أولًا: أسماؤها:
لقد سميت غزوة الأحزاب بذلك الاسم، بسبب اجتماع أحزاب وطوائف من المشركين فيها لمحاربة المسلمين، وعلى رأسهم قريش وغطفان ومعهم اليهود 1، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى اسم الأحزاب في قوله: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22] .
وسميت أيضًا بغزوة الخندق؛ لأنه عندما علم المسلمون بقدوم الأحزاب استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، فأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه عليه بحفر خندق حول المدينة يحول بينهم وبين الأحزاب ففعلوه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم 2.
وقد وردت هذه التسمية على ألسنة الصحابة رضي الله عنهم، حيث روي عن عبد الرحمن وهو ابن عبد الله بن دينار، عن أبيه، أن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: «أول يوم شهدته يوم الخندق» 3، وعن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء بن عازب يحدث، قال: «لما كان يوم الأحزاب، وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأيته ينقل من تراب الخندق، حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه» 4.
ثانيًا: حكمة تسمية سورة باسمها:
لما تحزب المشركون من قريش وغطفان وبعض العرب ويهود بني قريظة، واجتمعوا لغزو المسلمين في المدينة، وقد رد الله كيدهم وكفى الله المؤمنين القتال في غزوة الأحزاب، ذكر الله سبحانه وتعالى تفاصيل هذه الغزوة وقصتها في سورة سميت بسورة الأحزاب، ولما كانت غزوة الأحزاب حدًا فاصلًا لمرحلة جديدة، أعلن فيها النبي صلى الله عليه وسلم أنه لن يأتي أحد بعد هذه الغزوة ليغزو المسلمين، بل هم سيقومون بغزو أعدائهم، حيث روي عن سليمان بن صرد، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: (نغزوهم، ولا يغزوننا) 5.
ونصر الله سبحانه وتعالى في الغزوة نبيه صلى الله عليه وسلم والمسلمين وأيدهم بجنوده من الملائكة الكرام والريح والخندق.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: 9] .
فكانت غزوة الأحزاب معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك سميت سورة باسمها تأييدًا للنبي صلى الله عليه وسلم وتخليدًا لهذه الغزوة، وبيانًا لأحداثها، ولما فيها من دروس وعبر للمؤمنين، وهذا من أعظم مقاصد القرآن الكريم 6.
ثالثًا: زمان الغزوة ومكانها:
فأما زمان الغزوة: فذهب جمهور أهل السير والمغازي على أن غزوة الأحزاب كانت في شهر شوال من السنة الخامسة من الهجرة 7، وذهب إلى هذا القول ابن سعد، وابن إسحاق، والواقدي، والطبري، وابن كثير 8، وغيرهم.
وذهب طائفة من العلماء إلى أنها في السنة الرابعة من الهجرة، منهم الزهري، ومالك بن أنس، وموسى بن عقبة 9، وابن حزم، والنووي 10.
والذي يرجح هو رأي الجمهور، وهو ما رجحه ابن القيم فقال: «وكانت سنة خمسة من الهجرة في شوال على أصح القولين، إذ لا خلاف أن أحدًا كانت في شوال سنة ثلاث، وواعد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام المقبل، وهو سنة أربع، ثم أخلفوه لأجل جدب تلك السنة، فرجعوا، فلما كانت سنة خمس جاؤوا لحربه، هذا قول أهل السير والمغازي» 11.
وأما مكان الغزوة: فحدثت غزوة الأحزاب على مشارف المدينة المنورة، وقد حفر المسلمون الخندق على مشارفها وتحصنوا في المدينة للدفاع عنها، وكان حفر الخندق بإشارة من سلمان الفارسي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولما قبل النبي صلى الله عليه وسلم هذه المشورة تم حفر الخندق في السهل الواقع شمال غرب المدينة، وهو الجانب المكشوف الذي يخاف منه اقتحام العدو، حيث هذه المنطقة هي المنطقة الوحيدة المكشوفة من المناطق المحيطة بالمدينة المنورة؛ إذ أن جهات المدينة الأخرى محاطة بالبساتين الكثيفة والعوارض الطبيعية الأخرى، وذلك يحول دون إمكان إجراء القتال بقوات كبيرة في أطراف المدينة عدا الشمالية منها 12.
وقد تجمعت جيوش الأحزاب حول المدينة، وجعل المسلمون ظهورهم إلى جبل سلع استعدادًا للقاء الأعداء والخندق بينهم 13.
إن تحركات المسلمين المتواصلة في مختلف أنحاء شبه الجزيرة العربية، وتحديهم المستمر لقريش، وتهديدهم لطرق تجارتها، قد هيأت الظروف لتحالف المشركين مع اليهود لاجتثاث المسلمين من قاعدتهم المدينة، فإن قريشًا كانت تفكر بحملة عسكرية ضد الوجود الاسلامي، وتود لو أتيحت لها الفرصة للقضاء على النبي صلى الله عليه وسلم والإسلام، وقد أتتهم الفرصة حينما اتصل بهم زعماء يهود بني النضير داعين قريشًا لحرب المسلمين 14.
وكان يهود بني النضير وبني قينقاع الذين أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة مغيظين، خرجوا وهم يحملون معهم أحقادهم على المسلمين، فما أن استقروا بخيبر حتى أخذوا يرسمون الخطط للانتقام من المسلمين ويسعون بكل ما في وسعهم للقضاء عليهم، فاتفقت كلمتهم على التوجه إلى القبائل العربية المختلفة لتحريضها على حرب الإسلام، وكونوا لهذا الغرض الخبيث وفدًا يتكون من سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، ونفر من وائل وتوجهوا إلى قريش. وقد نجح الوفد نجاحًا كبيرًا في مهمته حيث وافقت قريش التي كانت تنتظر الفرصة بعد الحصار الاقتصادي المضروب عليها من المسلمين، ووافقت غطفان طمعًا في خيرات المدينة وفي السلب والنهب، وتابعتهم قبائل أخرى، فتعاقدوا جميعًا، والتقى قصد قوى الشر في القضاء على الإسلام، وقد شهدوا أن الشرك خير من الإسلام، حتى نزلت في حقهم الآية الكريمة: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} [النساء: 51 - 52] 15.
وقد بين الطبري في تفسيره أن هذه الآية وصف من الله سبحانه وتعالى للذين أوتوا نصيبًا من الكتاب من اليهود بتعظيمهم غير الله بالعبادة، وتفضيلهم أهل الكفر بالله على أهل الإيمان به، وقولهم أن دين أهل التكذيب لله ولرسوله، أعدل وأصوب من دين أهل التصديق لله ولرسوله. وذكر آراء العلماء في سبب نزول الآية، وخلص إلى القول بأن ذلك خبر من الله سبحانه وتعالى عن جماعة من أهل الكتاب من يهود، وجائز أن يكون حييًا وآخر معه إما كعبًا وإما غيره 16.
أولًا: مجيء الأحزاب وحصارهم المدينة:
لقد تجمعت الأحزاب لحرب المسلمين، فخرجت قريش وغطفان وغيرهم من القبائل، وقد تولى قيادة جموع الأحزاب أبو سفيان، وكان عددهم عشرة آلاف مقاتل، بينما كان عدد جيش المسلمين ثلاثة آلاف فقط، وخرجت يهود بني النضير ونقضت بني قريظة العهد، وقد تفاجأت الأحزاب بالخندق، وما كان أمامهم إلا أن يرابطوا أمامه، وأصبحت المدينة واقعة تحت حصار جموع الأحزاب 17.
ولقد تحدث القرآن الكريم عن خروج الأحزاب وحصارهم المسلمين، ووصف الحالة التي أصابت المسلمين من فزع وجزع وخوف في تلك المحنة الرهيبة.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 9 - 11] .
الآيات تشير إلى خروج قوات الأحزاب ومحاصرتهم المدينة، فقوله تعالى: {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ} أي: جاءتكم جنود الأحزاب من قريش وغطفان وبني النضير وغيرهم، ونكر {جُنُودٌ} لتفيد الكثرة، حيث جاؤوهم إلى المدينة من فوقهم أي: من فوق الوادي من قبل المشرق، ومن أسفل منهم أي: من بطن الوادي من قبل المغرب، فحاصر العدو المسلمين، حتى أصاب المسلمين الخوف والرعب، وتنوعت الظنون، وكثرت الهواجس.
ووصفت الآيات حالهم بتصوير بديع للهول الذي أصابهم، بأن زاغت الأبصار أي: عدلت عن مقرها وشخصت، وزالت القلوب عن أماكنها حتى بلغت الحناجر والحلقوم من شدة الخوف والفزع، فمن المعلوم أن من خاف وجبن تنتفخ رئته فترفع القلب الى الحنجرة، فزلزلوا واضطربت قلوبهم، وبلغوا غاية الضيق والشدة، وهذا ابتلاء واختبار من الله للمسلمين ولإيمانهم، وتمحيص للقوم؛ ليعرف المؤمن من المنافق، وراسخ الإيمان من المتزلزل 18.
يقول سيد قطب في تصوير المشهد: «إنها صورة الهول الذي روع المدينة، والكرب الذي شملها، والذي لم ينج منه أحد من أهلها، وقد أطبق عليها المشركون من قريش وغطفان واليهود من بني قريظة من كل جانب، من أعلاها ومن أسفلها. فلم يختلف الشعور بالكرب والهول في قلب عن قلب، وإنما الذي اختلف هو استجابة تلك القلوب، وظنها بالله، وسلوكها في الشدة، وتصوراتها للقيم والأسباب والنتائج، ومن ثم كان الابتلاء كاملًا والامتحان دقيقًا، والتمييز بين المؤمنين والمنافقين حاسمًا لا تردد فيه» 19.
وعلل الإمام الرازي هذا الابتلاء بقوله: «عند ذلك امتحن الله المؤمنين فتميز الصادق عن المنافق، والامتحان من الله ليس لاستبانة الأمر له، بل لحكمة أخرى وهي أن الله سبحانه وتعالى عالم بما هم عليه؛ لكنه أراد إظهار الأمر لغيره من الملائكة والأنبياء، كما أن السيد إذا علم من عبده المخالفة وعزم على معاقبته على مخالفته، وعنده غيره من العبيد وغيرهم، فيأمره بأمر عالمًا بأنه يخالفه، فيبين الأمر عند الغير، فتقع المعاقبة على أحسن الوجوه، حيث لا يقع لأحد أنها بظلم أو من قلة حلم» 20.
ثانيًا: موقف المؤمنين عند رؤية الأحزاب:
لقد كان موقف المؤمنين مشرفًا، وكان ظنهم بالله قويًّا، حيث بين الله سبحانه وتعالى موقف المؤمنين حين لقاء الأحزاب فقال: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22] .
أي: وحين رأى المؤمنون وعاينوا جموع الأحزاب والكفار قد قدموا لمواجهة المدينة، ومحاربة الإسلام، لم يهنوا، بل قالوا على سبيل التسليم لأمر الله سبحانه وتعالى، والتصديق بوعده {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والاختبار والامتحان الذي يعقبه النصر القريب 21.
فمن يثبت ويصبر حين الابتلاء ينال نصر الله سبحانه وتعالى، هذا وعد الله للمؤمنين في كل زمان ومكان.
إن الإيمان العميق والتربية النبوية جعلت المؤمنين يصمدون أمام الأخطار، فازدادوا إيمانًا، وأيقنوا أن نصر الله لابد أن يكون، فاستحقوا شهادة الله لهم بصدق إيمانهم، حيث قال تعالى: {وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} 22.
قال الطبري: «الذي وعدهم بقوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] .
فأحسن الله عليهم بذلك من يقينهم، وتسليمهم لأمره الثناء، فقال: وما زادهم اجتماع الأحزاب عليهم إلا إيمانًا بالله سبحانه وتعالى وتسليمًا لقضائه وأمره، ورزقهم به النصر والظفر على الأعداء» 23.
وهذا شأن المؤمن دائمًا أن يزداد إيمانًا مع كل آية من آيات الله سبحانه وتعالى، وأن يصدق بما وعد الله عباده المؤمنين، ويسلم لأمره وقضائه.
هكذا بين لنا القرآن موقف المؤمنين حين مواجهة عدوهم، ورسم لنا صورتهم المشرقة في مواجهة الهول والخطر، صورة وضيئة في وسط الظلام، مطمئنة في وسط الزلزال، واثقة بالله، راضية بقضاء الله، مستيقنة من نصر الله، بعد كل ما كان من خوف وبلبلة واضطراب، فكانوا نموذجًا فريدًا في تاريخ البشرية لم يعرف له نظير، فكانوا قدوة للمؤمنين في كل زمان ومكان، فعلينا ألا نيأس من أنفسنا ومن ضعف أمتنا، بل علينا أن نستمسك بالعروة الوثقى، عروة السماء، ونزيد من إيماننا، لننهض من الكبوة، ونسترد الثقة والطمأنينة، ونتخذ من الزلزال بشيرًا بالنصر، فنثبت ونستقر، ونقوى ونطمئن، ونسير في الطريق، حتى نحقق النصر والعزة والرفعة 24.
ثالثًا: موقف المنافقين في الغزوة:
لقد بين القرآن الكريم موقف المنافقين في غزوة الأحزاب، حيث كشفت الآيات صفاتهم ومواقفهم المخزية، وما تولد عن نفاقهم من جبن في القلوب وتخاذل في الميدان، وانعدام ثقة بالله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وفرار من الموت لضعف اعتقادهم، وتثبيط الآخرين لترك مواقعهم.
قال تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (17) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: 12 - 20] .
تفصل الآيات موقف المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويخفون الكفر، أصحاب القلوب المريضة والمليئة بالشبهات والشهوات، وتبين مقالتهم الشنيعة {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} أي: ما وعدنا الله إلا باطلًا من القول وخداعًا، ففي هذه المقولة تشكيك في وعد الله، واتهام للنبي بالخداع، وبيان كفرهم بإنكارهم وعد الله الصادق فيما وعدهم من النصر 25.
فالمنافقون لم يكن لهم دافع للقتال لعدم إيمانهم، فمنهم من بدأ يثبط المؤمنين، ويطلب منهم الرجوع إلى المدينة، وقسم آخر يستأذن من الرسول صلى الله عليه وسلم للرجوع إلى المدينة، ويسوق أعذارًا واهية وكاذبة بادعاء أن بيوتهم عورة أي: مكشوفة على الأعداء، وقد نفى القرآن أن يكون كلامهم صحيحًا فقال: {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ} وبين أن هدفهم هو سوق العذر أيًا كان بهدف الفرار من المعركة، وترك المسلمين في أشد الظروف وأحوجها 26.
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا} [الأحزاب: 13] .
«ونستفيد من هذه الآية أن موقف المنافقين كان سلبيًا، بل كانوا مرجفين، فهم بدلًا من المساعدة قاموا بأشد مما قام به الأحزاب، حيث انسحبوا في أحلك الأوقات ناشرين الأراجيف في الجيش الإسلامي بأن لا مقام لهم، وأن بيوتهم مكشوفة، ومعروف أن الأراجيف لها أثر كبير في هزيمة الجيوش، وهي أشد من وقع السيوف؛ وذلك لأنها تهبط الحالة المعنوية للجيش فيصيبه الخور والضعف» 27.
وتستمر الآيات في كشف وفضح المنافقين، وبيان صفاتهم، {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا} [الأحزاب: 14] .
«يخبر سبحانه وتعالى عن هؤلاء الذين {يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} أنهم لو دخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة، وقطر من أقطارها، ثم سئلوا الفتنة، وهي الدخول في الكفر، لكفروا سريعًا، وهم لا يحافظون على الإيمان، ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع، هكذا فسرها قتادة، وعبد الرحمن بن زيد، وابن جرير، وهذا ذم لهم في غاية الذم» 28، وهذا دليل واضح على ضعف الإيمان في نفوسهم، فلا عجب من تراجعهم وتسللهم من المعركة، فهذه سمة المترددين الجبناء الذين اعتادوا على الهرب من مواقف الصمود 29.
هكذا المنافقون سريعو الغدر والارتداد عن الدين، وتركهم للمسلمين بدون تردد، فغدرهم ونقضهم للعهود من صفاتهم المتأصلة، لذلك قال تعالى: {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا} [الأحزاب: 15] .
فهم كانوا قد عاهدوا الله قبل المعركة ألا يهربوا منها، إلا أنهم خانوا العهد، وسيسألهم الله عن ذلك، وقد ذكر الطبري أن المقصود فعل بني حارثة في الخندق بعد أن هربوا يوم أحد، ثم عاهدوا الله ألا يعودوا، وقد عادوا 30.
ثم يقرر القرآن الكريم أن الأجل معلوم عند الله سبحانه وتعالى، لا يستطيع أحد أن يفر أو يهرب منه، ولا أحد يستطيع أن يعصم أحدًا أو يمنعه من وقوع قضاء الله عليه.
قال تعالى: {قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [الأحزاب: 16، 17] .
ففي هذه الآيات أمر من الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للمنافقين بأن فرارهم من القتال لن يؤخر آجالهم، ولن يطيل في أعمارهم، ولن ينجيهم من الموت، وإن توهموا أنهم نجوا مؤقتًا فسيأتيهم أجل الله، ولا أحد يستطيع أن يمنع عنهم قدر الله، فقدره لابد آت، فمن الذي يمنعهم من الله إن أراد لهم سوءًا في أنفسهم -أي: شرًا وهزيمة- أو عافية وسلامة ونصرًا؟ لن يجد هؤلاء المنافقون إن أراد الله بهم سوءًا في أنفسهم وأموالهم من يليهم بالكفاية أو ينصرهم من الله فيدفع عنهم ما أراد الله بهم من سوء ذلك، فهذه دعوة لهم ليمتثلوا طاعة المنفرد بالأمور كلها، الذي نفذت مشيئته، ومضى قدره، ولم ينفع مع ترك ولايته ونصرته، وليٌ ولا ناصر 31.