«فهؤلاء الكفار الجبابرة ما أنكروا عليهم ذنبًا إلا إيمانهم، ولا عابوا على المؤمنين إلا أنهم صدقوا بالله» 41، وهذا الفعل منهم «- أي: حضورهم الإحراق- دليل على أنهم قوم غلاظ الأكباد، قساة القلوب، تمكن الكفر والباطل منهم، وتجردوا عن الإنسانية، وفقدوا الرحمة» 42، وقد جاءت الآيات تبين ذلك في مواضع أخرى، وقرنتها بالأذى الواقع على المؤمنين، ففي معرض الحديث عن سحرة فرعون، وردهم على تهديداته بالصلب والتنكيل، يقول سبحانه على لسانهم: {وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126) } [الأعراف:126] .
فما أنكر منهم فرعون، وما وجد عليهم، إلا من أجل أن آمنوا 43، فبينوا بقولهم السابق أن عقاب فرعون لا غضاضة عليهم منه، لأنه لم يكن عن جنايةٍ تصمهم؛ بل كان على الإيمان بآياتٍ؛ لما ظهرت لهم 44.
وهذا يؤكد بجلاء سبب الأذى الواقع على المؤمنين، وهو إيمانهم بالله عز وجل.
وكذلك عند بيان سبب عداء أهل الكتاب للمؤمنين وضحت الآيات ذلك في قوله تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59) } [المائدة:59] .
فهذا هو سبب النقمة، وحقيقة العداء بينهم وبين المسلم، الذي يتولد عنه الأذى بكافة أشكاله فهم «يعادونه لعقيدته ودينه، قبل أي شيء آخر، وهم يعادونه هذا العداء الذي لا يهدأ؛ لأنهم هم فاسقون عن دين الله، ومن ثم يكرهون كل من يستقيم على دين الله» 45.
وتمثل الأذى في هذه الحالة في الاستهزاء بشعائر الدين، ويبين ذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) } [المائدة:57 - 58] .
«والدين هو ما عليه المرء من عقائد وأعمالٍ ناشئةٍ عن العقيدة، فهو عنوان عقل المتدين، ورائد آماله، وباعث أعماله، فالذي يتخذ دين امرئٍ هزؤًا؛ فقد اتخذ ذلك المتدين هزؤًا، ورمقه بعين الاحتقار؛ إذ عد أعظم شيءٍ عنده سخريةً، فما دون ذلك أولى» 46.
وهذا الاستهزاء في حقيقته محاولة لتشويه الإسلام، كخطوة أولى في الصد عنه.
قال تعالى: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) } [يس:18] .
يتصور العصاة دومًا أن بإمكانهم مواجهة منطق الحق؛ الذي ينادي به المصلحون؛ فيعمدون في البداية إلى مقارعة الحجة بالحجة، إما اعتقادًا بصواب منطقهم؛ نتيجة الغفلة التي عاشوا فيها تحت موروثات الآباء والأجداد؛ كما وصفهم سبحانه: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) } [يس:6] .
أو اغترارًا بأنفسهم، كما حدث مع أصحاب القرية الذين ضربهم الله مثلًا في سورة يس، بل قد يصل الأمر بهم إلى تهيئة الأجواء لتلك المناظرة الفكرية، كشأن فرعون عندما دعا الناس وحشرهم في يوم الزينة ليروا فشل موسى عليه السلام حسب ظنه.
فأما أصحاب القرية فقد حاججوا الرسل؛ اعتقادًا منهم بأن الله لا يبعث رسلًا من البشر، وتصوروا بهذا الفهم المغلوط أن حجتهم قوية، ونقلت الآيات هذا في قوله تعالى: {قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) } [يس:15] .
فحاججوا الرسل قائلين: «ما أنتم أيها القوم إلا أناس مثلنا، ولو كنتم رسلًا كما تقولون، لكنتم ملائكة» 47، «وهذه شبهة كثيرٍ من الأمم المكذبة» 48، فرد عليهم الرسل ببيان أن الله سبحانه يعلم حقيقتهم، وأكدوا من جديد أنهم لمرسلون، وبينوا بكل تواضع، ومنطق سليم، أن مهمتهم تقتصر على البلاغ، والبلاغ المبين، كما أخبر القرآن عنهم في قوله تعالى: {قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) } [يس:16 - 17] .
«فراجعتهم الرسل بأن ردوا العلم إلى الله وقنعوا بعلمه، وأعلموهم أنهم إنما عليهم البلاغ فقط، وما عليهم من هداهم وضلالهم» 49، دون أن يسألوهم أجرًا، أو مقابلًا ماليًا، أو شيئًا من الزعامة أو السلطان أو الجاه، كما حاجج عنهم الرجل الصالح؛ الذي جاء من أقصى المدينة، تاركًا مصالحه؛ لينافح عن الدعاة، «فوصفهم بما يرغبهم في اتباعهم من التنزه عن الغرض الدنيوي» 50.
وذكرت الآيات ذلك في قوله تعالى: {اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) } [يس:21] .
وهنا عندما أدرك أصحاب القرية أنهم عاجزون عن مواجهة منطق الحق، لجأوا -وبدون مواربة- إلى منطق القوة، فكان التهديد الواضح، والتصريح بالرجم، والعذاب الأليم؛ إن لم يتوقف الرسل عن ممارسة مهمتهم، كما أخبر سبحانه عنهم: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) } [يس:18] .
«أي: لئن لم تتركوا هذه الدعوى، وتعرضوا عن هذه المقالة؛ لنرجمنكم بالحجارة، وليمسنكم منا عذابٌ شديدٌ فظيعٌ» 51.
وهكذا «لما ضاقت بهؤلاء المكذبين الحيل، وأعيتهم الحجج؛ لجئوا إلى التهديد والوعيد» 52، فهذا هو أسلوب المخالفين العاجزين دومًا، إذا شعروا بعجزهم عن مواجهة منطق الحق الصارخ، تحولوا دون وازع من ضمير، أو خلق، أودين، أو حتى مبادئ - تعارفوا عليها بينهم- إلى القمع والقتل والتنكيل.
وهذا المشهد يتكرر مع فرعون؛ الذي صور له صلفه، وغروره، أنه قادر على دحض منطق موسى عليه السلام فحشد الناس وجمعهم، «لميقات يوم معلوم وهو يوم الزينة، وجلس فرعون على سرير مملكته، واصطف له أكابر دولته، ووقفت الرعايا يمنة ويسرة وأقبل موسى، عليه السلام، يتوكأ على عصاه، ومعه أخوه هارون، ووقف السحرة بين يدي فرعون صفوفًا، وهو يحرضهم ويحثهم، ويرغبهم في إجادة عملهم في ذلك اليوم، ويتمنون عليه، وهو يعدهم ويمنيهم» 53.
في مشهد سجله القرآن في قوله تعالى: {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (58) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60) } [طه:58 - 60] .
ثم كانت المواجهة الحاسمة التي اجتثت ما يأفكون، كما أخبر سبحانه: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) } [الأعراف:117 - 118] .
«فلما عجز فرعون عن دفع الحجة بالبرهان؛ عدل إلى البطش والفتك بالسنان، وهكذا حال كل ضال مبتدع؛ إذا أعيته الحجة مال إلى التهديد والوعيد» 54، فكشر عن أنيابه، وتوعد السحرة بالصلب والتنكيل، وحرضته حاشيته على قتل المسلمين بقولهم: «أتترك موسى وجماعته ليفسدوا في الأرض؛ بالخروج عن دينك، وترك عبادة آلهتك!! وفي هذا إغراءٌ لفرعون بموسى وقومه، وتحريضٌ له على قتلهم، وتعذيبهم» 55، فوعدهم بأن يطالهم البطش، وبيَن القرآن هذا التعنت والطغيان في قوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) } [الأعراف:127] .
إن هذه المشاهد وغيرها تبين أن العجز عن مواجهة حجة الأنبياء والمصلحين كان سببًا من أسباب الأذى الذي وقع، ولا زال يقع على الدعاة والمصلحين في كل زمان ومكان.
قال تعالى: {اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ} [غافر:25] .
إن من الأسباب التي تدفع الطغاة إلى إيقاع الأذى بالناس؛ تأييدهم لأهل الحق، حيث كان الأذى عقابًا لهم على مواقفهم النبيلة، ومحاولة لدفعهم للتخلي عن هذه المواقف، وكذلك للحيلولة دون أن يلحق بهم آخرون.
وهذه المعاني واضحة في النموذجين السابقين، نموذج أصحاب القرية ونموذج فرعون، ففي نموذج فرعون كان التنسيق بينه وبين حاشيته على تعذيب من آمن مع موسى عليه السلام بتقتيل الأبناء واستحياء النساء، عقابًا لهم على مواقفهم، كما أخبر سبحانه: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25) } [غافر:25] .
فقالوا غيظًا وحنقًا وعجزًا عن المعارضة: أعيدوا عليهم ماكنتم تفعلونه بهم أولًا؛ كي تصدوهم عن مظاهرة موسى عليه السلام 56.
إذن هي المظاهرة لموسى عليه السلام وتأييده، التي أججت حقد فرعون وحاشيته، ودفعتهم إلى هذا الكيد، والتآمر، المحكوم بالضلال والفشل.
وكذلك في ذات النموذج، ومع السحرة كان العقاب بسبب تأييدهم لموسى -عليه السلام- كما قال سبحانه على لسان فرعون وهو يتوعد السحرة: {لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) } [الأعراف:124] . «فرجع فرعون في مقالته هذه إلى الخذلان، والغشم 57، وعادة ملوك السوء إذا غولبوا» 58، فيلجأون إلى «التعذيب والتشويه والتنكيل، وسيلة الطواغيت في مواجهة الحق، الذي لا يملكون دفعه بالحجة والبرهان، وعدة الباطل في وجه الحق الصريح» 59.
وأما في نموذج أصحاب القرية؛ كان الصدح بالحق من الرجل المؤمن؛ متمثلًا في الدفاع عن الرسل، وبيان صواب موقفهم، حتى ارتفع بمستوى التأييد إلى تبني رأيهم، ومواصلة مهمتهم، كما أخبر سبحانه عنه؛ وهو يكمل رسالتهم: {اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) } [يس:21 - 25] .
فناله منهم ما ناله؛ عقابًا له على موقفه الداعم للحق، فكان الأذى في واحدة من أشنع صور التنكيل، كما ذكر الطبري في تفسيره أنهم «وثبوا عليه، فوطئوه بأقدامهم حتى مات» 60.
وفي مثال ثالث: يتضح كيف يتفنن الحاقدون على الإسلام في إلحاق الأذى بكل من يساند الحق ويتبناه، فيقدمون - في أسلوب خسيس- على محاصرة الصالحين؛ بمحاربتهم في أرزاقهم، عقابًا لهم على تبنيهم للحق، فكان حصار قريش الجائر لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم في شعب أبي طالب، وامتد الحصار ليشمل كل من يتوقع منه مساندة المسلمين من الكفار أنفسهم، واستمر هذا الأسلوب الخسيس يستخدم على مدى الأيام؛ في محاولة لتجويع المسلمين؛ ليسهل من ثم تركيعهم، فكان تواصي المنافقين بعدم الإنفاق، فكانوا يقولون لأهل المدينة: لا تنفقوا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من فقراء المسلمين، ومن كانوا في رعايته من أهل الصفة، ومن كانوا يلحقون بالمدينة من الأعراب 61.
كما أخبر سبحانه وتعالى عنهم في قوله: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) } [المنافقون:7] .
فكانت هذه المحاولات عقابًا للمسلمين على مواقفهم وتأييدهم للحق.
إن هذه الأمثلة -وكثير غيرها- لتبين بجلاء، أن من أسباب الأذى الواقع على المسلمين؛ مساندتهم وتأييدهم لأهل الحق من الدعاة والمصلحين، فالداعية أوذي بسبب دعوته، وأتباعه أوذوا بسبب اتباعهم للحق الذي يدعو إليه.
-عز وجل - قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} [الصف:5] .
وينصب هذا الأذى على الدعوة والداعية على حد سواء، فتارة يشوهون صورة الداعية، وأخرى يشوهون حقيقة الدعوة؛ فأما الداعية فإن النيل من عرضه وشرفه وسمعته، شكل من أشكال الأذى؛ يهدف إلى تعطيله عن ممارسة رسالته الشريفة، وبث الإشاعات للطعن في نزاهته، وبالتالي لا يلتفت لكلامه أحد، ولا يثق في دعوته مدعو.
ومن الأمثلة الواضحة على هذا اللون من الأذى؛ ما وقع في حق موسى عليه السلام من قومه بني إسرائيل بهدف تشويه شخصيته، للحيلولة بينه وبين دعوة الناس، وقد ذكر سبحانه ذلك الأذى تارة في موضع تحذير المؤمنين من الوقوع في مثل ذلك السلوك الشيطاني من الإساءة لنبيهم، كما أساء اليهود من قبلهم؛ فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) } [الأحزاب:69] .
وتارة أخرى على لسان موسى عليه السلام وهو يعاتب قومه على هذا الاتهام الباطل، رغم معرفتهم بحقيقته وصدق رسالته، فقال سبحانه: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} [الصف:5] .
أما محاولات تشويه الدعوة؛ فمن الأمثلة عليها ما فعله اليهود «ليلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم، وهو أنهم اشتوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار ويصلوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس: إنما ردهم إلى دينهم اطلاعهم على نقيصة وعيب في دين المسلمين» 62.
فيكون ذلك دافعًا للآخرين ليحجموا عن الدخول في الإسلام وقد فضح القرآن أسلوبهم الرخيص هذا في مواجهة منطق الحق فقال سبحانه: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) } [آل عمران:72] .
إن تعرض أصحاب الدعوات الصالحة للأذى؛ هو سنة إلهية على مر الأزمان والعصور، والله سبحانه لم يترك أولياءه يواجهون كل هذا الكيد، والمكر، ويتعرضون لأشكال شتى من الأذى؛ دون أن يمنحهم عدة المواجهة، فدلهم سبحانه على طرق، وأساليب مقاومة هذا الأذى، ويتضح ذلك من خلال الآيات التي تحدثت عن الأذى في سبيل الله؛ حيث نستقرئ منها بعض الأساليب، وبيان ذلك فيما يلي:
إن اعتبار التقوى من أساليب مواجهة الأذى أمر بدهي؛ فما دمت تصدح بالحق، وتتلقى هذا الأذى بسبب ما تنادي به، وتدعو إليه من مبادئ فاضلة؛ فمن باب أولى أن تتبناه منهجًا في حياتك، وأن تحرص عليه قبل الآخرين الذين تدعوهم إليه، استجابة لقوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) } [الصف:2 - 3] .
وهذا يعني وأنت الداعي إلى الحق أن تكون أكثر من الآخرين قربًا إلى الله وخشية منه وتقوى له سبحانه، فالتقوى هي التي تمنحك القدرة على تحمل الأذى في سبيل فكرتك ولهذا «ندب الله تعالى عباده إلى الصبر والتقوى، وأخبر أنه من عزم الأمور، أي: من أشدها وأحسنها» 63.
فقال سبحانه: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) } [آل عمران:186] .
ويمكن فهم دور التقوى في مجال مواجهة الأذى في سبيل الله من خلال ما يلي:
1.صاحب التقوى يلازمه شعور بأنه يتلقى الأذى بسبب قضيته العادلة، وبقدر ما يكتنفه من خشية لله وخوف من عقابه ورجاء لمغفرته بقدر ما يزداد صلابة وقدرة على التحمل، فهي «دليل على قوة الإرادة، ومضاء العزيمة، وعلو الهمة» 64.
2.صاحب التقوى يدرك أن أي ضعف أو رضوخ تحت وطأة الجلاد سيكون على حساب قضيته العادلة، وقد يؤدي إلى سيطرة الظلم وضياع الحقوق ولن يبقى للمتقين مكان لممارسة منهج الله وشعائره التي تعكس مدى تقواهم لله، فهي إذن دعوة إلى «أن تتخذوا الوقاية بطلب رضا الله تعالى، ورجاء ما عنده، وأن تستعدوا، وتدفعوا الاعتداء بالحق، وتعملوا على الخروج من المحنة، فليس شأن المؤمن استسلامًا للمصائب تنزل به، بل شأنه صبر من غير جزع، وعمل من غير طمع، وجد وجهاد ودفع للشر» 65.
3.التقوى تحول بين صاحبها وبين تجاوز الحد في الرد على المعتدي المؤذي فتحميه من الهبوط إلى مستواه، فالأصل أن «تتقوا الله في ذلك الصبر بأن تنووا به وجه الله والتقرب إليه، ولم تتعدوا في صبركم الحد الشرعي من الصبر في موضع لا يحل لكم فيه الاحتمال، بل وظيفتكم فيه الانتقام من أعداء الله» 66.
4.يمارس الطغاة الأذى على الصالحين ليدفعوهم للتخلي عن إيمانهم خوفًا من الأذى، فإذا تحلى الداعية بالتقوى فهو لا يخشى إلا الله، ومن يخشى الله لا يهاب أحدًا سواه، فكيف سيوثر فيه الأذى؟ ومن هنا كانت التقوى خير معين على مواجهة الأذى، فقد بين سبحانه أن التقوى والصبر من الأمور التي أمر بها؛ لأنها تؤدي إلى النجاح، فالصبر والتقوى بهما النجاح في الأمور 67.
وهناك من يتحمل الأذى؛ دون أن يعود ذلك إلى تقواه، بل حرصًا على مصالحه، كما تحدثت الآيات عن الذين ينفقون أموالهم في الصد عن سبيل الله، فيكابدون معاناة فقد الأموال، ويتحملون ذلك لا عن تقوى؛ وإنما عن حقد، وغيظ دفين، فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) } [الأنفال:36] .
وهذا يجعل التقوى فارقة؛ بين دائرة الذين يؤذون في سبيل الله، وغيرهم من أصحاب الأهداف الهابطة، ويمنحنا فهمًا أوسع للحكمة من ذكر صفة التقوى ضمن وسائل مواجهة الأذى في سبيل الله.
أكد القرآن في أكثر من موضع أن الابتلاء أمر حتمي ومن ذلك قوله سبحانه: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31) } [محمد:31] .
ولتجاوز الإبتلاء والنجاح في الاختبار لابد أن يتسلح المسلم بالصبر، فمن المؤكد أن أي معاناة يتعرض لها الإنسان تتطلب منه قدرًا من الصبر؛ حتى يتمكن من تجاوزها، وهذا يجعل الصبر واحدًا من أساليب مواجهة الأذى، وقد صرحت به الآيات في أكثر من موضع؛ مرتبطًا بالأذى كما سبق في قوله تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) } [آل عمران:186] .
ومن المواضع الأخرى الآيات الآتية:
قال تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) } [الأنعام:34] .