فهرس الكتاب

الصفحة 669 من 2431

التدبّر

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل مادة (دب ر) تدل على آخر الشّيء وخلفه، فمعظم الباب أنّ الدّبر خلاف القبل، ودابرت فلانًا: عاديته، وذلك أن يترك كلّ واحدٍ منهما الإقبال على صاحبه بوجهه، ورجلٌ أدابرٌ: يقطع رحمه؛ وذلك أنّه يدبر عنها ولا يقبل عليها 1.

والتدبير: أن يعتق الرجل عبده عن دبر، وهو أن يعتق بعد موته، والتّدبير أيضًا: أن يدبّر الإنسان أمره، وذلك أنّه ينظر إلى ما تصير عاقبته، ودُبُره يعني: آخره 2.

وتدبّر الكلام: النظر في أوله وآخره، ثم إعادة النظر مرة بعد مرة؛ ولهذا جاء على وزن التفعّل كالتجرّع والتفهّم والتبيّن 3، ودبّر الأمر أي: فعله بعناية وعن فكر ورويّة، أو نظر فيه وصرّفه على ما يريد 4.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الجرجاني: «التدبر: عبارة عن النظر في عواقب الأمور» 5.

أما ابن القيم فعرّفه: «تحديق ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبّره وتعقّله» 6.

وقيل في معناه: هو التفكر الشامل الموصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة 7.

وقيل: هو تفهّم معاني ألفاظ القرآن والتفكر فيما تدل عليه آياته، وما دخل في ضمنها وما لا تتم إلا به، مما لم يعرّج اللفظ على ذكره من الإشارات والتنبيهات وانتفاع القلب بذلك بخشوعه عند مواعظه وخضوعه لأوامره، وأخذ العبرة منه 8.

فبهذا تتضح العلاقة بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي، إذا خص التدبر في المعنى الاصطلاحي بالتفكر والتأمل في كلام الله تعالى.

وردت مادة (دبر) في القرآن الكريم (44) مرة، ويخص مادة التدبر منها (4) مرات 9.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل المضارع ... 4 ... {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) } [ص:29]

وجاء التدبر في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: التفكر والنظر في أدبار الأمور 10.

التفسير:

التفسير لغةً:

هو بيان الشيء وإيضاحه. من ذلك الفسر، يقال: فسرت الشيء وفسّرته 11.

التفسير اصطلاحًا:

«علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية» 12.

الصلة بين التدبّر والتفسير:

إن التدبر لا يكون إلا بعد معرفة التفسير الصحيح للآية، وأن المقصود الأصلي للتفسير هو: بيان معاني كلام الله تعالى، ومقصود التدبر هو: الاتعاظ والاعتبار.

التأويل:

التأويل لغةً:

التأويل من (الأول) ، أي: الرجوع إلى الأصل، ومنه: (الموئل) للموضع الذي يرجع إليه، وذلك هو ردّ الشيء إلى الغاية المرادة منه، علمًا كان أو فعلًا 13، وقيل: من (الإيالة) ، وهي السياسة، كأن المؤول للكلام يسوسه ويضع المعنى في موضعه 14.

التأويل اصطلاحًا:

عند السلف المتقدمين: كانوا يطلقون مصطلح التأويل على التفسير، وعند المتأخرين: (التأويل) : هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله، بما لا يخالف نصًّا من كتاب الله سبحانه و تعالى ولا سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم 15.

الصلة بين التدبّر والتأويل:

على اعتبار أن التأويل بمعنى التفسير، فيكون الفرق بين التدبر والتأويل نفس الكلام المذكور سابقًا، أما على المعنى الثاني، فيلتقي التأويل مع التدبر في الغايات والمقاصد، لكن التدبر لعامة المؤمنين، والتأويل لأهل العلم والنظر.

الاستنباط:

الاستنباط لغةً:

كلمة تدل على استخراج شيء. واستنبطت الماء: استخرجته، والماء نفسه إذا استخرج نبط. ويقال: إنّ النّبط سموا به لاستنباطهم المياه 16.

الاستنباط اصطلاحًا:

هو استخراج ما خفي من النص بطريق صحيح 17.

الصلة بين التدبّر و الاستنباط:

إن التدبر أصل الاستنباط، فلا يمكن الاستنباط من النص قبل تدبّره، وأن التدبّر يعم العلماء وغيرهم؛ لأنه متوجه للمقاصد الأصلية للقرآن، والاستنباط خاصٌّ بأولي العلم فقط؛ لأنه يكون لدقائق الأمور.

التفكّر:

التفكّر لغةً:

تردد القلب في الشيء. يقال: تفكر إذا ردّد قلبه معتبرًا. ورجل فكّير: كثير الفكر 18.

التفكّر اصطلاحًا:

تصرّف القلب في معاني الأشياء؛ لدرك المطلوب، وقيل: هو إحضار ما في القلب من معرفة الأشياء 19.

الصلة بين التدبّر والتفكّر:

إن التدبر: تصرّف القلب بالنظر في العواقب. والتفكر: تصرّف القلب بالنظر في الدلائل. وأن التفكر أظهر في النظر في الآيات الكونية الواقعة والمشاهدة، أما التدبر فهو أظهر في النظر في الآيات القرآنية 20.

إنّ التدبّر في القرآن هو الغاية الأسمى من نزوله، حيث قال سبحانه وتعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29] .

وهذا ما دعا العلماء إلى البحث في موضوع التدبر، ومعرفة مقاصد وأهداف التدبر، ولمعرفة مقاصد وأهداف التدبّر نعرضها فيما يلي:

أولًا: زيادة الإيمان:

إنّ أهم مقصد من مقاصد التدبر في القرآن الكريم، هو أنه عندما يتلى القرآن الكريم بتدبّر، يشعر القارئ بزيادة الإيمان في قلبه، بل إن مقياس التدبر يعرف بزيادة الإيمان، فإذا كان المسلم يشعر بزيادة في إيمانه فإنه يتدبّر القرآن، حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2] .

ويقول الإمام السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: «ووجه ذلك أنهم يلقون له السمع ويحضرون قلوبهم لتدبره، فعند ذلك يزيد إيمانهم؛ لأن التدبر من أعمال القلوب؛ ولأنه لابد أن يبيّن لهم معنًى كانوا يجهلونه، أو يتذكرون ما كانوا نسوه، أو يحدث في قلوبهم رغبة في الخير، واشتياقًا إلى كرامة ربهم، أو وجلًا من العقوبات، وازدجارًا عن المعاصي، وكل هذا مما يزداد به الإيمان» 21.

والمراد بـ (زيادة الإيمان) : هي زيادة انشراح الصدر، وطمأنينة القلب، وانثلاج الخاطر عند تلاوة الآيات 22، وقوة اليقين في نفس الموقن، فتلك القوة هي المعبّر عنها بالزيادة، وتفاوتها تدرج في الزيادة، ويجوز أن تسمى: قلة التدرج في الأدلة نقصًا، لكنه نقص عن الزيادة، وذلك مع مراعاة وجود أصل حقيقة الإيمان؛ لأنها لو نقصت عن اليقين لبطلت ماهية الإيمان، وقد أشار البخاري رحمه الله إلى هذا بقوله: (باب زيادة الإيمان ونقصانه) 23، فإذا ترك شيئًا من الكمال فهو ناقص، وهذا هو المراد من وصف الإيمان بالزيادة 24.

وجاء التعبير بصيغة الفعل المبنى للمفعول في قوله: {ذُكِرَ اللَّهُ} ، {تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ} ؛ للإيذان بأن هؤلاء المؤمنين الصادقين إذا كانوا يخافون، ويزداد إيمانهم عندما يسمعون من غيرهم آيات الله، فإنهم يكونون أشد خوفًا، وأكثر زيادةً للإيمان عند ذكرهم لله، وعند تلاوتهم لآياته بألسنتهم وقلوبهم. فالمقصود من هذه الصيغة: مدحهم، والثناء عليهم، وبيان الأثر الطيب الذي يترتب على ذكر الله، وعلى تدبر آياته 25.

والقلب المؤمن يجد في آيات القرآن ما يزيده إيمانًا، وما ينتهي به إلى الاطمئنان، فالقرآن يتعامل مع القلب البشري بلا وساطة، ولا يحول بينهما شيء إلا الكفر الذي يحجبه عن القلب، ويحجب القلب عنه، فإذا رفع هذا الحجاب بالإيمان وجد القلب حلاوة هذا القرآن، ووجد في آياته المتكررة زيادة في الإيمان تبلغ إلى الاطمئنان 26.

وكان المؤمنون إذا أنزلت سورة من القرآن ازدادوا إيمانًا وتصديقًا وإقرارًا؛ حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة: 124] .

وذلك لا يكون إلا بعد التدبر في هذه السورة، ولعل المسلمين كانوا إذا سمعوا القرآن قالوا: قد ازددنا إيمانًا، كقول معاذ بن جبل للأسود بن هلال رضي الله عنهما: (اجلس بنا نؤمن ساعة) 27، يعني: بمذاكرة القرآن والتدبر في آياته 28، والتعبير في الآية بقوله: {فَزَادَتْهُمْ} يدل على أن أعظم آثار القرآن هو الإيمان، وذلك لا يكون إلا بالتدبر، فالإيمان إذًا مقصد من مقاصد المتدبر للقرآن، فعندما تفهم ما تقرأ وتستشعر عظمة الخطاب الموجّه إليك، فإن ذلك يزيد من إيمانك بربك، ويجعلك مستبشرًا بعظيم فضله ومنته، بعكس المنافق المعرض صاحب القلب المريض؛ إذ لا تزيده السورة إلا شكًّا وإعراضًا.

ومن علامات زيادة الإيمان الناتجة عن تدبر القرآن: البكاء من خشية الله، ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 83] .

والقشعريرة خوفًا من الله تعالى، ثم غلبة الرجاء والسكينة، ومن ذلك قوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23] .

ومن العلامات أيضًا: السجود تعظيمًا لله عز وجل وزيادة الخشوع، ومن ذلك قول الله عز وجل: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 107 - 109] .

ثانيًا: العمل الصالح:

إنّ المقصد الثاني من مقاصد تدبر القرآن، هو العمل الصالح، والامتثال لأمر الله ونهيه، وهو ثمرة الإيمان وعاقبة التدبر؛ لذلك حتى يتحقق التدبر في القرآن، يجب أن يكون بنية العمل والامتثال بما فيه، ولو أننا تلونا القرآن، ولم نعمل بما فيه لا يمكن أن نكون قد تدبرناه. ولو تدبرناه لكان القرآن واقعًا عمليًّا في حياتنا وسلوكنا. وهذا ما أكّدته عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: (فإنّ خلق نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن) 29، ويقول ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا سمعت الله يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأرعها سمعك، فإنّه خيرٌ يؤمر به، أو شرٌّ ينهى عنه» 30، وذلك استعدادًا لتنفيذ الأوامر.

إن التدبر في القرآن هو الطريق للعمل بما جاء فيه؛ وذلك لأن العمل بالقرآن يتوقف على فهمه، وفهم القرآن لا يمكن إلا بالتدبر في آياته. ولقد حثّنا القرآن على العمل والامتثال لما جاء فيه، فقال سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 121] .

الغالبية العظمى من المفسرين على أن المقصود من قوله: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} ، أي: يتبعونه حق اتباعه، فيكون: يتلونه من تلاه، يتلوه: إذا اتّبعه، ومنه قوله تعالى: {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا} [الشمس: 2] .

أي: اتبعها، فهم يعملون بما فيه، فيحلّون حلاله، ويحرّمون حرامه، ويعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه 31، ويقول أبو السعود: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} ، «بمراعاة لفظه عن التحريف وبالتدبّر في معانيه والعمل بما فيه» 32؛ لأنهم إن تدبروه تدبرًا صادقًا، علموا أنه حق، وأن اتباعه واجب، وتصديق من جاء به لازم 33. بل إن الفائدة المنشودة من تلاوة القرآن بتدبر هي العمل به، فهو كما ثبت في الحديث الصحيح من حديث أبي مالكٍ الأشعريّ: (والقرآن حجّةٌ لك، أو عليك) 34، وهذا الذي كان عليه السلف الصالح -رضي الله عنهم وأرضاهم-، كما قال الحسن البصري -رحمه الله تعالى-: «إن من قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبّرونها بالليل وينفّذونها بالنهار» 35. ومن يتلو القرآن، وهو معرض عن آياته والعمل به، يكون كالمستهزئ بربه، أما الأميّ فعليه سؤال العلماء؛ لشرح معنى القرآن، وإفهامه مراده: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] 36.

ومن هنا فإن الذين لا يتدبّرون القرآن، سوف يفوتهم تطبيق الكثير من مبادئ الدين في حياتهم العملية، وهم لا يشعرون.

ولقد اقترنت دعوة القرآن الكريم للعمل الصالح بالدعوة للإيمان بالله، فلقد كرر القرآن الكريم {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} خمسين مرة، في اثنتين وثلاثين سورة.

ويجعل القرآن العمل الصالح جزءًا من صفات المؤمن وشرطًا لدخول الجنة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} [الكهف: 107] .

وهناك ارتباط وثيق في عقيدة أهل السنة والجماعة بين الإيمان والعمل الصالح؛ فالإيمان شرطه العمل الصالح، وإلا كان قولًا لا دليل عليه، والعمل الصالح شرطه الإيمان؛ لكي يكون مقبولًا عند الله، قال تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 124] .

وقال في شأن الذين يقدّمون أعمالًا خيّرة، ولكنهم كفار: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23] .

إنّ الاستخلاف في الأرض لا يكون إلا بالعمل الصالح بعد الإيمان، قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] 37.

والتدبر في القرآن الكريم يجعل الفرد المؤمن الصالح إيجابيًّا ونافعًا، ويعيش حياة آمنة مطمئنة، وصفها القرآن بالحياة الطيبة، وجعلها لمن عمل صالحًا، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] .

وبهذا الترابط الوثيق بين الإيمان والعمل الصالح يقدّم الإسلام نموذجًا رائعًا وفريدًا بالتطابق بين النظرية والتطبيق، فليس الإيمان مجرد شعارات وأقوال، بل هو تصديق قلبي ينعكس على عمل المؤمن، وعلاقته بمن حوله، فالإيمان الصحيح يزداد، ويقوى، وينمي، ويترتب عليه آثاره من الأعمال الصالحة، وترك المعاصي والفساد بقدر تدبر القرآن، وينقص ويضعف على هذه النسبة من ترك تدبره.

وليس العمل لمجرد النفع الدنيوي البعيد عن الأخلاق، بل هو مرتبط بحياة أخرويّة، هي بالتأكيد الأفضل والأعلى {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} [الضحى: 4] .

ولقد حفّزنا القرآن الكريم بأساليب مختلفة على العمل والامتثال، منها: أسلوب الأمر والنهي، وأسلوب الجزاء والعقاب، وأسلوب الوعد والوعيد، وأسلوب الترغيب والترهيب، وهذه الأساليب وغيرها دالة على أن القرآن أنزل للعمل والامتثال.

ومنهج النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح، وغاية مرادهم من القرآن، العمل الصالح، ويشهد له: ما أخرجه الإمام مسلم عن سعد بن هشام بن عامر قال: (سألت عائشة رضي الله عنها فقلت: يا أمّ المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإنّ خلق نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن، قال: فهممت أن أقوم ولا أسأل أحدًا عن شيءٍ حتّى أموت، ثمّ بدا لي، فقلت: أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ألست تقرأ يا أيّها المزّمّل؟ قلت: بلى، قالت: فإنّ اللّه عز وجل افترض قيام اللّيل في أوّل هذه السّورة، فقام نبيّ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولًا، وأمسك اللّه خاتمتها اثني عشر شهرًا في السّماء، حتّى أنزل اللّه في آخر هذه السّورة التّخفيف، فصار قيام اللّيل تطوّعًا بعد فريضةٍ) 38.

ففي هذا الحديث دلالة على منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع القرآن، وهو التخلّق بأخلاقه، والعمل بأوامره.

وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال له عيينة بن حصن: «هي يا ابن الخطّاب، فواللّه ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل» ، فغضب عمر حتّى همّ أن يوقع به، فقال له الحرّ بن قيس: «يا أمير المؤمنين، إنّ اللّه تعالى قال لنبيّه صلى الله عليه وسلم: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] . وإنّ هذا من الجاهلين» ، واللّه ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقّافًا عند كتاب اللّه 39.

وقال الحسن البصري رحمه الله: «وما يتدبّر آياته إلّا اتّباعه بعلمه، واللّه يعلمه، أما واللّه ما هو بحفظ حروفه، وإضاعة حدوده، حتّى أنّ أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن كلّه فما أسقط منه حرفًا، وقد أسقطه واللّه كلّه ما بدا له القرآن في خلقٍ ولا عملٍ» 40.

ثالثًا: الهداية إلى الحق والصواب:

قد علم أن المقصد الأول من مقاصد التدبر هو: زيادة الإيمان، وأن المقصد الثاني هو: العمل الصالح، وهو ثمرة ونتيجة الإيمان، وأنهما متلازمان، فلا إيمان بلا عمل، ولا عمل بلا إيمان. فالأول مبتور لم يبلغ تمامه، والثاني مقطوع لا ركيزة له، وبهما معا يتحقق المقصد الثالث من مقاصد التدبر وهو: الهداية إلى الحق والصواب.

يقول ربنا سبحانه وتعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الإسراء: 9 - 10] .

فالإيمان والعمل هما القاعدتان الأصيلتان التي تبنى عليهما الهداية.

فأما الذي لا يهتدي بهدي القرآن، فهو لا يتدبّره، بل هو متروك لهواه، والإنسان العجول الجاهل بما ينفعه وما يضره، المندفع الذي لا يضبط انفعالاته، ولو كان من ورائها الشر له، ذلك أنه لا يعرف مصائر الأمور وعواقبها، ولقد يفعل الفعل وهو شر، ويعجل به على نفسه، وهو لا يدري، أو يدري ولكنه لا يقدر على كبح جماحه، وضبط زمامه، فأين هذا من هداية القرآن له إلى الخير والصواب؟ يقول الله سبحانه وتعالى في حقه: {وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء: 11] .

وإنّه مما يؤكّد على أنّ الهداية مترتبة على العمل والاتّباع: قوله تعالى: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 16] .

فمن الذي يهتدي بالقرآن؟ إنّه الذي يتّبع ما يرضي الله.

وهذه الهداية حسب الآية لها ثلاث فوائد:

1.إن المتبع لما يرضي الله يهديه إلى الطريق المؤدي إلى النجاة والسلامة من الشقاء والعذاب في الدنيا والآخرة باتباع الإسلام؛ لأنه دين الحق والعدل والإخلاص والمساواة.

2.إنه يخرج المؤمنين به من ظلمات الكفر والشرك والوثنية والوهم والخرافة إلى نور التوحيد الخالص.

3.إنه يهدي إلى الطريق الموصل إلى الهدف الصحيح من الدين، وإلى خيري الدنيا والآخرة 41.

ويقول الله تعالى في آية أخرى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى? [طه: 123] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت