فهرس الكتاب

الصفحة 1974 من 2431

والمعنى: ادع إلى شريعة ربك التي شرعها لخلقه، وهو الإسلام بالحكمة، بوحي الله الذي يوحيه إليك وكتابه الذي ينزله عليك، والموعظة الحسنة، أي: بالعبارة الجميلة التي جعلها الله حجة عليهم في كتابه، وذكرهم بها في تنزيله، كالتي عدد عليهم في هذه السورة من حججه، وذكرهم فيها ما ذكرهم من آلائه: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} يقول: وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها أن تصفح عما نالوا به عرضك من الأذى، ولا تعصه في القيام بالواجب عليك من تبليغهم رسالة ربك 88، وهذ الآية كقوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) } [يوسف:108] .

قال الإمام الرازي: «واعلم أنه تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس بأحد هذه الطرق الثلاثة وهي: الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالطريق الأحسن» 89.

وقال أيضا: ً «ومن لطائف هذه الآية أنه قال: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة فقصر الدعوة على ذكر هذين القسمين؛ لأن الدعوة إذا كانت بالدلائل القطعية فهي الحكمة، وإن كانت بالدلائل الظنية فهي الموعظة الحسنة، أما الجدل فليس من باب الدعوة، بل المقصود منه غرض آخر مغاير للدعوة وهو الإلزام والإفحام؛ فلهذا السبب لم يقل ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل الأحسن، بل قطع الجدل عن باب الدعوة؛ تنبيها على أنه لا يحصل الدعوة، وإنما الغرض منه شيء آخر، والله أعلم» 90.

حيث إن لقمان عليه السلام بدأ بالأهم وهو الدعوة إلى التوحيد والنهي عن الشرك.

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) } [لقمان:13] .

ثم بعد ذلك المهم ومنه الدعوة إلى طاعة الوالدين والإحسان إليهما، كما في قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) } [لقمان:14 - 15] .

وهكذا إلى نهاية الآيات.

فقد انتقل من تعليمه أصول العقيدة إلى تعليمه أصول الأعمال الصالحة فابتدأها بإقامة الصلاة، والصلاة التوجه إلى الله بالخضوع والتسبيح والدعاء في أوقات معينة في الشريعة التي يدين بها لقمان، والصلاة عماد الأعمال؛ لاشتمالها على الاعتراف بطاعة الله وطلب الاهتداء للعمل الصالح. وإقامة الصلاة إدامتها والمحافظة على أدائها في أوقاتها، وشمل الأمر بالمعروف الإتيان بالأعمال الصالحة كلها على وجه الإجمال؛ ليتطلب بيانه في تضاعيف وصايا أبيه، كما شمل النهي عن المنكر اجتناب الأعمال السيئة كذلك، والأمر بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يقتضي إتيان الأمر وانتهاءه في نفسه؛ لأن الذي يأمر بفعل الخير وينهى عن فعل الشر يعلم ما في الأعمال من خير وشر، ومصالح ومفاسد، فلا جرم أن يتوقاها في نفسه بالأولوية من أمره الناس ونهيه إياهم 91.

إن الداعية إلى الله تعالى يتعرض للأذى بكل صوره وأشكاله وعند ذلك يحب أن يصبر على الأذى، وهذا ما وصى به لقمان به ابنه قال تعالى: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) } [لقمان:17] .

وهذه الآية كقوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10) } [المزمل:10] .

وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) } [النحل:127] .

وقوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) } [الأعراف:127 - 128] .

وقوله: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} يقتضي حضًا على تغيير المنكر وإن نال ضررًا فهو إشعار بأن المُغَيرِّ يؤذى أحيانًا، وهذا القدر هو على جهة الندب والقوة في ذات الله، وأما على اللزوم فلا.

وقوله تعالى: {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} يحتمل أن يريد مما عزمه الله وأمر به، قاله ابن جريج، ويحتمل أن يريد أن ذلك من مكارم الأخلاق، وعزائم أهل الحزم، والسالكين طريق النجاة، والأول أصوب 92.

{وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ} ، أي: بحسب طاقتك وجهدك {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} علم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يناله من الناس أذى، فأمره بالصبر، وقوله: {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} أي: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى فيهما من حق عزم الأمور إلى الله بها، أي: هو الذي يعزم عليها لوجوبها 93.

قال سيد قطب: «ثم يتابع لقمان وصيته لابنه بتكاليف العقيدة، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على ما يستتبعه هذا وذلك من مواجهة المتاعب التي لا بد أن تواجه صاحب العقيدة، وهو يخطو بها الخطوة الطبيعية، فيتجاوز بها نفسه إلى غيره: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} ومع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على المصاب الأدب الواجب،. أدب الداعي إلى الله ألا يتطاول على الناس، فيفسد بالقدرة ما يصلح بالكلام: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} والمؤثر النفسي بتحقير التصعير والنفخة ملحوظ في التعبير. وبه تنتهي هذه الجولة الثانية، وقد عالجت القضية ذاتها في مجالها المعهود، بمؤثرات جديدة وبأسلوب جديد.

وهذا هو طريق العقيدة المرسوم، توحيد لله، وشعور برقابته، وتطلع إلى ما عنده، وثقة في عدله، وخشية من عقابه، ثم انتقال إلى دعوة الناس وإصلاح حالهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر.

والتزود قبل ذلك كله للمعركة مع الشر، بالزاد الأصيل، زاد العبادة لله والتوجه إليه بالصلاة،. ثم الصبر على ما يصيب الداعية إلى الله من التواء النفوس وعنادها، وانحراف القلوب وإعراضها،. ومن الأذى تمتد به الألسنة وتمتد به الأيدي، ومن الابتلاء في المال والابتلاء في النفس عند الاقتضاء {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} وعزم الأمور: قطع الطريق على التردد فيها بعد العزم والتصميم» 94.

قال القاضي ابن عطية: «والناس في تغيير المنكر والأمر بالمعروف على مراتب، ففرض العلماء فيه تنبيه الحكام والولاة، وحملهم على جادة العلم، وفرض الولاة تغييره بقوتهم وسلطانهم، ولهم اليد، وفرض سائر الناس رفعه إلى الحكام والولاة بعد النهي عنه قولًا، وهذا في المنكر الذي له دوام، وأما إن رأى أحد نازلة بديهة من المنكر، كالسلب والزنى ونحوه، فيغيرها بنفسه بحسب الحال والقدرة، ويحسن لكل مؤمن أن يحتمل في تغيير المنكر، وإن ناله بعض الأذى، ويؤيد هذا المنزع أن في قراءة عثمان بن عفان وابن مسعود وابن الزبير «يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويستعينون بالله على ما أصابهم» فهذا وإن كان لم يثبت في المصحف ففيه إشارة إلى التعرض لما يصيب عقب الأمر والنهي، كما هي في قوله تعالى: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} [لقمان:17] .

وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة:105] .

معناه: إذا لم يقبل منكم ولم تقدروا على تغيير منكره، وقال بعض العلماء: «المعروف» التوحيد، والمنكر الكفر، والآية نزلت في الجهاد» 95.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يكون بحسب الطاقة والجهد 96.

«ويشترط في الآمر بالمعروف أن يكون له علم، يعلم به أن ما يأمر به معروف، وأن ما ينهى عنه منكر؛ لأنه إن كان جاهلًا بذلك فقد يأمر بما ليس بمعروف، وينهى عما ليس بمنكر، ولاسيما في هذا الزمن الذي عم فيه الجهل وصار فيه الحق منكرا، والمنكر معروفًا، والله تعالى يقول: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) } [يوسف:108] .

فدل على أن الداعي إلى الله لا بد أن يكون على بصيرة، وهي الدليل الواضح الذي لا لبس في الحق معه، وينبغي أن تكون دعوته إلى الله بالحكمة، وحسن الأسلوب، واللطافة مع إيضاح الحق؛ لقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125] .

فإن كانت دعوته إلى الله بقسوة وعنف وخرق، فإنها تضر أكثر مما تنفع، فلا ينبغي أن يسند الأمر بالمعروف إسنادًا مطلقًا، إلا لمن جمع بين العلم، والحكمة، والصبر على أذى الناس؛ لأن الأمر بالمعروف وظيفة الرسل وأتباعهم، وهو مستلزم للأذى من الناس؛ لأنهم مجبولون بالطبع على معاداة من يتعرض لهم في أهوائهم الفاسدة، وأغراضهم الباطلة 97.

ولذا قال العبد الصالح لقمان الحكيم لولده، فيما قص الله عنه: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} [لقمان:17] .

ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لورقة بن نوفل: (أومخرجي هم؟!) يعني: قريشا، أخبره ورقة أن هذا الدين الذي جاء به لم يأت به أحد إلا عودي) 98.

ولا يحكم على الأمر بأنه منكر، إلا إذا قام على ذلك دليل من كتاب الله تعالى، أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم أو إجماع المسلمين.

وأما إن كان من مسائل الاجتهاد فيما لا نص، فلا يحكم على أحد المجتهدين المختلفين بأنه مرتكب منكرًا، فالمصيب منهم مأجور بإصابته، والمخطئ منهم معذور كما هو معروف في محله.

ويشترط في جواز الأمر بالمعروف ألا يؤدي إلى مفسدة أعظم من ذلك المنكر؛ لإجماع المسلمين على ارتكاب أخف الضررين» 99.

لقد احتوت وصايا لقمان الحكيم على مجموعة من المضامين التربوية، نتناولها في النقاط الآتية:

أولًا: تربية النفس:

تكون تربية النفس من خلال غرس عقيدة التوحيد في نفس الطفل.

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) } [لقمان:13] .

لأن أعظم المسائل على الإطلاق هي عقيدة التوحيد وإفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، فمن أجلها خلق الخلق وأنزل الكتب وأرسل الرسل وجعل الجنة والنار.

قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } [الذاريات:56] .

وهي أساس كل شيء، فبدونها تحبط الأعمال، وبها تبدأ تربية النفس الإنسانية،؛لذا فإن أول واجب على الوالدين القيام به هو غرس عقيدة التوحيد في نفس الطفل دون كلل ولا ملل، وتوحيد الله في ذاته وصفاته وأفعاله؛ لأنه هو الواحد الأحد لا شريك له مالك كل شيء، هو الخالق المعطي والمانع النافع الضار، وأن يوجها عواطف ابنهما إلى حب الله تعالى.

فإن أدرك الطفل هذه الأمور تعلق بالله سبحانه وتعالى ولم يتخذ سواه إلها، بل يلجأ إليه في كل أموره، وإلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يحكم إلا بحكم الله تعالى وهو المخبر عنه، ويبتعد عن كل مظاهر الشرك الذي وصفه الله تعالى بأنه ظلم عظيم.

فالعقيدة لابد أن تنعكس على الإنسان وسلوكه، فإذا آمن إيمانا يقينيًا بالله سبحانه وبعلمه ومراقبته الدائمة لعبده، كان هذا الإيمان محددا لسلوك المسلم كفرد، وسلوك الجماعة كأمة مسلمة، فالعقيدة لابد أن تترجم في حياة الفرد الذي يعلم بأن الله يطلع على سره ونجواه، وأن أفعاله مكتوبة وهو محاسب عليها، ولابد أن تترجم في حياة الجماعة فتبني نظام حياتها وفق هذه العقيدة التي آمنت بها، فلا سعادة لهذه النفس الإنسانية، ولا استقامة لها إلا اذا ارتبطت كافة جوانبها بعقيدة التوحيد، ومن هنا يجب على المربي المسلم أن يربط كل جوانب التربية بهذا الأصل الاعتقادي؛ لما له من أهمية كبرى في حياة الإنسان النفسية وتوحد نوازعه وتفكيره وأهدافه، وتجعل كل عواطفه وسلوكه وعاداته قوى متضافرة متعاونة ترمي كلها إلى تحقيق هدف واحد هو الخضوع لله وحده.

ومن تربية النفس التربية على بر الوالدين.

قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) } [لقمان:14] .

ويجب أن نشير إلى أنه يجب على الوالدين إعانة ولدهما على برهما، بأن يكونا متحابين متفاهمين ومتعاونين على تربيته، يعلمه أبوه كيف يبر أمه، وتعلمه أمه كيف يبر أباه، وألا يفرقا بين الأبناء في المعاملة وفي العطية، وألا يفضلا أحد الأبناء على إخوته بسبب صغر سنه أو مرضه؛ لأن هذا من شأنه أن يولد الحقد والضغائن بين الإخوة مما ينعكس سلبًا على العلاقة بين الأباء والأبناء، وألا يثقلا عليه بالأوامر، بل يجب الحديث معه حال الصفاء فيكون أجدر بتقبل النصح، لا بعد اللوم والتوبيخ والضرب؛ لأنه يولد العناد لدى الابن 100.

إضافة إلى أن هذه الطاعة يجب ألا تتجاوز المباحات، فلا يطيع الولد أبويه في الكبائر والمحرمات والمنكرات؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، خاصة إذا كانا مشركين يأمرانه بالشرك، فلا طاعة لهما في ذلك، لكن لا يسقط حقهما في المعاملة الحسنة والصحبة الطيبة.

قال تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) } [لقمان:15] .

من كل هذا يتقرر أن من أول الواجبات التي يجب على الطفل المسلم تعلمها الشكر للوالدين، وأن يكون هذا بعد الإيمان بالله سبحانه وتعالى وحده والشكر له؛ ولهذا جعل لقمان الشكر للوالدين بعد شكر الله عز وجل والإيمان به اعترافًا بحقوقهما ووفاء بمعروفهما.

ومن تربية النفس كذلك التربية على اتباع طريق الصلاح، ويدل على هذا قوله تعالى: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان:15] .

فقد أمر الله تعالى باتباع سبيل من أناب إليه، والمعنى: واسلك طريق من تاب من شركه، ورجع إلى الإسلام، واتبع محمدًا صلى الله عليه وسلم 101.

ويكون توجيه الطفل إلى مصاحبة ومجالسة كل شخص إن كان منيبًا إلى الله تعالى راجعًا إليه متبعًا طريقه وهديه، فهو أحق بأن يحترم ويحب ويتبع، فإن نشأ الولد على أن الميزان في اختيار الأصحاب والشيوخ أن يكونوا مطيعين لله منيبين إليه وإلا فليس لهم طاعة ولا احترام، إلا إذا أطاعوا الله ورجعوا إليه فإنه لا يتقبل ما يراه في محيطه إلا إذا كان موافقًا لأمر الله، حتى وإن أعجبه وأراد تقليده لا يفعل ذلك إلا إذا وزنه بميزان الشرع، فيصير لديه مناعة من الشر والباطل الكثير الذي انتشر في المجتمع خاصة في وقتنا هذا 102.

ويدخل في تربية النفس التربية على مراقبة الله تعالى في كافة الأحوال والأعمال.

قال تعالى: {يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) } [لقمان:16] .

وفي هذه الآية يكشف لقمان لابنه عن علم الله، وبسطة سلطانه، حتى يعبده عن علم به، ومعرفة بما ينبغي له من كمال وجلال.

فالله سبحانه، الذي يستحق أن يعبد، وأن يفرد بالعبادة، هو المالك لهذا الوجود، العالم بكل صغيرة وكبيرة فيه حتى الحبة من الخردل، وهى من الصغر بحيث لا تكاد تمسك بها الأصابع هذه الحبة، إن تكن في أي مكان في هذا الوجود إن تكن في صخرة، أي: صخرة من صخور الأرض، أو تكن في السموات التي لا حدود لها، أو تكن في الأرض، على أي عمق منها، وفي أي مكان فيها- هذه الحبة الضالة الغارقة في بحر هذا الوجود، يأتي بها الله، ويخرجها من هذه الأعماق السحيقة في أحشاء الكون {إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} ينفذ نور لطفه إلى كل شيء، {خَبِيرٌ} متمكن من كل شيء، ويعلم كل شيء علمًا كاشفًا 103.

وهذه إشارة إلى أن الله يأتي بالحسنة والسيئة مهما كانت صغيرة مما يُوَلِّدُ لدينا الخوف منه تعالى ومراقبته في القول والعمل، وفي السر والعلن، كذلك الولد مهما حاولنا مراقبته، فإننا لا نستطيع مراقبته في كافة أحواله، لكن إن زرعنا فيه مراقبة الله تعالى، فأننا لا نحتاج إلى كثير متابعة ولا كثير تنبيه.

فإن استوعب الولد أن الله تعالى يعلم كل كبيرة وصغيرة في الجهر والخفاء فإنه سيراقب الله عز وجل في كل أقواله وأفعاله، فلا يعمل شيئا بدون إخلاص ولا يعمل شيئا لغير الله تعالى.

ومن تربية النفس التربية على أداء العبادات.

قال تعالى: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ} [لقمان: 17] .

وتعتبر الصلاة الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي عماد الدين، أمر الله تعالى عباده بالمحافظة عليها حال السفر والحضر، حالة الصحة والسقم، والأمن والخوف، وإقامتها تعني أداءها في وقتها بأركانها وواجباتها بخشوع، على النحو المرضي، لما فيها من رضا الرب بالإقبال عليه والإخبات له، ولما فيها من النهى عن الفحشاء والمنكر، وإذا تم ذلك صفت النفس وأنابت إلى بارئها في السراء والضراء 104.

فإن أداها المؤمن حق الأداء، فإنه يصل إلى قمة السمو الأخلاقي، فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي غذاء الروح، تمد الإنسان بطاقة هائلة تعينه على مواجهة المشقات والمكاره في حياته ومقاومتها.

ثم بعد ذلك تأتي التربية على الصبر على الدعوة ومشاقها.

قال تعالى: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) } [لقمان:17] .

والصلاة هي رأس العبادات في كل شريعة، وهى عمود الدين في كل دين ولهذا كان مقامها هنا هو المقام الأول: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ} ثم جاء بعد ذلك، ما تعطيه الصلاة من ثمر، وهو إصلاح كيان الإنسان، وتنقيته من الشوائب والأدران، فيصبح رسولا كريمًا من رسل الهدى والخير في الناس، حيث ائتمر بالمعروف، وانتهى عن المنكر، وهذا ما يدعوه إلى أن يكون داعيًا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، إن لم يكن بلسانه، فيعمله، وبما يجد الناس فيه، من الأسوة الطيبة والقدوة الصالحة!!

فمن ائتمر بالمعروف وانتهى عن المنكر، كان أشبه بالمرآة الصقيلة يرى الناس عليها وجه الخير والإحسان، فيتمثلونه ويتخذونه قدوة لهم 105.

ثانيًا: أسس التربية الإسلامية من خلال وصايا لقمان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت