فهرس الكتاب

الصفحة 2219 من 2431

النساء

أولًا: المعنى اللغوي:

الهمزة في (النساء) إما أصلية وإما منقلبة عن أصل، فإن كانت أصلية فهي من النسأ، ومادة النون والسين والهمزة تدور لغة حول معنى التأخير، فيقال: «نسئت المرأة تنسأ نسأً: تأخر حيضها عن وقته وبدأ حملها فهي نسءٌ ونسيءٌ، والجمع أنساءٌ ونسوءٌ ... ونسأ الشيء ينسؤه نسأً وأنسأه: أخره، فعل وأفعل بمعنىً، والاسم النسيئة والنسيء، ونسأ الله في أجله وأنسأ أجله: أخره 1.

أما إن كانت منقلبة فهي منقلبة عن واو، كما نص العكبري على ذلك، فقال: «الهمزة في نساء مبدلة من واو، لقولك -في معناه-: (نسوة) 2، أو لأنها جمع (نسوة) كما قال ابن سيده: «والنسون والنساء جمع نسوة، ولذلك قال سيبويه في الإضافة إلى النساء نسويٌ ترده إلى واحده» 3، و «النِسْوة والنُسْوة والنِسوان جمع المرأة على غير قياس» 4.

وهي وإن كانت منقلبة عن واو إلا أنها كما قال السمين الحلبي: «يحتمل أن تكون ياءً اشتقاقًا من النسيان» 5. وعلى هذا فتكون مأخوذة من النسيان، و «نسيت» الشيء «أنساه» «نسيانًا» مشترك بين معنيين؛ أحدهما: ترك الشيء على ذهول وغفلة، وذلك خلاف الذكر له، والثاني: الترك على تعمد» 6.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

أما المعنى الاصطلاحي لـ (النساء) فهو غير بعيد عن المعنى اللغوي؛ إذ هو إما جمع (امرأة) أو جمع (نسوة) الذي هو جمع (امرأة) فهو جمع الجمع. وهو على أي حال: «اسم لجماعة إناث الأناسي» 7.

ورد الجذر (ن س و) في القرآن الكريم (59) مرة 8.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

نساء ... 57 ... {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} [النساء:11]

نسوة ... 2 ... {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ} [يوسف:30]

وجاءت النساء والنسوة في القرآن بمعناها في اللغة وهو: جمع المرأة من غير لفظها 9.

المرأة:

المرأة لغة:

ويقال: مرة -بلا ألف-: تأنيث المرء 10؛ «والمرء: الرجل» 11 فقد أنثوا فقالوا: مرأةٌ، وخففوا التخفيف القياسي فقالوا: مرةٌ -بترك الهمز وفتح الراء- وهذا مطرد، وقال سيبويه: وقد قالوا: مراةٌ. وذلك قليل ... وللعرب في المرأة ثلاث لغات: يقال: هي امرأته، وهي مرأته، وهي مرته 12.

المرأة اصطلاحًا:

«اسم للأنثى البالغة من أولاد آدم» 13، ولا يطلق عليها (امرأة) إلا بعد البلوغ، فـ «الصغيرة لا تسمى امرأة في عرف أهل اللسان» 14، وفي بعض الآثار في سبب تسميتها امرأة «أنها من المرء أخذت» 15.

الصلة بين المرأة والنساء:

يتضح مما سبق إن المرأة مفرد (النساء) من غير لفظه، أو مفرد (نسوة) التي جمعها (نساء) .

ويمكن القول: أن المرأة لا تطلق إلا على الأنثى البالغة من بني آدم، أما النساء فيشمل البالغة وغير البالغة، فإن كانت استعملت في مواضع بمعنى المرأة البالغة فقد استعملت في مواضع أخرى بمعنى الأنثى الصغيرة.

الزوجة:

الزوجة لغة:

«الزاء والواو والجيم أصلٌ يدل على مقارنة شيءٍ لشيء، من ذلك الزوج: زوج المرأة. والمرأة زوج بعلها، وهو الفصيح. قال الله جل ثناؤه {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة 35، الأعراف 19] 16. فالزوج «يطلق على كل واحدٍ من القرينين من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة، ويقال لكل قرينين فيها وفي غيرها، كالخف والنعل» 17.

الزوجة اصطلاحًا:

هي المرأة التي يقترن بها الرجل بموجب عقدٍ له أركانه وشروطه. وفي التسمية بالزوج -الذي هو بمعنى الاقتران- دلالة على أن الزوجية ينبغي أن تبنى على تواؤم واتفاق تام بين الزوجين، ولا يكون بينهما نفورٌ أو شقاقٌ، لذلك كان غالب التعبير القرآني عن المرأة التي لا يكون بينها وبين زواجها اتفاق تام بالمرأة دون الزوجة {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) } [الأعراف:83] .

الصلة بين الزوجة والنساء:

أن النساء يطلق على جماعة إناث الإنسان بصرف النظر عما إذا كن متزوجات أم لا، أما الزوجة فلا تطلق إلا على المرأة المتزوجة.

الأهل:

الأهل لغة:

«الهمزة والهاء واللام أصلان متباعدان: أحدهما الأهل، قال الخليل: أهل الرجل زوجه. والتأهل التزوج، وأهل الرجل أخص الناس به، وأهل البيت: سكانه، وأهل الإسلام: من يدين به. وجميع الأهل أهلون، والأهالي جماعة الجماعة» 18.

الأهل اصطلاحًا:

صرح بعضهم بأن أهل البيت عبارة عن النساء، الواحد والجمع فيه سواء، ولكن الضمير الذي يرجع إليه يكون جمعًا ومذكرًا اجتنابًا عن التصريح، لأجل حرمة النساء» 19.

وقيل: الأهل: من يجمع الفرد وإياهم نسب أو دين، أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد 20.

الصلة بين الأهل والنساء:

أن لفظ (الأهل) في الأصل أعم من النساء، إذ يشمل عشيرة الرجل وأقاربه، رجالًا كانوا أو نساءً، فتكون (الأهل) أعم من (النساء) من هذه الجهة. وأما في العرف فتختص بالزوجة، فتكون أخص منها من هذه الجهة.

الأنثى:

الأنثى لغة:

من أنث، فالألف والنون والثاء ما كان خلاف الذكر، والأنثيان أنثيا الإنسان 21.

الأنثى اصطلاحًا:

قال الراغب: «خلاف الذكر من كل شيءٍ» 22، ويقالان في الأصل اعتبارًا بالفرجين، قال عز وجل: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} [النساء:124] .

ولما كان الأنثى في جميع الحيوان تضعف عن الذكر اعتبر فيها الضعف، فقيل لما يضعف عمله: أنثى» 23.

الصلة بين الأنثى والنساء:

أن لفظ (الأنثى) أعم من (النساء) إذ إنه يشمل الإناث من جميع المخلوقات، أما (النساء) فيختص بالإناث من بني آدم.

البنت:

البنت لغة:

«الأنثى من الأولاد، الجمع: بنات» 24، والبنت ولدٌ، فلفظ الولد «يقع على الذكر والأنثى» 25.

البنت اصطلاحًا:

«كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة بدرجةٍ أو درجاتٍ بإناثٍ أو ذكورٍ» 26.

الصلة بين البنت والنساء:

أن لفظ (النساء) أعم من (البنت) ؛ إذ لفظ (النساء) يشمل كل إناث الإنسان، أما (البنت) فتختص بالنسبة للوالدين أو أحدهما، فتخرج السيدة حواء؛ لأنها ليست بنتًا لأحد.

بالنظر في القرآن الكريم نجد سورتين تسميان (سورة النساء) :

إحداهما: السورة المشهورة بهذا الاسم، وتسمى (سورة النساء الكبرى) .

والثانية: سورة (الطلاق) تسمى (سورة النساء الصغرى) و (سورة النساء القصرى) 27.

وذلك أن السورتين اشتملتا على كثير من الأحكام التي تتعلق بالنساء، فقد بدئت الأولى ببدء خلق النساء {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء:1] .

وختمت ببيان أحكام ميراثهن {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} [النساء:176] .

وما بين هاتين الآيتين بيان أحكامهن بين النشأة والوفاة.

وأما الثانية فقد ذكرت بعض أحكام الطلاق وما يتعلق به من عدة وسكنى ونفقة.

وسميت الأولى بالكبرى مقارنة بسورة الطلاق.

تعددت نظرات الناس إلى المرأة وتناقضت، والسبب في خلقها، فنجد منهم -وهم كثرٌ في هذه الأيام- من ينظر إليها على أنها أداة للشهوة وإمتاع الرجل، حتى قال قائلهم: المرأة كالزهرة يشمها من يشاء.

وبالتالي فإنهم بعد أن يقضوا حاجتهم منها يرمونها كما يرمون الزهرة بعد ذبولها.

ومنهم من ينظر إليها على أنها مخلوقٌ حقيرٌ لا يستحق الحياة.

ومنهم من ينظر إليها على أنها خادمة للطهي والغسل والتنظيف وغير ذلك.

ومنهم من ينظر إليها على أنها لعوب غاوية في نفسها، لا هم لها إلا الشهوات.

ومنهم من ينظر إليها على أنها حبل الشيطان الذي يغوى به عباد الله، بل منهم من ينظر إليها على أنها هي الشيطان نفسه.

ومنهم من ينظر إليها على أنها السفيهة التي لا تقوم على شيء إلا أفسدته.

ومنهم من ينظر إليها على أنها تلك الكنود التي لا تكافئ المعروف إلا بالنكران والكفران.

ومنهم من ينظر إليها على أنها الخائنة التي تؤوى الخدين في دار السيد والأمير.

ومنهم من ينظر إليها على أنها العورة والفضيحة والبلوة التي يطلب الخلاص منها.

ومنهم من ينظر إليها على أنها إلهٌ يعبد من دون الله.

إلى غير ذلك من نظرات إما جائرةٌ هاضمةٌ حق المرأة وإما مفرطةٌ في تقديسها.

ولكنها في حقيقة الأمر ظلمت من الاتجاهين، اتجاه الإفراط والتفريط، والعدل في أمرها والوسط في شأنها والمكانة الحقيقية التي تستحقها هي المكانة التي جعلها الإسلام فيها، فلا هي ملاكٌ ولا هي شيطانٌ.

بل هي مخلوقٌ من جنس الرجل، ومن نفسه لتكون شريكًا له في حياته، وعونًا له وسندًا لمواجهة أعباء الحياة وثقلها، يأوي إليها إذا عاد كالًّا من تعب الحياة ولأوائها، كما قال سبحانه {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) } [الروم:21] .

وهي وسيلة لبقاء النوع الإنساني والحفاظ عليه، كما قال سبحانه: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل:72] .

وهي شريكٌ رئيسٌ في بناء المجتمع الإنساني، فهي شطر المجتمع، وهي شقيقة الرجال، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما النساء شقائق الرجال) 28

وتظهر الحكمة من خلق المرأة في النقاط الآتية:

أولًا: الحفاظ على النوع الإنساني:

بين سبحانه أنه خلقنا من واحد، ثم خلق من الواحد زوجة له، ليتم التناسل والتكاثر. إذ إن استمرار بقائنا خاضعٌ لأمرين:

الأمر الأول: استبقاء الحياة، وقد ضمنه سبحانه بما أنعم به علينا من الأرزاق، فنأكل ونشرب فنستبقي الحياة.

الأمر الثاني: وهو استبقاء الحياة ببقاء النوع، فقال سبحانه {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل:72] .

هذا الزوج اشترك معنا في أشياء واختلف عنا في شيء واحد، اتفقنا في أشياء: فالشكل واحد، والقالب واحد، والعقل واحد، والأجزاء واحدة: عينان وأذنان .. يدان ورجلان .. إلخ، وهذا الاشتراك يعين على الارتقاء والمودة والأنس والألفة.

واختلفا في شيء واحد هو النوع: فهذا ذكر، وهذه أنثى. إذن جمعنا جنس وفرقنا النوع ليتم بذلك التكامل الذي أراده سبحانه لعمارة الأرض 29.

فالله تعالى خلقنا جنسين، ذكرًا وأنثى، وخلق في كل جنس ميلًا فطريًا إلى الجنس الآخر، وذلك حتى تتم عملية التزاوج التي تؤدي إلى التناسل والتكاثر، وذلك حتى لا يعزف أحد الجنسين عن الزواج هروبًا من أعبائه وتكاليفه، يخبر تعالى عن ذلك بقوله {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ} [آل عمران:14] .

ومعنى {زُيِّنَ} خلق حب هذه الأشياء في الإنسان، «والمزين هو الله تعالى لأنه الخالق للأفعال والدواعي، ولعله زينه ابتلاءً، ولأنه يكون وسيلة إلى السعادة الأخروية إذا كان على وجه يرتضيه الله تعالى، ولأنه من أسباب التعيش وبقاء النوع» 30.

هذا الميل الفطري وهذه الشهوة التي خلقت فيهما من أقوى الدوافع، لذلك كان إباحة قضائها بالطرق الشرعية من أعظم النعم، ومما زادها عظمًا أن جعل عملية التزاوج بين نوعين لجنس واحد؛ حتى يحصل المودة والرحمة بينهما.

«فالأزواج من جنسهم وشكلهم، ولو جعل الأزواج من نوعٍ آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة، ولكن من رحمته خلق من بني آدم ذكورًا وإناثًا، وجعل الإناث أزواجًا للذكور، وهذا من أعظم المنن، كما أنه من أعظم الآيات الدالة على أنه جل وعلا هو المستحق أن يعبد وحده» 31.

«وهذه الحالة وإن كانت موجودة في أغلب أنواع الحيوان فهي نعمة يدركها الإنسان ولا يدركها غيره من الأنواع. وليس من قوام ماهية النعمة أن ينفرد بها المنعم عليه» 32.

«والحفدة: جمع حافد، والحافد أصله المسرع في الخدمة. وأطلق على ابن الابن لأنه يكثر أن يخدم جده لضعف الجد بسبب الكبر، فأنعم الله على الإنسان بحفظ سلسلة نسبه بسبب ضبط الحلقة الأولى منها، وهي كون أبنائه من زوجه ثم كون أبناء أبنائه من أزواجهم، فانضبطت سلسلة الأنساب بهذا النظام المحكم البديع. وغير الإنسان من الحيوان لا يشعر بحفدته أصلًا ولا يشعر بالبنوة إلا أنثى الحيوان مدة قليلة قريبة من الإرضاع. والحفدة للإنسان زيادة في مسرة العائلة.

قال تعالى: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) } [هود:71] » 33

وقريب من هذه الآية قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء:1] .

هذا، ومما يلفت الأنظار أن خلق المرأة للرجل وعدم استغناء كلٍّ منهما عن الآخر أمر ضروري للتكاثر وبقاء الجنس البشرى، ولكن التناسل البشرى ليس كالتناسل في بقية الأجناس الأخرى، يجتمع فيه الذكر مع الأنثى حيثما اتفق، وينتج عن ذلك نسل ضائع بينهما، بل إن الشرع الحنيف نظم هذا الأمر على أساس الزواج الشرعي الذي تحدد فيه الحقوق والواجبات بالنسبة لكل منهما وللنسل الذي ينتج عنهما.

خلاصة الأمر أن خلق النساء وسيلة لاستبقاء النوع الإنساني على هذه الحياة إلى أن تقوم الساعة.

ثانيًا: سكن للرجل:

لما كان الإنسان يختلف عن غيره من الأجناس فليس الغرض من الزواج عنده مجرد قضاء شهوة، ولا التكاثر فقط، بل هناك أمور أسمى من ذلك، لذا كانت هناك أغراض سامية من وجود زوجٍ للإنسان.

من هذه الأغراض السكن، وقد دل على ذلك قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف:189] .

وقوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم:21] .

فـ «الزوج: ما لا يكمل المقصود إلا معه على نحو من الاشتراك والتعاون، وكانت المرأة زوج الرجل لما كان لا يستقل أمره في النسل والسكن إلا بها» 34.

والسكن: «السين والكاف والنون أصلٌ واحد مطرد، يدل على خلاف الاضطراب والحركة» 35.

فالسكن: «ثبوت الشيء بعد تحرك» 36.

و «كل ما سكنت إليه» 37.

والمعنى هنا «لتألفوها، وتميلوا إليها، وتطمئنوا بها، فإن المجانسة من دواعي التضام والتعارف، كما أن المخالفة من أسباب التفرق والتنافر» 38.

والمراد بالسكن السكون القلبي لا الجسماني، فقد حكى الرازي أنه «يقال (سكن إليه) للسكون القلبي، ويقال (سكن عنده) للسكون الجسماني، لأن كلمة (عند) جاءت لظرف المكان، وذلك للأجسام، و (إلى) للغاية، وهي للقلوب» 39.

قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم:21] .

«بما رتب على الزواج من الأسباب الجالبة للمودة والرحمة، فحصل بالزوجة الاستمتاع واللذة والمنفعة بوجود الأولاد وتربيتهم، والسكون إليها، فلا تجد بين أحد في الغالب مثل ما بين الزوجين من المودة والرحمة» 40.

قال الألوسي: «المراد بهما ما كان منهما بعصمة الزواج قطعًا، أي: جعل بينكم بالزواج الذي شرعه لكم توادًّا وتراحمًا من غير أن يكون بينكم سابقة معرفة، ولا مرابطة مصححة للتعاطف من قرابة أو رحم» 41.

الفرق بينهما: أن المودة: المحبة، والرحمة: الشفقة، أو المودة: حب الرجل امرأته، والرحمة: رحمته إياها أن يصيبها بسوء 42، إذ الود: «محبة الشيء وتمني كونه» ، والرحمة: «رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم» 43.

يقول الشيخ الشعراوي: «ولو تأملنا هذه المراحل الثلاثة لوجدنا السكن بين الزوجين، حيث يرتاح كلٌّ منهما إلى الآخر، ويطمئن له ويسعد به، ويجد لديه حاجته. فإذا ما اهتزت هذه الدرجة ونفر أحدهما من الآخر جاء دور المودة والمحبة التي تمسك بزمام الحياة الزوجية وتوفر لكليهما قدرًا كافيًا من القبول. فإذا ما ضعف أحدهما عن القيام بواجبه نحو الآخر جاء دور الرحمة، فيرحم كل منهما صاحبه، يرحم ضعفه، يرحم مرضه .. وبذلك تستمر الحياة الزوجية، ولا تكون عرضة للعواصف في رحلة الحياة. فإذا ما استنفدنا هذه المراحل، فلم يعد بينهما سكن ولا مودة ولا حتى يرحم أحدهما صاحبه فقد استحالت بينهما العشرة، وأصبح من الحكمة مفارقة أحدهما للآخر» 44.

وإذا نظرنا في حياة نبينا صلى الله عليه وسلم مع أزواجه نجدها حياة مملوءة بالسكن والمودة والرحمة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم، فيضع فاه على موضع في فيشرب، وأتعرق العرق وأنا حائض، ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم، فيضع فاه على موضع في) 45.

وعن عائشة رضى الله عنها أنها كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرٍ قالت: فسابقته، فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني، فقال: (هذه بتلك السبقة) 46.

فالغرض من خلق المرأة أن تكون شريكًا للرجل في إعمار هذه الأرض، ولتكون مع الرجل وسيلة للحفاظ على النوع الإنساني، ولتكون عونًا له في هذه الحياة، فيسكن إليها ويطمئن إليها من تعب الحياة وعنائها، وليحصل بينها وبين الرجل ألفة ومودة ومحبة، ويحصل بينهما تراحم.

كان العرب في الجاهلية يمتهنون المرأة ويحتقرونها، ولا يجعلون لها أي حقوق، بل كانوا يقتلونها، فجاء الإسلام الحنيف فأكرمها أيما تكريمٍ، فساوى بينها وبين الرجل، وجعل لها حقوقًا، وأمر بالإحسان إليها، وسوف نوجز الحديث عن هذه النقاط فيما يأتي:

أولًا: المساواة بينها وبين الرجل في الأعمال وثوابها:

ربنا سبحانه خلق نوعي الإنسان الذكر والأنثى، كما قال تعالى: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) } [النجم:45] .

وهيأ كل واحدٍ منهما للقيام بدوره ومهامه في هذه الحياة {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) } [طه:50] .

وجعل لكل واحدٍ منهما مهمة يقوم بها في هذه الحياة، وشرع لكل واحد منهما من التكاليف ما يتناسب مع ما خلق له، ولم يفرق بينهما في الثواب على الأعمال، فعن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: قلت: يا رسول الله، يذكر الرجال ولا يذكر النساء. فأنزل الله عز وجل {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب:35] الآية، وأنزل {أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران:195] 47.

«فكلا الصنفين في الثواب على الطاعة سواء، لا فرق بينهم فيه إلا بقدر العمل وكيفيته، دون أن يكون للذكورة أو الأنوثة دخل فيه. وعلل هذه المساواة بقوله جل وعلا: {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} فالذكر مفتقر في وجوده إلى الأنثى، والأنثى مفتقرة في وجودها إلى الرجل، فالأصل واحد» 48.

وأيضًا ساوى بينهما في الحقوق والواجبات، كما قال سبحانه {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة:228] .

«وقوله: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} إثبات لتفضيل الأزواج في حقوق كثيرة على نسائهم لكيلا يظن أن المساواة المشروعة بقوله: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} مطردة، ولزيادة بيان المراد من قوله: {بِالْمَعْرُوفِ} ، وهذا التفضيل ثابت على الإجمال لكل رجلٍ، ويظهر أثر هذا التفضيل عند نزول المقتضيات الشرعية والعادية» 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت