فهرس الكتاب

الصفحة 867 من 2431

الوجه الثاني: أن شمول الجلباب لستر الوجه هو أول معنى مراد؛ لأن الذي كان يبدو من بعض النساء في الجاهلية هو: الوجه، فأمر الله نساء النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بستره وتغطيته، بإدناء الجلباب عليه؛ لأن الإدناء عدّي بحرف على، وهو دال على تضمن معنى الإرخاء، والإرخاء لا يكون إلا من أعلى، فهو هنا من فوق الرءوس على الوجوه والأبدان.

الوجه الثالث: أن ستر الجلباب للوجه وجميع البدن وما عليه من الثياب المكتسبة - الزينة المكتسبة - هو الذي فهمه نساء الصحابة رضي الله عنهم، وذلك فيما ورد عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما نزلت هذه الآية: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها 38.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: رحم الله تعالى نساء الأنصار، لما نزلت: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ} الآية شققن مروطهن 39، فاعتجرن بها، فصلّين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما على رءوسهن الغربان 40.

والاعتجار: هو الاختمار، فمعنى: فاعتجرن بها، واختمرن بها: أي غطين وجوههن 41.

الوجه الرابع: هذا التعليل {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} راجع إلى الإدناء، المفهوم من قوله: {يُدْنِينَ} وهو حكم بالأولى على وجوب ستر الوجه؛ لأن ستره علامة على معرفة العفيفات فلا يؤذين، فهذه الآية نص على ستر الوجه وتغطيته، ولأن من تستر وجهها لا يطمع فيها طامع بالكشف عن باقي بدنها وعورتها المغلظة، فصار في كشف الحجاب عن الوجه تعريض لها بالأذى من السفهاء، فدل هذا على التعليل على فرض الحجاب على نساء المؤمنين لجميع البدن والزينة بالجلباب، وذلك حتى يعرفن بالعفة، وأنهن مستورات محجبات بعيدات عن أهل الخنا، وحتى لا يفتتن ولا يفتن غيرهن فلا يؤذين.

ومعلوم أن المرأة إذا كانت غاية في الستر، لم يقدم عليها من في قلبه مرض، وكّفّت عنها الأعين الخائنة، بخلاف المتبرجة المنتشرة الباذلة لوجهها، فإنها مطموع فيها.

القول الثاني: ذهب عدد من أهل العلم إلى جواز كشف المرأة وجهها وكفيها 42.

ومن أدلتهم:

الدليل الأول: قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] .

واستدلوا به من وجهين:

الوجه الأول: ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسر قوله: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} بالوجه والكفين 43.

فابن عباس رضي الله عنهما إنما يشير بتفسيره للآية إلى هذه العادة التي كانت معروفة عند نساء العرب عند نزولها، وأقروا عليها 44.

الوجه الثاني: حصل الإجماع على وجوب ستر العورة على كل مصلٍّ في صلاته، وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها، فإذ كان ذلك من جميعهم إجماعًا، كان معلومًا بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة، كما ذلك للرجال؛ لأن ما لم يكن عورة فغير حرام إظهاره، وإذا كان لها إظهار ذلك كان معلومًا أنه مما استثناه الله -تعالى ذكره- بقوله: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}

الدليل الثاني: عن عائشة رضي الله عنها: أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها: (يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا) ، وأشار إلى وجهه وكفيه 45.

الترجيح:

يرى الباحث وجوب تغطية الوجه والكفين في زمان الفتنة، وليست هناك فتنة أعظم من فتن هذا الزمان.

ومن حرص الإسلام على ستر المرأة أنه نهى عن التبرج، وحذّر منه تحذيرًا شديدًا، والذي ينظر في قصة آدم عليه السلام وإبليس يلحظ أن الحياء من التعري وانكشاف السوءة شيء مركوز في طبع الإنسان وفطرته، إذ يقول الله سبحانه: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا} [الأعراف: 20] .

وقال سبحانه: {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 22] .

إن قصة آدم وحواء مع إبليس تكشف لنا مدى حرص عدو الله على كشف السوءات، وهتك الأستار، وإشاعة الفاحشة، وأن هذا هدف مقصود له.

ومن ثمّ حذرنا الله عز وجل عن هذه الفتنة خاصة، فقال جل وعلا: {يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا} [الأعراف: 27] .

ومن هنا فإن إبليس هو رائد الدعوة إلى كشف العورات، وهو مؤسس الدعوة إلى التبرج بدرجاته المتفاوتة، بل هو الزعيم الأول لشياطين الإنس والجن الداعين إلى تحرير المرأة عن قيد الستر والصيانة والعفاف.

فعلى المرأة إذا خرجت من بيتها لحاجة أن تلتزم حجابها الشرعي، وأن تبتعد عن التبرج، فلا تخلع الحجاب، ولا تبدي زينتها للأجانب، ولا تظهر محاسنها.

وقد دلّ الكتاب والسنة والإجماع على تحريم تبرج المرأة، وهو إظهارها شيئًا من بدنها أو زينتها المكتسبة التي حرّم الله عليها إبداءها أمام الرجال الأجانب عنها.

قال تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33] .

فقد أمر الله سبحانه في هذه الآية نساء النبي الكريم أمهات المؤمنين، وهن من خير النساء وأطهرهن بلزومهن البيوت، ونهاهن عن تبرج الجاهلية، وهو إظهار الزينة والمحاسن، كالرأس والوجه والعنق والصدر والذراع والساق، ونحو ذلك من الزينة؛ لما في ذلك من الفساد العظيم والفتنة الكبيرة، وتحريك قلوب الرجال إلى تعاطي أسباب الزنا، وإذا كان الله سبحانه يحذر أمهات المؤمنين من هذه الأشياء المنكرة مع صلاحهن وإيمانهن وطهارتهن فغيرهن أولى، وأولى بالتحذير والإنكار والخوف عليهن من أسباب الفتنة.

والتبرج كبيرة من الكبائر، وسبب من أسباب دخول النار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) 46.

ومن معاني قوله صلى الله عليه وسلم: (كاسيات عاريات) ما ذكره النووي: «تكشف شيئًا من بدنها إظهارًا لجمالها، فهن كاسيات عاريات» 47.

إذا خرجت المرأة من بيتها واضطرت إلى معاملة الرجال، فيجب عليها ألا ترقّق الكلام، بل عليها التكلم بوقار واحتشام، يقول الله تعالى: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 32] .

فقد نهى سبحانه في هذه الآية نساء النبي الكريم أمهات المؤمنين، وهن من خير النساء وأطهرهن عن الخضوع بالقول للرجال، وهو تليين القول وترقيقه، لئلا يطمع فيهن من في قلبه مرض شهوة الزنا، ويظن أنهن يوافقنه على ذلك.

والخطاب في هذه الآية إن كان لنساء النبي صلى الله عليه وسلم لكنه شامل لجميع النساء.

قال الجصاص: «وفيه الدلالة على أن ذلك حكم سائر النساء في نهيهن عن إلانة القول للرجال على وجه يوجب الطمع فيهن، ويستدل به على رغبتهن فيهم» 48.

وقال ابن كثير: « {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} قال السدي وغيره: يعني بذلك: ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال؛ ولهذا قال: {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} أي: دغل، {وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} قال ابن زيد: قولًا حسنًا جميلًا معروفًا في الخير.

ومعنى هذا: أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، أي: لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها» 49.

فقد نهيت المرأة عن مخاطبة الأجانب بكلام فيه ترخيم كما تخاطب زوجها، وأمرت أن تتحرى الصوت الجاد العاري عن أسباب الفتنة، وقد سد الإسلام على المرأة كل سبيل للتسيب في هذا الباب، حينما جعل أمهات المؤمنين محلًّا للقدوة، فلم يبق هناك عذر لمعتذر.

من الأمور التي تحرّك الشهوات شم الرجال طيب النساء، فستر الإسلام المرأة في هذا الباب بأن نهاها عن الخروج متعطرة، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة استعطرت، فمرت على قوم ليجدوا من ريحها، فهي زانية) 50.

يقول صاحب بذل المجهود: «سماها النبي صلى الله عليه وسلم زانية مجازًا؛ لأنها رغّبت الرجال في نفسها، فأقل ما يكون هذا سببًا لرؤيتها، وهي زنا العين» 51.

وعن موسى بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن امرأة مرت به تعصف ريحها، فقال: يا أمة الجبار، المسجد تريدين؟ قالت: نعم، قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم، قال: فارجعي فاغتسلي، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من امرأة تخرج إلى المسجد تعصف ريحها فيقبل الله منها صلاة حتى ترجع إلى بيتها فتغتسل) 52.

وسبب المنع منه واضح وهو ما فيه من تحريك داعية الشهوة. قال ابن دقيق العيد: «وفي حرمة التطيب علي مريدة الخروج إلى المسجد لما فيه من تحريك داعية شهوة الرجال» 53.

وإذا كانت المرأة تمنع من الذهاب إلى المسجد إذا استعطرت، فهل يسمح لها بأن تذهب إلى الأسواق مستعطرة، تحرّك الشهوات وتفتن الرجال؟!

من الآداب التي قررتها الشريعة الغراء، وأمرت المرأة بالتزامها، أن لا تظهر زينتها بالصوت، سواء كان صوت الحلي أو غيره.

قال تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور: 31] .

يقول سيد قطب: «وإنها لمعرفة عميقة بتركيب النفس البشرية وانفعالاتها واستجاباتها. فإن الخيال ليكون أحيانًا أقوى في إثارة الشهوات من العيان. وكثيرون تثير شهواتهم رؤية حذاء المرأة أو ثوبها، أو حليّها، أكثر مما تثيرها رؤية جسد المرأة ذاته، كما أن كثيرين يثيرهم طيف المرأة يخطر في خيالهم، أكثر مما يثيرهم شخص المرأة بين أيديهم- وهي حالات معروفة عند علماء الأمراض النفسية اليوم- وسماع وسوسة الحلي أو شمام شذى العطر من بعيد، قد يثير حواس رجال كثيرين، ويهيج أعصابهم، ويفتنهم فتنة جارفة لا يملكون لها ردًّا.

والقرآن يأخذ الطريق على هذا كله؛ لأن منزّله هو الذي خلق، وهو الذي يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير» 54.

وقال الجصاص: «وفيه دلالة على أن المرأة منهية عن رفع صوتها بالكلام، بحيث يسمع ذلك الأجانب؛ إذ كان صوتها أقرب إلى الفتنة من صوت خلخالها؛ ولذلك كره أصحابنا أذان النساء لأنه يحتاج فيه إلى رفع الصوت» 55.

ومن حرص الشريعة على ستر المرأة أنه ليس لها أن ترفع صوتها بحيث يسمعه الرجال الأجانب، فجعلت لها التصفيق دون التسبيح إذا انتابها شيء في الصلاة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء) 56.

وليس للمرأة أن ترفع صوتها بالتلبية في الحج والعمرة؛ حتى لا تظهر زينتها بالصوت، قال ابن قدامة: «قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تسمع نفسها. وإنما كره لها رفع الصوت مخافة الفتنة بها، ولهذا لا يسن لها أذان ولا إقامة، والمسنون لها في التنبيه في الصلاة التصفيق دون التسبيح» 57.

فلم تهمل الشريعة المطهرة أي أمر يتحقق به ستر المرأة، ويحفظ كرامتها، ويصون عفتها، ويقطع دابر الشر والفساد عن المجتمع الإسلامي.

عني الإسلام بزينة المرأة عناية عظيمة، فوضع لها القواعد والضوابط التي تجعل الزينة تلبي فطرة المرأة، وتناسب أنوثتها من جهة، وتحفظها في مسارها الصحيح بلا إفراط ولا تفريط من جهة أخرى.

وفيما يلي نتناول في هذا المبحث بعض المسائل المتعلقة بزينة المرأة.

أولًا: شروط لباس المرأة:

لقد حدد الإسلام الشروط والضوابط التي يجب على المرأة المسلمة أن تتقيد بها في موضوع اللباس، وهذه الشروط هي:

1.أن يستوعب اللباس جميع البدن.

وذلك ليكون ساترًا للعورة، وللزينة التي نهيت المرأة عن إبدائها، فإن القصد الأول من اللباس هو الستر ثم الزينة، ولباس المرأة لابد أن يكون ساترًا لوجهها وكفيها وقدميها وسائر جسمها، إذا كانت خارج الصلاة وبحضرتها أجانب.

قال تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] .

والنهي عن إبداء الزينة نهي عن إبداء مواضعها من باب أولى، ولولا اللباس لظهرت مواضع الزينة من الصدر، والذراع، والقدم ونحوها، وعلى هذا فلابد أن تلبس المرأة ما يستر كل جسدها، إذ قد يظهر شيء منه، لا سيما عند ركوبها للسيارة ونزولها منها، أو دخولها أماكن تضطر فيها على صعود سلالم، فتظهر زينتها وتحصل الفتنة بها.

2.ألا يكون اللباس ضيقًا يصف جسمها.

وذلك أن الغرض من اللباس ستر العورة، ومواضع الزينة، وهذا إنما يكون بالثوب الواسع، أما الثوب الضيق فإنه -وإن كان يستر لون البشرة- يصف جسم المرأة أو بعضه، فالواجب على المرأة أن تهتم بستر بدنها وتقاطيع جسمها، والتساهل في ذلك من أعظم أسباب الفساد ودواعي الفتنة.

يقول أسامة بن زيد رضي الله عنه: كساني رسول الله صلى الله عليه وسلم قبطيّةً 58 كثيفة مما أهدى له دحية الكلبي، فكسوتها امرأتي، فقال: مالك لم تلبس القبطيّة؟ قلت: كسوتها امرأتي. فقال: (مرها فلتجعل تحتها غلالةً 59 فإني أخاف أن تصف حجم عظامها) 60.

فالرسول صلى الله عليه وسلم يأمر أسامة أن يطلب من امرأته أن تضع تحت هذا الثوب الثخين غلالة، ليمنع وصف بدنها وحجم عظامها؛ فهذه القبطية - وإن كانت ثخينة - قد تصف الجسم، ولاسيما إذا كان اللباس الثخين من طبيعته الليونة والانثناء؛ فهذه القبطية ثخينة، ومع ذلك خاف صلى الله عليه وسلم من أن تصف حجم عظامها.

فلابد أن تعلم المرأة أن اللباس الضيق الذي يصف مفاتن الجسم لا يجوز شرعًا، وهو داخل في لباس أهل النار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) 61.

وقد فسر العلماء - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية 62 - الكاسيات العاريات بأن من معانيها أن تلبس الثوب الضيق الذي يبدي تقاطيع جسمها.

وقد انتشر عند النساء ظاهرة اللباس الذي يكون أسفله ضيقًا لا تكاد المرأة تمشي فيه، ومما يزيد الأمر فتنة وضع فتحات جانبيه تظهر ساقيها وجزءًا من فخذها. والله المستعان!!

وليس للمرأة أن تلبس البنطلون وتظهر به أمام الأجانب؛ لأنه من الثياب الضيقة التي تحدد أجزاء البدن التي تحيط بها، فهو داخل في معنى الحديث.

3.ألا يكون اللباس زينة في نفسه.

وأعني بذلك الثياب الظاهرة، فالمرأة منهية عن الثياب إذا كانت تلفت أنظار الرجال إليها؛ لعموم قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [النور: 31] .

فإذا نهيت عن إبداء الزينة فكيف تلبس ما هو زينة؟ ولأن ذلك داخل في التبرج. ولا ريب أن خروج المرأة بملابسها الجميلة من أكبر أسباب الفتنة وعوامل الفساد، والله يقول: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33] .

وعلى هذا فمتى اختارت المرأة ثيابها من الألوان الجذابة لكي تلذّ بها أعين الناظرين من الرجال فهذا من مظاهر التبرج الجاهلي!

يقول المودودي رحمه الله: «إن كلمة التبرج إذا استعملت للمرأة كان لها ثلاثة معانٍ:

-أن تبدي للأجانب جمال وجهها ومفاتن جسدها.

-أن تبدي لهم محاسن ملابسها وحليها.

-أن تبدي لهم نفسها بمشيتها وتمايلها وترفلها وتبخترها.

وهذا عين ما شرح به هذه الكلمة أكابر علماء اللغة والتفسير» ثم ذكر بعضًا من أقوالهم 63.

فعلى المرأة المسلمة أن تحذر ثياب الزينة الظاهرة، ولو كانت في منزلها عند زوجها إذا حضر بعض أقارب الزوج كأخيه وعمه وابن أخيه ونحوهم، وهذا يختلف عن اللباس لزوجها، فلها أن تلبس ما شاءت عنده مهما بلغ من الزينة، ما لم يصل إلى حد الإسراف، كما أنه لا مانع من لباس الزينة إذا سترته بالعباءة لحضور مناسبة من المناسبات إذا لم يرها الرجال الأجانب.

4.ألا يكون شفافًا يصف ما تحته.

لأن القصد من اللباس الستر، وذلك لا يحصل إلا بالصفيق؛ لأن الشفاف يزيد المرأة زينة وجمالًا، وليس اللباس الذي يشف عن الجسم ويفضح العورات بلباس في نظر الإسلام، فلباس المرأة لابد أن يكون صفيقًا؛ لئلا تفتن غيرها بمحاسن جسمها.

وقد ورد الوعيد الشديد فيمن تلبس لباسًا خفيفًا لا يستر ما أمر الله بستره، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) 64.

قال ابن عبد البر: «أراد صلى الله عليه وسلم النساء اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي يصف ولا يستر، فهن كاسيات بالاسم، عاريات في الحقيقة» 65.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وقد فسّر قوله: «كاسيات عاريات» بأن تكتسي ما لا يسترها، فهي كاسية، وهي في الحقيقة عارية! مثل أن تكتسي الثوب الرقيق الذي يصف بشرتها، أو الثوب الضيق الذي يبدي تقاطيع خلقها مثل عجيزتها وساعدها ونحو ذلك، وإنما كسوة المرأة ما يسترها، فلا يبدي جسمها، ولا حجم أعضائها؛ لكونه كثيفًا واسعًا» 66.

وعن أم علقمة بن أبي علقمة قالت: رأيت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر دخلت على عائشة وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها، فشقته عائشة عليها وقالت: «أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور؟! ثم دعت بخمار فكستها» 67.

5.أن لا يكون مبخّرًا مطيّبًا.

وذلك لأحاديث كثيرة تنهى النساء عن التطيب إذا خرجن من بيوتهن، منها:

ما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة استعطرت، فمرت على قوم ليجدوا من ريحها، فهي زانية) 68.

وعن موسى بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن امرأة مرت به تعصف ريحها، فقال: يا أمة الجبار، المسجد تريدين؟ قالت: نعم، قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم، قال: فارجعي فاغتسلي، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من امرأة تخرج إلى المسجد تعصف ريحها فيقبل الله منها صلاة حتى ترجع إلى بيتها فتغتسل) 69.

قال الألباني: «ووجه الاستدلال بهذه الأحاديث على ما ذكرنا العموم الذي فيها، فإن الاستعطار والتطيب كما يستعمل في البدن، يستعمل في الثوب أيضا» 70.

وسبب المنع منه واضح، وهو ما فيه من تحريك داعية الشهوة. قال ابن دقيق العيد: «وفي حرمة التطيب علي مريدة الخروج إلى المسجد لما فيه من تحريك داعية شهوة الرجال» 71.

فإذا كان ذلك حرامًا على مريدة المسجد، فما يكون الحكم على مريدة السوق والأزقة والشوارع؟ لا شك أنه أشد حرمة، وأكبر إثمًا.

وقد ذكر الهيتمي في الزواجر أن خروج المرأة من بيتها متعطرة متزينة من الكبائر، ولو أذن لها زوجها 72

6.ألا يشبه لباس الرجال.

فإن لثوب الرجل صفات، أهمها: أن يكون لا يجاوز الكعبين أو إلى أنصاف الساقين. وقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) 73.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت