فهرس الكتاب

الصفحة 467 من 2431

قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ? وَذَ?لِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ?5?) [البينة:5] .

«فما أمروا في سائر الشرائع إلا أن يعبدوا (اللَّهَ مُخْلِصِينَ) أي: قاصدين بجميع عباداتهم الظاهرة والباطنة وجه الله، وطلب الزلفى لديه، (حُنَفَاءَ) أي: معرضين مائلين عن سائر الأديان المخالفة لدين التوحيد، وخص الصلاة والزكاة [بالذكر] مع أنهما داخلان في قوله (لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ) لفضلهما وشرفهما، وكونهما العبادتين اللتين من قام بهما قام بجميع شرائع الدين (وَذَالِكَ) أي: التوحيد والإخلاص في الدين، هو (دِينُ الْقَيِّمَةِ) أي: الدين المستقيم، الموصل إلى جنات النعيم، وما سواه فطرق موصلة إلى الجحيم» 63.

الواجب على الإنسان أن يكون عبدًا لله، وأن يخلص العبادة لله جل وعلا، وخاصة في العبادات السرية، وألا يكون قلبه وعمله مفرقًا بين معبودات شتى، والله لا يقبل من العباد إلا أن يعبدوه وحده، وكل القرآن في هذا المعنى؛ لأن القرآن لا يخلو إما أن يكون في أوصاف الله حتى يدعو ذلك إلى تعظيمه وتوقيره، ويدخل في أوصافه أفعاله تعالى وتقدس، أو يكون الأمر صراحة أن نخلص له العبادة، كقوله: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ) [الزمر:2] .

وقال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَ?هًا وَاحِدًا ?) [التوبة:31] .

فهذا واضح جدًا، أو يكون في الأوامر والنواهي التي هي من حقوق هذا التوحيد، مثل: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم وفعل الخيرات كلها.

قد بين الله تعالى في كتابه الكريم مكايد الشيطان وطرق إغوائه للإنسان، فقال في محكم التنزيل حكاية عن إبليس: {قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) } [الأعراف:14 - 17] .

يقول ابن كثير في تفسيره: يخبر تعالى أنه لما أنظر إبليس {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} واستوثق إبليس بذلك، أخذ في المعاندة والتمرد، فقال: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} أي: كما أغويتني، قال ابن عباسٍ: كما أضللتني، وقال غيره: كما أهلكتني لأقعدن لعبادك الذين تخلقهم من ذرية هذا الذي أبعدتني بسببه على {صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} أي: طريق الحق وسبيل النجاة، ولأضلنهم عنها لئلا يعبدوك ولا يوحدوك بسبب إضلالك إياي 64 ..

إن هذه الآيات الجليلة تبين لنا معالم حربٍ مشتدةٍ بين الشيطان وجنده من جهة، وبين أولياء الله وعباده من جهة أخرى، وهذه الحرب الشعواء لا عاصم للمؤمن منها، إلا استعانته بربه عز وجل، وبدأ الشيطان بغواية حينما أخرجه الله من الجنة، منذ أن خلق الله سبحانه نبيه آدم - عليه السلام - {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120) } [طه:120] .

ومن يومها والحرب سجالٌ بين الشيطان وبين أولياء الله تعالى.

ومن مكايد الشيطان:

1.الوسوسة.

وهي حديث النفس، والصوت الخفي، والوسوسة من أعظم مكائد الشيطان؛ إذ لا يزال بالإنسان يوسوس له ويشككه حتى يخرجه من عقيدة الإسلام، كما جاء في (الصحيحين) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ ومن خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا وجد أحدكم ذلك، فليقل: آمنت بالله ورسله، فإن ذلك يذهب عنه) 65.

2.النسيان.

فينسي الإنسان ذكر ربه، ومجالسة الصالحين، والذب عن هذا الدين، والرد على المخالفين والمستهزئين.

قال تعالى: (وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى? مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [الأنعام:68] .

3.التحريش وإيقاع العداوة بين المسلمين.

قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ٹ) [المائدة:91] .

فتقع الشحناء بين المسلمين، وبين الإخوة والأصدقاء فيتفرقوا أحزابًا شيعًا؛ وكل ذلك من الشيطان.

4.التخويف.

فيخوف الإنسان من طاعة ربه؛ فإذا أراد بذل مالٍ في سبيل الله خوفه بالفقر ووعده به.

قال تعالى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ?) [البقرة:268] .

وإذا أراد أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر خوفه الشيطان من سوء العاقبة.

قال سبحانه وتعالى: (إِنَّمَا ذَ?لِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران:175] .

5.القول على الله بغير علمٍ.

قال عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ? إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ?168?إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ?169?) [البقرة:168 - 169] .

6.التزيين لفعل المعصية.

بالنظر لما حرم الله؛ كالنظر مثلًا للمرأة الأجنبية، وهو بريد الزنا، ولأن النساء حبائل الشيطان؛ فيجب على الإنسان دحر كيده، بما ثبت من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته، فليأت أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه) 66.

ومما سبق تبيَن أن للشيطان مكائد متعددة، ولكن الإسلام أرشدنا إلى مخالفة الشيطان وطرق الوقاية من الوقوع في غوايته ووساوسه ومن هذه الأمور ما يأتي:

1.الاستعاذة بالله سبحانه.

قال تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ?98?) [النحل:98] .

2.البسملة.

فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أما إن أحدكم إذا أتى أهله وقال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فرزقا ولدًا لم يضره الشيطان) 67.

3.سجود التلاوة.

فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله - وفي رواية أبي كريبٍ يا ويلي - أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار) 68.

4.عدم اتباع خطوات الشيطان.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) } [البقرة:168] .

يقول السعدي: «نهاهم عن اتباع {خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} أي: طرقه التي يأمر بها، وهي جميع المعاصي من كفر، وفسوق، وظلم، ويدخل في ذلك تحريم السوائب، والحام، ونحو ذلك، ويدخل فيه أيضًا تناول المأكولات المحرمة، {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} أي: ظاهر العداوة، فلا يريد بأمركم إلا غشكم، وأن تكونوا من أصحاب السعير، فلم يكتف ربنا بنهينا عن اتباع خطواته، حتى أخبرنا - وهو أصدق القائلين - بعداوته الداعية للحذر منه، ثم لم يكتف بذلك، حتى أخبرنا بتفصيل ما يأمر به، وأنه أقبح الأشياء، وأعظمها مفسدة فقال: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ} » 69.

1.إن الله سبحانه وتعالى بين في كتابه، أن من يحقق الإخلاص في دينه يجد ثمرات في الدنيا والآخرة لهذا الإخلاص؛ كقبول العمل، والتأييد الإلهي، والنجاة من الهلاك، والتمكين في الأرض، والنجاة من إضلال الشيطان وغوايته، وصرف السوء والفحشاء، والنجاة من النار، والفوز بالدرجات العلا في الجنة.

أولًا: الثمرات الدنيوية:

1.قبول العمل.

من ثمرات الإخلاص قبول العمل، فحينما يتقرب المسلم إلى ربه بالعبادات والأعمال الصالحة ويكون بذلك مخلصًا فيها لله تعالى فإن الله سبحانه وتعالى يقبل عمله، ويثني عليه ويمدحه.

قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [النساء:125] .

وقد يتقرب المخلص إلى ربه بعمل فيخطئ في تأديته، ويضعه في غير موضعه، فتأتي نيته الصالحة شفيعًا، فتصحح له خطأه، وتكمل له نقصه، وفي هذا جاء حديث الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال رجلٌ: لأتصدقن بصدقةٍ، فخرج بصدقته، فوضعها في يد سارقٍ، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارقٍ، فقال: اللهم لك الحمد، لأتصدقن بصدقةٍ، فخرج بصدقته فوضعها في يدي زانيةٍ، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانيةٍ، فقال: اللهم لك الحمد، على زانيةٍ؟ لأتصدقن بصدقةٍ، فخرج بصدقته، فوضعها في يدي غنيٍ، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غنيٍ، فقال: اللهم لك الحمد، على سارقٍ وعلى زانيةٍ وعلى غنيٍ، فأتي به فقيل له: أما صدقتك على سارقٍ فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله) 70.

2.التأييد الإلهي.

يعتبر التأييد الإلهي ثمرة من ثمرات الإخلاص، وإن المخلص مؤيد من الله، منتصر به سبحانه، كما قال تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر:36] .

وعلى قدر إخلاص المرء لربه، وتجرده له، يكون مدد الله تعالى وعونه وكفايته وولايته، وإن الإمداد على قدر الاستعداد، إمداد الله بالنصر والتأييد، أو بالتوفيق والتسديد، على حسب ما في القلوب من تجريد النية.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70) } [الأنفال:70] .

يقول السيوطي: « {إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا} إيمانًا وإخلاصًا {يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ} من الفداء بأن يضعفه لكم في الدنيا ويثيبكم في الآخرة {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ذنوبكم {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} » 71.

وقال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) } [الفتح:18] .

يقول الواحدي في تفسيره: « {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ} وكانوا ألفًا وأربعمائة، {إِذْ يُبَايِعُونَكَ} بالحديبية على أن يناجزوا قريشًا ولا يفروا، {تَحْتَ الشَّجَرَةِ} يعني: سمرة كانت هنالك، وهذه البيعة تسمى بيعة الرضوان، {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من الإخلاص والوفاء {فَأَنْزَلَ} الله {السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} وهي الطمأنينة وثلج الصدر بالنصرة من الله تعالى لرسوله {وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} أي: فتح خيبر» 72.

وقد وعد الله سبحانه المؤمنين الذين أخلصوا بالأجر العظيم.

قال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) } [النساء:146] .

يقول ابن كثير: {وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ} أي: بدلوا الرياء بالإخلاص، فينفعهم العمل الصالح وإن قل 73.

3.النجاة من الهلاك.

ومن ثمرات الإخلاص في الدنيا نزول الفرج والنجاة من الهلاك والكرب والشدة، بحسب مشيئة الله تعالى وقدره، وقد تعجب لو قلت لك: إن الله تعالى يفرج بالإخلاص عن المشرك لو أخلص لله قليلًا، مع أنه مشرك، فما ظنك بالمؤمن الذي ينبغي أن تكون حياته كلها مبنية على الإخلاص، وأن يجتهد في تحقيق الإخلاص في كل عمل، إذا كان الله تعالى يفرج عن المشرك لو أخلص قليلًا، فإنه سبحانه لا شك يفرج عن المؤمن الذي يتحرى الإخلاص في عمله، وينجيه مما ينزل به من شدائد، وكل بحسب قدر إخلاصه وتوكله.

قال تعالى: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (32) } [لقمان:32] .

يقول الطبري في تفسيره: يقول تعالى ذكره: وإذا غشي هؤلاء الذين يدعون من دون الله الآلهة والأوثان في البحر -إذا ركبوا في الفلك- موج كالظلل، وهي جمع ظلة، شبه بها الموج في شدة سواد كثرة الماء، وشبه الموج وهو واحد بالظلل، وهي جماع؛ لأن الموج يأتي شيء منه بعد شيء، ويركب بعضه بعضًا كهيئة الظلل.

وقوله: {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} يقول تعالى ذكره: وإذا غشي هؤلاء موج كالظلل، فخافوا الغرق، فزعوا إلى الله بالدعاء مخلصين له الطاعة، لا يشركون به هنالك شيئًا، ولا يدعون معه أحدًا سواه، ولا يستغيثون بغيره، قوله: {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ} مما كانوا يخافونه في البحر من الغرق والهلاك إلى البر، وقوله: {فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ} يقول: فمنهم مقتصد في قوله وإقراره بربه، وهو مع ذلك مضمر الكفر به 74.

وقال تعالى: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) } [التوبة:109] .

يقول السعدي: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ} أي: على نية صالحة وإخلاص {وَرِضْوَانٍ} بأن كان موافقًا لأمره، فجمع في عمله بين الإخلاص والمتابعة، {خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا} أي: على طرف، {جُرُفٍ هَارٍ} أي: بال، قد تداعى للانهدام، {فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} لما فيه مصالح دينهم ودنياهم 75.

4.التمكين في الأرض.

إن الله سبحانه وتعالى وعد عباده المؤمنين المخلصين بالنصر والتمكين.

قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) } [النور:55] .

فإن الله سبحانه وعد من أقام الإيمان وحرص على العمل الصالح من هذه الأمة، أن يستخلفهم في الأرض، يكونون هم الخلفاء فيها، المتصرفين في تدبيرها، وأنه يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وهو الإسلام، الذي فاق الأديان كلها، ارتضاه لهذه الأمة، لفضلها وشرفها ونعمته عليها، بأن يتمكنوا من إقامته، وإقامة شرائعه الظاهرة والباطنة، في أنفسهم وفي غيرهم، لكون غيرهم من أهل الأديان وسائر الكفار مغلوبين ذليلين، وأنه يبدلهم من بعد خوفهم الذي كان الواحد منهم لا يتمكن من إظهار دينه، وما هو عليه إلا بأذى كثير من الكفار، وكون جماعة المسلمين قليلين جدًا بالنسبة إلى غيرهم، فوعدهم الله هذه الأمور وقت نزول الآية، وهي لم تشاهد الاستخلاف في الأرض والتمكين فيها، والتمكين من إقامة الدين الإسلامي، والأمن التام، بحيث يعبدون الله ولا يشركون به شيئًا، مخلصين له في العبادة، ولا يخافون أحدًا إلا الله، فقام صدر هذه الأمة، من الإيمان والعمل الصالح بما يفوقون على غيرهم، فمكنهم من البلاد والعباد، وفتحت مشارق الأرض ومغاربها، وحصل الأمن التام والتمكين التام، فهذا من آيات الله العجيبة الباهرة، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح 76.

لذلك جعل الله سبحانه وتعالى من ثمرات الإخلاص تحقيق النصر والتمكين في الأرض، وإلا فسيكون مصيرنا في معاركنا مع أعدائنا مرهونًا بمعايير القوة الطبيعية وحدها، ونحرم أنفسنا من الفوز بمعونة الله تعالى ومعيته، انظر إلى الصحابة رضي الله عنهم، كيف فتح الله تعالى لهم البلاد، حتى بلغوا في سنوات قليلة حدود الصين شرقًا والأندلس غربًا، والقسطنطينية شمالًا، مع أنهم لم يكن لهم من عدة الحروب وعتادها ما كان للفرس والروم، ولم تكن القوة بينهم وبين عدوهم متكافئة، فعدوهم كان يملك أضعاف ما يملكون من قوة بشرية وحربية، ولكن لأنهم أسسوا حركتهم في نشر الإسلام على الإخلاص، وأقاموها على فقه في الإعداد والتوكل، تحقق على أيديهم النصر المنشود.

بالإخلاص يفتح الله لك أبواب الهداية في كل شيء.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) } [العنكبوت:69] .

فحددت الآية أولًا طريق الجهاد والمجاهدة، فقال تعالى: «جاهدوا فينا» ، ثم بينت الآية نتيجة هذا الطريق المبني على الإخلاص: «لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين» ، والمخلص موعود بالنجاحين، النجاح في الدنيا والنجاح في الآخرة، وليس هناك من طريق يجمع النجاح في الدنيا والآخرة غير طريق الإخلاص، فقد ينال غير المخلص مراده وينجح في تحقيق هدفه الدنيوي، لكنه لن يحصل على نجاح الآخرة وثوابها.

قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134) } [النساء:134] «من كان يريد» بعمله «ثواب الدنيا» ؛ «فعند الله ثواب الدنيا والآخرة» لمن أراده لا عند غيره.

ثانيًا: الثمرات الأخروية:

1.النجاة من العذاب.

قال تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21) } [الليل:17 - 21] .

{وَسَيُجَنَّبُهَا} يبعد عن عذابها {الْأَتْقَى} بمعنى التقي 77، فالمؤمن الذي يقوم بالأعمال الصالحات ستكون له النجاة من العذاب الدنيوي والأخروي، وحينما يحل العذاب بقوم ظالمين، فإن الله ينجي الذين ينهون عن السوء، كما قال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) } [الأعراف:165] .

ومن ثمار الإخلاص النجاة من العذاب، قال الله تعالى: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (61) } [الزمر:61] .

ومنها أن الله عز وجل ضمن لمن اتقاه أن لا يخاف مما يستقبل، ولا يحزن على ما مضى، فقال تعالى: {فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأعراف:35] .

وإن مما يدلل على أهمية هذا الأمر أن دعاة الحق والإيمان والسنة، حينما يدعون الناس وأنفسهم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإلى الاقتداء بمنهج السلف الصالح في كل أمورهم العلمية والعملية، فإنهم إنما يدعون الأمة إلى الدواء الذي يشفي بإذن الله تبارك وتعالى من كل داء، ويكفي عن كل علاج؛ إنه الدواء الذي يستأصل جميع الأمراض من قلوب العباد وأمراض الأمم عامة، ويمنع أسباب الانهيار التي يتعرض لها الفرد أو تتعرض لها الأمة، مما يحقق لها النجاة من العذاب في الآخرة.

2.الدرجات العليا في الجنة.

قال تعالى: {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76) } [طه:75 - 76] .

يقول الطبري في تفسيره: {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا} موحدًا لا يشرك به، {قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ} يقول: قد عمل ما أمره به ربه، وانتهى عما نهاه عنه، {فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى} يقول: فأولئك الذين لهم درجات الجنة العلى.

القول في تأويل قوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76) } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت