قال تعالى محذرًا عباده المؤمنين في سياق الحديث عن المنافقين ووسائلهم في الصد عن سبيل الله: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} [المنافقون: 4] .
«يقول الله جل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم: هم العدو يا محمد فاحذرهم، فإن ألسنتهم إذا لقوكم معكم، وقلوبهم عليكم مع أعدائكم، فهم عينٌ لأعدائكم عليكم» 65.
رابعًا: الاستعداد للموت بالإيمان وإحسان العمل:
إن الغافل عن الآخرة وحسابها يسعى في الدنيا سعي الوحوش في البرية، فيصرف نفسه عن الطريق المستقيم الآمن من الهلكة في الدنيا والآخرة؛ وكذلك يصرف غيره؛ لأنه لا يحب الخير لنفسه ولا لغيره، أما إذا تمكن حب الآخرة، من القلب كان حريصًا على كل ما يثقل موازينه في الآخرة، ويرفع درجاته في الجنة، فيفعل الخيرات، ويعاون غيره على فعلها.
ولقد قرن سبحانه بين الصد عن سبيل الله والكفر بالآخرة في مواضع من كتابه؛ لأنه لا يؤمن بالآخرة أحد، ويستيقن أنه راجع إلى ربه ثم يصد عن سبيل الله، ويحيد عن نهجه وشرعه.
قال تعالى: {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ} [الأعراف: 45] .
وقال تعالى: {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [هود: 19] .
وقد تكررت في الآية الثانية (هم) «واختصت هذه الآية على نظيرها في الأعراف بزيادة {هُمْ} في قوله: {هُمْ كَافِرُونَ} وهو توكيدٌ يفيد تقوي الحكم؛ لأن المقام هنا مقام تسجيل إنكارهم البعث وتقريره؛ إشعارًا بما يترقبهم من العقاب المناسب» 66.
فإذا آمن العبد بالآخرة، واستيقن أنه راجع إلى ربه، أعد لذلك العمل الصالح المقبول الذي ينجيه بين يدي مولاه.
قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] .
قال ابن القيم رحمه الله في شروط العمل الصالح المقبول: «قال الفضيل بن عياض رحمه الله: هو أخلص العمل وأصوبه، قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا وصوابًا.
فالخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة، فهذا هو العمل المقبول الذي لا يقبل الله من الأعمال سواه، وهو أن يكون موافقًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مرادًا به وجه الله، ولا يتمكن العامل من الإتيان بعمل يجمع هذين الوصفين إلا بالعلم» 67.
خامسًا: بيان عاقبة الصادين عن سبيل الله:
قرن سبحانه بين الصد عن سبيل الله والفساد، فكل صاد عن سبيل الله مفسد في الأرض.
قال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} [النحل: 88] .
وأمرنا الله عز وجل أن ننظر لنتأمل عاقبة المفسدين -ومنهم الصادين عن سبيل الله- وما حل بهم من الخزي والنكال، وأيضًا وجه أنظار وعقول المفسدين؛ ليعتبروا بما حدث للمفسدين من الأمم السابقة؛ حتى يكون رادعًا لهم عن العصيان والفساد.
قال تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 103] .
وقال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14] .
ومن سنة الأنبياء: بيان عاقبة المفسدين، قال تعالى على لسان شعيب عليه السلام ناصحًا قومه من عاقبة الفساد، ومنه الصد عن سبيل الله: {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 86] .
أي: «وانظروا ما نزل بمن كان قبلكم من الأمم حين عتوا على ربهم، وعصوا رسله من المثلات والنقمات، وكيف وجدوا عقبى عصيانهم إياه، ألم يهلك بعضهم غرقًا بالطوفان، وبعضهم رجمًا بالحجارة، وبعضهم بالصيحة؟» 68؛ «لأنهم إذا عرفوا أن عاقبة المفسدين المتمردين ليست إلا الخزي والنكال احترزوا عن الفساد والعصيان وأطاعوا» 69.
و «المراد بالمفسدين الذين أفسدوا أنفسهم بعقيدة الشرك، وبأعمال الضلال، وأفسدوا المجتمع بمخالفة الشرائع، وأفسدوا الناس بإمدادهم بالضلال، وصدهم عن الهدى» 70.
وبعد أن بين لهم شعيب عاقبة الصادين المفسدين هل ارتدعوا؟
يحكي لنا القرآن العذاب الذي وقع بقوم شعيب؛ لإعراضهم عن دعوته، وتكذيبهم لرسالته، وصدهم من آمن منهم عن طريقه ومنهجه.
قال تعالى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 92] .
وقال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 189] .
وقال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: 94] .
قال ابن كثير رحمه الله: «وقد اجتمع عليهم ذلك كله: أصابهم عذاب يوم الظلة، وهي سحابةٌ أظلتهم فيها شررٌ من نارٍ ولهب، ووهج عظيمٍ، ثم جاءتهم صيحةٌ من السماء، ورجفةٌ من الأرض شديدةٌ من أسفل منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجساد» 71.
فهؤلاء الصادون عن سبيل الله هلكوا ولم يشعر بهم أحد في أرض ولا سماء، ولم يأسف عليهم أحد في أرض ولا سماء، وذهبوا غير مأسوف عليهم، فهذا الكون يمقتهم لانفصالهم عنه، وهو مؤمن بربه، وهم به كافرون! وهم أرواح خبيثة شريرة منبوذة من هذا الوجود وهي تعيش فيه!
فما أكثر هؤلاء الذين حكى عنهم القرآن في هذا العصر، وننتظر من الله عز وجل المنتقم -بعد الأخذ بأسباب التدافع- أن ينزل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، ونحن من ذلك على يقين.
فعلى الدعاة والمصلحين الاستنان بسنة الأنبياء في بيان ما حل بالمفسدين -ومنهم الصادين عن سبيل الله- من الخزي والنكال والهلاك والدمار؛ لعلهم يرتدعون خوفًا مما حل بمن سبقهم، أو يطيعون ربهم ويعودون إليه تائبين.
أوضح القرآن الكريم من خلال آياته جزاء الصادين عن سبيل الله تعالى في الدنيا والآخرة، وسوف نتناول ذلك بالبيان فيما يأتي:
أولًا: الجزاء الدنيوي:
استحق الصادون عن سبيل الله العذاب، كما حكى الله عنهم في القرآن الكريم، ووصف العذاب بأكثر من وصف، فمرة بالأليم، وأخرى بالعظيم، وثالثة بالمهين، وغيرها من العذاب المضاعف:
ففي العذاب الأليم: قال تعالى: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الأنفال: 34] .
وهذا تسجيل للعذاب العام عليهم، وهو عذاب عاجل في الدنيا، وينتظرهم العذاب الآجل يوم القيامة.
وفي العذاب العظيم: قال تعالى: {وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 94] أي: كبير شديد، ونكر لإفادة أنه عظيم أبلغ العظم، لا يعرف مقداره.
وفي العذاب المهين: قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [المجادلة: 16] أي: يهينهم ويخزيهم.
وأما مضاعفة العذاب: فذلك في قوله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} [النحل: 88] .
ثم بين تعالى أن هذا العذاب بعد حشرهم إلى جهنم، قال سبحانه: {لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال: 36] .
وبين سبحانه أن الذهاب إلى جهنم للتسعير في نارها، قال تعالى: {فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} [النساء: 55] .
ومن أنواع الجزاء الدنيوي التي حكته الآيات:
1.المصائب والكوارث.
قال تعالى: {وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 94] .
السوء: ما يسوءهم من قتلٍ، ونهبٍ، وأسرٍ، وجلاءٍ، وغير ذلك مما يسوء 72.
وأيضًا السوء: ما يؤلم، والمراد به: ذوق السوء في الدنيا من معاملتهم معاملة الناكثين عن الدين، أو الخائنين عهودهم 73.
قال ابن كثير رحمه الله: «حذر تعالى عباده عن اتخاذ الأيمان دخلًا، أي: خديعةً ومكرًا لئلا تزل قدمٌ بعد ثبوتها، مثلٌ لمن كان على الاستقامة فحاد عنها، وزل عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة المشتملة على الصد عن سبيل الله؛ لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده، ثم غدر به لم يبق له وثوقٌ بالدين، فانصد بسببه عن الدخول في الإسلام» 74.
«واتخاذ الأيمان غشًا وخداعًا يزعزع العقيدة في الضمير، ويشوه صورتها في ضمائر الآخرين، فالذي يقسم وهو يعلم أنه خادع في قسمه، لا يمكن أن تثبت له عقيدة، ولا أن تثبت له قدم على صراطها، وهو في الوقت ذاته يشوه صورة العقيدة عند من يقسم لهم ثم ينكث، ويعلمون أن أقسامه كانت للغش والدخل، ومن ثم يصدهم عن سبيل الله بهذا المثل السيئ الذي يضربه للمؤمنين بالله.
ولقد دخلت في الإسلام جماعات وشعوب بسبب ما رأوا من وفاء المسلمين بعهدهم، ومن صدقهم في وعدهم، ومن إخلاصهم في أيمانهم، ومن نظافتهم في معاملاتهم، فكان الكسب أضخم بكثير من الخسارة الوقتية الظاهرية التي نشأت عن تمسكهم بعهودهم.
ولقد ترك القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم في نفوس المسلمين أثرًا قويًا، وطابعًا عامًا في هذه الناحية ظل هو طابع التعامل الإسلامي الفردي والدولي المتميز» 75.
روى الترمذي بسنده عن سليم بن عامرٍ، قال: (كان بين معاوية وبين أهل الروم عهدٌ، وكان يسير في بلادهم، حتى إذا انقضى العهد أغار عليهم، فإذا رجلٌ على دابةٍ أو على فرسٍ، وهو يقول: الله أكبر، وفاءٌ لا غدرٌ، وإذا هو عمرو بن عبسة، فسأله معاوية عن ذلك، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(من كان بينه وبين قومٍ عهدٌ فلا يحلن عهدًا، ولا يشدنه حتى يمضي أمده، أو ينبذ إليهم على سواءٍ) قال: فرجع معاوية بالناس) 76.
وإنما كره عمرو بن عبسة ذلك لأنه إذا هادنهم إلى مدةٍ وهو مقيمٌ في وطنه، فقد صارت مدة مسيره بعد انقضاء المدة المضروبة كالمشروط مع المدة في أن يغزوهم فيها، فإذا سار إليهم في أيام الهدنة كان إيقاعه قبل الوقت الذي يتوقعونه فعد ذلك عمرٌو غدرًا، وأما إن نقض أهل الهدنة بأن ظهرت منهم خيانةٌ فله أن يسير إليهم على غفلةٍ منهم 77.
2.الضلال والبعد عن الحق.
قرن سبحانه وتعالى بين الكفر وضلال الأعمال في كتابه، فقال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 8] .
وقرن بين الصد عن سبيله وضلال الأعمال، فقال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 1] .
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: «يقول تعالى ذكره: الذين جحدوا توحيد الله، وعبدوا غيره، وصدوا من أراد عبادته، والإقرار بوحدانيته، وتصديق نبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم عن الذي أراد من الإسلام والإقرار والتصديق جعل الله أعمالهم ضلالًا على غير هدًى وغير رشادٍ؛ لأنها عملت في سبيل الشيطان، وهي على غير استقامةٍ» 78.
وانظر إلى التصوير الفني في الآية كما يصوره سيد قطب رحمه الله قال: «وإضلال الأعمال الذي يواجه به الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، سواء صدوا هم أم صدوا وصدوا غيرهم، يفيد ضياع هذه الأعمال وبطلانها، ولكن هذا المعنى يتمثل في حركة، فإذا بنا نرى هذه الأعمال شاردة ضالة، ونلمح عاقبة هذا الشرود والضلال، فإذا هي الهلاك والضياع، وهي حركة تخلع ظل الحياة على الأعمال، فكأنما هي شخوص حية أضلت وأهلكت، وتعمق المعنى وتلقي ظلاله، ظلال معركة تشرد فيها الأعمال عن القوم، والقوم عن الأعمال حتى تنتهي إلى الضلال والهلاك! وهذه الأعمال التي أضلت ربما كان المقصود منها بصفة خاصة الأعمال التي يأملون من ورائها الخير، والتي يبدو على ظاهرها الصلاح، فلا قيمة لعمل صالح من غير إيمان، فهذا الصلاح شكلي لا يعبر عن حقيقة وراءه.
والعبرة بالباعث الذي يصدر عنه العمل لا بشكل العمل، وقد يكون الباعث طيبًا، ولكنه حين لا يقوم على الإيمان يكون فلتة عارضة أو نزوة طارئة، لا يتصل بمنهج ثابت واضح في الضمير، متصل بخط سير الحياة العريض، ولا بناموس الوجود الأصيل، فلابد من الإيمان؛ ليشد النفس إلى أصل تصدر عنه في كل اتجاهاتها، وتتأثر به في كل انفعالاتها، وحينئذٍ يكون للعمل الصالح معناه، ويكون له هدفه، ويكون له اطراده، وتكون له آثاره وفق المنهج الإلهي الذي يربط أجزاء هذا الكون كله في الناموس، ويجعل لكل عمل ولكل حركة وظيفة وأثرًا في كيان هذا الوجود، وفي قيامه بدوره، وانتهائه إلى غايته» 79.
3.التضييق في الطيبات والمباحات.
فبسبب صد اليهود أنفسهم وغيرهم عن دين الله القويم حرم الله عليهم طيبات من المأكل كانت حلالًا لهم.
قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} [النساء: 160] .
قال ابن كثير رحمه الله: «الجميع من الأطعمة كانت حلالًا لهم من قبل أن تنزل التوراة ما عدا ما كان حرم إسرائيل على نفسه من لحوم الإبل وألبانها.
ثم إنه تعالى حرم أشياء كثيرةً في التوراة، كما قال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام: 146] » 80.
4.إنفاق الأموال هدرًا، وانقلابها حسرة وغلبة.
إنه لمن دواعي الهم والغم أن ينفق الإنسان ماله لهدف من الأهداف، ثم يكون الفشل بضياع المال دون تحقيق الغاية، ومما يزيد الأمر مرارة أن ينقلب هذا الإنفاق حسرة عليهم، ليس ذلك فحسب، بل تكون الهزيمة والغلبة عليهم أيضًا، بالإضافة إلى العذاب الأخروي، وهو الحشر إلى جهنم؛ ليذوقوا العذاب.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال: 36] .
عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنفال: 36] قال: نزلت في أبي سفيان بن حربٍ استأجر يوم أحدٍ ألفين من الأحابيش 81 من بني كنانة، فقاتل بهم النبي صلى الله عليه وسلم 82.
قال الطبري رحمه الله: «يقول تعالى ذكره: إن الذين كفروا بالله ورسوله ينفقون أموالهم، فيعطونها أمثالهم من المشركين؛ ليتقووا بها على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به؛ ليصدوا المؤمنين بالله ورسوله عن الإيمان بالله ورسوله، فسينفقون أموالهم في ذلك (ثم تكون) نفقتهم تلك حسرة، يقول: تصير ندامةً عليهم؛ لأن أموالهم تذهب، ولا يظفرون بما يأملون، ويطمعون فيه من إطفاء نور الله، وإعلاء كلمة الكفر على كلمة الله؛ لأن الله معلي كلمته، وجاعلٌ كلمة الكفر السفلى، ثم يغلبهم المؤمنون، ويحشر الله الذين كفروا به وبرسوله إلى جهنم، فيعذبون فيها، فأعظم بها حسرةً وندامةً لمن عاش منهم ومن هلك، أما الحي فحرب ماله 83 وذهب باطلًا في غير دركٍ نفعٍ ورجع مغلوبًا مقهورًا محزونًا مسلوبًا، وأما الهالك تاب فقتل وسلب وعجل به إلى نار الله يخلد فيها، نعوذ بالله من غضبه» 84.
«والكفار في هذا الزمان ينفقون القناطير المقنطرة من الأموال للصد عن الإسلام، وفتنة الضعفاء من العوام، بجهادٍ سلميٍ، أعم من الجهاد الحربي، وهو الدعوة إلى أديانهم، والتوسل إلى نشرها بتعليم أولاد المسلمين في مدارسهم، ومعالجة رجالهم ونسائهم في مستشفياتهم، والمسلمون مواتون، يرسلون أولادهم إليهم ولا يبالون ما يعملون» 85.
«إن المعركة لن تكف، وأعداء هذا الدين لن يدعوه في راحة، ولن يتركوا أولياء هذا الدين في أمن، وسبيل هذا الدين هو أن يتحرك ليهاجم الجاهلية، وسبيل أوليائه أن يتحركوا لتحطيم قدرة الجاهلية على العدوان، ثم لإعلاء راية الله حتى لا يجرؤ عليها الطاغوت.
والله سبحانه ينذر الكفار الذين ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله بأنها ستعود عليهم بالحسرة.
إنهم سينفقونها لتضيع في النهاية، وليغلبوا هم، وينتصر الحق في هذه الدنيا، وسيحشرون في الآخرة إلى جهنم، فتتم الحسرة الكبرى.
إن هذا المال الذي ينفق يؤلب الباطل، ويملي له في العدوان فيقابله الحق بالكفاح والجهاد، وبالحركة للقضاء على قدرة الباطل على الحركة، وفي هذا الاحتكاك المرير تنكشف الطباع، ويتميز الحق من الباطل، كما يتميز أهل الحق من أهل الباطل -حتى بين الصفوف التي تقف ابتداء تحت راية الحق قبل التجربة والابتلاء- ويظهر الصامدون الصابرون المثابرون الذين يستحقون نصر الله؛ لأنهم أهل لحمل أماناته، والقيام عليها، وعدم التفريط فيها تحت ضغط الفتنة والمحنة» 86.
5.كيد الصادين عن سبيل الله في خسران وهلاك.
وهذه حقيقة حتمية، قررها رب العالمين بفضله ورحمته للمؤمنين؛ ولولا ذلك لصرف الناس وصدوا عن سبيل الله.
قال تعالى: {وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ} [غافر: 37] .
و (التباب) : الخسران، ومنه: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1] .
وبه فسر مجاهد وقتادة رحمهما الله، وتب فرعون ظاهر؛ لأنه خسر ماله في الصرح وغيره، وخسر ملكه، وخسر نفسه وخلد في جهنم 87.
ولتأكيد هذه الحقيقة جاءت أدوات الحصر (ما - إلا) بمعنى: أنه لن يعدو كيد فرعون إلا أن يكون في هلاك وخسارة وضياع، دون تحقيق الهدف والغاية التي أراد من صد المؤمنين عن إيمانهم بربهم ونبيهم موسى عليه السلام.
وهذه الحقيقة الحتمية تسلية وتسرية للمؤمنين العاملين للتمكين للإسلام في واقع الحياة؛ لأن ما يفعله الطغاة والمستبدون لصرفهم عن طريق الإيمان في خسران وضياع، ولن يتحقق لهؤلاء غاية، ولن ترفع لهم راية، طالما وجد المؤمنون المستحقون لنصر الله.
ثانيًا: الجزاء الأخروي:
1.مضاعفة السيئات ومحق الحسنات.
قال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} [النحل: 88] .
أي: عذابًا على كفرهم، وعذابًا على صدهم الناس عن اتباع الحق، كقوله تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} [الأنعام: 26] .
أي: ينهون الناس عن اتباعه، ويبتعدون هم منه أيضًا، وهذا دليلٌ على تفاوت الكفار في عذابهم، كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتهم، كما قال تعالى: {قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 38] .