فهرس الكتاب

الصفحة 2316 من 2431

الهوى

أولًا: المعنى اللغوي:

(هوي) «الهاء والواو والياء: أصل صحيح يدل على خلو وسقوط. أصله الهواء بين الأرض والسماء، سمي لخلوه. قالوا: وكل خال هواء، ويقال: هوى الشيء يهوي: سقط. وهاوية: جهنم؛ لأن الكافر يهوي فيها» 1.

والهوى مقصورٌ، هوى النفس والضمير: أي: إرادتها، والجمع الأهواء، و الهوى: محبة الإنسان الشيء وغلبته على قلبه، تقول: هوي بالكسر يهوى هوًى أي: أحب. ورجلٌ هوٍ: ذو هوًى، وامرأة هويةٌ: لا تزال تهوى 2. «وهوى الشيء يهوي هويًا إذا سقط من علو إلى سفلٍ، وذلك لأن الإنسان إذا اتبع هواه؛ فقد هوى وسقط» 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

ذكر العلماء عدة تعريفات لللهوى، منها:

-الهوى: ميل النفس إلى ما تستلذه من الشهوات من غير داعية الشرع 4.

-الهوى ميل النفس في الاعتقاد وغيره إلى ما يجانب الحق 5.

-الهوى ميل القلب إلى ما يستلذ به 6.

-الهوى كل ما خالف الحق، وللنفس فيه حظ ورغبة من الأقوال والأفعال والمقاصد 7.

-وقيل: هو ميل النفس إلى ما لا ينبغي 8.

وردت مادة (هوي) في القرآن الكريم (38) مرة، يخص موضوع البحث منها (32) مرة 9.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل المضارع ... 4 ... {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23) } [النجم:23]

المصدر ... 28 ... {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص:26]

وجاء الهوى في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو ما تميل إليه النفس وتشتهيه 10.

الشهوات:

الشهوات لغةً:

«الشين والهاء والحرف المعتل كلمة واحدة، وهي الشهوة. يقال: رجل شهوان، وشيء شهي» 11.

والشهوة اشتياق النفس إلى الشيء، والجمع شهواتٌ 12.

الشهوات اصطلاحًا:

«كل شيءٍ من المعاصي يضمره صاحبه ويصر عليه وإن لم يعمل» 13.

الصلة بين الهوى والشهوة:

الفرق بينهما بأن الهوى يختص بالأداء والاعتقادات، والشهوة تختص بنيل المستلذات 14.

المحبة:

المحبة لغةً:

الحاء والباء أصول ثلاثة، أحدها: اللزوم والثبات، والآخر: الحبة من الشيء ذي الحب، والثالث: وصف القصر 15. وهو عبارة عن ميل الطبع في الشيء الملذ، فإن تأكد الميل، وكان قويًا يسمى عشقا، وأول مراتب الحب: الهوى، وهو ميل النفس، وقد يطلق ويراد به: نفس المحبوب 16.

قال الفيروزآبادي: «ولا يحد المحبة بحد أوضح منها، والحدود لا تزيدها إلا خفاءً وجفاءً فحدها وجودها، ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة» 17.

المحبة اصطلاحًا:

قال ابن القيم: حقيقة المحبة هي موافقة المحبوب في محابه، فيحب ما يحبه محبوبه 18.

وقيل: «هو محبة الإنسان للشيء وغلبته على قلبه» 19.

الصلة بين الهوى والمحبة:

سئل بعض الصوفية عن الهوى والمحبة فقال: الهوى يحل في القلب، والمحبة يحل فيها القلب 20.

الشبهات:

الشبهات لغةً:

«الشين والباء والهاء أصل واحد يدل على تشابه الشيء وتشاكله لونا ووصفا» 21، والمشتبهات من الأمور: المشكلات. والمتشابهات: المتماثلات 22.

الشبهات اصطلاحًا:

«الالتباس، وفي الشرع: ما التبس أمره، فلا يدري أحلال هو أم حرام، وحق هو أم باطل» 23.

وقيل: هي ما بين الحلال والحرام، والخطأ والصواب 24.

الصلة بين الهوى والشبهة:

الهوى هو ما يؤدي إلى تعتيم الحقائق، وعدم التفرقة بينها وبين غيرها، أما الشبهة فألبس في الأمور والحقائق.

تنوعت أساليب القرآن في النهي عن اتباع الهوى وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي.

أولًا: أسلوب الطلب:

وهذا الأسلوب استخدمه القرآن كثيرًا في التحذير من اتباع الهوى، ومن خلال النظر في آيات التحذير من اتباع الهوى في القرآن نجد أنه لم يأت إلا بأسلوب النهي، وهذا النهي جاء على نوعين: نهي معلل، ونهي غير معلل.

النوع الأول: النهي المعلل.

وذلك بأن ينهى عن اتباع الهوى مع بيان علة ذلك النهي، والسبب الداعي إليه.

وقد جاء النهي عن اتباع الهوى معللًا في مواضع من القرآن بأكثر من علة، ومن ذلك:

وهذه من العلل التي ذكرها القرآن في التحذير من اتباع الهوى، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى? أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ? إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى? بِهِمَا ? فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى? أَنْ تَعْدِلُوا ? وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ?135?) [النساء: 135] .

فهذه الآية أتت «بعد أن أمر سبحانه وتعالى بالقسط في اليتامى والنساء في سياق الاستفتاء فيهن؛ لأن حقهن آكد، وضعفهن معهود؛ لتعمم الأمر بالقسط بين الناس؛ لأن قوام أمور الاجتماع لا يكون إلا بالعدل، وحفظ النظام لا يتم إلا به» 25.

والقيام بالقسط من أعظم الأمور التي تدل على حسن ديانة القائم به، فحري بطالب النجاة أن يهتم له غاية الاهتمام، وأن يبعد عن نفسه كل من شأنه تعويقها عن القيام بالقسط والعمل به.

«وأعظم عائق لذلك اتباع الهوى؛ ولهذا نبه سبحانه وتعالى على إزالة هذا المانع بقوله: (فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى? أَنْ تَعْدِلُوا) [النساء: 135] 26.

أي: «لإقامة العدل لا تتبعوا الهوى» 27.

فإنكم إن اتبعتموه وسرتم خلفه «عدلتم عن الصواب، ولم توفقوا للعدل، فإن الهوى إما أن يعمي بصيرة صاحبه حتى يرى الحق باطلًا، والباطل حقًا، وإما أن يعرف الحق ويتركه لأجل هواه، فمن سلم من هوى نفسه وفق للحق وهدي إلى الصراط المستقيم» 28.

الإنسان ما جاء في هذه الحياة إلا ليعبد الله، ويحسن السير إليه، فإن ضل الإنسان غايته، وابتعد عن سبيل ربه فقد خسر دنياه وأخراه؛ ولذا ذكر القرآن الضلال عن سبيله كعلة للتحذير من اتباع الأهواء.

قال سبحانه وتعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26] .

وهكذا تتجلى الخاتمة المؤسفة، ويظهر المصير السيئ الذي يؤدي إليه اتباع الهوى {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص:26] .

أي: «فيضلك اتباع الهوى عن دين الله القويم، وشرعه المستقيم» 29.

ومتابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله؛ لأن «الهوى يدعو إلى الاستغراق في اللذات الجسمانية، والاستغراق فيها يمنع من الاشتغال بطلب السعادات الروحانية التي هي الباقيات الصالحات؛ لأنهما حالتان متضادتان، فبقدر ما يزداد أحدهما ينقص الآخر» 30.

النوع الثاني: النهي غير المعلل.

وذلك بأن ينهى عن اتباع الهوى دون بيان علة ذلك النهي أو سببه.

ويظهر ذلك في أكثر من آية من الآيات التي حذرت من اتباع الهوى.

ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام:148 - 150] .

ففي هذه الآيات «تثبيت للنبي الكريم على طريقه المستقيم الذي أقامه الله عليه، وألا يأخذ بشهادة من يشهدون على هذا الزور» 31، وكذلك نهى عن موافقة «الذين حكموا أهواءهم فكذبوا بآيات الله فيما ذهبوا إليه من تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله» 32.

وها هنا نلحظ أن النهي عن اتباع الهوى جاء مجردًا من العلة الكامنة وراءه، وكذا نلحظ هذا أيضًا في قوله سبحانه وتعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] .

ففي هذه الآية «يأمر سبحانه وتعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه السلام أن يصبر نفسه مع المؤمنين العباد المنيبين» 33 {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} [الكهف: 28] .

وكذا تحذره من الابتعاد عنهم، واتباع من غفل عن ذكر الله فأغفله الله عن ذكره، ومن اتبع هواه «أي: صار تبعًا لهواه، حيث ما اشتهت نفسه فعله، وسعى في إدراكه، ولو كان فيه هلاكه وخسرانه؛ فهو قد اتخذ إلهه هواه» 34. وها هنا نلحظ التحذير والنهي عن اتباع الهوى خاليًا من ذكر العلة.

ثانيًا: وصف متبعي الهوى بأقبح الصفات:

المتأمل لآيات القرآن الكريم يجد أن الله سبحانه وتعالى ذم اتباع الهوى، وبين خطورته بأكثر من سبيل، ومن هذا وصف متبع الهوى بصفات عديدة، تدل على عظم جرمه، وشنيع فعله، وفيما يلي عرض لهذه الأوصاف:

أخبرنا الله سبحانه وتعالى في كتابه أن من صفات متبع الهوى: الضلال وعدم الهداية، فقال سبحانه وتعالى: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ? وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [القصص: 50] .

يقول الطبري: « (وَمَنْ أَضَلُّ) عن طريق الرشاد وسبيل السداد (مِمَّنِ اتَّبَعَ) هوى نفسه (بِغَيْرِ) بيان من عند الله؛ فإن الله لا يوفق لإصابة الحق وسبيل الرشد القوم الذين خالفوا أمر الله، واتبعوا أهواء أنفسهم» 35.

ففي هذه الآية إشارة إلى أن المتبع لهواه من أضل الناس؛ لأنه «عرض عليه الهدى، والصراط المستقيم الموصل إلى الله، وإلى دار كرامته فلم يلتفت إليه، ولم يقبل عليه، ودعاه هواه إلى سلوك الطرق الموصلة إلى الهلاك والشقاء فاتبعه وترك الهدى، فهل أحد أضل ممن هذا وصفه؟!» 36.

والسر في ضلال متبع الهوى وكونه لا أضل منه «أن الضلال في الأصل خطأ الطريق، وأنه يقع في أحوال متفاوتة في عواقب المشقة، أو الخطر، أو الهلاك بالكلية على حسب تفاوت شدة الضلال، واتباع الهوى مع إلغاء إعمال النظر، ومراجعته في النجاة يلقي بصاحبه إلى كثير من أحوال الضر بدون تحديد ولا انحصار فلا جرم يكون هذا الاتباع المفارق لجنس الهدى أشد الضلال، فصاحبه أشد الضالين ضلالًا» 37.

ومما يدل على شدة ضلال متبع الهوى: «تقييد اتباع الهوى بعدم الهدى من الله» 38.

فالإنسان -من حيث هو إنسان- لا يخلو حتمًا من الهوى «فإذا كان مع الهوى هدى من الله غلب الإنسان هواه وقهره، وإذا لم يكن معه من هدى الله شيء يمسك زمام هواه كان على طريق الهوى أبدًا، لا يعدل عنه إلى طريق الحق والهدى أبدًا؛ ولهذا جاء الوصف لأصحاب الهوى الذين لا يلقاهم هدى الله مقررًا أنهم أضل الضالين كما قال سبحانه وتعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [القصص: 50] .

فقد يضل الإنسان وينحرف متبعًا هواه، ولكن حين يلقاه هدى الله على طريق غوايته يستقيم ويهتدي، أما إذا لم يلقه هدى الله فلن يهتدي أبدًا» 39.

ومن الآيات التي وصفت متبع الهوى بالضلال قوله سبحانه وتعالى: (وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة: 77] .

فمن تأمل في الآية وجد أن الله تعالى وصف المتبع لهواه بثلاث صفات: (قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة: 77] .

والسبب في كل هذا الضلال هو اتباع الهوى ومخالفة الشرع، فمتبع الهوى ضال بنفسه مضل لغيره.

قال سبحانه وتعالى: (? وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ? إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ [الأنعام: 119] .

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: (ليضلون) بفتح الياء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ونافع بضم الياء، فمن قرأ بالفتح أشار إلى كونه ضالًا، ومن قرأ بالضم أشار إلى كونه مضلًا 40.

وفائدة القراءتين بيان وقوع الأمرين بالإيجاز العجيب، والمعنى أن من الثابت أن كثيرًا من الناس يضلون غيرهم كما ضلوا، كما أن كثيرًا منهم يضل في ذلك من تلقاء نفسه، وكلٌّ من ذلك الضلال والإضلال واقعٌ بأهواء أهله لا بعلمٍ مقتبسٍ من الوحي 41.

وأيضًا من الآيات الواصفة لمتبعي الهوى بالضلال قوله سبحانه وتعالى:(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ [الأعراف: 175] .

يعني: فصار من الضالين الكافرين 42.

من الأوصاف البغيضة التي وصف الله سبحانه وتعالى بها المتبع لهواه والمخالف للشرع التشبيه بالكلب.

قال جل جلاله: وَلَ?كِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ? فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ) [الأعراف: 176] .

هذا مثل ضربه الله تعالى تشبيهًا لمتبع الهوى، الذي يقدم هواه على الشرع والحق، وهو تشبيه دقيق، وصورة حية لهذا الإنسان المهين الذي قدم هواه على الدين القويم، وهكذا المتبع هواه في كل حالٍ، فـ «من خرج عن حيز الهدى والعلم، وأقبل على هواه صار شبيهًا بالكلب، وبئس المثل مثله» 43.

فالكلب «من أخبث الحيوانات، وأوضعها قدرًا، وأخسها نفسًا، وهمته لا تتعدى بطنه، وأشدها شرهًا وحرصًا، ومن حرصه أنه لا يمشي إلا وخطمه في الأرض يتشمم ويستروح؛ حرصًا وشرهًا، ولا يزال يشم دبره دون سائر أجزائه، وإذا رميت إليه بحجر رجع إليه؛ ليعضه من فرط نهمته، وهو من أمهن الحيوانات، وأحملها للهوان، وأرضاها بالدنايا، والجيف القذرة المروحة أحب إليه من اللحم الطري، والعذرة أحب إليه من الحلوى، وإذا ظفر بميتة تكفي مائة كلب لم يدع كلبًا واحدًا يتناول منها شيئًا إلا هر عليه وقهره؛ لحرصه وبخله وشرهه، ومن عجيب أمره وحرصه أنه إذا رأى ذا هيئة رثة، وثياب دنية، وحال زرية نبحه، وحمل عليه كأنه يتصور مشاركته له ومنازعته في قولته، وإذا رأى ذا هيئة حسنة، وثياب جميلة، ورياسة وضع له خطمه بالأرض، وخضع له، ولم يرفع إليه رأسه» 44.

من الأوصاف التي وصف الله بها متبع الهوى أنه ظالم.

قال سبحانه وتعالى: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ? إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) [البقرة: 145] .

ففي هذه الآية تحذير شديد اللهجة من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه السلام بعدم اتباع الهوى وإلا صار في عداد الظالمين؛ لأن «اتباع الهوى بعد التحقيق بالعلم يدخل متحريه في جملة الظلمة» 45.

وأي ظلم أشد وأعظم «من ظلم من علم الحق والباطل فآثر الباطل على الحق» 46؟!.

والناظر يجد أن الذي أوجب لهم الظلم وأوقعهم فيه وسجله عليهم هو اتباعهم الهوى.

قال الله جل جلاله: (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ? [الروم: 29] .

ووصف اتباع الهوى بالظلم؛ لأن «الأمر ليس قصورًا في الأدلة، ولا عدم وضوح في الحجج، وإنما الظالمون اتبعوا أهواءهم، أي: ما يهوونه ويشتهونه بغير علمٍ من نفعه وجدواه لهم فضلوا لذلك» 47.

وكذا لأنهم تركوا شرع الله الواضح وهديه القيم، و «أخذوا أهواءً شتى تعارضت وتضاربت فلم يصلوا منها إلى نتيجة، وكذلك لأنهم أعطوا أنفسهم شهوة عاجلة، ولذة فانية، وغفلوا عن عاقبة ذلك، فهم إما كارهون لأنفسهم، أو يحبونها حبًا أحمق، وهذه آفة الهوى حينما يسبق العقل ويتحكم فيه» 48.

وهذه من الأوصاف التي وصف الله بها متبع الهوى، قال عز وجل: (? أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى? أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ) [البقرة: 87] .

فهذه الآية تصف اليهود -الذين اتبعوا أهواءهم، فقتلوا فريقًا من الأنبياء، وكذبوا فريقًا- بالاستكبار، والاستكبار هو الاتصاف بالكبر، والمراد به هنا: «الترفع عن اتباع الرسل وإعجاب المتكبرين بأنفسهم، واعتقاد أنهم أعلى من أن يطيعوا الرسل، ويكونوا أتباعًا لهم» 49.

وكان من الممكن أن يكونوا هداة، وأن يحسنوا السير وراء أنبيائهم، ولكنهم «أصغوا إلى دعاء الداعين بسمع الهوى، فما استلذته النفوس؛ قبلوه، وما استثقلته أهواؤهم جحدوه» 50.

فأعرضوا عن الحق مع ظهوره، والمتأمل يدرك أن سبب استكبارهم هذا إنما جلبه عليهم سيرهم وراء الهوى، فأن يكون دأبهم الإعراض والإيذاء مع رسل الله جميعًا فـ «تلك أمارة على أنهم إنما يعرضون عن الحق؛ لأجل مخالفة الحق أهواءهم، وإلا فكيف لم يجدوا في خلال هذه العصور، ومن بين تلك المشارب ما يوافق الحق ويتمحض للنصح» ؟! 51.

فدلائل الحق كانت واضحة ولكنهم ساروا وراء الهوى فاستكبروا، نعوذ بالله عز وجل من هذا الوصف المشين.

من الصفات التي وصف الله بها متبع الهوى التكذيب بالحق، قال عز وجل: (وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ? وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ) [القمر: 3] .

فهؤلاء المشركون بعد ما أتتهم آيات الله، وعاينوا الدلالة على صحتها آثروا اتباع ما دعتهم إليه أهواء أنفسهم من تكذيب ذلك على التصديق 52.

فالآية تثبت بوضوح أن التكذيب صفة من صفات متبعي الهوى، وأنه «لا دافع لهم إليه إلا اتباع ما تهواه أنفسهم من بقاء حالهم على ما ألفوه وعهدوه واشتهر دوامه» 53.

فبين التكذيب والهوى إذًا صلة كبيرة «فإذا حصل اتباع الهوى فمن شؤمه يحصل التكذيب؛ لأن الله يلبس على قلب صاحبه؛ حتى لا يستبصر الرشد» 54.

ومن الآيات التي أكدت على أن متبع الهوى مكذب بالحق قوله: (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأنعام: 150] .

فتأمل كيف وضع سبحانه وتعالى الظاهر موضع الضمير؛ إذ لم يقل: ولا تتبع أهواءهم «للدلالة على أن من كذب بآيات الله وعدل به غيره أي: سوى به الأصنام فهو متبع للهوى لا غير؛ لأنه لو اتبع الدليل لم يكن إلا مصدقًا بالآيات، موحدًا لله عز وجل» 55 بل قال سبحانه وتعالى: (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) ومن التكذيب بالحق التكذيب باليوم الآخر، قال سبحانه وتعالى: (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)

فمن الأوصاف التي ذكرتها الآية لأهل الأهواء أنهم «على جهلهم واتباع أهوائهم لا يؤمنون بالآخرة، فيحملهم الإيمان على سماع الحجة إذا ذكروا بها» 56.

وما ذلك إلا لأن الهوى يعلق صاحبه بالدنيا وزخرفها ومتاعها الزائل «ويطمس بصيرته فيدفعه للكفر بساعة القيامة والبعث ليوم الجزاء» 57.

فهناك إذًا تلازم ظاهر وارتباط واضح بين الكفر بالآخرة واتباع الهوى.

قال جل جلاله: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى? فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ? إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ?26?) [ص: 26] .

ففي هذه الآية يظهر أثر الهوى، وكيف أنه يمنع الإيمان باليوم الآخر.

يقول صاحب معارج التفكر: «يلاحظ في هذه الآية ترتيب حلقات سلسلة الأسباب بعضها على بعض، فاتباع الهوى ينسي العمل للنجاة والظفر يوم الدين الذي يكون فيه الحساب وفصل القضاء وتحقيق الجزاء، وهذا يؤدي للضلال عن سبيل الله، والسقوط في المعاصي وكبائر الذنوب تنازلًا حتى دركة الكفر بالله، وجحود يوم الدين، وهذا يؤدي إلى استحقاق العقاب والعذاب الشديد بقدر تنازل الدركات، ويكون لكل مذنب استحقاق من العذاب بما يناسب الدركات» 58.

وهكذا يتضح أن التكذيب باليوم الآخر من خصائص من اتبع هواه.

ومن الآيات التي أكدت على هذا قوله سبحانه وتعالى: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى? كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى? ?15?فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى? ?16?) [طه: 15 - 16] .

فتأمل كيف أنه قرن اتباع الهوى بعدم الإيمان باليوم الآخر؛ ليدل على أنه لا داعي لهم للصد عن الإيمان بالساعة إلا اتباع الهوى، دون دليل ولا شبهة، بل الدليل يقتضي الإيمان بالساعة، كما أشار إليه قوله عز وجل: لِتُجْزَى? كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) [طه: 15] .

وبهذا يظهر أن التكذيب بالآخرة من خصائص متبع الهوى، وليس ذلك لغموض في دلائلها، ولكن الهوى يعمي صاحبه فلا يرى الحق مع فرط ظهوره.

شرع الله ظاهر وواضح لا لبس فيه، ولا غموض، ومن ابتعد وانحرف عنه، فهو لا شك ينطوي على جهل كبير؛ ولذا كانت من الصفات التي وصف الله بها متبع الهوى في القرآن أنه جاهل عديم العلم.

قال سبحانه وتعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية: 18] .

فها هنا ينهى الله نبيه صلى الله عليه السلام عن اتباع من «استولى عليهم الجهل، واستبد بهم العمى، فانقادوا لأهوائهم، ولم يلتفتوا إلى هذا الهدى الذي يدعون إليه» 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت