لقد كان شأن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند سماعهم القرآن وتلاوته الخشوع والبكاء والسجود، وقدوتهم وأسوتهم في ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ علي، قال: قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل، قال: إني أشتهي أن أسمعه من غيري، قال: فقرأت النساء حتى إذا بلغت: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) } [النساء: 41] .
قال لي: كف -أو أمسك- فرأيت عينيه تذرفان) 106.
الإسناد معتمدٌ أصيل، وطريق متين، والقرآن الكريم أعظم المنقولات إسنادًا، وأقدسها اتصالًا، فهو وحي رباني، اتصل بالخالق سبحانه، ونقل عن طريق أمين الوحي جبريل عليه السلام، ونزل على قلب إمام المنذرين، وسيد الخلق أجمعين، يوضح منزلة هذا الإسناد ما يلي:
أولًا: الإسناد إلى الله تعالى:
قراءة القرآن عظمت هيبتها، وعلت منزلتها، وازداد جلالها حينما اتصل سندها بالله عز وجل، فمصدرها طريقٌ إلهي، ووحيٌ رباني، وقد أشار الله في كتابه إلى هذا السند المعظم، والاتصال المقدس، فقال سبحانه: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشعراء: 192 - 194] .
أي: أنزله الله إليك بواسطة أمين الوحي جبريل عليه السلام، وجبريل تلقاه عن الله تعالى سماعًا.
فقد جاء في الحديث عن النواس بن سمعان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله، فإذا سمع أهل السماء صعقوا، وخروا سجدا، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فينتهي به إلى الملائكة، فكلما مر بسماء سأله أهلها ماذا قال ربنا؟ قال: الحق، فينتهي به حيث أمر) 107.
وقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} [النمل: 6] .
يقول ابن قتيبة: «أي: يلقى عليك القرآن فتلقاه أنت، أي: تأخذه من عند حكيم عليم» 108.
وأخبر الله أنه هو الذي سيقرئ نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأمره باتباع قراءته، ليتعلم كيفيتها وطريقتها، وهو المتكفل بحفظها له في صدره، قال تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} ، وقال سبحانه: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} أي: إذا تلاه عليك جبريل عليه السلام عن الله عز وجل فاستمع لقراءته، ثم اقرأه كما أقرأك.
يقول ابن عاشور: «وقوله: فإذا قرأناه أي: إذا قرأه جبريل عنا، فأسندت القراءة إلى ضمير الجلالة على طريقة المجاز العقلي، والقرينة واضحة» 109.
وقال تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} [البقرة: 252] .
فأسند سبحانه التلاوة إلى نفسه؛ لأنها كلامه الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم بواسطة الملك، وأمر الملك أن يتلوه عليه مبلغًا عنه سبحانه 110.
ثانيًا: الإسناد إلى جبريل عليه السلام:
أخبر الله بالواسطة بينه سبحانه وبين نبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم في نقل القرآن أنه روح القدس، الملك القوي الكريم، جبريل الأمين عليه السلام، وأقسم سبحانه على فضله، ورفعة منزلته بين الملائكة، مشيدًا بعلو سند القرآن وجلالته فقال سبحانه: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) } [التكوير: 15 - 21] .
يقول ابن سعدي: «وهذه آيات عظام، أقسم الله بها على علو سند القرآن، وجلالته، وحفظه من كل شيطان رجيم فقال: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} وهو: جبريل عليه السلام نزل به من الله تعالى، ووصفه الله بالكريم لكرم أخلاقه، وكثرة خصاله الحميدة، فإنه أفضل الملائكة، وأعظمهم رتبة عند ربه» 111.
قال تعالى: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم: 5] .
أي: نزل بالوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام، شديد القوة على تنفيذ ما أمره الله بتنفيذه، وعلى إيصال الوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الصفة التي كان يأتيه جبريل عليه السلام بالوحي عليها، فقد سأله الحارث بن هشام رضي الله عنه فقال: (يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول) ، قالت عائشة رضي الله عنها: (ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا) 112.
وهذه الحالة والتي يكون فيها جبريل عليه السلام على هيئته الملكية هي التي نزل القرآن الكريم جميعه عن طريقها.
يقول ابن حجر: «والصلصلة المذكورة صوت جبريل بالوحي والحكمة في تقدمه أن يقرع سمعه صلى الله عليه وسلم الوحي فلا يبقى فيه مكان لغيره» 113.
ثالثًا: الإسناد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
اصطفى الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، وشرفه بتبليغ رسالته، وتلاوة كتابه، وأمره بإقراء أمته، فقال سبحانه: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الرعد: 30] .
أي: لتبلغهم ما أرسلتك به إليهم من وحيي الذي أوحيته إليك، وتقرأ عليهم القرآن» 114.
وقال تعالى: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ} [النمل: 92] .
أي: وأن أتلوا القرآن على الناس، فحذف متعلق التلاوة لظهوره، فقام صلى الله عليه وسلم بمهمته خير قيام، وأقرأ صحابته رضي الله عنهم الكرام.
ووصفه الله بصفة تلاوة القرآن وقراءته تشريفًا وتكريمًا فقال سبحانه: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} [آل عمران: 164] .
يقول الرازي: «فقوله: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} إشارة إلى كونه مبلغًا لذلك الوحي من عند الله إلى الخلق» 115.
ويقول ابن عاشور: «وابتدأ بالتلاوة؛ لأن أول تبليغ الدعوة بإبلاغ الوحي، وثنى بالتزكية لأن ابتداء الدعوة بالتطهير من الرجس المعنوي وهو الشرك، وما يعلق به من مساوئ الأعمال والطباع، وعقب بذكر تعليمهم الكتاب؛ لأن الكتاب بعد إبلاغه إليهم تبين لهم مقاصده ومعانيه وتعليم الحكمة هو غاية ذلك كله؛ لأن من تدبر القرآن وعمل به وفهم خفاياه نال الحكمة» 116.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتولى تعليم أصحابه رضي الله عنهم قراءة القرآن، ويقرئهم بما أقرأه جبريل عليه السلام، ويقرأ عليهم، ويأمرهم بالقراءة عليه.
فقد ورد عن عثمان رضي الله عنه، وابن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان يقرئهم العشر الآيات، فلا يجاوزونها إلى عشرٍ أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فيعلمهم القرآن والعلم والعمل جميعًا) 117.
يقول السخاوي: «كان القراء في الأمر الأول يقرأ المعلم على المتعلم اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يتلو كتاب الله عز وجل على الناس كما أمره الله عز وجل، كذلك كان جبريل عليه السلام يعرضه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يلقنونه من يتعلمه خمسًا خمسًا، ويقولون: إن جبريل عليه السلام كذلك كان يلقنه رسول الله صلى الله عليه وسلم» 118.
لقد أشار القرآن الكريم إلى أقسام الناس في حالهم مع قراءة القرآن من حيث الانتفاع وعدمه، والإعراض والهجر مبينًا صفاتهم، وموضحًا أسباب كل حالٍ من أحوالهم ووسائله وموجباته، يوضح ذلك ما يلي:
أولًا: القراء المنتفعون بالقراءة:
أشار القرآن الكريم إلى أن المنتفعين بقراءة القرآن وتلاوته هم المؤمنون خاصة، فإذا قرؤوا القرآن وسمعوا قراءته زادتهم قوةً في التصديق، وشدةً في الإذعان، ورسوخًا في اليقين، ونشاطًا في الأعمال الصالحة، وسعةً في العلم والمعرفة، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2] .
يقول ابن سعدي: «يحدث في قلوبهم رغبة في الخير، واشتياقًا إلى كرامة ربهم، أو وجلًا من العقوبات، وازدجارًا عن المعاصي، وكل هذا مما يزداد به الإيمان» 119.
قال تعالى: {كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 2] .
يقول القرطبي: «خص المؤمنين لأنهم المنتفعون به» 120.
ومن صفات المنتفعين بقراءة القرآن أنهم أهل خشية وخوف من الله عز وجل، يظهر ذلك على جوارحهم.
قال تعالى: {طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [طه: 1 - 3] .
فخص بالتذكرة من يخشى دون غيرهم، لأنهم هم المنتفعون بها، كقوله تعالى: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45] 121.
وقال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23] .
يقول ابن كثير: «كان الصحابة رضي الله عنهم عند سماعهم كلام الله من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تقشعر جلودهم، ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله، ولم يكونوا يتصارخون ولا يتكلفون ما ليس فيهم، بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك؛ ولهذا فازوا بالقدح المعلى في الدنيا والآخرة» 122.
قال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 82] .
وفيض دموعهم؛ لمعرفتهم بأن الذي يتلى عليهم من كتاب الله الذي أنزله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حقٌ.
ومن صفات المنتفعين بقراءة القرآن الكريم الاهتداء بهديه في السير على الطريق المستقيم في حياتهم الموصل إلى رضوان الله، قال تعالى: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 16] .
يقول ابن كثير: «ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك، فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أحب الأمور، وينفي عنهم الضلالة، ويرشدهم إلى أقوم حالة
وقال: وهذه صفة المؤمنين المنتفعين بالقرآن، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة، وطريق السلامة في جميع الاعتقادات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات» 123.
ثانيًا: القراء غير المنتفعين بالقراءة.
لقد أخبر الله في كتابه العزيز بأن الذين لا يؤمنون بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا ينتفعون بقراءة القرآن وتلاوته، ففي آذانهم ثقل عن استماعه، وفي قلوبهم عمى فلا يبصرون هدايته.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فصلت: 44] .
يقول الطبري: «وهذا القرآن على قلوب هؤلاء المكذبين بها عمى عنه، فلا يبصرون حججه عليهم، وما فيه من مواعظه» 124.
قال قتادة: «عموا عن القرآن وصموا عنه، فلا ينتفعون به» 125.
لقد أشار الله في كتابه إلى أن عدم الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم مانع قوي وعظيم من الانتفاع بالقرآن الكريم عند سماعه وقراءته؛ لأنه يطفئ نور القلب ويظلمه، ويرين عليه، ويحجبه، ويجعله في قفل وغطاء وأكنة، ويختم عليه، ويحمله على الإنكار، بل ويعطل الحواس من سمع وبصر وعقل عن الفهم والتدبر.
قال تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [الإسراء: 45 - 46] .
أي: جعلنا بين القرآن إذا قرأته وبين الكفار حجابًا يحول بينهم وبين فهمه وتدبره، والإيمان به، والأكنة: جمع: «كنان» وهو الغطاء الذي يغشى القلب فلا يفقه القرآن، ولا ينتفع به.
يقول ابن كثير: «أن يفقهوه، أي: لئلا يفهموا القرآن، ففي آذانهم الثقل الذي يمنعهم من سماع القرآن سماعًا ينفعهم ويهتدون به» 126.
بل عاقبهم الله بالطبع على قلوبهم، وجعلها غلف كالأوعية المغلقة فلا تعي ولا تفقه ما تقرأه عليهم، قال تعالى: « {وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (58) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 58 - 59] .
ولقد حذر الله في كتابه العزيز من مشابهة أهل الكتاب في قراءتهم للتوراة والإنجيل دون انتفاع بها، أو إيمان بما فيها.
قال تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} [البقرة: 78] .
لا يعلمون من الكتاب إلا قراءة ألفاظٍ دون إدراك معانيها.
يقول ابن سعدي: «ليس لهم حظ من كتاب الله إلا التلاوة فقط» 127.
وعن زياد بن لبيد رضي الله عنه قال: (ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا، قال:(وذاك عند أوان ذهاب العلم، قال: قلنا يا رسول الله يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن، ونقرئه أبناءنا، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة، قال: ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد إن كنت لأراك من أفقه رجلٍ بالمدينة، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل فلا ينتفعون مما فيهما بشيء) 128.
ثالثًا: الهاجرون للقراءة:
جاء الذم في القرآن الكريم لهجر القرآن، ونقل الله عز وجل شكاية رسوله صلى الله عليه وسلم إلى ربه من حال قومه في هجرهم للقرآن وإعراضهم عنه، فقال تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30] .
ونقل الإمام الطبري عن ابن زيد قوله: «لا يريدون أن يسمعوه، وإن دعوا إلى الله قالوا لا، وقرأ: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} [الأنعام: 26] .
قال: ينهون عنه، ويبعدون عنه».
وقال الطبري: وهذا القول أولى بتأويل ذلك، وذلك أن الله أخبر عنهم أنهم قالوا: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} [فصلت: 26] . وذلك هجرهم إياه» 129.
قال القرطبي: «وقيل: معنى {مَهْجُورًا} أي: متروكًا. ونقل عن أنسٍ مرفوعًا: (من تعلم القرآن وعلق مصحفه لم يتعاهد، ولم ينظر فيه، جاء يوم القيامة متعلقًا به يقول يا رب العالمين إن عبدك هذا اتخذني مهجورًا فاقض بيني وبينه) 130.
وجاء الندب في السنة المطهرة إلى قراءة القرآن في البيوت، وعدم هجر قراءة القرآن فيها فتكون كالقبور، فالموتى في قبورهم لا يقرؤون قال تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [الأنعام: 36] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة) 131.
رابعًا: المعرضون عن القراءة:
قراءة القرآن هي الحياة للقلب، والسعادة في الدارين، والإعراض عنها، وعن تدبر القرآن، والعمل به سبب في عقوبات عظيمة:
1.المعيشة الضنك في الحياة الدنيا.
قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى?) [طه: 124] .
فعن ابن عباس رضي الله عنه، قال: «معيشةً ضنكا: الشقاء» 132.
يقول البغوي: « (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي) يعني: القرآن فلم يؤمن به ولم يتبعه، فإن له معيشة ضنكا، ضيقا» 133.
ويقول ابن كثير: « (مَعِيشَةً ضَنْكًا) أي: في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه في قلقٍ وحيرة وشك» 134.
2.يجيء يوم القيامة أعمى منسيًا، يحمل أوزارًا.
قال تعالى: (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى?*قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى? وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا(125) قَالَ كَذَ?لِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ? وَكَذَ?لِكَ الْيَوْمَ تُنسَى?) [طه: 125 - 126] .
فالمعرض عن آيات الله يحشر إلى النار أعمى البصر والبصيرة، في تناسٍ لحاله وعدم اعتبار به، فالجزاء من جنس العمل، فلما أعرض عن آيات الله، وعاملها معاملة من لم يذكره فكذلك يعامله الله معاملة من ينساه 135، بل يحمل حملًا ثقيلًا من الآثام والأوزار، وبئس الحمل حمله يوم القيامة.
قال تعالى: (وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا(99) مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (100) خَالِدِينَ فِيهِ ? وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا) [طه: 100 - 101] .
3.التعرض لانتقام الله عز وجل.
يقول الله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة: 22] .
أي: لا أظلم ممن ذكره الله بآياته وبينها له، ثم بعد ذلك تركها وجحدها، وأعرض عنها وتناساها، كأنه لا يعرفها، وسينتقم الله ممن فعل ذلك أشد الانتقام.
قال قتادة رحمه الله: «إياكم والإعراض عن ذكر الله، فإن من أعرض عن ذكره فقد اغتر أكبر الغرة، وأعوز أشد العوز، وعظم من أعظم الذنوب» 136.
يقول ابن كثير: «وقد أدخل بعض المفسرين - نسيان القرآن في معنى الإعراض - فإن الإعراض عن تلاوة القرآن، وتعريضه للنسيان وعدم الاعتناء به فيه تهاون كثير، وتفريط شديد، نعوذ بالله منه» 137.
والمعرضون عن قراءة القرآن لا ينتفعون به فحالهم كحال الأموات الذين لا يسمعون، قال تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] .
يقول ابن عاشور: «وإن عدم انتفاع المعرضين هو بسبب موت قلوبهم فكأنهم الأموات في القبور، وأنت لا تستطيع أن تسمع الأموات واستعير من في القبور للذين لم تنفع فيهم النذر، وعبر عن الأموات بمن في القبور لأن من في القبور أغرق في الابتعاد عن بلوغ الأصوات؛ لأن بينهم وبين المنادي حاجز الأرض» 138.
أرشد القرآن الكريم إلى قراءته مرتبًا عليها ثمرات عظيمة، ومنافع عديدة، من حصول الأجر، وإصابة الحق، وبلوغ منزلة العلم والخشة لله عز وجل يوضح ذلك ما يلي:
أولًا: ثمرات قراءة القرآن:
قراءة القرآن عبادة عظيمة، ومنزلتها رفيعة، فقد أشار القرآن الكريم إلى ثمراتها، ومنها:
1.قراءة القرآن تجارة مع الله، فكلما ازداد العبد تلاوة للقرآن كلما ازداد أجرًا ومثوبة.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ) [فاطر: 29] .
يقول البغوي: « (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ) يعني: قرأوا القرآن يرجون تجارة لن تبور، لن تفسد ولن تهلك، والمراد من التجارة ما وعد الله من الثواب» 139.
وروي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك. فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة، فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار) 140.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) 141.
2.من ثمرات قراءة القرآن حصول الهداية باتباع أوامره واجتناب نواهيه، وهذا حال المؤمنين إذ تلقوا القرآن وقرؤوه ودرسوه وتفقهوا فيه.
قال تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ? أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر: 18] .
فهم الذين هداهم الله، ووفقهم للرشاد، وإصابة الصواب، فهم يميزون بين ما يؤمرون به، وبين ما ينهون عنه 142.