إلا بالبدن والمال؛ ولهذا لا يجب إلا عند وجود المال وصحة البدن.

وكذلك العمرة فهي عبادة مركبة من نوعين: بدنية ومالية؛ لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة:196] .

وقد ذهب الفقهاء إلى أنه يجوز أداء العمرة عن الغير؛ لأن العمرة كالحج تجوز النيابة فيها؛ لأن كلًا من الحج والعمرة عبادة بدنية مالية 114.

والجهاد كذلك عبادة مركبة من نوعين: بدنية ومالية.

قال تعالى: {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة:41] .

قال الشوكاني رحمه الله تعالى: «قوله: {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} فيه الأمر بالجهاد بالأنفس والأموال وإيجابه على العباد، فالفقراء يجاهدون بأنفسهم، والأغنياء بأموالهم وأنفسهم، والجهاد من آكد الفرائض وأعظمها» 115.

وقال تعالى: {وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} [النساء:95] .

قال ابن عاشور: «وقوله: {بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} ، لأن الجهاد يقتضي الأمرين: بذل النفس وبذل المال» 116.

والصلاة تشتمل على عبادات قلبية وقولية وعملية.

قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) } [الأنعام:162] .

فالصلاة في الشرع يراد بها: العبادة المُبتدئَة بالتكبير المُخْتتمَة بالتسليم، التي تشتمل على عبادات قلبية وقولية وعملية، فالصلاة تشتمل على أنواع العبادة في القلب: من الخشوع، والخشية، والإقبال على الله سبحانه وتعالى، وباللسان: من التكبير، والتحميد، والثناء على الله، وتلاوة كتابه الكريم، ومناجاة الرب سبحانه وتعالى، وبالجوارح: من القيام، والركوع، والسجود، والجلوس، فالصلاة عبادة عظيمة، يجتمع فيها ما لا يجتمع في غيرها من أنواع العبادات؛ ولذلك جعلها الله عمود الإسلام، وجعلها الركن الثاني من أركان الإسلام 117.

كان الناس أمة واحدة على دين واحد بعد أبينا آدم عليه السلام، واستمروا على ذلك فترة من الزمن، حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله الرسل لدعوتهم إلى عبادة الله وترك عبادة ما سواه، وكان أول الرسل نوح عليه السلام.

وقد تحدث القرآن الكريم عن عبادة غير الله عز وجل كثيرًا، ويمكن إيجازها في النقاط الآتية:

أولًا: النهي عن عبادة غير الله:

لقد بعث الله سبحانه وتعالى في كل أمة من الأمم رسولًا يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وينهاهم عن عبادة ما زينه الشيطان لهم وأوقعهم فيه من عبادة ما سواه.

قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل:36] .

قال السعدي: «يخبر تعالى أن حجته قامت على جميع الأمم، وأنه ما من أمة متقدمة أو متأخرة إلا وبعث الله فيها رسولًا، وكلهم متفقون على دعوة واحدة ودين واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} » 118.

والطاغوت: كل ما عبد من دونه إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، سواء كان إنسانًا ذلك المعبود، أو شيطانًا، أو وثنًا، أو صنمًا، أو كائنًا ما كان من شيء 119.

وقد أخبر الله تعالى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن دعوته إلى عبادة الله تعالى وحده والنهي عن عبادة ما سواه، هي دعوة الرسل من قبله.

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) } [الأنبياء:25] .

وقد قام الأنبياء والرسل جميعًا بذلك، فما منهم من أحد إلا قال لقومه: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [المؤمنون:32] .

وقد احتدم الصراع بين دعاة الحق وأنصار الباطل بين الرسل وأممهم، وخلال هذا الصراع الرهيب تحطمت الأصنام وتهاوت الأوثان، وانخذل الشرك وأهله، وانتصر الحق ودعاته 120.

المعبودات من دون الله لا تملك شيئًا لعابديها:

أخبر الله عزو جل في كتابه عن جهل المشركين في عبادتهم لمن لا يملك لهم نفعًا، ولا ضرًا، ولا نصرًا، ولا رزقًا، في أكثر من آية.

منها: قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55) } [الفرقان:55] .

قال ابن كثير في هذه الآية: «يخبر تعالى عن جهل المشركين في عبادتهم غير الله من الأصنام، التي لا تملك لهم نفعًا ولا ضرًا، بلا دليل قادهم إلى ذلك، ولا حجة أدتهم إليه، بل بمجرد الآراء والتشهي والأهواء، فهم يوالونهم، ويقاتلون في سبيلهم؛ ولهذا قال: {وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا} أي: عونا في سبيل الشيطان على حزب الله، وحزب الله هم الغالبون، كما قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75) } [يس:74 - 75] .

أي: آلهتهم التي اتخذوها من دون الله لا تملك لهم نصرًا، وهؤلاء الجهلة للأصنام جند محضرون يقاتلون عنهم، ويذبون عن حوزتهم، ولكن العاقبة والنصرة لله ولرسوله في الدنيا والآخرة» 121.

وفي قوله تعالى: {لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} معنى لطيف ذكره الرازي: «وهو أنه تعالى لما قال: {لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ} أكدها بأنهم لا يستطيعون نصرهم حال ما يكونون جندًا لهم ومحضرون لنصرتهم، فإن ذلك دال على عدم الاستطاعة، فإن من حضر واجتمع ثم عجز عن النصرة يكون في غاية الضعف بخلاف من لم يكن متأهبًا ولم يجمع أنصاره» 122.

وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (73) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (74) } [النحل:73 - 74] .

وفي هذه الآيات تقريع للكفار وتوبيخ لهم، وإظهار لفساد نظرهم فهذه الأصنام لا تملك توفير الرزق لعبدتها ولا تستطيع فعل شيء، فآية: {وَلَا يَسْتَطِيعُونَ} نفي الملك وتحصيل الملك، ومن لا يملك شيئا وهي الأصنام، ليس في استطاعتها تحصيل الملك، أي: إنها لا تملك شيئًا، ولا تستطيع تمليك شيء، والنتيجة لذلك أنكم أيها الوثنيون لا تجعلوا لله أندادًا وأشباهًا وأمثالًا، ولا تشبهوه بخلقه، فمعنى قوله تعالى: {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ} لا تمثلوا لله الأمثال، وإن الله يعلم ويشهد أنه لا إله إلا هو، وأنتم أيها البشر الوثنيون بجهلكم تشركون به غيره 123.

وقد ضرب الله الأمثال في القرآن لبيان حال هذه المعبودات، وأنها ضعيفة وعاجزة.

ومن هذه الأمثال، قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) } [الحج:73] .

قال ابن القيم رحمه الله تعالى حول هذا المثل: «حقيق على كل عبد أن يستمع لهذا المثل، ويتدبره حق تدبره، فإنه يقطع موارد الشرك من قلبه، وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده، وإعدام ما يضره، والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق ذباب، ولو اجتمعوا كلهم لخلقه فكيف ما هو أكبر منه، ولا يقدرون على الانتصار من الذباب، وإذا سلبهم الذباب شيئًا مما عليهم من طيب ونحوه فيستنقذونه منه، فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوان، ولا على الانتصار منه، واسترجاع ما يسلبهم إياه فلا أعجز من هذه الآلهة، ولا أضعف منها فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله تعالى؟! وهذا المثل من أبلغ ما أنزله الله سبحانه في بطلان الشرك وتجهيل أهله وتقبيح عقولهم» 124.

ثانيًا: إنكار المعبودات من دون الله لعابديها:

أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أن هذه المعبودات التي عبدت من دون الله، سواءً كانت من الحجر، أو من البشر، أو من الملائكة، أو من الجن، سوف تنكر عابديها يوم القيامة وتتبرأ من ذلك.

قال تعالى في شأن إبليس: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) } [إبراهيم:22] .

قال السعدي في هذه الآية: «أي: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ} الذي هو سبب لكل شر يقع ووقع في العالم، مخاطبًا لأهل النار ومتبرئًا منهم {لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ} ودخل أَهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهلُ النَّارِ النَّارَ {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ} على ألسنة رسله، فلم تطيعوه {وَوَعَدْتُكُمْ} الخير {فَأَخْلَفْتُكُمْ} أي: لم يحصل ولن يحصل لكم ما منيتكم به من الأماني الباطلة {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ} أي: من حجة على تأييد قولي، {إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} أي: هذا نهاية ما عندي أني دعوتكم إلى مرادي وزينته لكم، فاستجبتم لي اتباعًا لأهوائكم وشهواتكم {فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} فأنتم السبب وعليكم المدار في موجب العقاب، {مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ} أي: بمغيثكم من الشدة التي أنتم بها {وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} كل له قسط من العذاب {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ} أي: تبرأت من جعلكم لي شريكًا مع الله، فلست شريكًا لله ولا تجب طاعتي» 125.

والإشراك الذي كفر به إشراكهم إياه في العبادة بأن عبدوه مع الله؛ لأن من المشركين من يعبدون الشياطين والجن، فهؤلاء يعبدون جنس الشيطان مباشرة، ومنهم من يعبدون الأصنام فهم يعبدون الشياطين بواسطة عبادة آلهته 126.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت