ولم يكتف التشريع القرآني بفرض حقوق مالية للفقراء والمساكين في أموال الأغنياء فحسب، بل فرض على المخالفين لأحكامه الشرعية أن يدفعوا جزءًا من مالهم عند كل مخالفة لأحكام الشريعة حدد لها كفارة تكفيرًا عن تلك المخالفة، من ذلك: كفارة اليمين.
قال تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَ?كِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ? فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ) [المائدة:89] .
ومنها: كفارة الظهار، قال تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينً) [المجادلة:4] .
ومنها: كفارة التمتع في الحج، قال تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ?) [البقرة: 196] .
ومنها: كفارة قتل الصيد في الحج، قال تعالى: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَ?لِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ? [المائدة: 95] .
وشرع تبارك وتعالى الفدية لمن لم يتمكن من العباد المكلفين من القيام ببعض ما افترض الله عليهم أو لمن لا يتمكن من أدائه على الوجه الأكمل، فقد أباح لهم الفطر ورخصة لهم مقابل فدية.
قال تعالى: (أَوْ عَلَى? سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ? وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ? فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ? وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ? إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة:184] .
وشرع لهم الأضاحي والهدى فقال تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى? مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ? فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ھ) [الحج: 28] .
وقال تعالى: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ? فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ? فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) [الحج: 36] .
أي: الفقير الذي لا يسأل تقنعًا، وتعففًا، والفقير الذي يسأل، فكل منهما له حق فيهما 54.
وشرع لهم الحقوق التطوعية من الأموال، كالصدقات في قوله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ? وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة:271] .
وفي الغنيمة للفقراء والمساكين، قال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) [الأنفال: 41] .
وفي الفيء في قوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى? رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى? فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ?ں) [الحشر:7] .
وفي النفقات والإحسان إليهم، قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ? قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ? وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ(215 ) ) [البقرة: 215] .
وجعل من أسباب المغفرة، الإنفاق على الضعفاء من اليتامى والمساكين، فقال تعالى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ?11?وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ?12?فَكُّ رَقَبَةٍ ?13?أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ?14?يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ?15?أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ?16?ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ?17?أُولَ?ئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ?18?) [البلد:11 - 18] .
وذكر تعالى أنه يسلط عقوبته في الحياة الدنيا على من منع إعطاء حق المساكين والفقراء، فقال تعالى: (( 17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى? حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى? حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) [القلم:17 - 27] .
وقد ذم الكفار لاتصافهم بترك إطعام المسكين ترهيبًا لمن يحذو حذوهم، فقال تعالى: (إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ?33?وَلَا يَحُضُّ عَلَى? طَعَامِ الْمِسْكِينِ ?34?) [الحاقة: 33 - 34] .
وذكر أن من ترك الإنفاق عليهم والاهتمام بإطعامهم، من أوصاف أهل النار، فقال تعالى: (إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) [المدثر: 39 - 44] .
ثانيًا: الضعفاء لأسباب بدنية (أولوا الضرر) :
لا شك أن منزلة ذوي الاحتياجات الخاصة من مبادئ الإسلام كسائر ما ينزل بساحة الفرد أو الجماعة من المسلمين من إبتلاء، وبمقتضى العقيدة الإسلامية ينبغي استقباله على أنه قدر الله عز وجل المكتوب في الأزل لا راد له إلا هو.
قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ? وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ(155 ) ) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَ?ئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة: 155 - 157] .
وقد أولى الإسلام ذوي الاحتياجات الخاصة عناية فائقة، وراعي ظروفهم واعتني بشئونهم، وأوجب عليهم من العطف واللطف مالم يفعله مع غيرهم، فجعل لهم أسس لمعاملتهم، وطرق الإنفاق عليهم، كما يتجلى ذلك في القرآن الكريم والسنة النبوية، نذكر منها:
••على المستوى النفسي:
فقد اهتم الإسلام بهذا الجانب اهتمامًا كبيرًا فحفظ لهم هذا الاعتبار الأدبي في أحكام الشرع ما ورد من النهي عن السخرية من الآخرين والتنابز بالألقاب، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى? أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى? أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ? وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ? بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ?) [الحجرات: 11] .
والتنابز بالألقاب: هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، وعم الله تعالى بنهيه ذلك ولم يخصص به بعض الألقاب دون بعض، فغير جائز لأحد من المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكرهه، أو صفة يكرهها 55.
ولا شك أن مناداة صاحب الاحتياجات الخاصة بها من أكره الأشياء إلى قلبه.
••على المستوى البدني:
لقد وضع الإسلام عن ذوي الاحتياجات الخاصة كثيرًا من التكاليف وخفف عنهم في أخرى، كما دلت على ذلك أحكام كثيرة وشواهد عديدة، كسبب نزول قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وانفسهم) [النساء: 95] .
فعن سهل بن سعد الساعدي أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه:(لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [النساء:95] .
فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها علي قال: يارسول الله، والله لو استطيع الجهاد لجاهدت-وكان أعمى- فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه فأنزل الله: (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) 56.
ومعنى الآية الكريمة: لا يعتدل المتخلفون عن الجهاد في سبيل الله من أهل الإيمان بالله وبرسوله، المؤثرون الدعة والخفض والقعود في منازلهم على مقاساة حزونة الأسفار والسير في الأرض، ومشقة ملاقاة أعداء الله بجهادهم في ذات الله، وقتالهم في طاعة الله، إلا أهل العذر منهم بذهاب أبصارهم، وغير ذلك من العلل التي لا سبيل لأهلها - للضرر الذي بهم- إلى قتالهم وجهادهم في سبيل الله 57.
وخفف الشارع الحكيم عليهم من بعض التكاليف الشرعية بما يوافق حالهم ويناسب ضعفهم ويتماشى مع إعاقتهم أو إصابتهم، ومن ذلك قوله تعالى: (لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى? وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ? مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌھ) [التوبة: 91] .
ومعنى الآية: ليس على الضعفاء العاجزين عن القتال لعلة في تكوينهم، أو لشيخوخة تقعدهم، ولا على المرضى الذين لا يستطيعون الحركة والجهد، ولا على المعدمين الذين لا يجدون ما يتزودون به ليس على هؤلاء حرج إذا تخلفوا عن المعركة في الميدان، وقلوبهم مخلصة لله ورسوله، لا يغشون ولا يخدعون، ويقومون بعد ذلك بما يستطيعونه-دون القتال- من حراسة أو صيانة أو قيام على النساء والذرية في دار الإسلام، أو أعمال أخرى تعود بالنفع على المسلمين. ليس عليهم جناح، وهم يحسنون بقدر ما يستطيعون. وقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى? حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ?) [الفتح: 17] .
فالأعمى والأعرج معهما عذر دائم هو العجز المستمر عن تكاليف الخروج والجهاد، والمريض معه عذر موقوت بمرضه حتى يبرأ.
••وعلى المستوى الاجتماعي:
وكفى بهذه المكانة الاجتماعية لذوي الاحتياجات الخاصة من خلال حدث مهم سجله القرآن الكريم في قوله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَآءهُ الأعْمَى* وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى* أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى*أَمَّا مَنِ سْتَغْنَى* فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى* وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى* وَأَمَّا مَن جَآءكَ يَسْعَى* وَهُوَ يَخْشَى* فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى) [عبس: 1 - 10] .
سبب نزول هذه الآيات الكريمات، أنه جاء رجل من المؤمنين أعمى يسأل النبي صلى الله عليه وسلم ويتعلم منه، وهو عبدالله ابن أم مكتوم رضي الله عنه، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم رجل من الأغنياء، وكان صلى الله عليه وسلم حريصًا على هداية الخلق، فمال صلى الله عليه وسلم، وأصغى إلى الغني، وصد عن الأعمى الفقير، رجاء لهداية ذلك الغنى، وطمعًا في تزكيته، فعاتبه الله بهذا العتاب اللطيف 58.
ومن المستوى الاجتماعي أيضًا: الدمج والانسجام في المجتمع، فقد حرص الإسلام على الانسجام الاجتماعي من جهة ودمج ذوي الاحتياجات الخاصة في النسيج الاجتماعي.
وهذا ما أكد عليه القرآن في قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى? حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى? أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ? لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا) [النور: 61] .
والمعنى: أنهم كانوا يتحرجون من الأكل مع الأعمى، لأنه لا يرى الطعام وما فيه من الطيبات، فربما سبقه غيره إلى ذلك ولا مع الأعرج، لأنه لا يتمكن من الجلوس، فيفتات عليه جليسه، والمريض لا يستوفي من الطعام كغيره، فكرهوا أن يؤاكلوهم لئلا يظلموهم، فأنزل الله هذه الآية رخصة في ذلك. قال الضحاك: كانوا قبل البعثة يتحرجون من الأكل مع هؤلاء تقذرًا وتعززًا ولئلا يتفضلوا عليهم، فأنزل الله هذه الآية 59.
••على المستوى المادي:
فلهم في أموال القادرين حق معلوم يحقق لهم كفايتهم فيكفل لهم مستوى العيش الكريم بتوفير الغذاء والكساء والمسكن والدواء.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ?24?لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ?25?) [المعارج: 24 - 25] .
ثانيًا: نصرة الضعفاء والمحتاجين:
النصرة في الدين من الإيمان بالله عز وجل، وقد قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: 10] .
ونصرة الضعفاء والمحتاجين من الإيمان، قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ? لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ?74?) [الأنفال: 74] .
بل عقد الله تعالى بينهم وبين هؤلاء الضعفاء عقد موالاة ومحبة فقال: (أُولَ?ئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ?) [الأنفال: 72] .
والولاية هي المحبة والمودة والمناصرة، فلقد اهتم الإسلام اهتمامًا كبيرًا بالضعفاء من الفقراء والمساكين وأبناء السبيل وذوي الاحتياجات الخاصة، وحدد الدين الإسلامي مسئولية المسلم نحو مجتمعه وأكد على كرامة الفرد واحترامه وإعطاء كل ذي حق حقه، وأوجب نصرته وعدم خذلانه، لأن ترك النصرة والإعانة شيء شنيع، فلابد من نصرة المسلم للمسلم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ولينصر الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا) 60.
والمعنى: إذا كان مظلومًا أن تأخذ له بحقه، وإذا كان ظالمًا أن تأخذ له من نفسه، وأن تأخذ على يديه، والنصرة هي الإعانة. وقد أمر الشارع الحكيم بنصرة الضعفاء والمحتاجين وإعطائهم حقوقهم ويكون ذلك بأمور:
منها: الدفاع عنهم وعدم تركهم مع من يؤذيهم: لقوله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا -ويشير إلى صدره ثلاث مراتٍ- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرامٌ دمه وماله وعرضه) 61.
أي: لا يتركه مع من يؤذيه ولا فيما يؤذيه، بل ينصره ويدفع عنه، وهذا أخص من ترك الظلم، وقد يكون واجبًا وقد يكون مندوبًا بحسب اختلاف الأحوال 62.
ويتجلى رقى الإسلام ونصرته للضعفاء في الحفاظ على كرامة الخادم وعدم إهانته وتوفير مقومات الحياة الكريمة له، وتوفير كل أشكال الحماية لهم من الذين قد يدفعهم المال أو المنصب أو السلطان إلى ظلم عباد الله والإساءة إليهم.
وقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في التعامل معهم واحترام مشاعرهم، وهذا أنس رضي الله عنه يحدثنا عن رحمته وشفقته بالخدم، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا. فأرسلني يومًا لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت حتى أمر على صبيانٍ وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي، قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: ياأنيس أذهبت حيث أمرتك؟ قلت: نعم، أنا أذهب يارسول الله. قال أنس: والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشيءٍ صنعته: لم فعلت كذا وكذا؟ أو لشيءٍ تركته: هلا فعلت كذا وكذا) 63.
ومنها: ستر عيوبهم وقضاء حوائجهم وتنفيس كرباتهم: بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الجزاء من جنس العمل فذكر فضل إعانة المؤمن أخاه المؤمن في الدنيا، وكذلك فضل تفريج كربه، وستر عيبه.
قال تعالى: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ? وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا) [النساء: 85] .
والشفاعة الحسنة: أن توصل الخير إلى الغير، وأن تسعى في قضاء حوائجهم دون أن يأخذوا ما ليس بحقهم، أو أن يعتدوا على حق الغير.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يستر عبدٌ عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة) 64.
وعنه أيضًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نفس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) 65.
ومنها: تفعيل دور وسائل الإعلام في رعاية الضعفاء والمحتاجين ونشر قضياهم، والدعوة لنصرتهم وإعانتهم وذلك من خلال توجيه الناس بعدم التحقير والتقليل من شأنهم، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم) 66.
والقيام بذكر قضاياهم وإشهار حقوقهم وتبيين المظالم التي وقعت عليهم، يقول سبحانه وتعالى: (لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ? وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا) [النساء:148] .
وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يترك أحدًا من أصحابه قريبًا أو بعيدًا إلا ونصره، روي البخاري بسنده، أن أنس ابن مالك حدث (أن الربيع وهي ابنة النضر-وهي عمة أنس- كسرت ثنية جارية، فطلبوا إليها العفو فأبوا، فعرضوا الأرش فأبوا، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوا إلا القصاص، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص.
فقال أنس بن النضر: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتكسر ثنية الربيع؟ لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أنس كتاب الله القصاص) .
فرضي القوم فعفوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره) 67.
أولًا: أسباب الاستضعاف:
قال تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(26 ) ) [الأنفال: 26] .
صور الله سبحانه وتعالى الحال فقال: (ا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ) أي: عدد قليل فإن الإسلام إذ نشأ كان عدد المسلمين قليلًا، وكان المشركون يستذلونهم، ويستضعفونهم، ويؤذونهم، مرة بالسخرية والاستهزاء، ومرة بالضرب والأذى، ومرة بوضع الحجر المحمي على ظهورهم، حتى كانوا يضطروهم إلى أن ينطقوا بكلمة الكفر، وقلوبهم مطمئنة بالإيمان، ولم يسلم النبي صلى الله عليه وسلم من الأذى، حتى إنه ليرمي عليه فرث الجزور وهو يصلي، ومع هذا الاستضعاف في الأرض غير مستقرين في أنفسهم وأموالهم فهم في خوف وفزع واضطراب، ولذا وصفهم الله تعالى بقوله: (تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ) .
والتخطف معناه: سلبهم أو سلب أموالهم سريعًا من غير تلبث، والتخطف هو موضع الخوف، ولا يكون معه استقرار أبدًا، فلا يأمن التاجر، ولا العامل، ولا الزارع، لا على ماله، ولا على نفسه 68.
وجاء ذلك في أقوال بعض التابعين، فقد روي عن قتادة السدوسي في هذه الآية أنه قال: كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلًا، وأشقاها عيشًا، وأجوعها بطونًا، وأعراها جلودًا، وأبينها ضلالًا، من عاش منهم عاش شقيًا، ومن مات منهم زوي في النار. يؤكلون، ولا يأكلون، والله ما نعلم من حاضر أهل يومئذ من كانوا شرًا منزلًا منهم حتى جاء الإسلام، فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم ملوكًا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا الله على نعمة، فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله 69.
وفي هذه الآية من العبرة: التي يجب على المؤمنين أن يتذكروها أنه أورث من اهتدى بهديه سعادة الدنيا وبسطة السلطان ومكن لأهله في الأرض وأنالهم ما لم يكونوا يرجونه لولا هدى الدين، وأورثهم في الآخرة فوزًا ورضوانًا من ربهم وروحًا وريحانًا وجنة نعيم هذا حين كانوا يعملون بهديه فلما أعرضوا عنه ونأوا بجانبهم عاقبهم الله بما جرت به سننه في الأرض فأضاعوا ملكهم وسلط عليهم أعداءهم، فليعتبر المسلمون بما حل بهم، وليرجعوا إلى تاريخ أسلافهم، وليستضيئوا بنورهم وليثوبوا إلى رشدهم، لعله يعيد إليهم تراثهم الغابر وعزهم الماضي: (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ? وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف:128] 70.
وبسبب جهل المسلمين بدينهم وبعدهم عنه، يمروا هذه الأيام بمرحلة استضعاف رهيبة غير معهودة في سالف عصورهم، فقد تسلط عليهم الأعداء في جميع المجالات، ولم يعد لهم هيبة في أعين أعدائهم، وما ذلك إلا بسبب الذنوب والمعاصي التي طغت على المجتمعات الإسلامية فأورثتها المذلة أمام الأعداء، وعدم العمل بالشريعة الإسلامية وتحكيمها على مستوى الفرد والمجتمع.
فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا: أو من قلة يارسول الله؟ قال: بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن يارسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) 71.
قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى? بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى? وَعِيسَى? ? أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ? كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ? اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ?13?وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ? وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى? أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ? وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ?14?فَلِذَ?لِكَ فَادْعُ ? وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ? وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ?) [الشورى: 13 - 15] .
أمر تعالى باجتماع المسلمين على دينهم، ونهاهم عن التفرقة، وأخبرهم أنهم ينبغي لهم أن لا يغتروا بما أنزل الله عليهم من الكتاب. فإن أهل الكتاب لم يتفرقوا حتى أنزل الله عليهم الكتاب الموجب للاجتماع، ففعلوا ضد ما يأمر به كتابهم، وذلك كله بغيًا وعدوانًا منهم، فإنهم تباغضوا وتحاسدوا، وحصلت بينهم المشاحنة والعداوة، فوقع الاختلاف فاحذروا أيها المسلمون أن تكونوا مثلهم 72.
فالإسلام أمر بالوحدة والالتئام ومنع التفرق والانقسام لأن التفرق والانقسام يؤدي إلى التصدع والانفصام لذلك فهو يرفض التحزب والانشطار في قلب الأمة المحمدية الواحدة. ولهذا فقد ذم الله عز وجل الفرقة ونهى عنها في أكثر من موضع في كتابه؛ لأنها سببًا في تمزيق وحدة الأمة المسلمة فيستضعفها أعدائها.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ? إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ?159?) [الأنعام: 159] .
فنجد أن المراد بالذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا أهل الكتاب والمراد بجعل الرسول صلى الله عليه وسلم بريئًا منهم تحذير أمته من مثل فعلهم ليعلم أن من فعل فعلهم من هذه الأمة فالرسول صلى الله عليه وسلم برئ منهم بالأولى، فهذه الآية «عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفًا له، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه قد برأ رسوله مما هم فيه» 73.
كما أن الاختلاف والتنازع مدعاة للفشل وهو الخيبة والنكول عن إمضاء الأمر وأكبر أسبابه الضعف والجبن، قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [الأنفال: 46] .
وأما قوله: (پ پ) فمعناه تذهب قوتكم وترتخي أعصاب شدتكم فيظهر عدوكم عليكم. والريح في اللغة الهواء المتحرك وهي مؤنثة وقد تذكر بمعنى الهواء وتستعار للقوة والغلبة إذ لا يوجد في الأجسام أقوى منها فإنها تهيج البحار وتقتلع أكبر الأشجار وتهدم الدور والقلاع.
وقال الأخفش وغيره تستعار للدولة لشبهها بها في نفوذ أمرها. ويقولون هبت «رياح فلان» إذا دالت له الدولة وجرى أمره على ما يريد كما يقولون ركدت ريحه أو رياحه إذا ضعف أمره وولت دولته 74.
وبين سبحانه وتعالى أن الاختلاف والتفرق سببًا في تسليط الأقوياء على الضعفاء، فقال تعالى حكاية عن فرعون: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ? إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ?4?) [القصص:4] .
أي: وفرقهم فرقًا مختلفة، وأحزابًا متعددة، وأغرى بينهم العداوة والبغضاء، كيلا يتفقوا على أمر ولا يجمعوا على رأي، ويشتغل بعضهم بالكيد لبعض، وبذا يلين له قيادهم، ولا يصعب عليه خضوعهم واستسلامهم، وتلك هي سياسة الدول الكبرى في العصر الحاضر، وذلك هو دستورها في حكمها لمستعمراتها، وقد نقش حكامها في صدورهم ذلك الدستور الذي ساروا عليه «فرق تسد» وطالما أجدى عليهم في سياسة تلك البلاد، التي يعمها الجهل ويطغى على أهلها حب الظهور. ويرضون بالنفاية والقشور 75.
وقال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ?) [آل عمران: 103] .
فالإسلام يأمر باتحاد وإتفاق كل قوم تضمهم أرض وتحكمهم الشريعة على الخير والمصلحة فيها، وإن اختلفت أديانهم وأجناسهم، ويأمر مع ذلك باتفاق أوسع، وهو الاعتصام بحبل الله بين جميع الأقوام والأجناس لتتحقق بذلك الأخوة في الله، ولذلك قال بعد الأمر بالاعتصام والاجتماع والنهي عن التفرق: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) [آل عمران: 103] .