فهرس الكتاب

الصفحة 1190 من 2431

ومعنى: {لِلنَّاظِرِينَ} أن بياضها مما يقصده الناظرون لأعجوبته، وكان لون جلد موسى عليه السلام السمرة، والتعريف في {لِلنَّاظِرِينَ} للاستغراق العرفي، أي: لجميع الناظرين في ذلك المجلس، وهذا يفيد أن بياضها كان واضحًا بينًا مخالفًا لون جلده بصورة بعيدة عن لون البرص 126.

3.رؤية أدلة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم.

أمر الله تعالى بالنظر في السموات والأرض لرؤية أدلة الإعجاز العلمية.

قال تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101) } [يونس:101] .

والمعنى كما قال أبو جعفر الطبري: «يقول تعالى ذكره: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين من قومك، السائليك الآيات على صحة ما تدعوهم إليه من توحيد الله، وخلع الأنداد والأوثان: انظروا، أيها القوم، ماذا في السموات من الآيات الدالة على حقيقة ما أدعوكم إليه من توحيد الله، من شمسها وقمرها، واختلاف ليلها ونهارها، ونزول الغيث بأرزاق العباد من سحابها، وفي الأرض من جبالها، وتصدعها بنباتها، وأقوات أهلها وسائر صنوف عجائبها، فإن في ذلك لكم إن عقلتم وتدبرتم موعظة ومعتبرًا، ودلالة على أن ذلك من فعل من لا يجوز أن يكون له في ملكه شريك، ولا له على تدبيره وحفظه ظهير يغنيكم عما سواه من الآيات.

{وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} أي: وما تغني الحجج والعبر والرسل المنذرة عباد الله عقابه، عن قوم قد سبق لهم من الله الشقاء، وقضى لهم في أم الكتاب أنهم من أهل النار، لا يؤمنون بشيء من ذلك ولا يصدقون به؟» 127.

وقد أخبر تعالى بأنه هو الذي يري عباده الأدلة العلمية.

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13) } [غافر:13] .

والمعنى: هو الذي يريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته وربوبيته، وينزل لكم من أرزاقكم من السماء بإدرار الغيث الذي يخرج به أقواتكم من الأرض، وغذاء أنعامكم عليكم، وما يتذكر حجج الله التي جعلها أدلة على وحدانيته، فيعتبر بها ويتعظ ويعلم حقيقة ما تدل عليه، إلا من ينيب، يقول: إلا من يرجع إلى توحيده، ويقبل على طاعته 128.

وآيات الله: تعم آيات قدرته، وآيات قرآنه، والمعجزات الظاهرة على أيدي رسله 129.

قال ابن كثير: «هو الذي يريكم آياته، أي: يظهر قدرته لخلقه بما يشاهدونه في خلقه العلوي والسفلي من الآيات العظيمة الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها {وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا} ، وهو المطر الذي يخرج به من الزروع والثمار ما هو مشاهد بالحس من اختلاف ألوانه وطعومه وروائحه وأشكاله وألوانه، وهو ماء واحد فبالقدرة العظيمة فاوت بين هذه الأشياء، {وَمَا يَتَذَكَّرُ} ، أي: يعتبر ويتفكر في هذه الأشياء ويستدل بها على عظمة خالقها {إِلَّا مَنْ يُنِيبُ} أي: من هو بصير منيب إلى الله تبارك وتعالى» 130.

ورؤية أدلة الإعجاز العلمي ليست محددة بوقت، بل تشمل جميع الأزمان قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) } [فصلت:53] .

{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ} يعني: أقطار الأرض والسماء من الشمس والقمر والنجوم والنبات والأشجار والأنهار والبحار والأمطار، {وَفِي أَنْفُسِهِمْ} من لطيف الصنعة وبديع الحكمة، وسبيل الغائط والبول، حتى إن الرجل ليأكل ويشرب من مكان واحد، ويخرج ما يأكل ويشرب من مكانين.

{حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} يعني: إن ما نريهم ونفعل من ذلك هو الحق، وقيل: إنه يعني: الإسلام، وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: القرآن 131.

ومثل الآية قوله تعالى: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37) } [الأنبياء:37] .

{خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} : معناه أن بنيته وخلقته من العجلة وعليها طبع، كما قال الله تعالى: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء:11] 132.

{سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} والمعنى: يا أيها المستعجلون ربهم بالآيات القائلون لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم: بل هو شاعر، فليأتنا بآية كما أرسل الأولون، {سَأُرِيكُمْ آيَاتِي} ، كما أريتها من قبلكم من الأمم التي أهلكناها بتكذيبها الرسل، إذا أتتها الآيات، {فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} ، يقول: فلا تستعجلوا ربكم، فإنا سنأتيكم بها ونريكموها 133.

ونتيجة رؤية الأدلة العلمية هي الإيمان والتصديق بالنسبة للمؤمنين، أما الكافرين فقد أخبر الله تعالى عنهم بقوله: {وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14) } [الصافات:14] .

أي: إذا رأوا حجة من حجج الله عليهم، ودلالة على نبوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم يسخرون ويستهزءون بها 134.

4.رؤية الأدلة العلمية على ثبوت الوقائع.

ويدل على ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) } [يوسف:35] .

والمعنى: ظهر للعزيز وأهل مشورته أدلة وعلامات براءة يوسف عليه السلام من قد القميص من دبر، وشهادة الشاهد، وحز الأيدي، وقلة صبرهن عن لقاء يوسف عليه السلام أن يسجنوه كتمانًا للقصة ألا تشيع في العامة، وللحيلولة بينه وبينها، فالقميص من الآيات، وشهادة الشاهد من الآيات، وقطع الأيدي من الآيات، وإعظام النساء إياه من الآيات 135، والأدلة على صدقه في عفته ونزاهته 136.

ويدخل في رؤية الأدلة العلمية ما يهبه الله تعالى للعلماء من ملكة فقهية لرؤية الأدلة العلمية في الكتاب والسنة على الأحكام، ومن ثم بناء الأحكام الفقهية عليها.

ثانيًا: رؤية الأدلة الجنائية:

ورد في القرآن ما يختص برؤية الأدلة الجنائية، وهي قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) } [يوسف:28] .

استدل العلماء بهذه الآية في إعمال الأمارات في مسائل من الفقه كالقسامة وغيرها، كما استدل يعقوب عليه عليه السلام على كذبهم بصحة القميص، فيجب على الناظر أن يلحظ الآيات، والعلامات إذا تعارضت، فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح، وهي قوة التهمة، ولا خلاف بين العلماء في الحكم بها 137.

فيحتج بالآية من يرى الحكم بالأمارات والعلامات، فيما لا تحضره البينات، كاللقطة والسرقة والوديعة ومعاقد الحيطان والسقوف وشبهها 138.

فمن ذلك قول المالكية وغيرهم: إن القرينة الجازمة ربما قامت مقام البينة، مستدلين على ذلك بجعل شاهد يوسف شق قميصه من دبر قرينة على صدقه، وكذب المرأة 139.

وسمي قوله شهادة؛ لأنه يؤول إلى إظهار الحق في إثبات اعتداء يوسف عليه السلام على سيدته أو دحضه، وهذا من القضاء بالقرينة البينة؛ لأنها لو كانت أمسكت ثوبه لأجل القبض عليه لعقابه لكان ذلك في حال استقباله له إياها، فإذا أراد الانفلات منها تخرق قميصه من قبل، وبالعكس إن كان إمساكه في حال فرار وإعراض، ولا شك أن الاستدلال بكيفية تمزيق القميص نشأ عن ذكر امرأة العزيز وقوع تمزيق القميص تحاول أن تجعله حجة على أنها أمسكته لتعاقبه، ولولا ذلك ما خطر ببال الشاهد أن تمزيقًا وقع وإلا فمن أين علم الشاهد تمزيق القميص، والظاهر أن الشاهد كان يظن صدقها، فأراد أن يقيم دليلًا على صدقها، فوقع عكس ذلك كرامة ليوسف عليه السلام 140.

ويفهم من هذه الآية لزوم الحكم بالقرينة الواضحة الدالة على صدق أحد الخصمين وكذب الآخر؛ لأن ذكر الله لهذه القصة في معرض تسليم الاستدلال بتلك القرينة على براءة يوسف عليه السلام يدل على أن الحكم بمثل ذلك حق وصواب؛ لأن كون القميص مشقوقًا من جهة دبره دليل واضح على أنه هارب عنها، وهي تنوشه من خلفه، ولكنه تعالى بين في موضع آخر أن محل العمل بالقرينة ما لم تعارضها قرينة أقوى منها، فإن عارضتها قرينة أقوى منها أبطلتها، وذلك في قوله تعالى: {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18) } [يوسف:18] .

وهذه الآيات المذكورة أصل في الحكم بالقرائن 141.

وكذلك قوله تعالى: {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18) } [يوسف:18] .

قال بعض العلماء: لما أرادوا أن يجعلوا الدم علامة على صدقهم؛ قرن الله بهذه العلامة علامة تعارضها، وهي سلامة القميص من التخريق، إذ لا يمكن افتراس الذئب ليوسف، وهو لابس القميص، ويسلم القميص من التخريق، ولما تأمل يعقوب عليه السلام القميص لم يجد فيه خرقًا، ولا أثرًا، استدل بذلك على كذبهم، وقال لهم: تزعمون أن الذئب أكله، ولو أكله لشق قميصه 142.

وبهذا يكون النظر في الأدلة الجنائية وأدوات الجريمة مما يساعد في كشف الجريمة وملابستها ومعرفة الجاني.

إن الرؤية والاعتبار في القرآن الكريم يكون في التفكر والاعتبار في الآيات الكونية، وفي الاعتبار والعظة بهلاك الأمم السابقة، وبيان ذلك في النقاط الآتية:

أولًا: الآيات الكونية:

الآيات الكونية هي: الآيات المنسوبة إلى الكون الذي هو الخلق الذي كونه الله تعالى فكان، وذلك السموات والأرض والجبال والسهول والأنهار والشمس والقمر والنبات والحيوان والجماد، وخلق الإنسان، وآيات الله عز وجل في الآفاق، وما فيهما وما بينهما من سائر المخلوقات 143.

جاء الأمر الصريح في القرآن على الحث على التفكر في الكون، ومن ذلك قوله تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101) } [يونس:101] .

قال أبو جعفر الطبري: «يقول تعالى ذكره: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين من قومك، السائليك الآيات على صحة ما تدعوهم إليه من توحيد الله وخلع الأنداد والأوثان: انظروا، أيها القوم، ماذا في السموات من الآيات الدالة على حقيقة ما أدعوكم إليه من توحيد الله، من شمسها وقمرها، واختلاف ليلها ونهارها، ونزول الغيث بأرزاق العباد من سحابها وفي الأرض من جبالها، وتصدعها بنباتها، وأقوات أهلها، وسائر صنوف عجائبها، فإن في ذلك لكم إن عقلتم وتدبرتم موعظة ومعتبرًا، ودلالة على أن ذلك من فعل من لا يجوز أن يكون له في ملكه شريك، ولا له على تدبيره وحفظه ظهير يغنيكم عما سواه من الآيات» 144.

وهذه الآية أمر للكفار بالاعتبار والنظر في المصنوعات الدالة على الصانع، وغير ذلك من آيات السماوات وأفلاكها وكواكبها وسحابها ونحو ذلك، والأرض ونباتها ومعادنها وغير ذلك 145.

أي: انظروا بالتفكر والاعتبار ماذا في السماوات والأرض من الآيات والعبر التي تدل على وحدانيته ونفاذ قدرته كالشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، وكل هذا يقتضي خالقًا مدبرًا سبحانه 146.

قال الإمام الرازي: «ولو أن الإنسان أخذ يتفكر في كيفية حكمة الله سبحانه في تخليق جناح بعوضة لانقطع عقله قبل أن يصل إلى أقل مرتبة من مراتب تلك الحكم والفوائد، ولا شك أن الله سبحانه أكثر من ذكر هذه الدلائل في القرآن المجيد، فلهذا السبب ذكر قوله: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ولم يذكر التفصيل، فكأنه تعالى نبه على القاعدة الكلية، حتى إن العاقل يتنبه لأقسامها، وحينئذ يشرع في تفصيل حكمة كل واحد منها بقدر القوة العقلية والبشرية، ثم إنه تعالى لما أمر بهذا التفكر والتأمل، بين بعد ذلك أن هذا التفكر والتدبر في هذه الآيات لا ينفع في حق من حكم الله تعالى عليه في الأزل بالشقاء والضلال» 147.

وقوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) } [العنكبوت:20] .

أرشد الله تعالى في الآية إلى الاعتبار بما في الآفاق من الآيات المشاهدة من خلق الله الأشياء: السموات وما فيها من الكواكب النيرة الثوابت والسيارات، والأرضين وما فيها من مهاد وجبال، وأودية وبراري وقفار، وأشجار وأنهار، وثمار وبحار، كل ذلك دال على حدوثها في أنفسها، وعلى وجود صانعها الفاعل المختار، الذي يقول للشيء: كن، فيكون 148.

والمعنى: سيروا في الأرض وشاهدوا السموات وما فيها من الكواكب النيرة، ثوابتها وسياراتها، والأرض وما فيها من جبال ومهاد، وبراري وقفار، وأشجار وثمار، وأنهار وبحار، فكل ذلك شاهد على حدوثها في أنفسها، وعلى جود صانعها الذي يقول للشيء: كن، فيكون 149.

وإنما أمر بالسير في الأرض؛ لأن السير يدني إلى الرائي مشاهدات جمة من مختلف الأرضين بجبالها وأنهارها ومحوياتها، ويمر به على منازل الأمم حاضرها وبائدها، فيرى كثيرًا من أشياء وأحوال لم يعتد رؤية أمثالها، فإذا شاهد ذلك جال نظر فكره في تكوينها بعد العدم جولانًا لم يكن يخطر له ببال، حينما كان يشاهد أمثال تلك المخلوقات في ديار قومه؛ لأنه لما نشأ فيها من زمن الطفولة فما بعده قبل حدوث التفكير في عقله اعتاد أن يمر ببصره عليها دون استنتاج من دلائلها حتى إذا شاهد أمثالها مما كان غائبًا عن بصره جالت في نفسه فكرة الاستدلال، فالسير في الأرض وسيلة جامعة لمختلف الدلائل، فلذلك كان الأمر به لهذا الغرض من جوامع الحكمة وجيء في جانب بدء الخلق بالفعل الماضي؛ لأن السائر ليس له من قرار في طريقه، فندر أن يشهد حدوث بدء مخلوقات، ولكنه يشهد مخلوقات مبدوءة من قبل فيفطن إلى أن الذي أوجدها إنما أوجدها بعد أن لم تكن، وأنه قادر على إيجاد أمثالها، فهو بالأحرى قادر على إعادتها بعد عدمها 150.

قال محمد إسماعيل إبراهيم: «وها هو القرآن يدعونا إلى التفكر في بدء الخلق منذ أن تصلبت قشرة الأرض الخارجية، وتكونت عليها القارات والمحيطات، لذلك اجتهد علماء الجيولوجيا أن يقرأوا تاريخ الأرض من طبقات الصخور الرسوبية التى تراكمت عليها، وفي طياتها الكثير من بقايا الكائنات الحية التى عاشت عليها، سواء كانت لحيوان أو نبات، وهذه البقايا المتحجرة هي ما نسميه اليوم بالحفريات، وهي في واقعها سجل حافل بتاريخ الخليقة منذ بدايتها، وقد استطاع العلم بوسائله المتقدمة أن يقرأ كثيرًا من صفحات هذا السجل، ويعرف حقائق كثيرة عن نشأة الأرض وتطوراتها خلال الأزمنة الجيولوجية» 151.

وقوله عز وجل: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (99) } [الإسراء:99] .

«يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أولم ينظر هؤلاء القائلون من المشركين: {أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} [الإسراء:98] بعيون قلوبهم، فيعلمون أن الله الذي خلق السماوات والأرض، فابتدعها من غير شيء، وأقامها بقدرته، قادر بتلك القدرة على أن يخلق مثلهم أشكالهم، وأمثالهم من الخلق بعد فنائهم، وقبل ذلك، وأن من قدر على ذلك فلا يمتنع عليه إعادتهم خلقًا جديدًا، بعد أن يصيروا عظامًا ورفاتًا» 152.

وقد أمر الله تعالى بالنظر إلى آية المطر للاستدلال على قدرته سبحانه.

قال تعالى: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) } [الروم:50] .

والمعنى: انظروا نظر استبصار واستدلال، أي: استدلوا بذلك على أن من قدر على ذلك قادر على إحياء الموتى 153.

وقد نعى الله تعالى على تاركي التفكر في الآيات الكونية، ووصفهم بأنهم لا يفكرون في ما حولهم، وشنع عليهم تركهم التفكر 154.

قال تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (10) اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11) } [الروم:8 - 11] .

والمعنى: «أولم يثبتوا التفكر في أنفسهم، أي: في قلوبهم الفارغة، فيتفكروا بها في مصنوعات الله، حتى يعلموا أنها ما خلقت عبثًا، والتفكر لا يكون إلا في القلوب، ولكن زيادة تصوير لحال المتفكرين، كقوله: اعتقده في قلبك، {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ} ، التي هي أقرب إليهم من غيرها، وهم أعلم بأحوالها، فيتدبروا ما أودعها الله تعالى، ظاهرًا وباطنًا، من غرائب الحكمة الدالة على التدبير من الحكيم القديم، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى وقت تجازي فيه، على الإحسان إحسانًا، وعلى الإساءة مثلها، حتى يعلموا، عند ذلك أن سائر الخلائق مثلها، وأنه لا بد لهم من الانتهاء إلى ذلك الوقت، فيعلموا أن ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى أي: ما خلقها باطلًا وعبثًا من غير حكمة ولا لتبقى خالدة، وإنما خلقها مقرونة بالحق مصحوبة بالحكمة البالغة، وتنتهي إلى أجل مسمى وهو قيام الساعة، ووقت الحساب بالثواب والعقاب، فيخرب هذا العالم، ويقوم عالم آخر، لا انتهاء لوجوده» 155.

وقد وصف الله تعالى تاركي التفكر والاعتبار بأنهم مكذبون وكافرون بهذه الآيات ووبخهم وتهكم عليهم 156، فقال سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32) } [الأنبياء:30 - 32] .

وهذه الآية كقوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) } [يوسف:105] .

قال أبو جعفر الطبري: «يقول جل وعز: وكم من آية في السموات والأرض لله، وعبرة وحجة، وذلك كالشمس والقمر والنجوم ونحو ذلك من آيات السموات، وكالجبال والبحار والنبات والأشجار وغير ذلك من آيات الأرض {يَمُرُّونَ عَلَيْهَا} ، يقول: يعاينونها فيمرون بها معرضين عنها، لا يعتبرون بها، ولا يفكرون فيها وفيما دلت عليه من توحيد ربها، وأن الألوهة لا تنبغي إلا للواحد القهار الذي خلقها وخلق كل شيء، فدبرها» 157.

[انظر: الآيات الكونية، مجالات استدلال القرآن بالآيات الكونية]

ثانيًا: هلاك الأمم السابقة:

أمر الله تعالى بالسير في الأرض للاعتبار بهلاك الأمم السابقة، قال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) } [الأنعام:11] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت