فهرس الكتاب

الصفحة 1810 من 2431

القراءة

أولًا: المعنى اللغوي:

يقول ابن فارس: «القاف والراء والحرف المعتل: أصلٌ صحيح يدل على جمعٍ واجتماع، ومن ذلك: «القرية» ، وسميت بذلك؛ لاجتماع الناس فيها، والمقراة: الجفنة، سميت بذلك؛ لاجتماع الضيف عليها» 1.

من: قرأ يقرأ قراءةً، فهي مصدر للفعل: «قرأ» ، واسم الفاعل: «قارئ» ، تقول: قرأ فلانٌ قراءة حسنة، ورجل قراءٌ حسن القراءة من قوم قرائين، والمفعول مقروء، تقول: صحيفة مقروءة، وقارأه مقارأةً وقراءً: دارسه، واستقرأه طلب إليه أن يقرأ، والقراء يكون من القراءة جمع قارئٍ، وقرأ عليه السلام يقرؤه عليه وأقرأه إياه أبلغه 2.

والأصل في القراءة: الجمع والضم، تقول: «قرأت الكتاب قراءةً» ، ضممت حروفه بعضها إلى بعض، وكل شيءٍ جمعته فقد قرأته، و «قرأت الشيء قرآنًا» : جمعته وضممت بعضه إلى بعضٍ 3. ومنه سمي القرآن قرآنًا؛ لأنه يضم القصص والأحكام، والآيات والسور بعضها إلى بعض.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يختلف معنى القراءة في الاصطلاح عن معناها في اللغة.

وقد عرف الكفوي القراءة بقوله: ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل، ولا يقال ذلك لكل جمع؛ بدليل أنه لا يقال للحرف الواحد إذا تفوه به قراءة 4.

يقول ابن عاشور: «القراءة هي: تلاوة كلامٍ صدر في زمن سابق لوقت تلاوة تاليه، بمثل ما تكلم به متكلمه، سواء كان مكتوبًا في صحيفة، أم كان ملقنًا لتاليه بحيث لا يخالف أصله، ولو كان أصله كلام تاليه، ولذلك لا يقال لنقل كلام أنه قراءة إلا إذا كان كلامًا مكتوبًا أو محفوظًا» 5.

وردت مادة (قرأ) في القرآن الكريم (88) مرة، يخص موضوع البحث منها (87) مرة 6.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 6 ... {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف:204]

الفعل المضارع ... 5 ... {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} [الإسراء:106]

الفعل الأمر ... 6 ... {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) } [العلق:1]

المصدر ... 70 ... {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) } [القيامة:17 - 18]

الأصل في القراءة أنها بمعنى الجمع والضم؛ وكل شيء جمعته فقد قرأته؛ فالقراءة جمع الحروف والكلمات، والقرآن يجمع القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد والآيات والسور بعضها إلى بعض 7.

التلاوة:

التلاوة لغة:

مصدر الفعل: «تلا» بمعنى: «تبع» ، تقول: «تلوته تلوًا» أي: تبعته، ويقال: «ما زلت أتلوه حتى أتليته» ، أي: تقدمته وصار خلفي، وأتليته أي: سبقته، وتلا فلانٌ القرآن يتلو تلاوة، وتلا الشيء: تبعه تلوًا 8. وتطلق التلاوة: على القراءة، تقول: تلا يتلو تلاوةً يعني: قرأ قراءةً؛ لأن القارئ في قراءته كأنه يتبع الحروف والكلمات بعضها بعضًا 9.

التلاوة اصطلاحًا:

هي القراءة لكلام مكتوبٍ أو محفوظٍ من كلامٍ له أو لغيره، يحكيه لسامعه، وغلب استعمالها في: قراءة القرآن وتجويده وترتيله بتفكر وتدبر 10.

الصلة بين التلاوة والقراءة:

التلاوة صورة من صور القراءة فهي إتباع الحروف والكلمات بعضها لبعض، وبينها وبين القراءة عموم وخصوص، فكل تلاوة قراءة، وليس كل قراءة تلاوة، وغلب استعمالها في قراءة القرآن خاصة.

يقول الراغب الأصفهاني: «والتلاوة تختص باتباع كتب الله المنزلة، تارة بالقراءة، وتارة بالارتسام لما فيها من أمر ونهي، وترغيب وترهيب، فهي أخص من القراءة، فكل تلاوة قراءة، وليس كل قراءة تلاوة» 11.

ويقول أبو هلال العسكري: «الفرق بين التلاوة والقراءة: أن التلاوة لا تكون إلا لكلمتين فصاعدًا، والقراءة تكون للكلمة الواحدة يقال: قرأ فلان اسمه، ولا يقال تلا اسمه» 12.

الترتيل:

الترتيل لغة:

مصدر من: «رتل فلان كلامه إذا أتبع بعضه بعضا» ، والرتل: حسن تناسق الشيء، وثغرٌ رتلٌ ورتلٌ: حسن التنضيد، مستوي الثنيات، وكلامٌ رتلٌ ورتلٌ أي: مرتلٌ حسنٌ على تؤدة، ورتل الكلام أحسن تأليفه، وأبانه وتمهل فيه 13.

وقيل الكلام المرتل: المفصل، يقال: فلانٌ يترتل في كلامه ويترسل: إذا فصل بعضه من بعض 14. والترتيل في القراءة: الترسل فيها، والتبيين من غير بغيٍ 15.

والترتيل اصطلاحًا:

القراءة بتؤدة واطمئنان، وإخراج كل حرف من مخرجه، مع تدبر المعاني، ومراعاة الوقوف 16.

الصلة بين الترتيل والقراءة:

أن الترتيل وصفٌ مخصوص لصورة من صور القراءة، فهو تحقيق لوصف التؤدة والطمأنينة في تلاوة القرآن خاصة.

الكتابة:

الكتابة: لغة:

مصدر كتبت، والكتب: الجمع، يقول ابن فارس: «الكاف والتاء والباء أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدل على جمع شيءٍ إلى شيءٍ، من ذلك: الكتاب والكتابة، يقال: كتبت الكتاب أكتبه كتبًا، ويقولون: كتبت البغلة، إذا جمعت شفري رحمها بحلقة» 17.

والكتاب في الأصل: اسم للصحيفة المكتوب فيها، وسميت الكتابة لجمعها الحروف 18.

الكتابة اصطلاحًا:

خطوطٌ موضوعةٌ مجتمعة تدل على المعنى المقصود، وأصلها: نقش الحروف في حجرٍ أو رق أو ثوبٍ 19.

ويعبر عن المقروء بالمكتوب، إذ القراءة والكتابة يشتركان في معنى الجمع والضم، فالقرآن الكريم هو المقروء المكتوب في المصاحف، فروعي في تسميته قرآنًا كونه مقروءًا بالألسن، وروعي في تسميته كتابًا كونه مدونًا بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه 20.

الصلة بين الكتابة والقراءة:

يتضح مما سبق: أن الكتابة هي رسم المقروء، الدال على المقصود، فالمكتوب يكون بالقلم والرسم، والقراءة باللسان والنطق، ويعبر بكلٍ منهما عن الآخر، من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه.

الأمية:

الأمية لغة:

نسبةٌ إلى: «الأمي» ، والأمي: هو الذي على خلقته لم يتعلم الكتابة ولا القراءة، فهو على جبلته التي خلق عليها 21.

الأمية اصطلاحًا:

الأمي الذي لا يحسن الكتابة ولا القراءة، قاله أبو العالية، والربيع، وقتادة، وإبراهيم النخعي، وغير واحد 22.

وقيل: الأمية: الصفة التي هي على أصل ولادة أمه لم يتعلم الكتابة ولا قراءتها، أو هو من لا يحسن الكتابة؛ لأنه لا يقدر عليها 23. وقيل للذي لا يكتب: أمي؛ لأن الكتابة والقراءة مكتسبة؛ فكأنه نسب إلى ما ولد عليه من الجهل بهما.

الصلة بين الأمية والقراءة:

يتضح مما سبق: أن الأمي هو الذي لم يدرك الكتابة ولا القراءة خاصة، فالأمية لفظة مقابلة للقراءة، يزيد العلم بمفهومها إجلالًا وتعظيما للقراءة، إذ القراءة خصيصةٌ مكتسبة فوق أصل الخلقة.

جاء القرآن الكريم مشيدًا بالقراءة مناديًا بها في أول كلمة نزلت منه من السماء، ومستعملًا لاشتقاقاتها، مدللًا على منزلتها الرفيعة، ومكانتها السامية، يوضح ذلك ما جاء في النقاط الآتية:

أولًا: إسناد القراءة لله تعالى.

قال تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) } [الأعلى:6] .

هذا إخبار من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه سيعلمه هذا القرآن ويحفظه عليه، وسيقرئه بقراءة جبريل عليه السلام عليه، فلا ينسى منها إلا ما شاء الله أن ينساه مما نسخ الله تلاوته من القرآن.

قال مجاهد: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل عليه السلام لم يفرغ من آخر الآية حتى يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولها مخافة أن ينساها، فأنزل الله: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} » 24.

يقول القرطبي: «وهذه بشرى من الله تعالى، بشره بأن أعطاه آيةً بينةً، وهي أن يقرأ عليه جبريل عليه السلام ما يقرأ عليه من الوحي، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، فيحفظه ولا ينساه» 25.

ويقول أبو السعود: «والسين في: {سَنُقْرِئُكَ} إما للتأكيد، وإما لأن المراد: إقراء ما أوحى الله إليه حينئذٍ وما سيوحى إليه بعد ذلك، فهو وعدٌ كريم باستمرار الوحي أو سنجعلك قارئًا بإلهام القراءة فلا تنسى أصلًا من قوة الحفظ والإتقان، مع أنك أميٌ لا تدري ما الكتاب وما القراءة ليكون ذلك آيةً أخرى لك» 26.

لقد أمن الله نبيه صلى الله عليه وسلم من النسيان في قوله: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} ، ولما كانت الآية توهم لزوم ذلك له صلى الله عليه وسلم، جاء الاستثناء بعدها: {إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} ، فنسيان النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الله أن ينساه جائز.

يقول ابن حجر: «فإن المراد بالمنسي ما ينسخ تلاوته، فينسي الله نبيه صلى الله عليه وسلم ما يريد نسخ تلاوته» 27.

ويقول الألوسي: «وإسناد الإقراء إليه تعالى مجازي، أي: سنقرئك ما نوحي إليك الآن وفيما بعد على لسان جبريل عليه السلام» 28.

وإسناد قراءة القرآن وتلقيها لله عز وجل يعلو ذلك بشرفها، ويعظم بمكانتها، وأن مصدرها الوحي السماوي، والتلقي الإلهي، وأن طريقتها متلقاة من الله عز وجل لا صنعة فيه للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا لأحدٍ من الخلق، وإنما هي منزلة من عنده سبحانه وتعالى 29.

وقد استمر هذا الإسناد المبارك لقراءة القرآن الكريم موصولًا، فقد عرض القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعٌ من الصحابة رضي الله عنهم منهم عثمان بن عفان رضي الله عنه، وعلى بن أبى طالب رضي الله عنه، وأبى بن كعب رضي الله عنه، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وزيد بن ثابت رضي الله عنه، وأبو موسى الأشعري رضي الله عنه، وأبو الدرداء رضي الله عنه، وعليهم دارت أسانيد قراءة الأئمة العشرة.

فقراءة القرآن بقراءاته المتعددة توقيفية من الله عز وجل لا مجال فيها للاجتهاد والقياس: {قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي} [الأعراف: 203] .

يقول ابن الجزري: «وكل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ به فقد وجب قبوله، ولم يسع أحدًا من الأمة رده، ولزم الإيمان به، وإن كله منزل من عند الله» 30.

ويقول أبو عمرو الداني: «وأئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن، على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت لا يردها قياس عربية، ولا فشو لغة، لأن القراءة سنة متبعة، يلزم قبولها والمصير إليها» 31.

ثانيًا: الأمر بالقراءة.

قال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) } [العلق:1] .

إن أول أمرٍ أنزله الله تعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وكلفه به، هو الأمر بالقراءة، فأول كلمة تلقها النبي صلى الله عليه وسلم من أمين الوحي جبريل عليه السلام حينما لقيه في غار حراء هي: {اقْرَأْ} ، بصيغةٍ تلفت النظر، وتجذب الانتباه، وتسترعي الاهتمام.

إن هذا الأمر ليوضح بجلاء أن مصدر القراءة في كافة مجالاتها الحسية الآلية منها والمعنوية الكونية هو الوحي الرباني، والذي استوعب المعاش والمعاد، والدنيا والآخرة، والمبدأ والمنتهى 32.

ومجيء الأمر بها أولًا فيه تنويهٌ بشأنها، ودعوةٌ إليها؛ لأنها شعار دين الإسلام.

يقول القرطبي: «نبه على فضل علم القراءة والكتابة، لما فيه من المنافع العظيمة، التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي ما استقامت أمور الدين والدنيا» 33.

إن هذا الأمر بالقراءة لهو أمر تكليفي لابد من القيام به إما عينًا، وإما كفاية، ولا غرو في ذلك فالقراءة هي السبيل إلى المعرفة والعلم، وبناء العقل، والوصول بالإنسان إلى درجة التكريم والتفضيل.

فخص الله الإنسان بالقراءة دون سائر الحيوانات، وذلك لأن القراءة من لوازم العقل والإدراك، فتخصيص خلق الإنسان بالذكر دون سائر المخلوقات، ليدل على أن الإنسان هو المختص بالقراءة والعلم، المنفرد بتبعية التكليف، المخاطب بكل ما سوف ينزل به الوحي من كلمات الله 34.

يقول ابن تيمية: « {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} : ذكر سبحانه أنه خلق أكرم الأعيان الموجودة عمومًا وخصوصًا وهو الإنسان، وأنه المعلم للعلم عمومًا وخصوصًا: {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} .

ثم قال: {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} : ذكر بعد الخلق تعليم الإنسان ما لم يعلم، فخص هذا التعليم الذي يستدل به على إمكان النبوة فإن النبوة نوع من التعليم، وليس جعل الإنسان نبيًا بأعظم من جعل العلقة إنسانًا حيًا عالمًا ناطقًا سميعًا بصيرًا متكلمًا قد علم أنواع المعارف» 35.

ويقول ابن عاشور: «وذكر العلقة التي هي مضغة الدم العالقة بالرحم: فيه إشارة إلى أن خلق الإنسان من علق ثم مصيره إلى كمال أشده هو خلق ينطوي على قوى كامنة، وقابليات عظيمة، أقصاها قابلية العلم والقراءة والكتابة» 36.

ثالثًا: القراءة تكريم للإنسان:

قال تعالى: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) } [العلق:3 - 5] .

لما كانت القراءة هي الطريق للعلم والرفعة؛ والذي يرفع الإنسان ويخرجه من جهله وأميته التي خلق عليها؛ كان تخصيصه بالقراءة وأمره بها من أعظم النعم الموهوبه، والفضائل المهداة.

يقول الرازي: - مبينًا الترابط بين الأمرين: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} و {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} فيقول: «أولًا: وصف نفسه سبحانه بأنه خلق الإنسان من علق، وثانيًا: بأنه علمه بالقلم، ولا مناسبة في الظاهر بين الأمرين، لكن التحقيق أن أول أحوال الإنسان كونه علقة، وهي أخس الأشياء، وآخر أمره هو صيرورته عالمًا بحقائق الأشياء، وهو أشرف مراتب المخلوقات، فكأنه تعالى يقول: انتقلت من أخس المراتب إلى أعلى المراتب فلا بد لك من مدبر مقدر ينقلك من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة الشريفة، ثم فيه تنبيه على أن العلم أشرف الصفات الإنسانية، فالأكرم هو الذي أعطاك العلم؛ لأن العلم هو النهاية في الشرف» 37.

ويقول الزمخشري: «الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم فدل على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم» 38.

و {الْأَكْرَمُ} الذي لا يوازيه كريم، ولا يعادله في الكرم نظير، هو الذي يعطي بدون مقابل، ولا انتظار مقابل، فهو سبحانه كثير الصفات واسعها، كثير الكرم والإحسان، واسع الجود، الذي من كرمه أن علم بالعلم.

بل من كرمه سبحانه أنه جعل من القلم الذي هو قطعة جامدة من الحطب، أو الخشب، أداة للعلم والمعرفة، ففتح به على الإنسان أبواب العلوم والمعارف، وجعل من ثماره هذه الكتب التي حفظت ثمار العقول، فكانت ميراثًا للعلماء، يرثها الخلف عن السلف، وينميها ويثمرها العلماء جيلًا بعد جيل وبهذا تعلم الإنسان ما لم يكن يعلم، وبعلمه هذا المستفاد من سلفه، فتح أبوابًا جديدة من العلم يتلقاها عنه من بعده، ويفعل فعله، بما يفتح من أبواب جديدة للعلم وهكذا تتسع معارف الإنسان، ويزداد علمه على مدى الأجيال 39.

ومجيء الوصف هنا بالأكرم بدلًا من أي صفة أخرى؛ لما في هذه الصفة من تلاؤم للسياق، ما لا يناسب مكانها غيرها لعظم العطاء وجزيل المنة في أمرين:

فأولًا: رحمة الخليقة بهذه القراءة التي ربطت العباد بربهم.

وثانيًا: نعمة الخلق والإيجاد.

فهما نعمتان متكاملتان: الإيجاد من العدم بالخلق، والإيجاد الثاني من الجهل إلى العلم، ولا يكون هذا كله إلا من الرب الأكرم سبحانه 40.

قراءة القرآن من أفضل القربات، وأشرف العبادات، ولذا جاء القرآن الكريم مرشدًا إليها، موضحًا الآداب التي ينبغي لقارئ القرآن أن يتأدب بها تعظيمًا للقرآن، وإجلالًا له، وهي كما يلي:

قال تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) : أي: أقرأ مبتدئًا بتسمية الله، قل: «باسم الله» ، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبتدئ القراءة باسم الله تأدبًا، وبركةً، وثناءًا.

يقول أبو جعفر الطبري: «إن الله تعالى أدب نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بتعليمه تقديم ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله، وجعل ما أدبه به من ذلك وعلمه إياه منه لجميع خلقه سنةً يستنون بها، وسبيلًا يتبعونه عليها، فبها افتتاح أوائل منطقهم، وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم» 41.

ومحل «باسم ربك» : النصب على الحال، أي: اقرأ مفتتحًا باسم ربك 42.

ويجوز أن تكون الباء زائدة، والتقدير: «اقرأ اسم ربك» ، وقيل: الباء بمعنى: «على» ، أي: «اقرأ على اسم ربك» ، يقال: فعل كذا باسم الله، وعلى اسم الله، وعلى هذا فالمقروء محذوف، أي: اقرأ القرآن، وافتتحه باسم الله 43.

يقول أبو الحسن القيرواني: «بسم الله افتتاح إيمان ويمن، وحمد عاقبة، ورحمة وبركة، وثناء، وتقرب إلى الله عز وجل ورغبة فيما عنده وهو أدب من آداب الدين، ومدح لله تعالى، وتعظيم وشعار للمسلمين، وتبرك للمستأنف، وإقرار بالعبودية، واعتراف بالنعمة» 44.

ويقول الرازي: «والتسمية توجه القلب إلى هيبة جلال الله.

ثم قال: «قال: باسم ربك» ولم يقل: «اقرأ باسم الله» كما قال في التسمية المعروفة: «بسم الله الرحمن الرحيم» ، وجوابه: أنه أمرٌ بالعبادة، فكان ذلك أبلغ في الحث على الطاعة» 45.

فالقراءة مبدوءةً باسم الله تنتج حضارةً ربانية قرءانية، قلبها التوحيد، وطابعها اليمن والبركة والتزكية، وهدفها العمران والإصلاح في الأرض.

والبسملة عند قراءة القرآن مستحبة عند جمهور القراء، ومحلها البدء في السور.

يقول النووي: «وينبغي أن يحافظ على قراءة: «بسم الله الرحمن الرحيم» في أول كل سورة «سوى براءة» 46.

وإذا ابتدأ قراءته أثناء السورة لا من أولها، فالأصح من مذاهب القراء أن القارئ مخير في الإتيان بها أو تركها.

قال أبو عمرو الداني: «فأما الابتداء برؤوس الأجزاء التي في بعض السور، فأصحابنا يخيرون القارئ بعد الاستعاذة بين التسمية وتركها في مذهب الجميع» 47.

ولفظ البسملة يتضمن الاستعانة بالله، فـ «بسم الله» ، أي: أستعين بالله.

والاستعانة: هي طلب العون من الله، ولما كانت قراءة القرآن عبادة تحتاج إلى جهد وفهم، وتفريغ للقلب، كانت الاستعانة بالله عند القراءة مقوية للعبد ومعينة له عليها 48.

قال تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق: 1] .

أي: اقرأ بعون ربك وتوفيقه، فالباء للاستعانة، والمفعول محذوف، تقديره: «اقرأ ما يوحي إليك مستعينًا باسم ربك» 49.

ومعنى الاستعانة باسم الله: أي: ذكر اسمه عند هذه القراءة، وذكر كلمة: «اسم» لأن الاستعانة بذكر اسمه تعالى لا بذاته، وهذا الوجه يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: باسم الله حين تلقى هذه الجملة 50.

يقول الراغب: «إنما قال «بسم الله» ولم يقل: «الله» ؛ لأنه لما استحب الاستعانة بالله تعالى في كل أمر يفتتح به من قراءة وغيرها، فبعضهم يذكره بقلبه، وبعضهم يزيد عليه ويقوله بلسانه ويكون أبلغ، وذكر الله مستعمل في كل ذلك، وألفاظ الاستعانة نحو: «أستعين بالله» فصار لفظة «بسم الله» مستغنى به عن جميعها وقائمًا مقامها» 51.

إنها دلالة واضحة على أن القراءة التي تتضمن التوحيد والإخلاص، والتوكل على الخالق الباري، وستخرج هذا الإنسان بعون الله من جهله وضعفه إلى تفوقه وتقدمه، بل وتجعله يسير بنور رباني يكشف له حجب الغفلة والظلام.

أمر الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة قبل قراءة القرآن، فقال سبحانه: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [النحل: 98] .

أي: إذا أردت القراءة فاستعذ بالله، واسأله سبحانه أن يعيذك من الشيطان الرجيم من أن يعرض لك أثناء قراءة القرآن فيصدك عن تدبره، فهي لدفع وسواس الشيطان.

وقراءة القرآن هي أشرف مقروء وأفضله، فيها صلاح القلوب، والشيطان أحرص ما يكون على العبد عند شروعه في الأمور الفاضلة، فيسعى في صرفه عن مقاصدها ومعانيها؛ فشرعت الاستعاذة لطلب الإعاذة والاعتصام بالله 52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت