فهرس الكتاب

الصفحة 2332 من 2431

أما ابيضاض الوجوه في الدنيا فمعنوي - كما تقدم - ويظهر على شكل بشرٍ في الوجوه وقبولٍ، حتى وان كانت البشرة سوداء فالسواد في الدنيا ليس مذمة بل يكون أحيانًا نعمة ينعمها الله على الإنسان، حيث يحميه من قسوة البيئة وحرارة الشمس.

يقول الشعراوي: «وهنا يجب أن نعلم أن الاسوداد والابيضاض هما من آثار اختلاف البيئات في الدنيا، فالشخص الأسود يزيد الله في تكوينه عن الشخص الأبيض بما يناسب البيئة، لأن المادة الملونة للبشرة في جسده موجودة بقوة، لتعطيه اللون المناسب لمعايشة ظروف البيئة، أما أبيض البشرة فلا يملك جسده القدر الكافي من المادة الملونة، لأن بيئته لا تحتاج مثل هذه المادة الملونة» 68.

ومن أسباب البياض المعنوي في الدنيا الأعمال الصالحة المقرونة بالقلوب النقية المتصفة بالصفات الحميدة، وبنظرة متعمقة في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم نجد أن بعض الصفات تكرر بصورة أكبر من غيرها، وقد تكون هي الأسباب الرئيسة لذلك البياض المعنوي وهي كالآتي:

1.التقوى.

من أهم أسباب ابيضاض الوجوه تحقق التقوى في القلب، ولقد ورد ذكر التقوى في القرآن في مائة وخمسين وثماني آيات، وسبعة وأربعين حديثًا؛ فالتقوى نتيجة حتمية، وثمرة طبيعية للشعور الإيماني العميق الذي يتصل بمراقبة الله تعالى، والخشية من جبروته، والخوف من غضبه وعقابه، والطمع بعفوه وثوابه، وقد اهتم القرآن الكريم بفضيلة التقوى اهتمامًا كبيرًا؛ بل أمر بها وحض عليها في كثيرٍ من الآيات، حيث لا تكاد تخلو صفحة من صفحاته من حقيقة التقوى 69.

وإن من أسمى ثمرات التقوى الوصول إلى محبة الله؛ قال تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى? مُدَّتِهِمْ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة:4 [، وقال أيضًا:(كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ? فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) [التوبة:7] .

وقال أيضًا: (بَلَى? مَنْ أَوْفَى? بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى? فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ?76?) [آل عمران:76] .

2.الصدق.

وقد حث الله عليه في كتابه الكريم، وحض عليه رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم في غير موضع من سنته المطهرة، فقد ورد ذكره في القرآن الكريم في اثنتين وتسعين آية، وفي السنة المطهرة في أربعةٍ وأربعين حديثًا.

لقد جاء الدين مهذبًا للنفوس ومكملًا لمكارم الأخلاق وحاملًا للإنسان على استخدام العقل وتحري الصدق والأمانة من أجل رضى الله وخير الناس جميعًا، ولقد حض الله المؤمنين على الصدق حيث قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:119] .

لذا وجب الاتصاف بالصدق الذي هو كما قال ابن القيم: «سيف الله في أرضه، والذي ما وضع على شيء إلا بتره، ولا واجه باطلًا إلا أرداه وصرعه» 70.

وقال الفضيل بن عياض: «لم يتزين العباد بشيء أفضل من الصدق، والله سائل الصادقين عن صدقهم، فكيف بالكذابين المساكين» 71.

ومن عظم أهمية الصدق فقد «ورد لفظه بصيغه المختلفة مائة وسبعًا وعشرين مرة في مائة وعشرين آية» 72، وقد اتصف به الأنبياء جميعًا قال تعالى: (ٹ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ? إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا) [مريم:41] .

وقال: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ? إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا) [مريم:56 [، وأثنى الله على إسماعيل عليه السلام، فقال: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ? إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا) [مريم:54] .

3.الأمانة.

لقد ورد ذكرها في القرآن في ست عشرة آية، وثلاثين حديثًا، ولقد تحدث القرآن الكريم عن فضيلة الأمانة في أكثر من موطن، منوها بشأنها، حاثًا على رعايتها وصيانتها، وتبدو أهميتها من خلال اتصاف الأنبياء جميعًا بها فهي من أبرز أخلاق الرسل عليهم الصلاة والسلام فنوح وهود وصالح ولوط وشعيب في سورة الشعراء يخبرنا الله عز وجل أن كل رسول من هؤلاء قد قال لقومه: (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ) ، وقد وصف جبريل عليه السلام بالأمانة فقد قال تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء:193] .

وقال فيه أيضًا: (مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير:21] .

وهؤلاء جميعًا اتصفوا ببياض الوجوه.

4.حسن الخلق.

إن حسن الخلق هو الحلة الجميلة التي يتحلى ويزدان بها المسلم، وهو من صفات الأنبياء والمرسلين، وبعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) 73.

وقد عده النبي صلى الله عليه وسلم من أحسن خصال الإيمان فقال: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا) 74.

بل هو أعظم العبادات عند الله عز وجل، ولذلك وصف الله تعالى به خير المرسلين فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) } [القلم:4] .

وقد ورد ذكره في ثماني آيات، وستةٍ وخمسين حديثًا.

ولقد جمع قول الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) } [الأعراف:199] .

مكارم الأخلاق جميعًا.

فمن تحلى بهذه الأخلاق القرآنية انعكس على وجهه بياضًا وبشرًا.

ثانيًا: أسباب سواد الوجوه:

السواد الحقيقي كما تقدم يكون يوم القيامة عند رؤية الكافر لكتابه، قال الشوكاني: «وإذا قرأ الكافر كتابه رأى سيئاته فحزن واسود وجهه» 75.

ومن أسباب السواد المعنوي في الدنيا: الأعمال السيئة المقرونة بالقلوب الخبيثة المتصفة بالصفات الذميمة، قال بعض السلف: لو ادهن صاحب البدعة كل يوم بدهان فإن سواد البدعة لفي وجهه 76.

وبنظرة متعمقة في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم نجد أن بعض الصفات تكرر بصورة أكبر من غيرها، وقد تكون هي الأسباب الرئيسة لذلك السواد المعنوي وهي كالآتي:

1.الكِبْر.

الكبر من أهم اسباب اسوداد الوجوه، حيث يجعل في القلب نكتة سوداء يظهر أثرها واضحا جليًا على وجوه المتكبرين، وقد ورد في ذم الكبر سبعٌ وأربعون آية، وستةٌ وثلاثون حديثًا.

وأفحش الكبر التكبر على الله مثل تكبر فرعون والنمرود على أن يكونا عبدين لله عز وجل، بل ادعيا الربوبية؛ فقد قال فرعون: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَ?هٍ غَيْرِي) [القصص:38 [، وقال: « (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى?) [النازعات:24] .

وقال النمرود: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) [البقرة:258 [، وكانت النتيجة من الله عز وجل، (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) [غافر:60] .

وقد تكبر قارون على قومه حيث قال تعالى: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى? فَبَغَى? عَلَيْهِمْ ? وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص:76] .

قال الواحدي: فَبَغَى? عَلَيْهِمْ) بالكبر والتجبر والبذخ وكثرة المال» 77.

وكان عقاب الله تعالى له: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ) [القصص:81] .

2.النفاق.

إن من أكبر المصائب، وأعظم مسببات اسوداد الوجوه، استيلاء النفاق على القلب، أو مخالطته للأعمال، كيف لا وقد كان السلف الصالح يخافون من النفاق أشد الخوف، لما يعلمون من خطره، ولما تبين لهم من ضرره، فقد أخرج البخاري في صحيحه أن ابن أبي مليكة قال: «أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كلهم يخاف النفاق على نفسه» 78، وقد ورد ذكر النفاق والمنافقين في أربعٍ وعشرين آية، وواحدٍ وخمسين حديثًا.

إن أكبر خطر يهدد الدعوة؛ بل الأمة الإسلامية على مر العصور هو النفاق، ولذلك قال الله تعالى: (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) [المنافقون:4] .

والحصر في الآية لبيان أولويتهم في العداوة، ولهذا كان مصيرهم يوم القيامة أسوأ مصير في الدرك الأسفل من النار؛ قال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) [النساء:145] .

3.الرياء.

الرياء داءٌ خطير، ووباءٌ وبيل، خافه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، وما ذاك إلا لشدة خفائه، ولعظيم خطره، فهو سببٌ لعدم قبول الأعمال، وقد أضحى مزلةً لأقدام كثيرٍ من العلماء والدعاة ومعوقًا كبيرًا على طريق الدعوة إلى الله، وقد ذمه الله عز وجل في اثنتي عشرة آية، وذمه النبي صلى الله عليه وسلم في عشرين حديثًا.

إن الله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصًا صوابًا، والخالص هو: ما ابتغي به وجه الله، والصواب هو: ما كان موافقًا لهدي نبيه صلى الله عليه وسلم؛ لقول الله تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف:110] .

وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى? كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ?) [البقرة:264] .

قال ابن كثير: أي: «لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله وإنما قصده مدح الناس له أو شهرته بالصفات الجميلة، ليشكر بين الناس، أو يقال: إنه كريم ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه» 79.

4.الأثرة.

إن الأثرة معولٌ هدام وشرٌ مستطير، وبها تحل النقم، وتذهب النعم، وهي دليلٌ على دناءة النفس وخستها، تؤذي وتضر، وتجلب الخصام والنفور، وبها يضيع العدل، وينتفي الخلق، وهي ظلمٌ اجتماعي يدمر المجتمع، وظلام في الوجه يدمر القلب، فقد ذمها الله في آيتين عظيمتين، وذمها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في تسعةٍ وعشرين حديثًا.

وقد حذر الله منها أشد تحذير فقال: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) } [النازعات 37 - 39] .

وقول الله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) } [التوبة:24] .

لقد تعلق بالوجه أحكامٌ كثيرة كاستقبال القبلة والوضوء والتيمم والسجود وغير ذلك، فالوجه نعمة إلهية من الله علينا بها.

أولًا: الوجه نعمة إلهية:

إن الوجه هو المرآة التي تعكس ما يختلج في النفس البشرية من أفكار وما يعتري الإنسان من عواطف، فتترجم بلسان الحال إلى لغة خاصة، يستطيع قراءتها وفهمها من له دراية بلغة الجسد، فعند التأمل في وجه إنسان تقرأ ما يفكر فيه، وقد قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: «ما أسر أحدٌ سريرةً إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه» 80.

والوجه في مجموعه يكون نظامًا متكاملًا، فالجبهة والعينان والأنف والأذنان والشفتان والذقن والفم، توجد بينها علاقة متبادلة، بحيث تؤدي جميعًا أعمالًا وظيفية، لا يمكن لأي منها أن يؤديها وحده أبدًا، بالإضافة إلى ما يسهم به كل منها في تكوين المظهر الكلي للوجه، والذي تؤدي تعابيره دورًا مهمًا بوصفها مصدرًا للبيانات المتعلقة بالحالات الانفعالية للإنسان، كحالات الفرح والحزن والخوف والدهشة والغضب والاشمئزاز والازدراء 81.

ويظهر ذلك من خلال اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بلغة الوجه وحرصه عليها كثيرًا، ومن الأمثلة على ذلك، قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) 82.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (تبسمك في وجه أخيك لك صدقة) 83.

ومن عظيم خلق الله أن من علينا بنعمة الوجه الحسن قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) } [التين:4] .

وقال أيضًا: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) } [الانفطار:7 - 8] .

قال السمعاني: «جعلك قائما معتدلا حسن الصورة» 84.

«قال أبو عليٍ الفارسي: «عدلك» :خلقك، فأخرجك في أحسن تقويم، مستويًا على جميع الحيوان والنبات، وواصلًا في الكمال إلى ما لم يصل إليه شيء من أجسام هذا العالم» 85.

ثانيًا: إخلاص العبادة لله تعالى:

إن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى من الأمور العظيمة والجليلة، كيف لا وهي وظيفة الرسل والأنبياء.

يقول الله عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) } [الأنبياء:25] .

ولذلك كان حريًا بكل مسلم أن يكون داعيًا إلى الله عز وجل، ولا شك أن الداعية إلى الله عز وجل لا يكون داعيًا ناجحًا موفقًا في دعوته إلا بإخلاص عمله كله لله، ومتابعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أموره، والداعية الناجح من يعتبر أن الإخلاص من أهم الأركان التي يقوم عليها نجاح أي فكرة من الأفكار أو إنجاز أي عمل من الأعمال، فبه تقوى الفكرة وترتفع الراية، وبه ينجح العمل وتحصل الغاية، وقد ورد ذكره في ثلاثٍ وعشرين آية، وأربعة وثلاثين حديثًا.

الإخلاص هو تجريد قصد التقرب إلى الله تعالى عن جميع الشوائب فإذا امتزج قصد التقرب بباعث آخر من رياء أو غيره من حظوظ النفس فقد خرج عن الإخلاص ومن كلام الفضيل بن عياض ترك العمل من أجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما 86.

وجاء في تزكية النفوس «هو إفراد الله عز وجل بالقصد في الطاعات» 87.

ولقد تضافرت النصوص في الكتاب والسنة مبينة فضل الإخلاص وأهميته وضرورته في قيام دولة الإسلام في نفس الداعية أولًا، ثم على أرض الواقع ثانيًا، «وقد ذكرت مادة الإخلاص - بصيغها المختلفة- إحدى وثلاثين مرة في ثلاثين آية» 88.

قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) } [الروم:30] .

قال السمعاني: «أي: أخلص دينك لله، وإقامة الوجه هو إقامة الدين» 89، وخوطب الإنسان بإقامة الوجه لشرفه وارتباطه بكل ما هو حسن.

قال ابن عطية: «وإقامة الوجه هي تقويم المقصد والقوة على الجد في أعمال الدين، وذكر الوجه لأنه جامع حواس الإنسان وأشرفه» 90.

ويؤكد هذا المعنى السعدي حيث قال: «يأمر تعالى بالإخلاص له في جميع الأحوال وإقامة دينه فقال: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ} أي: انصبه ووجهه إلى الدين الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان بأن تتوجه بقلبك وقصدك وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة كالصلاة والزكاة والصوم والحج ونحوها. وشرائعه الباطنة كالمحبة والخوف والرجاء والإنابة، والإحسان في الشرائع الظاهرة والباطنة بأن تعبد الله فيها كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وخص الله إقامة الوجه لأن إقبال الوجه تبع لإقبال القلب ويترتب على الأمرين سعي البدن» 91.

ثالثًا: الوضوء والتيمم:

لقد ارتبط الوضوء والتيمم كشرطيين أساسيين للدخول في أجل عبادة؛ ألا وهي الصلاة، وقد اشترط الشارع الحكيم، وجعل غسل الوجه في الوضوء - أو مسحه في التيمم - ركنًا من أركان الطهارة، وذلك يوحي بشرف الوجه.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة:6] .

قال القرطبي: ذكر تعالى أربعة أعضاء: الوجه وفرضه الغسل واليدين كذلك والرأس وفرضه المسح اتفاقا ولا بد في غسل الوجه من نقل الماء إليه، وإمرار اليد عليه، وهذه حقيقة الغسل عندنا، ومسح الوجه في التيمم بدل من غسله، فلا بد أن يأتي بالمسح على جميع موضع الغسل منه 92.

وقد اختلف الفقهاء هل باطن الأنف والفم من الوجه أم لا؟.

قال القرطبي: «اختلفوا هل يتناول الأمر بغسل الوجه باطن الأنف والفم أم لا؟

فذهب أحمد بن حنبل وإسحاق وغيرهما إلى وجوب ذلك في الوضوء والغسل، إلا أن أحمد قال: يعيد من ترك الاستنشاق في وضوئه ولا يعيد من ترك المضمضة. وقال عامة الفقهاء: هما سنتان في الوضوء والغسل، لأن الأمر إنما يتناول الظاهر دون الباطن، والعرب لا تسمي وجها إلا ما وقعت به المواجهة» 93.

قال تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح:29] .

قال الواحدي: «علامتهم في وجوههم من أثر السجود يعني: نورًا وبياضًا في وجوههم يوم القيامة يعرفون بذلك النور أنهم سجدوا في دار الدنيا لله تعالى» 94.

رابعًا: استقبال القبلة:

إن من شروط الصلاة استقبال القبلة، وقد ارتبط هذا الشرط ارتباطًا مباشرًا بالوجه، الذي عبر به عن الذات.

قال تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) } [البقرة:144] .

وتقلب الوجه، المقصود به تقلب النظر، قال ابن عطية: «المقصد تقلب البصر، وذكر الوجه لأنه أعم وأشرف، وهو المستعمل في طلب الرغائب، تقول: بذلت وجهي في كذا، وفعلت لوجه فلان» 95، إلا أن الرازي قال: «إن تقلب وجهه في السماء هو الدعاء» 96.

ويقصد بالوجه في قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ} الذات، قال الزحيلي: «فول وجهك أطلق الوجه، وأريد به الذات، من قبيل المجاز المرسل، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل» 97.

خامسًا: السجود:

قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح:29] .

أقرب ما يكون العبد لربه وهو ساجد؛ ذلك أنه يضع أشرف شيءٍ عنده على الأرض تواضعًا وذلًا وخضوعًا وخشوعًا لله، وفي المقابل ينعكس ذلك نورًا وضياءً وسمتًا حسنًا على ذلك الوجه الساجد لله، قال الطبري: «وقال آخرون: بل ذلك سيما الإسلام وسمته وخشوعه، وعنى بذلك أنه يرى من ذلك عليهم في الدنيا» 98.

«وعن ابن عباس في قوله: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ} قال: السمت الحسن» 99.

«وقال الحسن: هو السمت الحسن» 100.

وقال العز بن عبد السلام: « {سِيمَاهُمْ} : ثرى الأرض وندى الطهور، أو السمت الحسن» 101.

فهذا السمت الحسن قد من الله عز وجل به على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وعلى الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وجعله ظاهرًا جليًا في وجوههم، كان سببه المباشر لسان حالهم المخبت الداعي إلى الله عز وجل بكثرة السجود.

لقد خلق الله الثقلين للعبادة، فالغاية من الخلق عبادة الله وحده ومرضاته.

قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } [الذاريات:56] .

وكل الأعمال الصالحة يبتغى بها وجه الله، وهناك من الأعمال الصالحة ما تكرر كثيرًا، ومنها:

1.الصبر.

إن المسلم في تعامله ترفرف على محياه سمة الصبر والحلم وعدم الغضب وكظم الغيظ إذا وقع منه زلةٌ ولا يرى في الصفح عن أخيه ذلًا يحيق به، بل يرى فيه إحسانًا يقربه إلى الله زلفى كما قال الله جل جلاله: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ? وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران:134] .

يقول ابن أبي حاتم: «يغضبون في الأمر لو وقعوا فيه فيغفرون ويعفون، يلتمسون بذلك وجه الله» 102.

ويقول الخازن: «وهذا الوصف من أقسام الصبر والحلم» 103.

2.إيتاء حق ذي القربى والمساكين وابن السبيل.

قال تعالى: (فَآتِ ذَا الْقُرْبَى? حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ? ذَ?لِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الروم:38] .

يقول الشعراوي: حينما نتأمل النسق القرآني هنا نجد أن الله تعالى ذكر أولًا البسط في الرزق، ثم التقتير فيه، ثم أكد بعده مباشرة على حق ذي القربى والمسكين وابن السبيل، وكأنه يلفت أنظارنا أن هذه الحقوق لا تقتصر على من بسط له الرزق، إنما هي على الجميع حتى من كان في خصاصه، وضيق عليه رزقه، فلا ينسى هؤلاء.

لذلك يذيل الحق سبحانه الآية بقوله: (? ذَ?لِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، والجميع: من بسط له، ومن قتر عليه يريدون وجه الله 104.

3.إيتاء الزكاة.

قال تعالى: (وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) [الروم:39] .

وقال أيضًا: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ?265?) [البقرة:265] .

وقال: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ? وَمَنْ يَفْعَلْ ذَ?لِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ?114?) [النساء:114] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت