وهذا التفسير يبين خطر الغفلة التي تحل على من يقضي حياته في غير الإيمان بالله، بل ولربما يكذب ويحارب هذا الغافل دين الله تعالى، فربط الغفلة بالآخرة أمر مهم؛ حتى يذكر هذا الغافل بالله تعالى، وأنه سيبعث بعد موته لهذه الدار الآخرة: إما إلى جنة أو إلى نار، وعندما يذبح الموت، ويخلد من استقر في النعيم على ما هو عليه، فلا موت لنعيمه فضلًا عن حياته، وهكذا أهل النار يخلدون فيها، فلا موت لتعذبهم فضلًا عن حياتهم.
وقد ورد في القرآن الكريم ما يبين اقتراب الوعد الحق الذي هو القيامة، مع بيان طبيعة حال الكافرين يومئذٍ وتحسرهم؛ لأنهم كانوا في غفلة من ذلك اليوم، واعترافهم الواضح بأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم، ومتجاوزين لكل الحدود، وذلك في قوله تعالى: (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَ?ذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ) [الأنبياء: 97] .
يا ويلنا قد كنا نغفل عن ذلك اليوم رغم أنه الحق، بل إننا كنا ظالمين لأنفسنا بمعاصينا، ووضعنا العبادة في غير مواضعها 35.
ومن المعلوم أن هذه الآية ذكرت في سياق بيان حكمة الله تعالى في خلقه الكافرين الذين حق عليهم الهلاك، فهم لا رجعة لهم إلى الدنيا، ثم بيان بعض علامات الساعة، ومنها يأجوج ومأجوج الذين هم من كل حدب ينسلون، فإن هذه الشواهد وغيرها مما ذكر سابقًا في الآية المذكورة يدلل على مدى الغفلة التي وقع فيها أولئك الكافرون، فلم يملكوا إلا الاعتراف الصريح بغفلتهم وعدم انتباههم لكل الإشارات التحذيرية التي كانت تساق إليهم؛ لعلهم يرجعون عن ظلمهم وتجاوزهم للحدود.
وأما قوله تعالى: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَ?ذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ?22?) [ق: 22] .
فهذه الآية توضح أن الإنسان الكافر بعد أن يرى بعضًا من أهوال يوم القيامة يخاطبه الله تعالى بقوله: «لقد كنت في غفلة من هذا الذي عاينت اليوم -أيها الإنسان- من الأهوال والشدائد، (فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ) يقول: فجلينا ذلك لك، وأظهرناه لعينيك، حتى رأيته وعاينته، فزالت الغفلة عنك» 36.
5.الغفلة عن الذكر وتدبر كتاب الله تعالى.
وقد ورد في القرآن الكريم ما يبين خطر الغفلة عن الدعاء الذي هو العبادة والذكر في قوله تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ?5?) [الأحقاف: 5] .
فلا أحد أشد ضلالة من الذي يدعو من دون الله تعالى «حجرًا لا يستجيب له إذا دعاه أبدًا، ولا ينفعهم، وتلك الحجارة التي يعبدونها غافلة عن دعاء هؤلاء الكفار، لا تعقل ولا تفهم» 37.
إن هذه الآية الكريمة بينت وحذرت أولئك الغافلين بأن ما يعبدون من دون الله تعالى هي أصلًا غافلة عما يدعو هؤلاء الكفار، فإنهم قد فعلوا ما ينكره العقل ابتداءً فضلًا عن عدم تلبيتهم نداء ربهم، فإن هؤلاء الكفار قد دخلوا في وحل الغفلة من أوسع أبوابها، فاستحقوا أن يوصفوا بأنهم أشد الخلق ضلالةً.
6.الغفلة عن عهد الله تعالى وميثاقه.
وقد ورد ذلك جليًّا في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى? أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ? قَالُوا بَلَى? ? شَهِدْنَا ? أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَ?ذَا غَافِلِينَ (172 ) ) [الأعراف: 172 - 174] .
فإن هذه الآيات الكريمة تبين الميثاق الأول الذي أخذ على بني آدم، وهم في عالم الذر، فيقول الله تعالى: واذكر يا محمد صلى الله عليه وسلم حين «استخرج ولد آدم من أصلاب آبائهم، فقررهم بتوحيده، وأشهد بعضهم على بعض شهادتهم بذلك، وإقرارهم به» 38.
فقال الله تعالى لهم: ألست بربكم الذي يستحق العبادة وحده؟ فقالوا جميعًا: بلى، شهد بعضنا على بعض، فأقروه بذلك والتزموا، ثم يذكر الله تعالى عذرين باطلين لهما، الأول: القول من المقرين بوحدانية الله تعالى إنا كنا لا نعلم ذلك، وكنا في عدم انتباه من ذلك، فهذا باطل؛ لأنهم مشهود عليهم بما أقروه وهم في عالم الذر؛ فهم مولودون على هذه الفطرة، ولا مجال لهم للتذرع بالغفلة. والعذر الآخر قول هؤلاء المقرين في عالم الذر بوحدانية الله تعالى: إنما ولدنا فوجدنا آباءنا مشركين، فاتبعنا منهاجهم، أفتهلكنا يا ربنا بإشراك من أشرك من آبائنا، واتباعنا منهاجهم على جهل منا بالحق؟! 39.
7.الغفلة عن تربص الأعداء.
وقد ورد ذلك في قوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى? لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ? وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً ? وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى? أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ? وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ? إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) [النساء: 102] .
أخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي عن أبي عياش الزرقي قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، فاستقبلنا المشركون، عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر، فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا: تأتي عليهم الآن صلاةٌ هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم. قال: فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآيات بين الظهر والعصر:(وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ) قال: فحضرت، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذوا السلاح، قال: فصففنا خلفه صفين.
قال: ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع، فرفعنا جميعًا، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا، جلس الآخرون، فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، قال: ثم ركع، فركعوا جميعًا، ثم رفع، فرفعوا جميعًا، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم والصف الذي يليه، والآخرون قيامٌ يحرسونهم، فلما جلس، جلس الآخرون فسجدوا ثم سلم عليهم، ثم انصرف، قال: فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين: مرة بعسفان، ومرة بأرض بني سليم) 4041.
ومن الآية وسبب نزولها تعرف كيفية صلاة الخوف، ويتبين أيضًا أن من أساسيات الالتزام بالدين ألا يغفل المؤمن عن تربص الأعداء؛ ولذا شرعت صلاة الخوف لأهداف عظيمة، منها: اغتنام فرصة وجود النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المعركة، ومن ثم الفوز بالجماعة خلفه، ومن الأهداف: بيان أهمية الجماعة حتى في المعارك، ولكن في حالة الخوف، بكيفية تضمن -بعد توفيق الله تعالى- عدم ميل الأعداء على المؤمنين ميلةً واحدةً، ومن هنا يتبين أن الغفلة عن تربص الأعداء مذمومة بكل المقاييس، وليس أدل على هذا من تذييل الآية بقوله: (وَخُذُوا حِذْرَكُمْ) ثم بيان أن الله تعالى أعد وهيأ للكافرين عذابًا سيهينهم بإذنه تعالى 42.
إن أعداء الله تعالى قد دأبوا على النيل من الموحدين، فهم يسعون لإضعاف المؤمنين، والاجتهاد في نزع سلاح المجاهدين، الذين هم تحت راية الإمام، والذين هم يدافعون عن دين الله تعالى؛ ولذا فإن الله تعالى شرع صلاة الخوف، وبين خطر الغفلة عن السلاح؛ حتى لا يقع المسلمون فريسةً سهلة للكفار.
يقول تعالى: (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً) .
8.الغفلة عن الاعتبار من سير السابقين.
إن قصص القرآن وكذلك أمثاله وأقسامه دلت باستفاضة على وجوب الاتعاظ، وإن من أعظم ما دل على ذلك قوله تعالى عن فرعون وجثته: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ? وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) [يونس: 92] .
حيث إن هذه الآية دلت على أن غالبية الناس يغفلون عن آيات الله تعالى التي هي مدعاة للحجر والشجر أن يصدع لها من خشية الله تعالى، رغم أن قصة فرعون وبقاء جثته خير دليلٍ وآيةٍ على قدرة الله تعالى.
9.الغفلة عن حسن التعامل مع الخلق.
وقد ورد ذلك جليًّا في قوله تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 99] .
حيث يأمر الله تعالى نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن يستفهم من أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ لغرض الزجر والاتعاظ: فلم هؤلاء يصدون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا سئلوا عنه، قالوا: لا نجده، كذبًا منهم وصدودًا، وهم يرجون بمكة غير الإسلام؛ بل يريدون لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم هلاكًا؟! 43.
والمشكلة فيهم، هي أنهم يشهدون على ذلك الصد والافتراء؛ ولذلك حسن أن تكون الخاتمة بتنزيه الله تعالى عن الغفلة؛ لأن أهل الكتاب غارقون في الغفلة، غير منتبهين لما سيؤولون إليه من العناء والشدة، إن هم أصروا على إجرامهم.
تنبغي الإشارة إلى أن الغفلة المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليست تلك التي يحاسب المرء عليها، أو التي هي منقصة تحل بالمرء إن وصف بها، فهي خارجة عن إرادة البشر ومعرفتهم عمومًا؛ إذ إنها مرتبطة بالفطرة من جهة، وبما حدث قبل ولادته صلى الله عليه وسلم من جهة أخرى.
وسنذكر -إن شاء الله- آيات الغفلة المنسوبة إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، من خلال ثلاث نقاط، وذلك فيما يأتي:
1.الغفلة قبل إرساله صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن عليه.
وقد ورد ذلك جليًّا في قوله تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَ?ذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) [يوسف: 3] .
فإن سورة يوسف عليه السلام من أولها إلى نهايتها تتحدث عن قصة ذلك النبي الذي خلد القرآن الكريم ذكره في اسم هذه السورة، فإن هذه الآية تذكر أن الله تعالى القدوس يقص على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومن ثم على أمته أحسن القصص من خلال هذا القرآن الكريم الموحى إليه، ثم تأتي الفاصلة ببيان أن هذه القصص الفضلى في حسنها وإحكام دلائلها وعبرها، ما كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم لينتبه إليها، أو أن يعلمها إلا بعد ذكرها في القرآن الكريم 44، فإن هذه الآية الكريمة تبين أن الغفلة مفهوم دقيق، ينتسب إليه كل الخلق، ولو نجا منه أحدٌ لكان الأولى بذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، مع التذكير بأن غفلة الرسول صلى الله عليه وسلم مما لا يحاسب عليه الخلق، ولا ينسب عيبًا.
وقد بينت آية أخرى أن مما غفل عنه الرسول صلى الله عليه وسلم معرفة دقائق ما ذكره القرآن الكريم قبل إنزاله؛ لبيان عجز الخلق، وأنه ما علا شأن مخلوق فإنه يبقى بحاجة إلى خالقه.
فقد قال تعالى: (وَكَذَ?لِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ? مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَ?كِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ? وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: 52] .
وتبين هذه الآية الكريمة أن أعظم طرق الوصول إلى الله هو التمسك بذلك القرآن الكريم الذي هو روحٌ من لدن رب العالمين، فهو الهادي للتي هي أقوم، فقد كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم غافلًا عن ذلك القرآن وذلك الإسلام، ولكنه ضياء من الظلمات بشتى صورها؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم ملتزم بتبليغ دعوة الله تعالى بما في ذلك النور الذي يشع من القرآن الكريم، فقد وصف صلى الله عليه وسلم بأنه يرشد إلى الاستقامة 45.
2.نهيه عليه السلام ومن تبعه عن الغفلة.
وقد ورد في القرآن الكريم ما يدلل على أن الله تعالى نهى سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم عن الغفلة بشتى صورها، ومن ذلك قوله تعالى: (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ) [الأعراف: 205] .
حيث أمرت الآية السابقة المؤمنين كافة أن يحسنوا الاستماع والإنصات للقرآن الكريم إذا قرئت آياته المتلوة، وبينت أن ذلك سبب الرحمة الواسعة من الله تعالى، وتأمر هذه الآية الكريمة الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم ومن ثم جميع أمته أن يستحضروا الله تعالى في أحوالهم وأقوالهم وأفعالهم، وأن تكون حال ذلك الاستحضار بتضرع وخيفة، وأيضًا تكون القراءة غير مجهور بها في فترة الغدو والآصال، ثم تذيل الآية بنهي الرسول صلى الله عليه وسلم ومن ثم أمته عن الغفلة، فإن ترك الذكر غفلةٌ 46، والنهي للرسول صلى الله عليه وسلم عن الغفلة لا يقتضي أنه صلى الله عليه وسلم قد وقع بها؛ وإنما يأتي التحذير لبيان أن القدوة الحسنة المعصوم إذا كان منهيًّا عن تلك الغفلة، فمن باب أولى أن تنتهوا أيها الناس عمومًا عنها.
3.نهيه عليه السلام ومن تبعه عن اتباع الغافلين.
ورد ذلك في قوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] .
وقد ورد في سبب نزول هذه الآية والتي قبلها، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه، قال: جاء المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس وأهاليهم، فقالوا: يا رسول الله، إنك لو جلست في صدر المجلس، ونحيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم -يعنون سلمان، وأبا ذر، وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جباب الصوف لم يكن عليهم غيرها- جلسنا إليك وحادثناك وأخذنا عنك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، والتي قبلها، والتي بعدها 47، وعلى هذا فإن الآية تأمر رسولنا محمدًا صلى الله عليه وسلم، بأن يحبس نفسه مع هؤلاء الفقراء الداعين إلى الله تعالى حبس ملازمة لهم، فهم الذين لا ينفكون عن الدعاء إلى الله تعالى ليلًا ونهارًا، يبتغون وجه الله تعالى، {وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} أي: لا تعرض عنهم، ولو بأن تنتبه إلى غيرهم تريد زينة زائفة من هؤلاء المستكبرين الكفار 48.
يقول ابن عاشور: «وهذا الكلام تعريض بحماقة سادة المشركين الذين جعلوا همهم وعنايتهم بالأمور الظاهرة، وأهملوا الاعتبار بالحقائق والمكارم النفسية، فاستكبروا عن مجالسة أهل الفضل والعقول الراجحة والقلوب النيرة، وجعلوا همهم الصور الظاهرة» 49.
ثم يذكر القرآن الكريم في آية قرآنية أخرى ما يحصن هؤلاء المستضعفين، وبقاءهم في حصن الدعوة، وذلك بأسلوب النهي عن طردهم، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 52] .
حيث تنهى هذه الآية الكريمة نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يطرد الفقراء المسلمين الداعين إلى الله تعالى صباح مساء مبتغين وجه الله تعالى عن مجالسته، فكلٌّ له حسابه عند الله تعالى، ولست من يحاسبهم، أو يحاسب عنهم، فإن طردتهم فإنك ساعتها تكون من الظالمين 50.
ولا شك أن هذه الألفاظ صعبةٌ على النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم لمجرد أن نفسه حدثته بمجاملة سادة قريش طمعًا في إسلامهم، ومن هنا يتبين أن الغفلة باب واسع، قد يقع به خير الناس إن اجتهد في خدمة الدعوة وأعمل عقله لحظةً، وجامل من لا يستحق المجاملة، أو انفك عمن يؤمر الداعية بملازمته من أولئك الداعين إلى الله تعالى، الغيورين على دينه؛ ولذلك فإن كلمات الآية حاسمة في وجوب الانفكاك عمن أغفل الله تعالى قلبه عن ذكر الله تعالى، وكان أسير هواه، وكان أمره ضياعًا 51.
سبقت الإشارة إلى أن الغفلة في عمومها مذمومة، وأنها نقيض ذكر الله تعالى، وينجم عنها كثير من المتاعب وإحلال غضب الله تعالى، ومن ثم عقابه، وسنستعرض -إن شاء الله تعالى- الأسباب التي تؤدي إلى الغفلة؛ حتى ينتبه لها، ويحذر منها، وهي تتلخص في سبعة أسباب:
1.الكفر.
وقد ورد في القرآن الكريم ما يدلل على ذلك صراحةً، في قوله تعالى: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} [يس: 6] .
فقد ذكرت الآيات السابقة أن الله تعالى خاطب نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم مقررًا أنه من المرسلين، وأنه على صراط مستقيم، فهو الهادي إليه بإذن ربه تعالى؛ لأن هذا الصراط المستقيم الذي هو منهاج ودين، إنما هو منزلٌ من الله العزيز الرحيم؛ ثم تبين هذه الآية الكريمة أن هذا المنهاج المنزل من العزيز الرحيم إنما هو ليحذر العرب الذين لم يأت إليهم من ينذرهم ويحذرهم مما هم فيه من غرق في الكفر، من عبادة الأصنام والأوثان وعدم وجود شريعة الله تعالى بينهم 52، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وفي الشريعة: عبارة عن التعدي عن الحق إلى الباطل، وهو الجور، وقيل: هو التصرف في ملك الغير ومجاوزة الحد 53، فلما كانت تلك حالهم، وصفهم الله تعالى بأنهم غافلون غير منتبهين لسبب وجودهم، ولا لعاقبة أمرهم، وهذه الآية هي شاهدٌ على أن الكفر سبب للغفلة في عمومها، رغم أن العرب كانوا جهلةً لا يعرفون، إلا أن هذه الآية تبين جانبًا تأصيليًّا تعريفيًّا، وليس الحكم على العرب بعيب عندهم فحسب، وما يدل على ذلك الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [يس: 7] .
2.الظلم.
وقد ورد ذلك في قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 144 - 145] .
وإن هذا الخطاب القرآني يبين أن الله تعالى قد رأى كثرة توجه النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى السماء لعل سيدنا جبريل عليه السلام يأتي بخبر من الله تعالى يأمر بتحويل القبلة؛ حيث إن حبها للنبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن عاطفيًّا؛ لكنه كان حبًّا شرعيًّا بعدما عيرته اليهود بأنه لجأ إلى قبلتهم، واتخذت ذلك فرصةً للصد عن النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته الربانية، ولما كان هذا التوجه من القلب والجوارح فقد استجاب الله تعالى لنبيه طلبه الذي لم ينطق به تأدبًا منه عليه السلام، فقد كان يقلب وجهه إلى السماء، فتم تحويل القبلة، ثم بين أن أهل الكتاب يعلمون علم اليقين بأن ذلك حقٌّ من عند ربهم.
وذيلت الآية الكريمة بتنزيه الله تعالى عن الغفلة عما يعمل أهل الكتاب من تحريض على دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته، وهذا التذييل يدلل على مدى الغفلة التي يعيشها أهل الكتاب؛ فرغم أنهم يعلمون علمًا لا شك فيه ولا ريب، بأن ما حدث هو من عند الله تعالى، وأن الدعوة إلى الله تعالى أصلًا هي من عند ربهم، إلا أنهم غفلوا عن معرفة ما سيؤولون إليه من غضب الله تعالى، ومن ثم عقابه.
ثم تأتي الآية الكريمة لتفصل غفلتهم الكبيرة، وهي متابعة النفس لما تشتهيه، فهم إن جاء إليهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بكل معجزةٍ دالةٍ على نبوته ما توجهوا إلى القبلة نحو المسجد الحرام؛ لأنهم يعلمون -بدون معجزات- أنه صلى الله عليه وسلم على حق، ولكنهم لا يريدون التبعية له صلى الله عليه وسلم، فهم قد استغلوا توجه النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى القبلة نحو المسجد الأقصى ليبينوا أنه تبعٌ لهم.
ثم تذيل الآية الكريمة ببيان أن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم إن اتبع أهواءهم، فصار يبحث عما يرضيهم، رغم أن الله تعالى قد بين له صلى الله عليه وسلم كل الدلائل التي تجعله يحذر من مكرهم، فعند ذلك كله إن سار في ركبهم -وحاشاه أن يكون كذلك- يكون من الذين تجاوزا الحدود، فوصف عندها من الظالمين، ووصف الظالمين؛ ليبين أن من يسير في ركب أهل الكتاب يكون من الظالمين، الذين غفلوا عن الحق وانصاعوا للباطل، واتبعوا ما تشتهيه أنفسهم، وإن من اتبع الغافلين كان منهم 54.
وإن وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه من الظالمين إن اتبع أهواءهم «فيه لطفٌ للسامعين، وتحذير لهم عن متابعة الهوى، فإن من ليس من شأنه ذلك إذا نهي عنه، ورتب على فرض وقوعه ما رتب من الانتظام في سلك الراسخين في الظلم فما ظن من ليس كذلك؟!» 55.