بين الله تعالى أن الكثير من النجوى لا تكون إلا في الشر، ومن ثم فإن كثيرًا من المتناجين يتناجون فيما بينهم بما فيه شر أو ما لا فائدة منه؛ لأن نفي الخير عن نجواهم لا يعني فقط أن تناجيهم لا يكون إلا شرًا، بل يشمل أيضًا ما لا نفع فيه ولا ضرر منه على غيرهم، وإن كان يلحق ضررًا بهم هم أنفسهم من جهة تضييعهم لأوقاتهم وأعمارهم فيما لا نفع فيه.
وقريبًا من هذا المعنى يقول السعدي في تفسيره: «أي: لا خير في كثير مما يتناجى به الناس ويتخاطبون، وإذا لم يكن فيه خير، فإما لا فائدة فيه كفضول الكلام المباح، وإما شر ومضرة محضة كالكلام المحرم بجميع أنواعه» 36.
فنفي الخيرية عن كثير من تناجي المتناجين يشمل ما فيه تدبير للشر، وكل ما لا منفعة شرعية ترجى منه، وإن لم يكن فيه ضرر يمكن أن يمس الغير، فإن فيه تفويتًا للخير، وهذا ضرر في حد ذاته يكون على العبد لا له.
قال ابن عاشور: «ومعنى لا خير أنه أشر، بناء على المتعارف في نفي الشيء أن يراد به إثبات نقيضه؛ لعدم الاعتداد بالواسطة، كقوله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس:32] .
ولأن مقام التشريع إنما هو بيان الخير والشر.
وقد نفى الخير عن كثير من نجواهم أو متناجيهم، فعلم من مفهوم الصفة أن قليلًا من نجواهم فيه خير، إذ لا يخلو حديث الناس من تناج فيما فيه نفع» 37.
فعلم من هذا أن النجوى على نوعين: محمودة ومذمومة.
أولًا: النجوى المحمودة:
بين الله تعالى من خلال آيات سورة النساء وسورة المجادلة - التي لها علاقة بموضوعنا - أن النجوى لا تكون محمودة إلا إذا كانت في خمسة أمور:
1.أن تكون في الأمر بالصدقة.
2.أن تكون في معروف.
3.أن تكون للإصلاح بين الناس.
4.أن تكون بالبر.
5.أن تكون بالتقوى.
قال الرازي عند تفسيره لآية النساء: «لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير» 38.
فثبت أن مجامع الخيرات مذكورة في هذه الآية 39.
وبتفصيل أكثر قال ابن العربي في تفسيره: «قوله تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ? وَمَنْ يَفْعَلْ ذَ?لِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ?114?) [النساء:114] .
هذه الآية آية بكر لم يبلغني عن أحد فيها ذكر، والذي عندي فيها أن الله تعالى أمر عباده بأمرين عظيمين: أحدهما: الإخلاص، وهو أن يستوي ظاهر المرء وباطنه. والثاني: النصيحة لكتاب الله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولأئمة المسلمين وعامتهم. فالنجوى خلاف هذين الأصلين، وبعد هذا فلم يكن بد للخلق من أمر يختصون به في أنفسهم، ويخص به بعضهم بعضًا، فرخص في ذلك بصفة الأمر بالمعروف، والحث على الصدقة، والسعي في إصلاح ذات البين» 40.
والمقصود من الأمر في الآية هو الحث.
قال البغوي في تفسيره ومعنى الآية: «لا خير في كثير مما يدبرونه بينهم إلا من أمر بصدقة أي: حث عليها 41.
أما المراد بالصدقة فقد تنوعت تفاسير المفسرين بين مضيق وموسع.
قال الشوكاني في تفسيره: «قوله: (بِصَدَقَةٍ) الظاهر أنها صدقة التطوع، وقيل: إنها صدقة الفرض» 42.
وجزم أبو حيان حينما قال: «والصدقة تشمل الفرض والتطوع» 43.
وذهب السعدي إلى أن المراد بالصدقة أوسع من قصرها على مجرد الفرض أو التطوع، حيث جعلها شاملة لكل ما يسمى صدقة في عرف الشرع، فقال رحمه الله: «ثم استثنى تعالى فقال: (إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ) من مال أو علم أو أي نفع كان، بل لعله يدخل فيه العبادات القاصرة كالتسبيح والتحميد ونحوه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة) 44.
وبين القاسمي في تفسيره السر في إباحة التناجي بالأمر بالصدقة فقال: « (إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ) أي: إلا في نجوى من أمر، بخفية عن الحاضرين، بصدقة ليعطيها سرًا، يستر به عار المتصدق عليه» 45.
وبالنسبة للمعروف فقد عرفه البغوي بقوله: «أو معروف أي: بطاعة الله وما يعرفه الشرع وأعمال البر كلها معروف؛ لأن العقول تعرفها» 46.
وصحح القرطبي قول البغوي فقال في تفسيره: «والمعروف لفظ يعم أعمال البر كلها. وقال مقاتل: المعروف هنا الفرض، والأول أصح. وقال صلى الله عليه وسلم: (كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق) 47.
ووسع العيني في عمدة القاري في تعريف المعروف فقال: «قوله: (أَوْ مَعْرُوفٍ) المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله عز وجل، والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع، ونهى عنه من المحسنات والمقبحات، وهو من الصفات الغالبة، أي: أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه» 48.
واشترط الماوردي ـ كما نقل عنه القرطبي في تفسيره ـ لفعل المعروف لمن يريد الامتثال لأمر الله شروطًا فقال: «فينبغي لمن يقدر على إسداء المعروف أن يعجله حذار فواته، ويبادر به خيفة عجزه، وليعلم أنه من فرص زمانه، وغنائم إمكانه، ولا يهمله ثقة بالقدرة عليه، فكم من واثق بالقدرة فاتت فأعقبت ندمًا، ومعولٍ على مكنةٍ زالت فأورثت خجلًا، كما قال الشاعر 49:
ما زلت أسمع كم من واثق خجلٍ
حتى ابتليت فكنت الواثق الخجلا
ثم قال القرطبي: «ومن شرط المعروف ترك الامتنان به، وترك الإعجاب بفعله، لما فيهما من إسقاط الشكر وإحباط الأجر» 50.
ونبه السعدي إلى أن الأمر بالمعروف إذا أطلق دخل فيه النهي عن المنكر فقال: «وإذا أطلق الأمر بالمعروف من غير أن يقرن بالنهي عن المنكر دخل فيه النهي عن المنكر، وذلك لأن ترك المنهيات من المعروف، وأيضا لا يتم فعل الخير إلا بترك الشر. وأما عند الاقتران فيفسر المعروف بفعل المأمور، والمنكر بترك المنهي» 51.
كما أوضح القاسمي في تفسيره العلة من الأمر بستر الأمر بالمعروف فقال: «وسر التناجي فيه أن لا يأنف المأمور عن قبوله لو جهر به» 52.
أما الأمر بالإصلاح بين الناس فيعني به: الإصلاح بين المتخاصمين؛ ليتراجعا إلى ما كانا فيه من الألفة والاجتماع، على ما أذن الله فيه وأمر به 53.
وهذا الإصلاح عام في الدماء والأعراض والأموال، وفي كل شيء يقع التداعي فيه 54.
حتى في الأديان كما قال السعدي في تفسيره واستدل لذلك بقوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) [آل عمران:103] .
وقوله سبحانه: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ? فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى? فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى? تَفِيءَ إِلَى? أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات:9] .
ثم بين رحمه الله فضل من يمشي في الإصلاح بين الناس فقال: «قال تعالى: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) [النساء:128] .
والساعي في الإصلاح بين الناس أفضل من القانت بالصلاة والصيام والصدقة، والمصلح لا بد أن يصلح الله سعيه وعمله»
كما أن الساعي في الإفساد لا يصلح الله عمله ولا يتم له مقصوده كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:81] .
فهذه الأشياء حيثما فعلت فهي خير، كما دل على ذلك الاستثناء 55.
وحاول صاحب أضواء البيان أن يبين المراد بالناس في قوله تعالى: (او الإصلاح بين الناس) فقال: «لم يبين هنا هل المراد بالناس المسلمون دون الكفار أو لا؟
ولكنه أشار في مواضع أخر أن المراد بالناس المرغب في الإصلاح بينهم هنا المسلمون خاصة كقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ?) [الحجرات:10] .
وقوله: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ?) [الحجرات:9] .
فتخصيصه المؤمنين بالذكر يدل على أن غيرهم ليس كذلك كما هو ظاهر، وكقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ?) [الأنفال:1] » 56.
وأما الثواب على تلك الخصال المستثناة من النجوى المنهي عنها، فخص بمن فعله تقربًا إلى الله.
يقول ابن رجب: «وأما الثواب عليه من الله، فخصه بمن فعله ابتغاء مرضاة الله، وإنما جعل الأمر بالمعروف من الصدقة والإصلاح بين الناس وغيرها خيرًا، وإن لم يبتغ به وجه الله؛ لما يترتب على ذلك من النفع المتعدي، فيحصل به للناس إحسان وخير، وأما بالنسبة إلى الأمر فإن قصد به وجه الله وابتغاء مرضاته كان خيرًا له، وأثيب عليه، وإن لم يقصد ذلك لم يكن خيرًا له، ولا ثواب له عليه، وهذا بخلاف من صام وصلى وذكر الله، يقصد بذلك عرض الدنيا، فإنه لا خير له فيه بالكلية؛ لأنه لا نفع في ذلك لصاحبه لما يترتب عليه من الإثم فيه، ولا لغيره لأنه لا يتعدى نفعه إلى أحد، اللهم إلا أن يحصل لأحد به اقتداء في ذلك» 57.
وقال ابن عبد البر في التمهيد: «فإصلاحه فيما بينه وبين الناس أفضل إذا فعل ذلك لله، وكراهة أذى المسلمين، وهو أولى به من أن يتعرض لعداوة صاحبه وبغضته، فإن البغضة حالقة الدين» 58.
فلهذا ينبغي للعبد أن يقصد وجه الله تعالى، ويخلص العمل لله في كل وقت وفي كل جزء من أجزاء الخير؛ ليحصل له بذلك الأجر العظيم؛ وليتعود الإخلاص فيكون من المخلصين؛ وليتم له الأجر، سواء تم مقصوده أم لا؛ لأن النية حصلت واقترن بها ما يمكن من العمل 59.
وأما الحكمة من وصف الأجر بالعظم فقال البيضاوي: «تنبيهًا على حقارة ما فات في جنبه من أعراض الدنيا» 60.
وخص الله تعالى بالذكر الصدقة والإصلاح من المعروف وإن كان المعروف لفظًا يعم الصدقة والإصلاح؛ اهتمامًا بهما؛ إذ هما عظيما الغناء في مصالح العباد 61.
وهنا تساؤل طرحه الراغب الأصفهاني جدير بالذكر فقال: «فإن قيل: فهاهنا أفعال أخر تحسن فلم خص هذه الثلاثة؟
قيل: هذه الثلاثة متضمنة للأفعال الحسنة كلها؛ وذلك أنه نبه بالصدقة على الأفعال الواجبة، وخص الصدقة لكونها أكثر نفعًا في إيصال الخير إلى الغير، ونبه بالمعروف على النوافل التي هي الإحسان والتفضل، وبالإصلاح بين الناس على سياستهم، وما يؤدي إلى نظم كلهم وإيقاع الألفة بينهم، ذلك أفضل الأفعال؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة، قيل: بلى يا رسول الله، قال: صلاح ذات البين) » 62.
وإن كانت آية النساء هذه قد قيدت جواز النجوى بما يكون من الأمر بالصدقة، أو الأمر بالمعروف، أو الإصلاح بين الناس، إلا أن آية سورة المجادلة أطلقت ذلك، وجعلت النجوى المباح فعلها تشمل جميع أنواع البر، وكل ما فيه تقوى الله تعالى.
قال السعدي في تفسير هذه الآية: «فأمر الله تعالى المؤمنين أن يتناجوا بالبر، وهو اسم جامع لكل خير وطاعة، وقيام بحق لله ولعباده، والتقوى، وهي هنا: اسم جامع لترك جميع المحارم والمآثم، فالمؤمن يمتثل هذا الأمر الإلهي، فلا تجده مناجيًا ومتحدثًا إلا بما يقربه من الله، ويباعده من سخطه» 63.
وقد ذهب الماتريدي إلى أن البر والتقوى وإن اختلفا في العبارة فهما في الحقيقة يمثلان شيئًا واحدًا، قال في تفسيره: «وهما أي: البر والتقوى في العبارة مختلفان وفي الحقيقة واحد؛ لأنه إذا اتقى كل شر ومعصية عمل كل خير وبر، وإذا كسب كل خير وبر اتقى كل معصية وشر» 64.
وهذا استنباط جيد، وفهم رائق يدل على وجود علاقة تلازمية بين اللفظين، وإن كان كل لفظ له معنى خاص به وله أعمال تتحقق به.
وجعل الواحدي البر شاملًا لكل طاعة، والتقوى شاملة لترك كل معصية، عند تفسيره لقوله تعالى: (وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى?) [المجادلة:9] 65.
أما الرازي فقد جعل البر المأمور به في مقابل ما ذكره الله من العدوان المنهي عنه، والتقوى ما يقي من النار حينما قال: «وأمرهم أن يتناجوا بالبر الذي يضاد العدوان، وبالتقوى وهو ما يتقى به من النار من فعل الطاعات وترك المعاصي» 66.
وهكذا حددت كل من آية سورة النساء وآية سورة المجادلة أنواعًا من النجوى المحمودة، التي يستطيع من خلالها المتناجي المؤمن أن يتناجى، دون أن يرتكب محذورًا شرعيًا، إن هو تقيد بما شرعه الله تعالى له في هذين الآيتين.
ثانيًا: النجوى المذمومة:
عرفنا مما مضى أن الكثير من النجوى إنها محرمة؛ لما فيها من الشر الذي جبلت الأنفس على إخفائه والخوف من إظهاره، فكانت بذلك مذمومة غير محمودة.
قال الراغب الأصفهاني في تفسيره: «ولما كان التناجي مكروهًا في الأصل حتى قال:(إِنَّمَا النَّجْوَى? مِنَ الشَّيْطَانِ [المجادلة:10] صار ذلك من الأفعال التي تقبح ما لم يقصد به وجه محمود كالمكر والخديعة، فبين تعالى أن النجوى لا تحسن ما لم تخص بها هذه الوجوه المستثناه» 67.
وهي النجوى المحرمة من سوء أدب المجالسة التي نهى الله عنها وأدب عباده بها 68.
قال صاحب التحرير والتنوير في معرض تفسيره لآية النجوى من سورة النساء: «وعلى هذا فالمقصود من الآية تربية اجتماعية دعت إليها المناسبة، فإن شأن المحادثات والمحاورات أن تكون جهرة؛ لأن الصراحة من أفضل الأخلاق لدلالتها على ثقة المتكلم برأيه، وعلى شجاعته في إظهار ما يريد إظهاره من تفكيره، فلا يصير إلى المناجاة إلا في أحوال شاذة يناسبها إخفاء الحديث، فمن يناجي في غير تلك الأحوال رمي بأن شأنه ذميم، وحديثه فيما يستحيي من إظهاره، كما قال صالح بن عبدالقدوس:
الستر دون الفاحشات ولا
يغشاك دون الخير من ستر
وقد نهى الله المسلمين عن النجوى غير مرة ... » إلى أن قال: «فعلمنا من ذلك أنها لا تغلب إلا على أهل الريب والشبهات، بحيث لا تصير دأبا إلا لأولئك، فمن أجل ذلك نفى الله الخير عن أكثر النجوى .. » 69.
ونحن إذا ما تأملنا آية النساء وجدناها تثبت أصلًا وتستثني فرعًا، فالأصل الذي تثبته هو أن النجوى محرمة مذمومة باعتبار الأكثر الغالب، والفرع الذي تستثنيه ـ الأقل ـ هو النجوى المحمودة المرغوب فيها والتي تكون في مجال الأمر بالصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس والبر والتقوى.
ومن ثم فإن الأفعال المذمومة المتناجى بها في النجوى المحرمة كثيرة لا يمكن حصرها أو إحصاؤها.
والمهم في نظري هو ما احتوت عليه آية المجادلة، بحيث إنها جمعت وحصرت كل خلال الشر في النجوى غير المستثناة في آية النساء، وهي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى? ? وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) [المجادلة:9] .
فالإثم والعدوان ومعصية الرسول مما حرم الله التناجي به.
وذكر ابن الجوزي في زاد المسير وجهين في معنى تناجيهم بالإثم والعدوان، أحدهما: «يتناجون بما يسوء المسلمين، فذلك الإثم والعدوان، ويوصي بعضهم بعضًا بمعصية الرسول. والثاني: يتناجون بعد نهي الرسول لهم، ذلك هو الإثم والعدوان ومعصية الرسول» 70.
فالكذب والغيبة والنميمة والبهتان، وغيرها من الذنوب التي يمكن أن يقع التناجي بها تجمعه كلمة الإثم، وكل أنواع الظلم والاعتداء على الغير يدخل في كلمة العدوان، وكل مخالفة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ونهيه تحتويها كلمة معصية الرسول، فكانت بذلك هذه الآية جامعة لكل خلال الشر المتناجى به.
وإن كان العديد من المفسرين قد ذهب إلى أن المنافقين هم المرادون بهذه الآية 71، إلا أن منهم من صرف النهي إلى المؤمنين مثل: الماتريدي في تفسيره حينما قال: «إن أهل التأويل صرفوا الآية إلى المنافقين، وعندنا يحتمل صرف النهي إلى المؤمنين عن التناجي بمثل ما تناج أولئك، أي: لا تتناجوا أنتم يا أهل الإيمان فيهم بالإثم والعدوان كما تناجوا فيكم، يقول: لا تجازوهم بالذي فعلوا هم بكم، ولكن تناجوا فيهم بالبر والتقوى، وهو كقوله تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ?) [المائدة:2] .
نهى المؤمنين أن يجازوهم جزاء الاعتداء الذي كان منهم من صدهم عن المسجد الحرام؛ بل أمرهم بالتعاون على البر والتقوى، قال: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى?) [المائدة:2] .
فعلى ذلك يحتمل هذا، والله أعلم» 72
كما ذكر رحمه الله معنى آخر محتملًا للآية فقال: «وجائز أن يكون في المؤمنين حقيقة على الابتداء؛ نهيا منه لهم، يقول: إذا تناجيتم فلا تتناجوا فيما يؤثمكم ويحملكم على العدوان: على المجاوزة عن الحد، ومعصية الرسول فيما يأمركم وينهاكم، (وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى) يحتمل كل أنواع الخير، وأما التقوى فهو كل ما يقون به أنفسهم عن النار، وقد تقدم ذكره» 73.
وفي الحكمة من ترتيب هذه الأمور التي نهى الله تعالى المؤمنين عنها.
يقول أبو حيان: «ثم نهى المؤمنين أن يكون تناجيهم مثل تناجي الكفار، وبدأ بالإثم لعمومه، ثم بالعدوان لعظمته في النفوس، إذ هي ظلامات العباد، ثم ترقى إلى ما هو أعظم، وهو معصية الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي هذا طعن على المنافقين، إذ كان تناجيهم في ذلك» 74.
أشار القرآن الكريم إلى أن الكثير من النجوى لا خير فيها ممنوعة غير جائزة، ولجوازها ضوابط لم يغفلها الشرع الحكيم، بل ذكرها وجعلها مستثناة من النجوى الممنوعة.
قال الله تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ? وَمَنْ يَفْعَلْ ذَ?لِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ?114?) [النساء:114] .
وقال عز وجل: (ھ ے ے يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى? ? وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ?9?إِنَّمَا النَّجْوَى? مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ? وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ?10?) [المجادلة:9 - 10] .
ومن الضوابط التي أشارت إليها الآيات الكريمات:
إن المتأمل في الآيات التي ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم والمتعلقة بموضوع النجوى، يلاحظ أنها ركزت فقط على جانب الأحكام المتناجى فيها، دون أن تتحدث عن أحكام المتناجين.
وإذا ما بحثنا في السنة فإننا سنجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تولى بيان ذلك؛ امتثالا منه عليه الصلاة وأزكى التسليم لأمر الله حين خاطبه ربه قائلًا: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل:44] .
لذلك ومن هذا المنطلق يمكن أن نقسم مبحث أحكام النجوى إلى قسمين: قسم يتعلق بأحكام الأمور المتناجى فيها، وآخر يتعلق بأحكام المتناجين، إلا أن القسم الأول هو من له علاقة بموضوع البحث لصلته الوثيقة بالقرآن؛ لذلك سنقتصر عليه دون الآخر.
والنجوى على نوعين محمودة ومذمومة تبعًا للأمور المتناجى فيها، والمحمود بالنسبة للأحكام الشرعية إما أن يكون واجبًا أو مستحبًا أو مباحًا، والمذموم منها إما أن يكون حرامًا أو مكروهًا؛ لذلك فإن النجوى في الحكم الشرعي الفقهي تعتريها الأحكام الشرعية الخمسة، وهي:
تكون النجوى واجبة إذا علم أن في إفشاء الأمر المتناجى فيه مضرة تلحق الغير، أو علم أن في إظهارها تفويتًا لمنفعة عامة أو خاصة، وتيقن المتناجون ألا مناص لهم من النجوى لجلب المصالح ودرء المفاسد، أو علم أن أمرًا واجبًا من أمور الشرع لا سبيل إليه إلا بالنجوى؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
هي النجوى التي تكون وسيلة لتحقيق أعمال البر والإحسان المتطوع بها لوجه الله، وعلم أن في إظهارها تضييعًا لأعمال الخير، وهروبًا من الرياء والسمعة.
وكل من النجوى الواجبة والمستحبة وحتى المباحة يشترط لجوازها عدم دخول الحزن على الآخرين. قال القرطبي: «وظاهر حديث ابن مسعود (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه) يعم جميع الأزمان والأحوال، وإليه ذهب ابن عمر ومالك والجمهور. وسواء أكان التناجي في مندوب أو مباح أو واجب فإن الحزن يقع به» 76.